Indexed OCR Text

Pages 481-500

190
٤٨٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٢ - بَابُ الْمُخرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد
(بَاب) يجوز سكونه على الوقف ورفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف هو: هذا،
ويحتمل الإضافة. (الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْدَ) أي: اصطياده وقتله وإن لم يأكله،
وأكله وإن ذكاه محرم آخر، قال القاري: والمراد بالصيد حيوان متوحش بأصل
الخلقة بأن كان توالده وتناسله في البرِّ، أما صيد البحر فيحل اصطياده للحلال
والمحرم جميعًا مأكولًا أو غير مأكول؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ
مَتَعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: الآية ٩٦] قال الشنقيطي: ظاهر عموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ
صَيْدُ اُلْبَحْرِ﴾ يدل على إباحة صيد البحر للمحرم بحج أو عمرة وهو كذلك كما بينه
تخصيصه تعالي تحريم الصيد على المحرم بصيد البر في قَوْلِهِ ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ
اَلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: الآية ٩٦] فإنه يفهم منه أن صيد البحر لا يحرم على المحرم كما
هو ظاهر.
وقال ابنُ قدامة (ج ٣: ص ٣٤٤): يحل للمحرم صيد البحر لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ
لَكُمْ صَيْدُ اٌلْبَحْرِ وَطَعَامُ﴾ وأجمع أهل العلم: على أن صيد البحر مباح للمحرم
اصطياده وأكله وبيعه وشراؤه، وصيد البحر الحيوان الّذِي يعيش في الماء ويبيض
فيه ويفرخ فيه كالسمك والسلحفاة والسرطان ونحو ذلك، فإن كان جنس من
الحيوان نوع منه في البحر ونوع في البر كالسلحفاة فلكل نوع حكم نفسه كالبقر
منها الوحشي محرم والأهلي مباح، انتهى.
وأما صيد البر فقد أجمع العُلَمَاء على منعه للمحرم بحجٍّ أو عمرةٍ، وهذا
الإجماع في مأكول اللحم الوحشي كالظبي والغزال ونحو ذلك وتحرم عليه
الإشارة إلى الصيد والدلالة عليه لحديث أبي قتادة الآتي. قالَ ابنُ قُدَامَة (ج٣: ص
٣٠٩): لا خلاف بين أهل العلم في تحريم قتل الصيد واصطياده على المحرم، وقد
نصِ الله تعالى عليه في كتابه فقال سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ
[المائدة: الآية ٩٥] وقال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمَا﴾ وتحرم عليه
الإشارة إلى الصيد والدلالة عليه، قال: ولا تحل له الإعانة عليه بشيء، انتهى.

٤٨١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد
والصيد عند الشافعي هو مأكول اللحم فقط فلا شيء عنده في قتل ما لم يؤكل لحمه
إلا المتولد من بين مأكول اللحم وغير مأكوله فلا يجوز اصطياده عنده، وإن كان
يحرم أكله كالسِمْع وهو المتولد من بين الذئب والضبع، وقال: ليس في الرَّخْمة
والخنافس والقردان والحلم وما لا يؤكل لحمه شيء؛ لأن هَذَا ليس من الصيد
لقوله تعالى: ﴿وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] فدل على أن الصيد الَّذِي
حرم عليهم هو ما كان حلالاً لهم قبل الإحرام، وهذا هو مذهب الإمام أحمد.
قالَ ابنُ قُدَامَة (ج ٣: ص ٥٠٦): والصيد - أي: الَّذِي يجب بقتله الجزاء - ما
جمع ثلاثة أشياء: وهو أنْ يَكُون مباحًا أكله لا مالك له، ممتنعًا، فيخرج بالوصف
الأول كل ما ليس بمأكول لا جزاء فيه كسباع البهائم والمستخبث من الحشرات
والطير وسائر المحرمات. قال أحمد: إنما جعلت الكفارة في الصيد المحلل
أكله، وهذا قول أكثر أهل العلم، إلا أنهم أوجبوا الجزاء في المتولد بين المأكول
وغيره كالسمع المتولد من الضبع والذئب تغليبًا لتحريم قتله، الوصف الثاني: أنْ
يَكُون وحشيًّا وما ليسَ بوحشيٍّ لا يحرم على المحرم ذبحه ولا أكله كبهيمة الأنعام
كلها، والخيل والدجاج ونحوها لا نعلم بين أهل العلم في هَذَا خلافًا، والاعتبار
في ذلك بالأصل لا بالحال، فلو استأنس الوحشي وجب فيه الجزاء، ولو توحش
الأهلي لم يجب فيه شيء.
وقال الحافظ: اتفقوا على أنَّ الْمَرَاد بالصيد ما يجوزُ أكله للحلال من الحيوان
الوحشي وأن لا شيء فيما يجوز قتله، واختلفوا في المتولد - أي: بين المأكول
وغيره - فألحقه الأكثر بالمأكول، انتهى.
قالَ ابنُ قُدَامَة (ج ٣: ص ٣٤٣): ولا تأثير للإحرام ولا للحرم في تحريم شيء
من الحيوان الأهلي كبهيمة الأنعام ونحوها لأنه ليس بصيد، وإنما حرم الله تعالى
الصيد، وقد كان النَّبِي ◌َّ يذبح البدن في إحرامه في الحرم يتقرب إلى الله سبحانه
بذلك، وقال: ((أفضل الحج العج والثج))، يعني: إسالة الدماء بالذبح والنحر
وليس في هَذَا اختلاف.
وقال البُخَارِي فِي ((صَحِيحِه)): لم ير ابن عباس وأنس بالذبح - أي: بذبح
المحرم، وظاهر العموم يتناول الصيد وغيره، ولكن مراده الذبح في غير الصيد -

