Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢٠ * مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ بين الحديثين، فإنَّ في رواية أبي قتادة عند أحمد وَابْن ماجه وعبد الرزاق وغَيْرهم: أنه رَ له لم يأكل من صيدِهِ حين أخبره أبو قتادة أنه اصطاده له، وعلى هَذَا فحديث أبي قتادةَ موافق لحديثِ جابرٍ لا معارض. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) إلخ. وأخرجَهُ أيضًا أحمد (ج٣: ص ٣٦٢، ٣٨٧، ٣٨٩) وَابْن خزيمة وَابْن حِبَّن والْحَاكِم (ج١: ص ٤٥٢) والدار قطني (ص ٢٨٥) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٩٠) وعبد الرزاق (ج٤: ص ٤٣٥) والشافعي في ((الأمِّ)) (ج٢: ص ١٧٦) وَابْن الجارود في ((المنتقى)) (ص١٥٤) والطحاوي (ج١: ص ٣٨٨) من حديث عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب عن مولاه المطلب عن جابر، وهو إسناد صالح حسن أو صحيح، وقد تقدَّم الكلامُ والبحثُ في هَذَا، فتذگَّر. ٢٧٢٦ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((الْجَرَادُ مِنْ صَيْدٍ الْبَحْرِ)). [رَوَاهُ أَبُو دَاوَدَ وَالْثِّرْمِذِيُّ] الشّرُْ ٢٧٢٦ - قوله: (الْجَرَادُ) بفتح الجيم وتخفيف الراء حيوان معروف، والواحدة جرادة، والذكر والأنثى سواء كالحمامة، ويقال: إنه مشتق من الجرد؛ لأنَّهُ لا ينزل على شيء إلا جرده. قال الدميري: هو مشتق من الجرد والاشتقاق في أسماء الأجناس قليل جدًّا. يقال: ثوب جرد أي: أملس، وهو نوعان: بري، وبحري، وهو أصناف مختلفة فبعضه كبير الجثة، وبعضه صغيرها، وبعضه أحمر، وبعضه أصفر، وبعضه أبيض، وإذا خرجَ من بيضهِ يقال له: الدَّبيُّ، فإذا طالت أجنحته وكبرت، فهو الغوغاء الواحدة غوغاة، وذلك حين يموج بعضه في بعضٍ. فإذا بدت فيه الألوان واصفرت الذكور واسودت الإناث؛ سمي جرادًا حينئذٍ، ولها ست أرجل: يدان في صدرها، وقائمتان في وسطها، ورجلان في مؤخرها، وطرفا رجليها منشاران، وهو من الحيوانِ الَّذِي ينقاد لرئيسه، فيجتمع كالعسكر إذا ظعن (٢٧٢٦) أَبُو دَاوُد (١٨٥٣)، وَالتِّرْ مِذِي (٨٥٠) فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ. كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد ger M Bacxx ٥٢١ أوله تتابع جميعه ظاعنًا، وإذا نزل أوله؛ نزل جميعه. قال: وفي الجراد خلقة عشرة من جبابرةٍ الحيوان مع ضعفهِ: وجه فرس، وعينا فيل، وعنق ثور، وقرنا أيل، وصدر أسد، وبطن عقرب، وجناحا نسر، وفخذا جمل، ورجلا نعامة، وذنب حية انتھی . وقال الحافظ في ((الفتح)): وخلقة الجراد عَجِيبة فيها عشرة من الحيوانات، ذكر بعضها ابن الشهرزوري في قوله : وَقَادِمَتَا نَسْرٍ وَجُؤْجُوُ ضَيْغَمٍ لَهَا فَخِذَا بَكْرٍ وَسَاقًا نَعَامَةٍ عَلَيْهَا جِيَادُ الْخَلِ بِالرَّأْسِ وَالْفَمِ حَبْهَا أَفَاعِي الرَّمَلِ بَطْنَا وَأَنْعَمَتْ قيل: وفاته عين الفيل وعنق الثور وقرن الأيل وذنب الحيَّة، وهو صنفان: طيار ووثاب، ويبيض في الصخر ويتركه حتى بيبس وينتشر، فلا يمرُّ بزرع إلا اجتاحه. (مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ) قيل: إن الجراد يتولد من الحيتان كالديدان فيدسرها البحر ويطرحها إلى الساحل. وقيل: فيه بيان لأول خلقه، فروى الباجي عن كعب قال: خرجَ أوله من منخر حوت، فأفاد أن أول خلقه من ذلك. قال الزرقاني: وفيه دليل على أن الجراد من صيد البحر، وأنه في حكمه، فلا جزاء في قتلِهِ، ويؤيدُهُ حَدِيث جَابِرٍ وأنس عند ابن ماجه مَرْفُوعًا: ((إِنَّ الْجَرَادَ نَثْرَةُ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ)) لكن الحديثين ضعيفان كما ستعرف، واختلفَ العلماءُ في ذلك. فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد في رواية: إنه من صيد البر وفيه الجزاء، قال النووي في ((شرح المهذب)): يجبُ الجزاء على المحرم بإتلاف الجراد عندنا، وبه قال عمر وعثمان وَابْن عباس وعطاء. قال العبدري: وهو قول أهل العلم كافة إلا أبا سعيد الإصطخري قال: لا جزاء فيه، وحكاه ابن المنذر عن كعب الأحبار وعروة بن الزبير قالوا: هو من صيدِ البحرِ فلا جزاء فيه، واحتج لهم بحديث أبي المهزم عن أبي هريرة، يعني: حديث الباب، ثم قال: واتفقوا على تضعيفه لضعف أبي المهزم. انتهى. وقال ابن قدامة: اختلفت الرواية - أي: عن الإمام أحمد في الجراد -، فعنه : هو من صيد البحر لا جزاء فيه وهو مذهب أبي سعيد. قال ابنُ المنذر: قال ابنُ عباس وكعب: وهو من صيد البحر. وقال عروة: هو نثرة حوت، ثم ذكر حديث ٥٢٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ أبي هريرة ثم قال: وروي عن أحمد أنه من صيد البر وفيه الجزاء، وهو قول الأكثرين لما رواه الشافعي في ((مسنده)) عن عمر أنه قال لكعبٍ في جرادتين: ما جعلتَ في نفسِكَ؟ قال: دِرْهَمَان. قال: بخ! درهمان خير من مائةٍ جرادة، ولأنَّه طير يشاهد طيرانه في البرِّ ويهلكه الماء إذا وقع فيه، فأشبه العصافير، فعلى هَذَا يضمنه بقيمته؛ لأنَّهُ لا مثل له، وهو قول الشافعي، وعن أحمد: يتصدَّق بتمرةٍ عن الجرادةٍ، وهو يروى عن عمر وعبد الله بن عمر، وقال ابن عباس: قبضة من طعام. قال القاضي: هَذَا محمول على أنه أوجب ذلك على طريق القيمة، والظاهر: أنهم لم يريدوا بذلك التقدير وإنما أرادوا أن فيه أقل شيء. انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح)) بعد ذكر حديث أبي هريرة: وسندُهُ ضعيفٌ، فلو صحَّ لكان فيه حجة لمن قال: لا جزاءَ فيه إذا قتله المحرم، وجمهور العُلَمَاء على خلافه. قال ابنُ المنذرٍ: لم يقل: لا جزاء فيه غير أبي سعيد الخدري وعروة بن الزبير، واختلفَ عن كعب الأحبار، وإذا ثبت فيه الجزاء؛ دلَّ على أنه بري. انتهى. والقول الراجح المعول عليه أن: الجراد من صيد البر، فيجب الجزاء على المحرم في قتله، وهو قول عامة العُلَمَاء من الصَّحَابَة والتابعين وغَيْرهم إلا أبا سعيد الخدري وعروة بن الزبير، واختلفت الرواية في ذلك عن كعب، وأما حديث أبي هريرة وأنس فضعيف بالاتفاق لا يصلح للاحتجاج كما