٤٨٢
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بأسًا، وهو غير الصيد نحو الإبل والغنم والبقر والدجاج والخيل.
قال الحافظ: أثر ابن عباس وصله عبد الرزاق من طريق عكرمة: أن ابن عباس
أمرَهُ أن يذبحَ جزورًا وهو محرم، وأما أثر أنس فوصله ابن أبي شيبة من طريق
الصباح البجلي سألتُ أنسَ بنَ مالِك عن المحرم يذبح؟ قال: نعم. وقوله: (وَهُوَ)
أي: المذبوح ... إلخ من كلام المصنف قاله تفقُّهًا، وهو متفقٌ عَلَيه فيما عدا
الخیل فإنہ مخصوص بمن یبیح أكلها، انتهى.
وقال العَيْنِي: قوله: وهو غير الصيدِ ... إلخ. من كلام البُخَارِي أشار به إلى
تخصيص العموم الَّذِي فهم من قوله بالذبح، وقوله: وهو أي: الذبح أي: المراد
من الذبح المذكور في أثرِ ابنِ عباسٍ وأنسٍ هو الذبح في الحيوان الأهلي وهو الَّذِي
ذكره بقوله نحو الإبل إلى آخره، وهذا كله متفق عليهِ في غير ذبح الخيلِ، فإن فيه
خلافًا معروفًا، انتهى.
قال القاري: البري المأكول حرام اصطياده على المحرم بالاتفاق وأما غير
المأكول فقسمه صاحب ((البدائع)) على نوعين: نوع يكون مؤذيًا طبعًا مبتدئًا بالأذى
غالبًا، فللمحرم أن يقتله ولا شيء عليه نحو الأسد والذئب والنمر والفهد، ونوع لا
يبتدئ بالأذى غالبًا كالضبع والثعلب وغَيْرِهما، فله أن يقتله إن عدا عليه ولا شيء
عليه، وهو قول أصحابنا الثلاثة، وقال زفر: يلزمه الجزاء وإن لم يعد عليه لا يباح له
أن يبتدئه بالقتل، وإن قتله ابْتِدَاء فعليه الجزاء عندنا، انتهى.
قلت: ليست الضبع مثل ما ذكر معها من الثعلب ونحوه لورود النص فيها؛ لأنَّهَا
صيد يلزم فيه الجزاء كما سيأتي، والراجح عندنا في المراد من الصيد هو ما قدمنا
عن الشافعي وأحمد أنه الحيوان البري الوحشي المأكول اللحم فقط، وهو ظاهر
القُرْآن العظيم.
هذا؛ وقد علم مما تقدم من كلام ابن قدامة أنَّه لا يجوزُ للمحرم أكل الصيد إن
صاده الحلال بأمره أو بإعانته أو بدلالته أو بإشارته، وهذا مما اتفق العُلَمَاء عليه
واختلفوا فيما عدا ذلك على ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه لا يجوز له الأكل مطلقًا أي سواء صيد لأجله أو لا، وحكي هَذَا عن
علي وَابْن عباس وابن عمر والليث والثوري وإسحاق بن راهويه وطاوس وجابر بن

٤٨٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْمُحْرِ مُ يجْتَنِبُ الصَّيْد
زيد، واحتج لهم بحديث الصعب بن جثامة الآتي، وبحديث زيد بن أرقم: أنَّ
النبيَّ مَّ أهدى له عضو من لحمٍ صيدٍ فردَّه وقال: ((إِنَّا لَا نَأْكُلُهُ؛ إِنَّا حُرُمٌ)) أخرجه
أحمد ومسلم وأبو دَاوُد والنسائي. واحتج لهم أيضًا بعموم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ
عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُمَا﴾ [المائدة: ٩٦] بناء على أنَّ الْمَرَاد بالصيد الحيوان المصيد.
القول الثاني: أنه يجوزُ له الأكلُ مطلقًا أي: وإن صيد لأجله ولم يكن بإذنه
وإعانته أو دلالته وإشارته، وإليه ذهب أبو حنيفة، وحكي ذلك عن عمر بن الخطاب
وأبي هريرة والزبير بن العوام وعائشة وطلحة بن عبيد الله وكعب الأحبار ومجاهد
وسعيد بن جبير، واحتج لهم بحديث طلحة بن عبيد الله الآتي في الفصل الثالث،
وبحديث البهزي واسمه زيد بن كعب أنه قال للنبي بَّر في حمار وحشي عقير في
بعض وادي الروحاء وهو صاحبه: ((شَأَنَكُمْ بِهَذَا الْحِمَارِ))، فأمر ◌َلّ أبا بكر فقسمه
في الرفاق وهم محرمون، أخرجه مالك وأحمد والنَّسَائِي وَابْن خزيمة وغَيْرهم.
واحتج لهم أيضًا بحديث أبي قتادة ثاني أحاديث الباب كما ستعرف.
القول الثالث: التفصيل بين ما صاده الحلال لأجل المحرم وما صاده لا لأجله
فيمنع الأول دون الثاني وهو مذهب الجمهور، منهم: الأئمة الثلاثة مالك
والشافعي وأحمد، وحكي ذلك عن عثمان بن عفان وعطاء وأبي ثور وإسحاق في
رواية. واحتج لهم بحديث جابر الآتي في الفصل الثاني، وهو القول الراجح
عندنا، وسيأتي الكلام في ذلك مفصلًا.

٤٨٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
٢٧٢١ - [١] عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ: أَنَّهُ أَهْدَى لَرَسُول اللَّهِ وَه
حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ،
قَالَ: ((إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّْخُ
٢٧٢١ - قوله: (عَنِ الصَّعْبِ) بفتح الصاد وسكون العين المهملتين بعدها
موحدة. (جَثَّمَةَ) بفتح الجيم وتشديد المثلثة فألف فميم، ابن قيس بن ربيعة بن
عبد اللَّه الليثي حليف قريش، أمه فاختة أخت أبي سفيان بن حرب، يقال: هو أخو
محلِّم بن جثامة، وكان الصعب ينزل بودان، قال الحافظ في ((التقريب)): مات في
خلافة الصديق على ما قيل، والأصح أنه عاش إلى خلافة عثمان، قال الخزرجي
في ((الخلاصة)): له أحاديث اتفقا على حديثين، وانفرد البُخَارِي بآخر، وعنه ابن
عباس فقط عندهم في هدية الصيد وغيرها، وآخِى وَّ بينه وبين عوف بن مالك.
(أهَدْى لرسولِ اللهِ وَ لّ) أي: في حجة الوداع، قال العَيْنِي: الأصل في أهدى
التعدي بإلى، وقد تعدَّى باللام ويكون بمعناه، وقيل: يحتملُ أنْ تكونَ اللام بمعنى
أجل، وهو ضعيف. (حِمَارًا وَحْشِيًّا) كذا في رواية مالك عن الزهري عن عبيدِ اللَّه
ابن عبد الله بن عتبة عن عبدِ الله بن عباسٍ عن الصعبِ. قال في ((شرح المواهب)):
وهو باتفاق الرواة عن مالك وتابعه عليه تسعة من حفاظ أصحاب الزهري، وقال في
((شرح الموطأ)): ((لا خلاف عن مالك في هذا)) وتابعه معمر وَابْن جريج
وعبد الرحمن بن الحارث وصالح بن كيسان والليث وَابْن أبي ذئب وشعيب بن أبي
حمزة ويونس ومحمد بن عمرو بن علقمة كلهم قالوا: حمارًا وحشيًّا، كما قال
مالك، وخالفهم سفيان بن عيينة عن الزهري فقال: ((أهديت له من لحم حمارٍ
وحش)). رواه مسلم، وله عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ((رجل
(٢٧٢١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٨٢٥) (٢٥٧٣)، ومُسْلِم (١١٩٣/٥٠) فِي مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ عَنْهُ.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
***** * Backexansa *
بَابُ المُخْرِمُ يَجْتَنِبِ الضَّيْد.
٤٨٥
حمار وحش)). وله عن شعبة عن الحكم: ((عجز حمار وحش يقطر دمًا)). وفي
أخرى له: ((شق حمار وحش)).
فهذه الروايات صريحة في أنه عقير، وأنه إنما أهدى بعضه لا كله، ولا معارضة
بين رجل وعجز وشق؛ لأنَّهُ يحمل على أنه أهدي رجلًا معها الفخذ وبعض جانب
الذبيحة، انتهى. وقال الحافظ: لم تختلف الرواة عن مالك في ذلك وتابعه عامة
الرواة عن الزهري، وخالفهم ابنُ عيينة عن الزهريِّ فقال: ((لحم حمار وحش)).
أخرجه مسلم، لكن بين الحميدي صاحب سفيان (ج٢: ص ٣٤٤) أنه كان يقول في
هَذَا الحديث: حمار وحش، ثم صار يقول: لحم حمار وحش، فدلَّ على اضطرابهِ
فيه، وقد توبع على قوله: لحم حمار وحش. من أوجه فيها مقال، ثم ذكرها مع
الكلام فيها، ثم قال: ويدلَّ على وهم من قال فيه: عن الزهري، ذلك أن ابن جريج
قال: قلت للزهريِّ: الحمار عقير؟ قال: لا أدري. أخرجه ابنُ خزيمة وأبو عوانة
فِي ((صَحِيحَيهما)). وقد جاء عَنِ ابْن عَبَّاسٍ من وجه آخر: أن الَّذِي أهداه الصعب
لحم حمار، فذكر ما تقدم في كلام الزرقاني في ((شرح الموطأ)).
وقد اختلفوا في هذه الروايات فمنهم من اختار الجمع بينها وَمِنْهُم من سلك
مسالك الترجيح. قال الزرقاني بعد ذكرٍ هذه الروايات: فمنهم من رجَّح رواية
مالك وموافقيه، قال الشافعي في ((الأم)): حديث مالك: أنَّ الصعبَ أَهْدَى حمارًا.
أثبت من حديث من روى: أنَّه أهدى لحمَ حمارٍ. وقال الترمذيُّ: قد روی بعض
أصحاب الزهري عن الزهري هَذَا الحديث، وقال: أهدى لحم حمار وحش، وهو
غير محفوظ. وقال البيهقي: كان ابنُ عُيينة يضطرب فيه، فرواية العدد الَّذِين لم
يشكوا فيه أولى، انتهى. وقد تقدَّم عن الحافظ أنه قال: مَن قال ذلك فيه عن
الزهري، أي: ذكر اللحم في حديث الزهري وهم. وإليه يظهر ميل البُخَارِي حيث
بوب في ((صَحِيحِه)): باب إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشًّا حيًّا لم يقبل. ثم أورد فيه
الحديث برواية مالك. قال الحافظ: كذا قيَّده البُخَارِي في الترجمة بكونه حيًّا،
وفيه إشارة إلى أن الرواية التي تدلَّ على أنه كان مذبوحًا موهمة، انتهى. وإليه مال
الباجيُّ إذ قال: قوله: ((حمارًا وحشيًّا)) هكذا رواه الزهري عن عبيد الله وهو أثبت
الناس فيه وأحفظهم عنه. وفي ((المبسوط)) من رواية ابن نافع عن مالك: بلغني إنما
رده عليه من أجل أن الحمار كان حيًّا، انتهى مختصرًا. وبه جزم ابنُ العربي حيثُ

٤٨٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْعُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال: وإنما ردَّ الصيد على الصعب؛ لأنَّهُ كان حيًّا.
وَمِنْهُم من رجَّح رواية اللحم، قال ابن القيم: أما الاختلافُ في كون الَّذِي
أهداه حيًّا أو لحمًا فرواية من روى: لحمًا. أولى لثلاثة أوجه: أحدها: أن راويها
قد حفظها وضبط الواقعة حتى ضبطها أنه يقطر دمًا، وهذا يدل على حفظه للقصة
حتى لهذا الأمر الَّذِي لا يؤبه له.
الثاني: أن هَذَا صريح في كونه بعض الحمار وأنه لحم منه فلا يناقض قوله:
((أهدي له حمارًا)). بل يمكن حمله على رواية من روى لحمًا، تسمية للحم باسم
الحيوان، وهذا مما لا تأباه اللغة.
الثالث: أن سائر الروايات متفقة على أنه بعض من أبعاضه، وإنما اختلفوا في
ذلك البعض هل هو عجزه أو شقة أو رجله أو لحم منه؟ ولا تناقض بين هذه
الروايات؛ إذ يمكن أنْ يَكُون الشق الَّذِي فيه العجز وفيه الرجل فصحَّ التعبير عنه
بهذا وهذا، وقد رجع ابن عيينة عن قوله: ((حمارًا)). وثبت على قوله: ((لَحْم
حمارٍ)). حتى ماتَ. وهذا يدلُّ على أنه تبين له أنه أهدى له لحمًا لا حيوانًا، انتهى.
وفيه ما تقدَّم عن الحافظِ وغيرِهِ: أنه لا خلافَ فيه عن مالك أنه أهدى حمارًا،
وتابعه عامة الرواة عن الزهريِّ، وأن من قال فيه عن الزهري لحمًّا وهم. وَمِنْهُم:
من جمع بحمل رواية: ((أهدى حمارًا)). على التجوز من إطلاق اسم الكلِّ على
البعضِ كما بسطه الزرقاني في ((شرح الموطأ)) وَابْن الهمام في ((فتح القدير))، وكما
تقدم في كلام ابن القيم، وكما ذكره القرطبي احتمالاً. وَمِنْهُم: من جمع بأن
الصعب أحضر الحمار مذبوحًا ثم قطع منه عضوًا بحضرة النَّبِي وَلّ فقدمه له. فمن
قالَ: ((أهدى حمارًا))، أراد بتمامه مذبوحًا لا حيًّا، ومن قال: ((لحم حمار)). أرادَ ما
قدَّمه للنبيِّ ◌َّ حكاه الحافظ عن القرطبي احتمالًّا .
وَمِنْهُم: من جمع بأنه أحضره له حيًّا، فلما ردَّهُ عليه ذكاه وأتاه بعضو منه ظانًّا أنه
إنما رده عليه لمعنى يختص بحملته فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء من الصيد حكم
الكلِّ، حكاه الحافظ عن القرطبي أيضًا احتمالاً. قال الزرقاني بعد ذكره: هَذَا
الجمع قريب وفيه إبقاء اللفظ على المتبادر منه الَّذِي ترجم عليه البخاري: إذا أهدى
للمحرمِ حمارًا وحشيًّ حيًّا لم يقبل. مع أنه لم يقل في الحديث: حيًّا. فكأنه فهمه