سيأتي، وأيضًا تدفعه المشاهدة والحس لاستقراره في البر وإرزازه في الأرض وتقوته بما تخرجه الأرض من نباتها وثمراتها. قال النووي: ودعوى أنها بحري لا تقبل بغير دليل، وقد دلَّت الأحاديث الصحيحة والإجماع على أنه مأكول فيجبُ جزاؤه كغيره، والله أعلم. انتهى. والظاهر: أنه إنما عدَّه من صيد البحر؛ لأنَّهُ يشبه صيد البحر من حيثُ أنه يحل ميتته ولا يفتقر إلى التذكية، يعني: أنه جعله من صيد البحر؛ لمشار كته صيد البحر في حكم الأكل منه من غير تذكية على ما ورد به الحديث: ((أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانٍ ... )) إلخ. وقيل: إن الجراد على نوعين: بحري، وبري، فيعمل في كلٍّ منهما بحكمه، ثم إنَّهم اختلفوا في أصلِهِ على أقوالٍ، فقيل: أنه نثرة حوت كما تقدَّم، وقيل: متولد من روثِ السمك؛ حكاه العَيْنِي، وقيل: إنه يتولَّد من الحيتان، فيطرحها البحر إلى الساحل. وقيل: أول خلقه من نثرة الحوت كما سبق. وقال الباجي: روي عن سعيد بن المسيب أن الله تعالى خلق الجراد مما بقي ٥٢٣ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد من طينة آدم، ورواه عبد الرزاق (ج٤: ص ٥٣١) عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب قال: لم يخلق الله بعد آدم شيئًا إلا الجراد بقي من طينته شيء، فخلق منها الجراد، وهذا أيضًا لا يعرف إلا بخبر نبي، ولا نعلم في ذلك خبرًا يثبت، فلا يصحُّ التعلُّق بشيء من ذلك. انتهى. وقال الحافظ: اختلف في أصله فقيل: إنه نثرة حوت؛ فلذلك كان أكله بغير ذكاةٍ، وهذا ورد في حديث ضعيف أخرجه ابن ماجه عن أنس رفعه: ((إِنَّ الْجَرَادَ نَثْرَةُ حُوتٍ مِنَ البْحَرِ)). ومن حديث أبي هريرة: خرجنا مع رسول اللّه وَّل في حجّ أو عمرة، فاستقبلنا رجل من جرادٍ، فجعلنا نضرب بنعالنا وأسواطنا فقال: ((كُلُوهُ فَإِنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ)) أخرجه أَبُو دَاوُد والترمذي وابن ماجه وسنده ضعيف، إلى آخر ما نقلنا من كلامه قبل ذلك. هذا؛ والحديثُ يدلَّ أيضًا على جوازٍ أكلِ الجراد مطلقًا، وقد حَكَى غير واحد من أهلِ العلمِ الإجماع على إباحة أكله، لكن فضَّل ابنُ العربي في ((شرح الترمذي)) بين جراد الحجاز وجراد الأندلس، فقال في جراد الأندلس: لا يؤكل لأنه محض، وهذا إن ثبت أنه يضر أكله بأن يكون فيه سمية تخصه دون غيره من جراد البلاد؛ تعين استثناؤه، كَذَا فِي ((الفَتْح)). قال الدميري: أجمع المسلمون على إباحة أكله، وقد قال عبد الله بن أبي أوفى: غزونا مع رسولِ اللهِ وَ﴿ سبع غزوات نأكل الجراد. رواه أبُو دَاوُد والبخاري، وزاد أبو نعيم: ويأكله رسولُ اللهِ يَّةِ معنا. وروى ابن ماجه عن أنسٍ: كن أزواجُ النبيِّ نَّهيتهادين الجرادَ في الأطباقِ. وفي ((الموطأ)): أنَّ عُمر رَو ◌َهُ سُئل عن الجرادِ فقال: إن عندى قفة آكل منها. انتهى. وقال النووي: أجمع المسلمون على إباحة أكل الجراد، ثم قال الشافعي وأبو حنفية والجماهير: يحلّ سواء مات بذكاة أو باصطياد مسلمٍ أو مجوسيٍّ، أو مات حتف أنفه. وقال مالك في المشهور عنه وأحمد في روايةً: يحل إذا مات بسبب بأن يقطع بعضه أو يلقى في النار حيًّ فإن مات حتف أنفه لا يحل. وقال الحافظُ: قد أجمع العُلَمَاء على جواز أكله بغير تذكية إلا أن المشهور عند المالكية اشتراط تذكيته، واختلفوا في صفتها فقيل: بقطع رأسه، وقيل: إن وقع في قدر أو نار حل، وقال ابن وهب: أخذه ذكاته، ووافق مطرف منهم الجمهور في أنه لا ٥٢٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ يفتقر إلى ذكاته؛ لحديث ابن عمر: ((أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ: السَّمَكُ والجَرَادُ، وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ)) أخرجَهُ أحمدُ والدار قطني مَرْفُوعًا، وقال: إن الموقوف أصحُ، ورجّحَ البيهقي أيضًا الموقوف، إلا أنه قال: إن له حكم الرفع. انتهى. وقالَ ابنُ قُدَامَة (ج٨: ص ٥٧٢): يباح أكل الجراد بإجماع أهل العلم وقد قال عبد الله بن أبي أوفى: غزونا مع رسول اللَّهُ وَ لِّ سبع غزوات نأكلُ الجرادَ. رواه البخاري، ولا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب في قول عامة أهل العلمِ، منهم: الشافعي وأصحاب الحديث وأصحاب الرأي وابن المنذر، وعن أحمد أنه إذا قتله البرد لم يؤكل، وعنه لا يؤكل إذا مات بغير سببٍ، وهو قول مالك، ويروى أيضًا عن سعيد بن المسيب، ولنا عموم قوله تعالَّا: ((أَحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانٍ))، فالميتتان: السمك والجراد، ولم يفصل، ولأنَّه تباح ميتته، فلم يعتبر له سبب کالسمك. انتھی. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ) أخرجَهُ أَبُو دَاوُد أولًا من طريق ميمون بن جابان عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النَّبِي وَّهِ قال: ((الْجَرَادُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ)). ثم روى هو والترمذي من طريق أبي المهزم عن أبي هريرة قال: أصبنا صرمًا من جرادٍ، فكان رجل يضرب بسوطه وهو محرم فقيل له: إن هَذَا لا يصلح، فذكر ذلك للنبي وَّ فقال: (إِنَّمَا هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ)). ولفظ الترمذي: قالَ: خرجنا مع رسول اللّه ◌َل في حَجِّ أو عمرةٍ، فاستقبلنا رجل من جرادٍ، فجعلنا نضربه بأسياطنا وعصينا، فقال النبيُّ ◌َّه: ((كُلُوهُ فَإِنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ))، وبنحو ذلك رواه أحمد (ج٢: ص ٣٠٦) وَابْن ماجه والْبَيْهَقِي (ج٥ : ص ٢٠٧) قال المنذري: ميمون بن جابان لا يحتج به، وأبو المهزم - بضم الميم وفتح الهاء وكسر الزاي وتشديدها، بعدها ميم، اسمه يزيد بن سفيان، بصري، متروك، وقال أبو داود: أبو المهزم ضعيف، والحديثان جميعًا وهم. انتهى. وأما حَدِيث جَابِر وأنس عند ابن ماجه، فهو أيضًا ضعيف جدًّا، في إسناده موسى بن محمد متروك، منكر الحديث، ومن أفراد ابنٍ ماجَهْ. كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد. ٥٢٥ ٢٧٢٧ - [٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ وَ لَ قَالَ: ((يَقْتُلُ [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ] الْمُحْرِمُ السَّبُعَ الْعَادِيَ)). الشّرْخُ ٢٧٢٧ - قوله: (يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ السَّبُعَ الْعَادِيَ) بتخفيف الياء وفتحها، أي: الظالم الَّذِي يفترس الناس ويعقر، فكل ما كان هَذَا الفعل نعتًا له من أسد ونمر وفهد وذئب ونحوها فحكمه هَذَا الحكم، وليس على قاتلها فدية، والحديث كذا ذكره المصنف مختصرًا وهو عند الترمذي بلفظ: ((يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ السَّبُعَ الْعَادِيَ وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ وَالْفَأْرَةَ وَالْعَقْرَبَ وَالْحِدَأَةَ وَالْغُرَابَ)) وبنحو ذلك رواه أحمد وأبو دَاوُد وَابْن ماجه وغَيْرهم. قال الترمذي: والعمل على هَذَا عند أهل العلمِ، قالوا: المحرم يقتل السبع العادي والكلب، وهو قول سفيان الثوري والشافعي، وقال الشافعي: كلُّ سَبُع عدا على الناس أو على دوابهم فللمحرم قتله، انتهى. قلت: وهو قول مالك وأحمد والجمهور كما تقدم. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: هَذَا حَدِيث حَسَن. (وَأَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه. (وَابْنُ مَاجَهُ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد والطحاوي والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٢١٠) وفي إسناده عندهم جميعًا يزيد بن أبي زياد مختلف فيه، وروى له مسلم مقرونًا بغيره. وقال الْمُنْذِرِي بعد نقل تحسين الترمذي: وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وقد تقدم الكلام عليه، وقد أطال الشنقيطي الكلام في تقوية هَذَا الحديث وترجيح مذهب الجمهور، فارجع إلى ((أضواء البيان)) (ج٢: ص ١٣٩، ١٤٠) إن شئت. (٢٧٢٧) أَبُو دَاوُد (١٨٤٨)، وَالتِّرْ مِذِي (٨٣٨)، وَابن مَاجَهْ (٢٠٨٩) فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ بِهِ، وَأَتَّمَ مِنْهُ. ٥٢٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٢٧٢٨ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ عَنِ الضَّبُعِ، أَصَيْدٌ هِيَ؟، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: أَيُؤْكَلُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ بِّهِ؟، قَالَ: نَعَمْ. [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والْنَّسَائِيُّ وَالْشَّافِعِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ] الشّرْجُ ٢٧٢٨ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ) بفتح العين وتشديد الميم، هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار المكي القرشي حليف بني جمح الملقب بالقس - بفتح القاف وتشديد السين المهملة - ثقة عابد من الطبقة الوسطى من التابعين. قال ابنُ أبي خيثمة: كان حليفًا لبني جمح، وكان ينزل مكة وكان من عبادها فسمي القس لعبادته. (سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) أي: الأنصاري الصحابي. (عَنِ الضَّبُع) قال الزرقاني: بضم الباء لغة قيس، وسكونها لغة تميم وهي أنثى، وقيل: يقعُّ على الذكر والأنثى، وربما قيل في الأنثى ضبعة بالهاء. والذكر ضبعان، والجمع ضباعين - کسرحان وسراحين - ويجمع مضموم الباء على ضباع وساكنها على أضبع، انتهى. وقال شيخنا: الضبع - بفتح الضاد المعجمة وضم الباء الموحدة - حيوان معروف يقال له بالفارسية كفتار - بفتح كاف وسكون فاء - وبالهندية: بجو، بكسرِ الموحدة وضم الجيم المشددة كما في ((نفائس اللغات)) و((مخزن الأدوية)) وغَيْرهما. وقيل: هو بالهندية هندار، كما في ((غياث اللغات))، والأول هو الظاهر؛ لأنَّ الضبع معروف بنبش القبور، والحيوان الَّذِي يقال له بالهندية: هندار لم يعرف بنبش القبور. قال في ((النيل)): ومن عجيب أمره أنه يكون سنة ذكرًا وسنة أنثى، فيلقح في حال الذكورة ويلد في حال الأنوثة، وهو مولع بنبش القبور لشهوتِهِ للحوم بني آدم. وقال الدميري: الضبع معروفة ولا تقل ضبعة؛ لأنَّ الذكر ضبعان، ومن عجيب أمرها أنها كالأرنب تكون سنة ذكرًا وسنة أنثى فتلقح في حال الذكورة وتلد في حال (٢٧٢٨) التِّرْمِذِي (٨٥١)، وَابن مَاجَهْ (٣٢٣٦) فِيهِ عَنْ عبدالرحمن بْنِ أَبِي عَمَّارٍ بِهِ. كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد ٥٢٧ الأنوثةِ، وهي مولعة بنبش القبور لكثرة شهوتها للحوم بني آدم، ومتى رأَتْ إنسانًا نائمًا حفرت تحت رأسه وأخذت بحلقه فتقتله وتشرب دمه . (أَصَيْدٌ هِيَ؟) أي: أفي قتلها جزاء؟. (فقَالَ: نَعَمْ) زادَ في رواية أبي داود وغيره كما سيأتي، ويجعل فيه كبش إذا صادَهُ المحرمُ، والحديثُ نصٌّ: في أنَّ الضبع صيد يلزم فيه الجزاء. وهذه المسألة مُتَّفَقَ عَلَيها بينَ الأئمةِ الأربعةِ، وأما إيجابُ الكبش أو الشاة في الضبع، فهو مذهب الأئمة الثلاثة الشافعي ومالك وأحمد كما صرح به أهل الفروع، ففي ((الروض المربع)): وفي الضبع كبش، وهكذا في ((مناسك النووي)) و(شرح الإقناع))، ونص الدردير على أنَّ في الضبع شاة، وأما عند الحنفية فالواجب القيمة. قال في ((الهداية)): الجزاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف أن يقومَ الصيد في المكانِ الَّذِي قُتْل فيه أو في أقرب المواضع ويُقَوِّمه ذوا عدل، ثم هو مخير في الفداء إن شاء اشترى به هديًا إن بلغته أو اشترى طعامًا وتصدق به وإنْ شاءَ صامَ، وقال محمد والشافعي: تجبُ في الصيدِ النظير فيما له نظير، ففي الظبي شاة، وفي الضبع شاة؛ لأنَّ الصَّحَابَة أوجبوا النظير من حيثُ الخلقة. وقال عليه الصلاة والسلام: ((الضَّبُعُ صَيْدٌ)) وفيهِ الشَّاة))، انتهى بقدرٍ الضرورة . وقال ابنُ قدامة (ج٣: ص ٥٠٩): إن جزاء ما كان دابة من الصيدِ نظيره من النعمِ، هَذَا قول أكثر أهل العلم منهم الشافعي، وقال أبو حنيفة: الواجبُ القيمةُ، ويجوزُ فيها المثل؛ لأن الصيد ليس بمثلي، ولنا قول اللَّه تعالى: ﴿فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة الآية ٩٦]. وجعل النبيُّ بَّر في الضبعِ كبشًا وأجمع الصَّحَابَة على إيجاب المثل، وقال عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وَابْن عباس ومعاوية: في النعامة بدنة، وحكم عمر في حمار الوحش ببقرةٍ، وحكم عمر وعلي في الظبي بشاةٍ، وإذا حكموا بذلك في الأزمنة المختلفة والبلدان المتفرقة، دل ذلك على أنه ليس على وجه القيمة، ولأنَّه لو كان على وجه القيمة لاعتبروا صفة المتلف التي تختلف بها القيمة إما برؤيةٍ أو إخبار، ولم ينقل منهم السؤال عن ذلك حال الحكم، إذا ثبتَ هَذَا فليسَ المرادُ حقيقة المماثلة، فإنها لا تتحقق بين النعم والصيدِ، لكن أريدت المماثلة من حيثُ الصورة، والمتلف من الصيد قسمان؛ أحدهما: ما قضت فيه الصحابة، فيجبُ فيه ما قضت، وبهذا قال عطاء والشافعي ٥٢٨ *BE مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ * وإسحاق، وقال مالك: يستأنف الحكم فيه. قال ابنُ قدامة: والذي بلغنا قضاء الصَّحَابَة في الضبع كبش، قضى به عمر وعلي وجابر وَابْن عباس، وفيه عن جابرٍ : أنَّ النبيَّ وَ لِّجعلَ في الضبعِ يصيدُها المحرمُ كبشًا. رواه أبُو دَاوُد وَابْن ماجه. قال أحمد: حكمَ رسولُ اللهِ وَّه في الضبع بكبشٍ، وبه قال عطاء والشافعي وأبو ثور وَابْن المنذر، وقال الأوزاعي: إن كان العُلَمَاء بالشام يعدونها من السباع، ويكرهون أكلها، وهو القياس إلا أن اتباع السنة والآثار أولى. القسم الثاني: ما لم تقض فيه الصَّحَابَة فيرجع إلى قول عدلين من أهل الخبرة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٦] فيحكمان فيه بأشبه الأشياء به من النعم من حيث الخلقةِ لا من حيث القيمة بدليل أن قضاء الصَّحَابَة لم يكن بالمثل في القيمة، انتهى مختصرًا. وقال الشنقيطي: اعلم: أن الصيد ينقسم إلى قسمين: قسم له مثل من النعم كبقرة الوحش، وقسم لا مثل له من النعم كالعصافير، وجمهور العُلَمَاء يعتبرون المثلية بالمماثلة في الصورة والخلقة، وخالف أبو حنيفة الجمهور فقال: إنَّ المماثلة معنويَّة وهي القيمة، أي: قيمة الصيد في المكان الَّذِي قتله فيه أو أقرب موضع إليه إن كان لا يباع الصيد في موضع قتله، فيشتري بتلك القيمة هديًا إن شاء أو يشتري بها طعامًا ويطعم المساكين. واحتج أبو حنيفة: بأنه لو كان الشبه من طريق الخلقة والصورة معتبرًا في النعامة بدنة، وفي الحمار بقرة، وفي الظبي شاة؛ لما أوقفه على عدلين يحكمان به؛ لأنَّ ذلك قد علم فلا يحتاج إلى الارتياء والنظر، وإنما يفتقر إلى العدلين والنظر ما تشكل الحال فيه ويختلف فيه وجه النظر. ودليل الجمهور على أنَّ المراد بالمثل من النعم المشابهة للصيد في الخلقة والصورة منها قوله تعالى: ﴿فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فالمثل يقتضي بظاهره المثل الخلقي الصوري دون المعنوي، ثم قال: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ فصرَّح ببيان جنس المثل، ثم قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ وضمير ((به)) راجع إلى ((المثل من النعم))؛ لأنَّهُ لم يتقدم ذكر لسواه حتى يرجع إليه الضمير، ثم قال: ﴿هَدِّيًا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ والذي يتصور أنْ يَكُون هديًا مثل المقتول من النعم، فأما القيمة فلا يتصور أن تكون هديًا ولا جرى لها ذكر في نفس الآية، وادعاء أنَّ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ الْحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد ٥٢٩ الْمَرَاد شراء الهدي بها بعيد من ظاهر الآية، فاتضح أنَّ الْمَرَادَ مثل من النعمِ، وقوله: لو كان الشبه الخلقي معتبرًا لما أوقفه على عدلين. أجيب عنه: بأن اعتبار العدلين إنما وجبَ بالنظرِ في حالٍ الصيد من كبر وصغر، وما لا جنس له مما له جنس، وإلحاق ما لم يقع عليه نص بما وقع عليه النص، قاله القرطبي. قال الشنقيطي: المراد بالمثلية في الآية التقريب، وإذا فنوع المماثلة قد يكون خفيًّا لا يطلع عليه إلا أهل المعرفة والفطنة التامة، ككون الشاة مثلًا للحمامة لمشابهتها في عب الماء والهدير ... قال: والمثل من النعم له ثلاث حالات: الأولى: أنْ يَكُون تقدَّم فيه حكم من الشَِّ وَّ . الثانية: أنْ يَكُون تقدم فيه حكم من عدلين من الصَّحَابَة أو التابعين مثلاً. الثالثة: أن لا يكون تقدم فيه حكم منه مَ لّ ولا منهم طعتها. فالَّذِي حكم وَلَه فيه لا يجوزُ لأحد الحكم فيه بغير ذلك كالضبع، فإنه وَّا قضى فيها بكبشٍ، ثم ذكر حَدِيث جَابِرِ الَّذِي نحنُ في شرحِهِ، ونقل تصحيحه عن البخاريِّ وعبد الحق والْبَيْهَقِي، ثم ذكر الاختلاف فيه بالوقف والإرسال، ثم قال: قضاؤه وَّ في الضبع بكبش ثابت كما رأيت تصحيح البُخَارِي وعبد الحق له، وكذلك البيهقي والشافعي وغَيْرهم، والحديث إذا ثبت صحيحًا من وجه لا يقدح فيه الإرسال ولا الوقف من طريق أخرى كما هو الصحيح عند المحدثين؛ لأن الوصل والرفع من الزيادات وزيادة العدل مقبولة كما هو معروف. وأما إن تقدم فيه حكم من عدلين من الصَّحَابَة أو ممن بعدهم فقال بعضٍ العلماء: يتبع حكمهم ولا حاجة إلى نظر عدلين وحكمهما من جديد؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ وقد حكما بأن هَذَا مثل لهذا، وقال بعض العلماء: لابد من حكم عدلين من جديد، وممن قال به مالك. قال القرطبي: ولو اجتزأ بحكم الصَّحَابَة لكان حسنًا، وروي عن مالك أيضًا أنه يستأنف الحكم في كلِّ صيدٍ ما عدا حمام مكة وحمار الوحش والظبي والنعامة فيكتفي فيها بحكم من مضى من السلف، ثم ذكر الآثار في ذلك عن عمر وعبد الرحمن بن عوف وسعد وَابْن عباس وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ومعاوية وَابْن مسعود وغَيْرِهم. وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج٥: ص ٣١٤): وفي الحَدِيث دليل على أن المثل ٥٣٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ المجعول في الصيد إنما هو من طريق الخلقة دون القيمة ولو كان الأمر في ذلك موكولًا إلى الاجتهاد لأشبه أنْ لا يَكُون بدله مقدرًا، وفي ذلك ما دل على أن في الكبش وفاء لجزائه كانت قيمته مثل قيمة المجزي أو لم تكن، انتهى. وقال الشوكاني: قوله: ((وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ)) فيه دليل على أن الكبش مثل الضبع، وفيه أن المعتبر في المثلية بالتقريب في الصورة لا بالقيمة، ففي الضبع الكبش سواء كان مثله في القيمة أو أقل أو أكثر، انتهى. (أَيُؤْكَلُ) كذا بالتذكير في جميع نسخ ((المشكاة))، ووقع في ((المصابيح)) ((أَتُوْكَلُ؟)) بالتأنيث وهكذا في كتاب ((الأم)) (ج٢: ص ١٦٤) وهو الأظهر، والذي في ((جامع الترمذي)): قلتُ: آكُلُها؟ أي: بصيغة المتكلم، وكذا نقله المجد بن تيمية في ((المنتقى)) وفي ((مسند الإمام أحمد))، قال - أي: عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار -: سألتُ جابرًا فقلتُ: الضبعُ آكلها؟ قال: نعم. قلت: أصيدٌ هي؟ قال: نعم. قلتُ: أسمعتَ ذاك من نبي اللّهُ وَّ؟ قال: نعم. وفيه دليل على أن الضبع حلالٌ. قال الشوكاني: فيه دليلٌ على جواز أكلِ الضبعِ وإليه ذهبَ الشافعيُّ وأحمدُ، قال الشافعي: ما زال الناس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكيرٍ، ولأنَّ العربَ تستطيبه وتمدحه، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى تحريمه، واستدل لهم بما صحَّ من تحريمِ كلِّ ذي نابٍ من السباع، وبما سيأتي من حديث خزيمة بن جزء. قال الشوكاني: ويجابُ عن الأول بأن حديث الباب - يعني: حَدِيث جَابِر - خاص، فيقدم على حديث كل ذي ناب، ويجاب عن الثاني بأنه ضعيف، أي: لا يصلح للاحتجاج؛ لأن في إسناده عبد الكريم بن أبي المخارق وهو متفق على ضعفه . وقال الخطابي في ((المعالم)): إذا كان قد جعله النَّبِي وَلَه صيدًا ورأى فيه الفداء، فقد أباحَ أكلّهُ كالظباء والحمر الوحشية وغيرها من أنواع صيدِ البرِّ، وإنما أسقط الفداء في قتل ما لا يؤكل فقال: ((خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ .. )) الحديث. قال: وقد اختلف الناس في أكلِ الضبع، فرُوِي عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يأكل الضبع، وروي عَنِ ابْن عَبَّاسٍ إباحة أكل لحم الضبع، وأباح أكلها عطاء والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور، وكرهه كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ الْحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد ٥٣١ الثوري وأبو حنيفة وأصحابه ومالك وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، واحتجوا بأنها سبع، وقد نهى رسول اللَّه ◌ِي عن كلِّ ذي ناب من السباع. قال الخطابي: وقد يقوم دليل الخصوص فينزع الشيء من الجملة وخبر جابرٍ خاص، وخبر تحريم السباع عام، انتهى. وقال ابن رسلان: وقد قيل: إن الضبع ليس لها ناب، وسمعتُ من يذكر أن جميع أسنانها عظم واحد كصفيحة نعل الفرس، فعلى هَذَا لا يدخلُ في عموم النهي، انتهى، كذا ذكره الشوكاني. وقال الخرقي: ولا بأسَ بأكلِ الضبعِ. قالَ ابنُ قُدَامَة (ج٨: ص ٦٠٤): رويت الرخصة في الضبع عن سعد وَابْن عَمَر وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعكرمة وإسحاق. وقال عُروة: ما زالت العرب تأكل الضبع ولا ترى بأكلها بأسًا. وقال أبو حنيفة والثوري ومالك: هو حرام. وروي نحو ذلك عن سعيد بن المسيب؛ لأنَّهَا من السباع، وقد نهى النَّبِي ◌َّ عن أكل كل ذي ناب من السباع، وهي من السباع فتدخل في عموم النهي، ولنا ما روى جابر قال: أمرنا رسول اللّه ◌َليل بأكل الضبع، قلت: صيد هي؟ قال: نعم. احتج به أحمد، قال ابنُ عبد البرِّ: هَذَا لا يعارض حديث النهي عن كلِّ ذي نابٍ من السباع؛ لأنَّهُ أقوى منه. قلنا: هَذَا تخصيص لا معارض، ولا يعتبر في التخصيص كون المخصص في رتبة المخصص بدليل تخصيص عموم الكتاب بأخبار الآحاد، ولأن الضبع قد قيل: إنها ليس لها ناب، وسمعت من يذكر أن جميع أسنانها عظم واحد كصفحة نعل الفرس، فعلى هَذَا لا تدخل في عموم النهي، انتهى. وقال الشنقيطي بعد ذكر كلام ابن عبد البر: للمخالف أن يقول: أحاديث النهي عامة في كلِّ ذي ناب من السباع ودليل إباحة الضبع خاص ولا يتعارض عام وخاص؛ لأن الخاص يقضي على العام فيخصص عمومه به كما هو مقرَّر في الأصول، انتهى. وقال الحافظ ابن القيم في ((الإعلام)) (ج١: ص ١٩٢، طبعة الحجر): أما الضبع فروي عنه فيها حديث صححه كثير من أهل العلم بالحديث، فذهبوا إليه وجعلوه مخصصًا لعموم أحاديث التحريم كما خصصت العرايا لأحاديث المزابنة، وطائفة لم تصحِّحه وحرموا الضبع؛ لأنَّهَا من جملة ذات الأنيابِ، وقالوا: وقد تواترت ٥٣٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الآثار عن النبيِّي ◌َّهِ بالنهي عن أكلٍ كلِّ ذي نابٍ من السباع، وصحَّت صحة لا مطعن فيها من حديث علي وَابْن عباس وأبي هريرة وأبي ثعلبة الخشني، قالوا: وأما حديث الضبع فتفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار وأحاديث تحريم ذوات الأنياب كلها تخالفه، قالوا: ولفظ الحديث يحتمل معنين أحدهما: أنْ يَكُون جابر رفع الأكل إلى الشَّبِي ◌ََّ، وأن يكون إنما رفع إليه كونها صيدًا فقط ولا يلزم من كونها صيدًا جواز أكلها فظن جابر أن كونها صيدًا يدل على أكلها فأفتى به من قوله ورفع إلى النَّبِي ◌ََّ ما سمعه من كونها صيدًا، فروى الترمذي عن عبد الرحمن بن أبي عمار قال: قلت لجابر بن عبد الله: آكل الضبع؟ قال: نعم. قلت: أصيد هي؟ قال: نعم. قلت: أسمعت ذلك من رسول اللَّه ◌َلّ؟ قال: نعم. وهذا يحتمل أن المرفوع منه هو كونها صيدًا، ويدلَّ على ذلك: أن جرير بن حازم قال: عن عبيد بن عمير عن ابن أبي عمار عن جابر عن رسول اللّه وَلّم أنه سُئل عن الضبعِ فقال: ((هِيَ صَيْدٌ وَفِيهَا كَبْشِرٌ))، قالوا: وكذلك حديث إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابرٍ يرفعُهُ: ((الضَّبُعُ صَيْدٌ، فَإِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ فَفِيهِ جَزَاءٌ كَبْشٌ مُسِنٌّ وَيُؤْكَلُ))، قالَ الحاكم: حديث صحيح، وقوله: ((وَيُؤْكَلُ)) يحتمل الوقف والرفع، وإذا احتمل ذلك لم يعارض به الأحاديث الصحيحة الصريحة التي تبلغ مبلغ التواتر في التحريم، قالوا: ولو كان حَدِيث جَابِر صريحًا في الإباحةِ لكان فردًا، وأحاديث تحريم ذوات الأنياب مستفيضة متعددة ادعى الطحاوي وغيره تواترها، فلا يقدم حَدِيث جَابِر عليها، قالوا: والضبع من أخبث الحيوان وأشرهه وهو مغرى بأكل لحوم الناس ونبش قبور الأموات وإخراجهم وأكلهم ويأكل الجيف ويكسر بنابه، قالوا: والله سبحانه قد حرم علينا الخبائث، وحرَّم رسول اللَّه ◌َ ليل ذوات الأنياب والضبع لا يخرج عن هَذَا وهذا، قالوا: وغاية حَدِيث جَابِرٍ يدلُّ على أنها صيد يفدى في الإحرام، ولا يلزم من ذلك أكلها، وقد قال بكر بن محمد: سُئل أبو عبد الله - يعني: الإمام أحمد - عن محرم قَتَل ثعلبًا فقال: عليه الجزاء، هي صيد ولكن لا يُؤكل. وقال جعفر بن محمد: سَّمعتُ أبا عبد الله سُئل عن الثعلبِ فقال: الثعلب سَبُع. فقد نص على أنه سبع وأنه يفدى في الإحرام، ولما جعل النَّبِي ◌َّ في الضبع كبشًا ظن جابر أنه يؤكل، فأفتى به، والذين صحَّحوا الحديثَ جعلوه مخصصًا لعموم تحريم ذي الناب من غير فرق بينهما حتى قالوا: ويحرم أكل كل ذي ناب من ٥٣٣ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ EDEN بَابُ الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد السباع إلا الضبع، وهذا لا يقع مثله في الشريعة أن يخصص مثلًا على مثل من كل وجه من غير فرقان بينهما، وبحمد الله إلى ساعتي هذه ما رأيتُ في الشريعة مسألة واحدة كذلك أعني: شريعة التنزيل لا شريعة التأويل، ومن تأمل ألفاظه وَالّ الكريمة تبين له اندفاع هَذَا السؤال، فإنه إنما حرم ما اشتمل على الوصفين أنْ يَكُون له ناب، وأن يكون من السباع العادية بطبعها كالأسد والذئب والنمر والفهد، وأما الضبع: فإنما فيها أحد الوصفين وهو كونها ذات ناب، وليست من السباع العَادِيَة، ولا ريب أن السباع أخص من ذوات الأنياب، والسبع إنما حرم لما فيه من القوة السبعية التي تورث المغتذي بها شبهها، فإنَّ الغاذي شبيه بالمغتذي، ولا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم، ولا تعد الضبع من السباع لغة وعرفًا، انتهى ما في ((الإعلام)). قال شيخنا في ((شرح الترمذي)) (ج٣: ص ٧٧) بعد ذكر كلام ابن القيم ما لفظه: قلتُ: في أقوال المحرمين التي نقلها الحافظ ابنُ القيم خدشات، أما قولهم: إن حديث الضبع تفرَّد به عبد الرحمن بن أبي عمار ففيه أنه ثقة ولم يتفرد به. قال الحافظ في ((التلخيص)): وأعلَّه ابنُ عبد البر في ((التمهيد)) (ج١: ص ١٥٢، ١٥٥) بعبد الرحمن بن أبي عمار فوهم لأنه وثقه أبو زرعة والنَّسَائِي ولم يتكلم فيه أحد، ثم إنه لم ينفرد به، انتهى. وقال في ((الفتح)): وقد ورد في حل الضبع أحاديث لا بأس بها، انتهى، وأما قولهم: لفظ الحديث يحتمل معنين أحدهما: أنْ يَكُون جابر رفع الأكل إلى النَّبِي ◌ََّ، وأن يكون إنما رفع إليه كونها صيدًا فقط، ففيه: أن ظاهر لفظ الحديث يدلّ على أن جابرًا رَوَّةُ رفع الأكل وكونها صيدًا كليهما إلى الَّبِي وَه ويؤيده رواية أحمد وعبد الرزاق (ج٤: ص ٥١٢) بلفظ سألتُ جابرَ بنَ عبد الله عن الضبع، فقال: حلال، فقلت: عن رسول اللَّه وَله؟ وأما قولهم: والضبع لا يخرج عن هَذَا وهذا، ففيه: أن حَدِيث جَابِر المذكور صحيح ثابت قابل للاحتجاج فخروج الضبع عن هَذَا وهذا ظاهر، انتهى. قلت: ويدل أيضًا على عدم كونه من الخبائث وذوات الأنياب ما تقدم عن الإمام الشافعي أن لحوم الضباع تباع عندنا بمكة بين الصفا والمروة، وما تقدم عن الشوكاني أن العرب تستطيبه وتمدحه وتأكله، وقال عروة بن الزبير: ما زالت العرب تأكل الضبع ولا ترى بأكلها بأسًا، ٥٣٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ وما تقدم عن ابن رسلان وابن قدامة أن الضبع ليس لها ناب وأن جميع أسنانها عظم واحد كصفيحة نعل الفرس، وأما قول المحرمین: إنه لو کان حَدِیث جاپِر صريحًا في الإباحة لكان فردًا، وأحاديث تحريم ذوات الأنياب مستفيضة متعددة فلا يقدم حَدِيث جَابِر عليها. ففيه: أن حَدِيث جَابِر صريح في الإباحة كما تقدَّم، ولا يضر كونه فردًا؛ لأنَّهُ لا معارضة بينه وبين أحاديث تحريم ذوات الأنياب من السباع. فإن الضبع ليس من ذوات الأنياب كما ذكر ابن رسلان وَابْن قدامة، ولا من السباع العادية، كما قرَّره ابنُ القيم والإمام الشافعي في ((الأم)) (ج٢: ص ٢٢٠). G تنبيه: قد صرَّح الحافظُ ابنُ القيمٍ في آخر ما بسط من الكلام المذكور: أن الضبع ليست من السباع العادية، وعلى هَذَا فلا تدخل في أحاديث تحريم ذوات الأنياب من السباع، وهذا كالصريح في أنه لم يوافق الحنفية في تحريم الضبع ولم يرجح تحريمه بل وافق القائلين بالإباحة حيث قال: لا ريبَ أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليس في الضبع حتى تجبَ التسوية بينهما في التحريم ولا تعد الضبع من السباع لغة وعرفًا، والله أعلم. (رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في الحجِّ وفي الأَطْعِمَة. (وَالنَّسَائِيُّ) في الحج وفي الصيد والذبائح. (وَالشَّافِعِيُّ) في ((الأمِ)) (ج٢: ص ١٦٤) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد وَابْن حِبَّان وعبد الرزاق (ج٤: ص ٥١٣) والدار قطني (ص٢٦٦) وَابْن عبد البر في ((التمهيد)) (ج١: ص ١٥٣) والْحَاكِم (ج١: ص ٤٥٢) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٨٣) وَابْن الجارود (ص١٥٥، ٢٩٩) والدارمي في آخر كتاب الحج كلهم من طريق ابن جريج عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار عن جابر. وقال الترمذي: هَذَا حَدِيث حَسَنِ صحيح، وقال: قال يحيى القطان: وروى جرير بن حازم هَذَا الحديث عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن أبي عمار عن جابر عن عمر قوله ... ، وحديث ابن جريج أصح، والحديث أخرجه أيضًا أبُو دَاوُد وَابْن ماجه كما سيأتي. وقد سكت عنه أبو داود، ونقل