٤٨٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد
من قوله: حمارًا.
وَمِنْهُم: مِن جمع بالحملِ على التعدُّد، قال ابنُ بطال: اختلافُ روايات حديث
الصعب تدلّ على أنها لم تكن قضية واحدة، وإنما كانت قضايا فمرة أهدى إليه
الحمار كله، ومرة عجزه، ومرة رجله؛ لأنَّ مثل هَذَا لا يذهب على الرواة ضبطه
حتى يقع فيه التضاد في النقل والقصة واحدة ذكره العَيْنِي.
(وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ) بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة وبالمدِّ، جبل قرب مكة
وعنده بلدة تنسب إليه، قيل: سمي بذلك لوبائه وهو على القلبٍ وإلا لقيل:
الأوباء. وقيل: لأن السيول تتبوأه أي تحله، قال ياقوت: وهذا أحسن. وقال
الزرقاني: جبل بينه وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، سمي بذلك
لتبوأ السيول به لا لما فيه من الوباء إذ لو كان كذلك لقيل: الأوباء أو هو مقلوب
منه، انتهى. قال العَيْنِي: به توفيت أمُّ رسولِ اللهِ وَلـ
(أَوْ بِوَدَّانَ) شك من الراوي وهو بفتح الواو وتشديد الدال المهملة فألف فنون،
موضع بقرب الجحفةِ. قال الحافظ: هو أقرب إلى الجحفة من الأبواء، فإن من
الأبواء إلى الجحفة للآتي من المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، ومن ودان إلى الجحفة
ثمانية أميال، وبالشك جزم أكثر الرواة وجزم ابن إسحاق وصالح بن كيسان عن
الزهري بودان، وجزم معمر وعبد الرحمن بن إسحاق ومحمد بن عمرو: بالأبواء.
والذي يظهر لي أن الشك فيه من ابنِ عباس؛ لأنَّ الطَّبَرَاني أخرجَ الحديث من
طريق عطاء عنه على الشكّ أيضًا، وسيأتي برواية البيهقي أنَّ ذلك في الجحفة،
وروى الطحاوي والبيهقي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس: ((أنَّ الصعب بن
جثامة أهدى للنبي وَّه عجز حمار وهو بقديد يقطر دمًا فردَّه)).
(فَرَدَّ عَلَيْهِ) أي: ردَّ النبيُّ على الصعب الحمار الَّذِي صاده ثم أهداه إليه. قال
الحافظ: اتفقت الروايات كلها على أنه رده عليه إلا ما رواه ابن وهب والْبَيْهَقِي
(ج ٥: ص ١٩٣) من طريقه بإسناده حسن من طريق عمرو بن أمية أن الصعب أهدى
للنبي وَّعجز حمار وحش وهو بالجحفة، فأكل منه وأكل القوم، قال البيهقي: إن
كان هَذَا محفوظًا فلعله رد الحي وقبل اللحم. قلت - قائله الحافظ -: وفي هَذَا
الجمع نظر لما بينته - يشيرُ إلى الرواياتِ التي فيها ذكر إهداء جزء من الحمار ورده

٤٨٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عليه - فإنْ كانت الطرق كلها محفوظة فلعله ردّه حيًّا؛ لكونه صيد لأجله ورد اللحم
تارة لذلك، وقبله تارة أخرى حيثُ علم أنه لم يصد لأجله، وقد قال الشافعيُّ: إن
كان الصعب أهدى له حمارًا حيًّا، فليس للمحرم أن يذبح حمار وحشي حي، وإن
كان أهدى له لحمًا فقد يحتملُ أنْ يَكُون علم أنه صيد لأجله، ويحتملُ أن يحمل
القبول المذكور في حديث عمرو بن أمية على وقت آخر، وهو حال رجوعه وَّل من
مكّة، ويؤيده أنه جازم فيه بوقوع ذلك بالجحفة وفي غيرها من الروايات بالأبواء أو
بودان، انتهى. قال الزرقاني: فكأنه لما رده لأنه محرم أهدى له بعد ما حل فقبله
وهذا جمع حسن.
(فَلَمَّا رَأَى) أي: رسول اللَّهُ وَله. (مَا فِي وَجْهِهِ) أي: في وجهِ الصعبِ من
الكراهة لما حصل له من الكسر بردِّ هديته، ففي رواية الترمذي: ((فلما رأى ما في
وجهه من الكراهة)). وكذا لأحمد وَابْن خزيمة، وفي رواية للبخاري: ((فلما عرفَ
في وجهي رده هديتي)). قال الباجي: يريدُ من التغيرِ والإِشفاق لردِّ النَّبِي وَّ هديته
مع أنَّه وَّهُ يقبل الهدية ويأكلها، فخاف الصعب أنْ يَكُون ذلك لمعنى يخصه.
(قَالَ) أي: تطييبًا لقلبه. (إِنَّا) بكسر الهمز لوقعها في الابتداء. (لَمْ نَرُدَّهُ) بفتح
الدال رواه المحدثون، وقال محققو النحاة: إنه غلط والصواب ضم الدال. قال
عياض: ضبطناه في الروايات ((لَمْ نَرَدَّهُ)) بفتح الدال، وأبى ذلك المحققون من أهلِ
العربية وقالوا: الصوابُ أنه بضمِّ الدال؛ لأن المضاعف المجزوم الَّذِي اتصل به
ضمير المذكر يراعى فيه الواو التي توجبها ضمة الهاء بعدها لخفاء الهاء فكأن ما
قبلها ولي الواو ولا يكون ما قبل الواو إلا مضمومًا، هَذَا في المذكر أما المؤنث
مثل لم تردها فمفتوح الدال مراعاة للألف. قال عياض: وليس الفتح بغلطٍ بل ذكره
ثعلب في ((الفصيح))، نعم تعقبوه عليه بأنه ضعيف وأوهم صنيعه أنه فصيح وأجازوا
أيضًا الكسر، وهو أضعف الأوجه.
قال الحافظ: ووقع في رواية الكشمهيني بفك الإدغام ((لَمْ نَرْدُدْهُ)) بضمّ الدال
الأولى وسكون الثانية، فلا إشكال، وفي رواية شعيب عن الزهري عند البُخَارِي
وَابْن جريج عنه عند أحمد وَابْنِ خِزيمة: ((لَيْسَ بِنَا رَةٌّ عَلَيْك)) وفي روايةٍ عبد الرحمن
ابن إسحاق عن الزهري عند الطَّبَرَاني: ((إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ كَرَاهِيَةً لَهُ وَلَكِنَّا حُرُمٌ)).

٤٨٩
كِتَابَ الْمُنَاسِكِ
بَابُ المُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد
(عَلَيْكَ) لعلةٍ من العلل. (إِلَّا أَنَّا) بفتح الهمزة أي لأجل أنّا. (حُرُم) بضم الحاء
والراء جمع حرام وهو من أحرم بنسك أي: المحرمون. قال الجوهري: رجل
حرام، أي محرم، والجمع حرم، مثل قذال وقذل، قال العَيْنِي: قوله: ((إِلَّا أَنَّا
حُرُمٌ)) بفتح الهمزة في ((أنّ)) على أنه تعدَّى إليه الفعل بحرف التعليل فكأنه قال:
لأنَّا، وقال أبو الفتح القشيري: إنَّا مكسورة الهمزة؛ لأنَّهَا ابتدائية لاستئناف
الكلام، وقال الكرماني: لام التعليل محذوفة والمستثنى منه مقدر أي لا نرده لعلة
من العلل إلا لأننا حُرم، قال الحافظ: زاد صالحُ بنُ كيسان عند النسائي: ((لَا نَأْكُلُ
الصَّيْدَ)) وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس: (لَوْلًا أَنَّا مُحْرِمُونَ لَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ)).
واستدل بالحديثِ من حرم أكل لحَم الصَّيْد على المحرم مطلقًا سواء صاده
الحلال لنفسه أو لمحرم وذلك؛ لأنَّهُ اقتصرَ في التعليل على كونهِ محرمًا، فدلَّ
على أنه سبب الامتناع خاصة، وأجابَ الجمهورُ عنه بما ذكر عن الشافعي أنه قال:
إن كان الصعب أهدى حمارًا حيًّا فليس للمحرم أن يذبح حمارًا وحشيًّا حيًّا، وإن
كان أهدى لحمًا فيحتمل أنْ يَكُون علم أنه صيد له.
قال الحافظ: جمع الجمهور بين ما اختلف من الأحاديث في الردِّ والقبول بأن
أحاديث القبول - كحديث طلحة وحديث البهزي وحديث أبي قتادة - محمولة
على ما يصيده الحلال لنفسه ثم يهدي منه للمحرم، وأحاديث الرد - كحديث
الصعب وحديث زيد بن أرقم - محمولة على ما صادَهُ الحلال لأجلِ المحرم،
قالوا: والسببُ في الاقتصار على الإحرام عند الاعتذار للصعب أنَّ الصيد لا يحرم
على المحرم إذا صيد له إلا إذا كان محرمًا، فبين الشرط الأصلي وسكت عما عداه
فلم يدل على نفيهِ، وقد بيَّنه الأحاديثُ الأخر، ويؤيد هَذَا الجمع حَدِيث جَابِر -
يعني: الَّذِي يأتي في الفصل الثاني.
وقال الزرقاني: حملَ الجمهورُ حديثَ الصعبِ على أنه قصدهم باصطياده؛ لأنَّهُ
كان عالمًا بأنه وَ له يمرُّ به فصاده لأجله، قال: وتعليله وَلّ للصعب بأنه محرم لا
يمنع كونه صيد له، ولأنَّه بين الشرط الَّذِي يحرم الصيد على الإنسان إذا صيد له
وهو الإحرام وَقَبِلَ حمار البهزي وفرقه على الرفاق؛ لأنَّهُ كان يتكسبُ بالصيد
فحمله على عادته في أنه لم يصد لأجله ◌ِّيٍ، قال: وهذا على رواية أنَّ الصعب

٤٩٠
580
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أهدى لحمًا أما على أنه أهداه حيًّا فواضح، فالإجماع على أنه يحرم على المحرم
قبول صيد وهب له وشراؤه واصطياده واستحداث ملكه بوجه من الوجوه.
وأجاب الحنفية عن حديث الصعب: بأنه مضطرب كما قال الطحاوي، وبأنَّ
الأظهرَ بل الصحيح في الرواية رد الحمار الحي كما تقدَّم عن الجمهورِ، وبأنه
يحتمل أنه علم أنه صيد بدلالة المحرم أو إشارته، وبأن حديث أبي قتادة أولى؛
لأنَّهُ ليسَ فيه اضطراب مثل ما في حديث الصعب، وبأن ردَّهُ وَلّهِ يمكنُ أنْ يَكُون
تنزُّهًا وسَدًّا لذرائع التوسع في أكل الصيد للمحرم وحسمًا لمادته لئلا يفضي
استعمال ما لا بأس به إلى التساهل فيما به بأس في آخرِ الأمرِ، وهذه الأجوبة كلها
مخدوشة لا يخفى على المنصف ما فيها من الخدشات والتعسفات.
هذا؛ وفي حديث الصعب من الفوائد: الحكم بالعلامة لقوله: ((فلما رَأَى ما
في وجههِ))، وفيه: جواز ردِّ الهدية إذا وجد مانع من قبولها وترجم له البخاري: من
رد الهدية لعلَّةٍ. وفيه: كراهية رد هدية الصديق لما يقع في قلبه، فإنه مَّل طيب نفسه
بذكر عذر الردِّ، وفيه: إخبار المهدى إليه بسبب الردِّ لتطمئن نفس المهدي، وتزول
وساوسه ويطيب قلبه، وفيه: أن الهبة لا تدخل في الملك إلا بالقبول، وإن قدرته
على تملكها لا تصيره مالكًا لها.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجَهُ البخاريُّ في الحجِّ، وفي الهبة ومُسْلِمٍ فِي الحج، وأخْرَجَه
أيضًا أَحْمَد (ج٤: ص ٣٧، ٣٨، ٧١، ٧٢، ٧٣) ومالك والترمذي والنَّسَائِي وَابْن
ماجه والدرامي وَابْن الجارود (ص١٥٤) وَابْن خزيمة وعبد الرزاق (ج٤: ص
٤٢٦) والحميدي (ج٢: ص ٣٤٤) والطحاوي والْبَيْهَقِي وغَيْرهم.

٤٩١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد
٢٧٢٢ - [٢] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فَتَخَلَّفَ مَعَ
بَعْضٍ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ مُحْرِمُونَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأَوْا حِمَارًا وَحْشِيًّا قَبْلَ أَنْ
يَرَاهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ تَرَكُوهُ، حَتَّى رَآهُ أَبُو قَتَادَةَ، فَرَكِّبُّ فَرَسًا لَهُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوهُ
سَوْطَهُ، فَأَبَوْا، فَتَنَاوَلَهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَعَقَرَهُ، ثُمَّ أَكَلَ فَأَكَلُوا فَنَدِمُوا، فَلَمَّا أَدْرَكُوا
رَسُولَ اللّهِ وَلَهِ سَأَلُوهُ، قَالَ: ((هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟))، قَالُوا: مَعَنَا رِجْلُهُ،
فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ◌َ فَأَكَلَهَا))
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
- وِفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قَالَ: ((أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ
يَحْمِلَ عَلَيْهَا؟ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ: ((فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ
لَحْمِهَا)»(*) .
الشّرْجُ
٢٧٢٢ - قوله: (وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَ) أي: عام
الحديبية، كما في رواية يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عند الشيخين
وغَيْرِهما. قال الحافظُ: قوله: (الْحُدَيْبِيَة) أصحُ من رواية الواقدي من وجهٍ آخر
عن عبد الله بن أبي قتادة أن ذلك كان في عمرة القضية، ووقع في رواية أبي عوانة
عن عثمان بن عبد الله بن موهب عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عندَ الشيخين
أيضًا: أنَّ رسولَ اللَّهِوَ لَ خرِجَ حاجًّا فخرجوا معَهُ. قال الإسماعيلي: هَذَا غلط؛
فإنَّ القصةَ كانت في عمرةٍ، وأما الخروج إلى الحجِّ فكان في خلقٍ كثير، وكان
كلهم على الجادةِ لا على ساحلِ البحرِ، ولعلَّ الراوي أراد: خرج محرمًا. فعبّر عن
الإحرامِ بالحجِّ غلطًا.
قال الحافظ: لا غلط في ذلك، بل هو من المجاز السائغ، وأيضًا فالحجُّ في
الأصل قصد البيت فكأنه قال: خرج قاصدًا للبيتِ، ولهذا يقالُ للعمرة: الحج
(٢٧٢٢) البُخَارِي (١٨٢٣)، ومُسلم (١١٩٦)، وأبو دَاوُد (١٨٥٢)، والترمذي (٨٤٧)، والنَّسَائِي (٥]
١٨٢) فِيهِ عَنْهُ.
(*) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْهُ فِیهِ .