الْمُنْذِرِي تصحيح الترمذي وأقره. وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص٢٢٦): قال الترمذي: سألتُ عنه البُخَارِي فصحَّحه. وكذا كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد ٥٣٥ صحَّحَهُ عبدُ الحق، وقد أُعِل بالوقف. وقال البيهقي: هو حديث جيد تقوم به الحجة. ورواه البيهقي من طريق الأجلح عن أبي الزبير عن جابر عن عُمر، قال: لا أراه إلا قد رفعه أنه حكم في الضبع بكبش ... الحديث. ورواه الشافعي عن مالك عن أبي الزبير به موقوفًا وصحح وقفه من هَذَا الوجه الدار قطني، ورواه الدار قطني والْحَاكِم من طريق إبراهيم الصائغ عن عطاء عن جابر قال: قال رسول اللَّه ◌َلّ: (الضَّبُعُ صَيْدٌ، فإذا أصابه المحرم ففيه كبش مسن ويؤكل))، وفي الباب عَنِ ابْن عَبَّاسٍ رواه الدار قطني والْبَيْهَقِي من طريق عمرو بن أبي عمرو عن عِكْرِمَة عنه، وقد أُعِلَّ بالإرسال، رواه الشافعي من طريق ابن جريج عن عِكْرِمَة مُرسلًا وقال: لا يثبت مثله لو انفرد، ثم أكده بحديث ابن أبي عمار، وقال البيهقي: روي موقوفًا عَنِ ابْن عَبَّاسٍ أيضًا، انتهى كَلَام الحَافِظ. وقال الشنقيطي بعد نقل كلام الحافظ عن ((التلخيص)): قضاؤه بَ لّ في الضبع بكبش ثابت كما رأيت تصحيح البُخَارِي وعبد الحق له، وكذلك البيهقي والشافعي وغَيْرهم، والحديث إذا ثبت صحيحًا من وجهٍ لا يقدح فيه الإرسال ولا الوقف من طريق أخرى كما هو الصحيح عند المحدثين؛ لأن الوصل والرفع من الزيادات، وزيادة العدل مقبولة كما هو معروف . ٢٧٢٩ - [٩] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهِ عَنِ الضَّبُعِ؟ قَالَ: ((هُوَ صَيْدٌ، وَيُجْعَلُ فِيهِ كَّشًا إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ)). [رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْدَارِمِيُّ ] الشَّرْعُ ٢٧٢٩ - قوله: (قَالَ: هُوَ صَيْدٌ) قال القاري: تذكيره باعتبار خبره أو المراد به الجنس، فيجوزُ تذكيرُهُ وتأنيثُهُ وفي رواية: ((هِيَ صَيْدٌ». (وَيَجْعَلُ) على بناء المعلوم أي قاتله. (فِيهِ) أي: في جزاء قتله. (كَبْشًا) بالنصب، وفي بعض النسخ لأبي (٢٧٢٩) أَبُو دَاوُد (٣٨٠١)، والتِّرْمِذِي (٨٥١)، وابن ماجه (٣٠٨٥)، والنَّسَائِي (١٩١/٥) مِنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ جَابِرٍ فِيهِ رَوَّهُ . ٥٣٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ داود: ((كَبْشِرٌ)) بالرفع، وعلى هَذَا يكون ((يَجْعَلُ)) على بناء المجهول. (إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ) أي: بالاصطياد وقوله: ((إِذَا أَصَابَهُ)) كذا في ((سنن الدارمي))، وهكذا ذكره الحافظ في ((التلخيص)) (ص٢٢٥) ولفظ أبي داود: ((إِذَا صَادَهُ)) وكذا ذكره المجدُ في ((المنتقى)) والحافظ في ((التلخيص)) (ص٣٨٩) وفي بعض نسخ أبي داود ((إِذَا أَصَادَهُ)) وفي رواية للحاكم: جعلَ رسولُ اللهِ وَّر في الضبع يصيبه المحرم كبشًا نجديًا وجعله من الصيدِ. وكذا عند ابنِ ماجه، إلا أنه لم يقل: نجديًا. قال القاري: وليس هَذَا الحديث حجة علينا إذ لا تنافي بين كونه حرامًا أكله وبين كونه صيدًا ويلزم الكبش في قتله، وإنما يصلح دليلًا للخصم حيث أنه يخص تحريم الصید بما يؤكل لحمه، انتهى. قلت: في رواية جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي عمار عن جابر قال: قلت: أيؤكل الضبعُ؟ قال: نعم، قلتُ: أصيدٌ هي؟ قال: نعم، قال: أسمعته من رسول اللَّه وَ لَه؟ قال: نعم. رواه الحاكم وقال: هَذَا حديث صحيح على شرط الشيخين. قال الشافعي: في مسألة ابن أبي عمار جابرًا: أصيد هي؟ قال: نعم. ومسألته أتؤكل؟ قال: نعم، وسألته: أسمعت من النَّبِي وَّ؟ قال: نعم. فهذا دليل على أن الصيد الَّذِي نهى الله تعالى المحرم عن قتله ما كان يحل أكله من الصيد، وأنهم إنما يقتلون الصيد ليأكلوه لا عبئًا بقتله، انتهى فتأمل. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الأَطْعِمَةِ. (وَابْنُ مَاجَهُ) في الحجِ. (وَالدَّارِمِيُّ) في آخر الحجِّ، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١: ص ٤٥٢) وَابْن الجارود (ص ١٥٥) وَابْن حِيَّان كما في ((الموارد)) (ص٢٤٣) والدار قطني (ص٢٦٦) وَابْن عبد البر في ((التمهيد)) (ج١: ص ١٥٣) كلهم من رواية جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي عمار عن جابر. تنبيه: ما صنيع المصنف تبعًا للبغوي يُوهم أن حَدِيث جَابِرِ هَذَا والذي قبله حديثان ولا يخفى ما فيه، والصوابُ: أنه حديث واحد روي من طريق ابن جريج عن عبد الله ابن عبيد بن عمير عن ابن أبي عمار، ومن طريق جرير بن حازم عن عبد الله بن كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ الْمُخْرِمُ يَجْتَنِبُ الضَّيْد ٥٣٧ عبيد بن عمير به بألفاظ مختلفة مختصرًا ومطولًا ولذلك قال الْمُنْذِرِي في ((مختصر السنن)): وأخرجه الترمذي والنَّسَائِي وَابْن ماجه، وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص٢٢٥): حديث: أن النبيَّ ◌ََّ قضى في الضبعِ بكبشٍ. رواه أصحاب السنن وَابْن حِيَّان وأحمد والْحَاكِم في ((المستدرك)) من طَريق عبد الرحمن بن أبي عمار عن جابر، وقال في ((الأَطْعِمَة)) (ص٣٨٩) منه حَدِيث جَابِر: أنه سُئل عنِ الضبعِ أصيد هو؟ قال: نعم، قيل: أيؤكل؟ قال: نعم. قيل: أسمعته من رسول اللّه ◌َلَه؟ قال: نعم. الشافعي والترمذي والنَّسَائِي وَابْن ماجه والْبَيْهَقِي وصححه البُخَارِي والترمذي وَابْن حِبَّان وَابْن خزيمة والْبَيْهَقِي ... ورواه أبُو دَاوُد بلفظ: سألت رسول اللّه ◌ِه عن الضبع، فقال: ((صَيْدٌ وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إِذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ»، انتھی . وقال المجد في ((المنتقى)) بعد ذكره بلفظ الترمذي: رواه الخمسة وصححه الترمذي، ولفظ أبي داود عن جابر: سألتُ رسول اللَّهُ وَ لهعن الضبع فقال: ((هِيَ صَيْدٌ، وَيُجْعَلُ فِيهِ كَبْشٌ إِذَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ)). ٢٧٣٠ - [١٠] وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ جَزِءٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِّ ◌ِلّهِ عَنْ أَكْلِ الضَّبُعِ، قَالَ: ((أَوَ يَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ؟)) وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَكْلِ الْذَّتْبِ، قَالَ: ((أَوَ يَأْكُلُ الذِّتْبَ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ؟)). [ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ] الشَّرْخُ ٢٧٣٠ - قوله: (وَعَن خُزَيَمْةَ) بضمِّ الخاء المعجمة وفتح الزاي. (بْنِ جَزْءٍ) قال الحافظ في ((التقريب)): خزيمة بن جزء - بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها همزة - صحابي لم يصح الإسناد إليه، وقال في ((الإصابة)): خزيمة بن جزيّ - بفتح الجيم وكسر الزاي بعدها ياء، أي: مشددة - له حديث في أكل الضب والضبع وغير ذلك، أخرجه الترمذي وابن ماجه والباوردي وَابْن السكن وقالا: لم يثبت (٢٧٣٠) التِّرْ مِذِي (١٧٩٢)، وابن مَاجَهْ (٣٢٣٧) من حديث خزيمة بن جُزَي، قال التّرْمِذِي: «ليسَ إسنادُهُ بالقوي)) . ٥٣٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ حديثه ومداره على أبي أمية بن أبي المخارق أحد الضعفاء، وقال في ((تهذيب التهذيب)): قال البُخَارِي في ((التاريخ)) لما ذكر حديثه في الحشرات: فيه نظر. وقال البغوي: لا أعلمُ له غيره. وقال الأزدي: لا يحفظُ روى عنه إلا أخوه حبان ولا يحفظ له غير هَذَا الحديث. قال: وفي إسنادِهِ نظرٌ. (أَوَ يَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ؟) كذا في جميع نسخ ((المشكاة) و((المصابيح))، وهكذا ذكره الشوكاني في ((النيل))، وفي التر مذي ((وَيَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ؟)) أي: بتقدير همزة الاستفهام الإنكاري. وفي رواية ابن ماجه: ((وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ؟)) قال السندي: يشير إلى أنه مكروه طبعًا. (وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَكْلِ الذِّتْبِ) بالهمز ويبدل. (قَالَ: أَوَ يَأْكُلَ) أي: أجهلت حكمه ويأكل. (الذِّتْبَ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ) أي: صلاح وتقوى صفة أحد، وفي الترمذي: ((وَيَأْكُلُ)) أي: بحذف همزة الاستفهام، واستدلَّ بِهَذَا الحَدِيث من قال بحرمة الضبع. والحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الأَطْعِمَة وأخرجه أيضًا ابن ماجه في الذبائح. (وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ) لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن مسلم عن عبد الكريم أبي أمية وقد تكلم بعض أهل الحديث في إسماعيل وعبد الكريم أبي أمية، وهو عبد الكريم ابن قيس بن أبي المخارق، انتهى. قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج٤: ص ١٩٣) بعد نقل كلام الترمذي هذا: وضعفه ابن حزم بأن إسماعيل بن مسلم ضعيف، وَابْن أبي المخارق ساقط، وحبان ابن جزء مجهول، انتهى. وقال الحافظ في ((التقريب)): إسماعيل بن مسلم المكي أبو إسحاق ضعيف الحديث . وقال في ((التلخيص)) (ص٣٨٩): وأما ما رَوَاهُ التِّر مذِيُّ من حديث خزيمة بن جزء قال: ((أَيَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ؟)) فضعيف لاتفاقهم على ضعف عبد الكريم أبي أمية، والراوي عنه إسماعيل بن مسلم، انتهى. تنبيه: قال القاري في ((المرقاة)) معترضًا على قولٍ الترمذي (ليس إسناده بالقوي) ما كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بابُ المُخْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد ٥٣٩ لفظه: وفيه أن الحسن أيضًا يستدل به على أن اجتهاد المستند إليه سابقًا يدل على أنه صحيح في نفس الأمر، وإن كان ضعيفًا بالنسبة إلى إسناد واحد من المحدثين، ويقويه رواية ابن ماجه ولفظه: ((وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ؟)) ويؤيده أنه ذو ناب من السباع فأكله حرام، ومع تعارض الأدلة في التحريم والإباحة فالأحوط حرمته، وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ((الضَّبُعُ لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ))، كما رواه الشيخان وغَيْرِهما فيفيد ما اختاره مالك من أنه يكره أكله، إذ المكروه عندنا ما أثم آكله ولا يقطع بتحريمِهِ، ومقتضى قواعد أئمتنا أن أكله مكروه كراهة تحريم، لا إنه حرام محض لعدم دليل قطعي مع اختلاف فقهي، انتهى كلام القاري. وقد ذكر شيخُنَا في ((شرح الترمذيِّ)) كلامه ثم ردَّ عليه فقال: في كلام القاري هَذَا أوهام وأغلاط، فأما قوله: إنَّ الحسنَ أيضًا يستدل به. ففيه: أنه لا شك أن الحديث الحسن يستدلَّ به لكن حديث خزيمة بن جزء هَذَا ليس بحسن بل هو ضعيف لا يصلح للاحتجاج كما عرفت. وأما قوله: أن اجتهاد المستند إليه سابقًا يدل على أنه صحيح في نفس الأمر ... إلخ. ففاسد، وقد بينا فساده فيما سبق (ج١: ص ١٣٤ طبعة الحجر) وأما قوله: ويقويه رواية ابن ماجه ولفظه: ((وَمَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ؟)) ففيهِ: أن في رواية ابن ماجه أيضًا عبد الكريم فكيف تقويه؟! وأما قوله: أنه ذو ناب من السباع فممنوع، وسند المنع حَدِيث جَابِر المذكور في الباب، ولو سلم أنه ذو ناب من السباع فحرمته ممنوعة لهذا الحديث، وأما قوله: ومع تعارض الأدلة في التحريم والإباحة فالأحوط حرمته ففيه: أن هَذَا إذا كان دليل الحرمة ودليل الإباحة كلاهما صحيحين. وأما إذا كان دليل الحرمة ضعيفًا ودليل الإباحة صحيحًا كما فيما نحن فيه فكون الحرمة أحوط ممنوع، وأما قوله : إن قوله عليه الصلاة والسلام: ((الضَّبُعُ لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ))، كما رواه الشيخان وغَيْرهما يفيد ... إلخ. ففيه: وهم فاحش، فإنه لم يرو الشيخان ولا غيرهما: ((الضبع لست آكله ولا أحرمه)). ء بل رووا: ((الضب لست آكله ولا أحرمه)). والضب غير الضبع، انتهى.