٤٩٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
الأصغر، ثُم وجدتُ الحديث من رواية محمد بن أبي بكر المقدمى عن أبي عوانة
بلفظ: ((خَرَج حاجًّا أو معتمرًا)). أخرجَهُ البيهقيُّ، فتبيَّن أنَّ الشك فيهِ من أبي
عوانة، وقد جزمَ يحيى بنُ أبي كثير بأن ذلك كان في عمرة الحديبية، وهذا هو
المعتمد، انتهى.
واعلم: أنه اختلفت الروايات في قصَّةِ اصطياد أبي قتادة الحمار الوحشي إجمالاً
وتفصيلاً وتقديما وتأخيرًا، وقد أجمل الكلام عليها الحافظ في ((الفتح)) والشيخ
محمد عابد السندي في ((المواهب اللطيفة))، قال الحافظ: حاصل القصة أن النَّبِي
وَّ لما خرج في عمرة الحديبية فبلغ الروحاء وهي من ذي الحليفة على أربعة
وثلاثين ميلًا، أخبروه بأنَّ عدوًّا من المشركين بوادي غيقة - بفتح الغين المجمعة
بعدها ياء ساكنة ثم قاف مفتوحة ثم هاء، قال السكوني: هو ماء لبني غفار بين مكة
والمدينة. وقال يعقوبُ: هو قليب لبني ثعلبة يصب فيه ماء رضوى ويصب هو في
البحر - يخشى منهم أن يقصدوا غرته فجهز طائفة من أصحابه فيهم أبو قتادة إلى
جهتهم ليأمن شرَّهم، فلما أمنوا ذلك لَحِق أبو قتادة وأصحابُهُ بالنبي ◌َّ فأحر موا إلا
هو يعني: أن أصحابه كانوا أحرموا من الميقاتٍ أو أحرموا في أثناءِ تجواله وحده
لاستطلاع أخبار العدو إلا هو فإنه لم يحرم فاستمرَّ هو حلالاً؛ لأنَّهُ إِما لم يجاوز
الميقات، وإما لم يقصد العمرة، وقال أيضًا: إن الروحاء هو المكان الَّذِي ذهب أبو
قتادة وأصحابه منه إلى جهةِ البحرِ ثم التقوا بالقاحة - بالقاف والحاء المهملة
المخففة، واد على نحو ميل من السقيا وعلى ثلاث مراحل من المدينة - وبها وقع
له الصيد المذكور وكأنه تأخر هو ورفقته للراحة أو غيرها وتقدمهم النَّبِي وَّ إلى
السقيا حتى لحقوه، قال: ووقع في حديث أبي سعيد عند ابن حبان والبزار أن ذلك
وقع وهم بعسفان، وفيه نظرٌ، والصحيحُ ما سيأتي بعد باب - أي: عند البخاريِّ من
طريق صالح بن كيسان عن أبي محمدٍ مولى أبي قتادة عنه -، قالَ: ((كُنَّا مع النبيِّ وَ
بالقاحة، ومنا المحرم وغير المحرم - يريد بغير المحرم نفسه فقط -، فرأيت
أصحابي يتراءون شيئًا فنظرت، فإذا حمار وحش ... ))، الحديث.
قال الحافظ: وبهذا يعني بما ذكره من حاصل القصةِ، وأنَّ أبا قتادةَ استمرَّ
حلالًا؛ لأنَّهُ إما لم يجاوز الميقات وإما لم يقصد العمرة يرتفعُ الإشكال الَّذِي ذكرَهُ
أبو بكرٍ الأثرمُ، قال: كنت أسمع أصحابنا يتعجبون من هَذَا الحديث ويَقُولُون:

٤٩٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الضَّيْد
كيف جازَ لأبي قتادة أن يجاوزَ المقيات وهو غير محرم، ولا يدرون ما وجهه. قال:
حتى وجدته في رواية من حديث أبي سعيد فيها: ((خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ وَّ
فأحرمنا، فلما كنا بمكان كذا إذا نحن بأبي قتادة، وكان النبيُّ وَّل بعثه في
وجهٍ ... ))، الحديث. قال: فإذا أبو قتادة إنما جازَ له ذلك؛ لأنَّهُ لم يخرج يريد
مكة .
قال الحافظ: والذي يظهر أن أبا قتادة إنما أخر الإحرام؛ لأنَّهُ لم يتحقق أنه
يدخل مكة فساغ له التأخير، قال: والروايةُ التي أشارَ إليها الأثرم، تقتضي أنَّ أبا
قتادةَ لم يخرجْ مع النبيِّ نَّهِ من المدينةِ، وليس كذلك، أي: لأنَّ عامة الروايات
من حديثٍ أبي قتادةَ على أنَّ أبا قتادة خرجَ مع النبيِّ وََّ من المدينة، وأن بَعْثَه أبا
قتادة ومن معه كان من الروحاءِ، وأخرج ابن حبان في ((صَحِيحِه)) والبزار
والطحاوي من طريق عياض بن عبد اللَّه عن أبي سعيدٍ، قال: ((بعثَ رسولُ اللَّه أبا
قتادة على الصدقةِ وخرج رسول اللَّه وَّله وأصحابه وهم محرمون حتى نزلوا
بعسفان ... ))، الحديث.
قال الحافظ: فهذا سبب آخر ويحتمل جمعهما. وقال في ((المواهب اللطيفة)):
الحاصلُ أن أبا قتادة خرج مع النَّبِي وَّر من المدينة، وقد كان رسولُ اللَّه ◌َل أمره
بأخذ الصدقاتِ، وكانت طريقهم متحدة فأحر موا كلهم غيره بناء على أنه لم يقصد
إذ ذاك مكة، ثم سارَ مع النبيِّ وَّلَه بناء على اتحاد الطريق حتى بلغوا الروحاء
فأخبروا بالعدو، فوجهه بَّ مع أصحاب له محرمين، فلما أمنوا رجع على حالتهِ
التي كان عليها فساغ له التأخير لذلك، انتهى.
وقال القاري: إنَّ أبا قتادة لم يحرم لقصدِهِ الإحرام من ميقات آخر وهو
الجحفة، فإن المدنى مخير - عند الحنفية - بين أن يحرم من ذي الحليفة وبين أن
يحرم من الجحفةِ، وفيه أن رواية أبي سعيدٍ التي فيها ذكر عسفان تدلّ على تأخير
أبي قتادة الإحرام من الجحفة، ولكن نظر فيها الحافظ وصحَّح خلافها كما تقدَّم،
وقال القسطلاني: لم يحرم لاحتمال أنه لم يقصد نسكًا إذ يجوز دخول الحرم بغير
إحرام لمن لم يرد حجًّا ولا عمرة كما هو مذهب الشافعية، وأما على مذهب
القائلين بوجوب الإحرام فيجاب: بأنَّه إنما لم يحرم؛ لأنَّهُ وَّ كان أرسله إلى جهة

٤٩٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ea
أخرى ليكشف أمر عدوٌّ، انتهى. وقيل: كانت هذه القصة قبلَ أن يوقت الشَّبِي وَلِّل
المواقيت.
(فَتَخَلَّفَ) أي: تأخر أبو قتادة. (مَعَ بَعْضٍ أَصْحَابِهِ) الضمير راجع إلى أبي قتادة
أو النَّبِي ◌َّهِ. (وَهُمْ) أي: البعض. (مُحْرِمُونَ وَهُوَ) أي: أبو قتادة. (غَيْرُ مُحْرِمِ)
تقدَّمِ بيان وجه عدم إحرامه، وفي رواية لمسلم: ((حتَّى إذا كانوا ببعضٍ طريقٍ مكَّةً
تخلَّفَ مَعَ أصحابٍ لَهُ مُحرمين وهو غيرُ مُحْرِم)). وفي رواية للبخاري: ((قال -
أي: أبو قتادة -: انطلقنا مع النبيِّ وَّرِ عامَ الحديبية، فأحرمَ أصحابُهُ ولم أحرم،
فأنبئنا بعدوِّ بغيقة فتوجهنا نحوهم، فبصر أصحابي بحمارٍ وحشٍ)). وفي أخرى له
أيضًا: (كُنَّا مع النبيِّ وَّر بالقاحةِ من المدينةِ على ثلاث - أي: مراحل -، ومنّا
المحرمُ وِمنَّا غيرُ المحرم، فرأيتُ أصحابي يتراءون شيئًا)). وقد تقدَّم أن الروحاء هو
المكان الَّذِي ذهبَ أبو قتادة وأصحابه منه إلى جهةِ البحرِ، ثم التقوا بالقاحة، وبها
وقع له الصيد المذكور، فالظاهر: أنَّ المراد في رواية ((المشكاة)) تخلَّفهم بالقاحة
بعد ما انصرفوا عن ساحل البحر وفيها وقع أمر الصيدِ.
(فَرَأَوْا حِمَارًا وَحْشِيًّا) نوع من الصيدِ على صفة الحمار الأهلي وبينهما بعض
الميزاتِ، وجمعه حُمُر، ونسبَ إلى الوحشِ لتوحشه وعدم استئناسه. قال
النووي: قوله: حمارًا وحشيًّا. كذا ذكرَ في أكثر الرواياتِ، وفي رواية أبي كامل
الجحدري عن أبي عوانة: ((إذا رأوا حمر وحشٍ، فحملَ عليها أبو قتادة فعَقَرَ منها
أتانًّا)). فهذه الرواية تبين أن الحمارَ في أكثر الرواية المراد به أنثى وهي الأتان
سُميت حمارًا مجازًا، انتهى.
قلت: وهكذا وقعَ في رواية موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة عند البخاري،
قال الحافظ: قوله: ((فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا)) في هَذَا السياق
زيادة على جميع الروايات؛ لأنَّهَا متفقة على إفرادِ الحمار بالرؤية، وأفادت هذه
الرواية أنه من جملة الحمرٍ، وأن المقتول كان أتانا، أي: أنثى، فعلى هَذَا في
إطلاقِ الحمار عليها تجوز، انتهى. وكذا قال القسطلاني. وزاد: أو أنَّ الحمارَ
يطلقُ على الذَّكرِ والأُنْثى.
(قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ) أي: قبل رؤية أبي قتادة ذلك الحمار. (فَلَمَّا رَأَوْهُ تَرَكُوهُ) أي:

٤٩٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ المُحْرِمُ يَجْتَنِبِ الصَّيْد
الحمار. (حَتَّى رَآهُ أَبُو قَتَادَةَ) أي: حتى رأى أبو قتادة الحمار، وزاد في روايةٍ
عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عند البخاريِّ: ((فبينما أَنا مع أصحابِهِ يضحكُ بعضُهُم
إلى بعضٍ)). وقد بسطَ شُرَّاحِ ((الصحيحين)) في أنَّ ضحك بعضِ المُحْرِمين إلى
بعضٍ هل هو داخل في الدلالة على الصيد أم لا؟ ومال الحافظُ وغيره من العُلَمَاء
إلى أنه ليس بدلالةٍ. وقد ترجم البُخَارِي على هذه الرواية: باب إذَا رَأَى المحرمونَ
صَيْدًا فضَحِكُوا ففَطن الحلالُ. قال الحافظُ في شرحِهِ: أي: لا يكون ذلك منهم
إشارة له إلى الصيدِ فيحل لهم أكل الصيد، قلتُ: ووقع في هذه الرواية عند مسلمٍ :
((يضحك بعضُهُم إليَّ)). أي: بتشديد الياء. قال عياض: وهو خطأ وتصحيف وإنّما
سقط عليه لفظة ((بعض))، والصواب: يضحك بعضهم إلى بعض كما في سائرٍ
الطَّرُق والروايات، وتعقبَّه النوويُّ وذهبَ الحافظُ إلى تصويب ما قال القاضي من
شاء الوقوف على كلام القاضي، وتعقب النووي، وجواب الحافظ رجعَ إلى
((الفتح)) في شرح باب: إذا صادَ الحلالُ فَأَهْدى للمحرم الصيدَ. من كتاب الحجّ.
(فَرَكِبَ) أي: أبو قتادة بعد ما رأى الحمار. (فَرَسًا لَهُ) وعندَ البخاريِّ بعده: يقالُ
له الجَرَادة. قال الحافظُ: هو بفتح الجيم وتخفيف الراء والجراد اسم جنس، ووقعَ
في ((السيرةٍ)) لابن هشام أن اسم فرسٍ أبي قتادة: الحَزْوَة. أي: بفتح المهملة
وسكون الزاي بعدها وَأَو، فإما أنْ يَكُون له اسمان، وإما أن أحدهما تصحف
والذي في الصحيح هو المعتمد، انتهى.
(فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوهُ) أي: يعطوه. (سَوْطَهُ، فَأَبَوْا) لعدم جواز المعاونة. (فَتَنَاوَلَهُ)
أي: أخذ بيدِهِ، وفي رواية أبي حازم عند البُخَارِي في الهبة: ((فأبصروا حمارًا
وحشيًّا، وأنا مشغول أَخْصِف نعلي، فلم يؤذنوني به، وأحبوا لو أني أبصرته،
فالتفت فأبصرته، فقمتُ إلى الفَرَس فأسرجته، ثم ركبتُ ونسيتُ السوط والرمح،
فقلت لهم: نَاولوني السوطَ والرمحَ فقالوا: لا واللهِ لا نُعينك عليه بشيء، فغضبت
فنزلت فأخذتهما ثم ركبت)). وفي رواية: ((وكنتُ نسيتُ سوطي فقلتُ لهم:
ناولوني سوطي، فقالوا: لا نعينك عليه فنزلتُ فأخذته)).
(فَحَمَلَ عَلَيْهَ) أي: وجه الفرس نحوه فأدركه. (فَعَقَرَهُ) أي: قتله، وأصل العقر
الجرح، وفي رواية: ((فشددتُ على الحمارِ فعقرتُهُ، ثم جئتُ بهِ وقد مَاتَ)). وفي

٤٩٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أخرى: ((حتَّى عقرته فأتيت إليهم فقلتُ لهم: قُوموا فاحتملوا فقالوا: لا نمسُهُ.
فحملته حتى جِئْتَهم بهِ)). (ثُمَّ) أي: بعد طبخه. (أَكَلَ) أي: أبو قتادة منه. (فَأَكَلُوا)
تبعًّا له. (فَتَدِمُوا) لظنِّهم أنه لا يجوزُ للمحرم أكل الصيد مطلقًا، وفي رواية لمسلم:
((فأكلَ منه بعضُ أصحابٍ رسولِ اللّهِ بَله وأبى بَعْضُهم)). وفي رواية للشيخين:
((فأتيتُ به أصحابي، فقال بعضُهُم: كُلُوا، وقَالَ بَعْضُهُم: لَا تَأْكُلُوا)).
قال الحافظ: قد تقدَّم من عدة أوجه أنهم أكلوا، والظاهرُ: أنهمٍ أكلوا أول ما
أتاهم، ثم طرأ عليهم الشك كما في لفظ عثمان بن موهب عن عبد الله بن أبي قتادة
عند البخاريِّ: ((فأكلنا من لحمِهَا ثُمَّ قُلنا: أنأكلُ من لحمٍ صيدٍ ونحنُ مُحرمون؟)).
وأصرح من ذلك رواية أبي حازم عند البُخَارِي في الهبةِ بلفظ: ثُمَّ جئتُ به فوقعوا
فيه يأكلونَ، ثُم إنهم شكوا في أكلِهِم إياه وهم حرم.
(فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ) أي: لحقوه وقد تقدَّمَهم إلى السقيا، قال الحافظُ:
في الحديثِ من الفوائد: أن عقر الصيد ذكاته، وجواز الاجتهاد في زمنِ النبيِّ وَّ،
قال ابن العربي: هو اجتهاد بالقرب من النَّبِي وَ لا في حضرتهِ، وفيه: العملُ بما
أدَّى إليه الاجتهاد ولو تضاد المجتهدان، ولا يعابُ واحد منهما على ذلك لقوله:
((فلم يعب ذلك علينا)). وكأنَّ الآكل تمسك بأصل الإباحة والممتنع نظر إلى الأمر
الطارئ، وفيه: الرجوع إلى النص عند تعارض الأدلة يعني: لأنَّ الصَّحَابَة بعد ما
أكلوا من الحمار الوحشي مجتهدين وحصل لهم شك في جواز أكلهم رجعوا في
تَحْقِيق ذلك إلى النَّبِي وَ.
(سَأَلُوهُ) أي: عن ذلك هل يجوز أكله أم لا؟ وفي رواية عند البخاري: فأتيتُ
النبيَّ وَّهَ وَهُو أمامنا فسألته، فقال: ((كُلُوهُ حَلَالٌ)). (قَالَ) أي: النَّبِي ◌َّهِ بعد ما
سألهم عن إشارتهم ودلالتهم وقتلهم. (هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ قَالُوا: مَعَنَا رِجْلُهُ) وفي
رواية أبي حازم عندَ البخاريِّ في الهبةِ: ((فَرُحْنَا وَخَبَأَتُ الْعَضُدَ مَعِي)). وفيه: فَقَالَ:
((مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟))، فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ فَأَكَلَهَا حَتَّى تَعَرَّقَهَا. وفي رواية المطلب عند
سعيد بن منصورٍ : «قدْ رفَعْنَا لَكَ الذراع فأكلَ مِنْها)). وجمع بأنه أكل من كليهما.
(فَأَخَذَهَا) أي: رجله. (فَأَكَلَهَا) إشارة إلى أن الجواب بالفعل أقوى من القول.
قال الحافظُ: فيه الاستيهاب من الأصدقاء وقبول الهدية من الصديق، وقال
عياض: عندي أن النَّبِي وَِّ طلب من أبي قتادة ذلك تطييبًا لقلب من أكلَ منه؛ بيانًا

٤٩٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد
للجواز بالقول والفعل لإزالة الشبهة التي حصلت لهم، انتهى. والحديث دليل
على جواز أكل الحمار الوحشي وأنه من الصيد بخلاف الحمار الأهلي فإنه رجس،
وأن تمني المحرم أن يقعَ من الحلال الصيد ليأكل المحرم منه لا يقدح في إحرامهِ،
وأنه يجوزُ للمحرم الأكل من صيد الحلال إذا لم يصده لأجلهِ، وهذا يقوي من
حملِ الصيدِ في قَوْلِه تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِ﴾ [المائدة: ٩٦] على الاصطياد.
تنبيه:
روى أحمد (ج٥: ص ٣٠٤) وابنُ ماجه وعبد الرزاق في ((مصنَّفِهِ)) (ج ٤: ص
٤٣٠) والدراقطني وإسحاق بن راهويه وَابْنِ خزيمة والْبَيْهَقِي (ج ٥: ص ١٩٠) من
طريق معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه، قال: ((خرجتُ
مع رسولِ اللهِ مََّ زمنَ الحديبيةِ فأحرم أصحابي ولم أحرم أنا، فرأيتُ حمارَ
وحشٍ، فحملتُ عليه فاصطدته، فذكرتُ شأنه لرسولِ اللَّه وَ له وقلت له: إنما
اصطدته لك، فأمرَ النبيُّ وَلّ أصحابه فأكلوه ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته
له)» .
قال ابن خزيمة وأبو بكر النيسابوري والدارقطني والجوزقي: تفرد بهذه الزيادة
معمر، قال ابن خزيمة: إن كانت هذه الزيادة محفوظة احتملَ أنْ يَكُون ◌َ ليل أكل من
لحم ذلك الحمار قبل أن يعلمه أبو قتادة أنه اصطاده من أجله فلما أعلمه امتنع،
انتھی .
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنَّهُ لو كان حرامًا ما أقرَّ النَّبِي ◌ِّل على الأكل منه إلى
أن أعلمه أبو قتادة بأنه صاده لأجله، ويحتملُ أنْ يَكُون ذلك لبيانِ الجوازِ، فإن الَّذِي
يحرم على المحرم إنما هو الَّذِي يعلم أنه صيد من أجله، وأما إذا أتي بلحمٍ لا يدري
ألحم صيد أو لا فحمله على أصل الإباحة، فأكل منه لم يكن ذلك حرامًا على
الآكل. وعندي بعد ذلك فيه وقفة، فإنَّ الروايات المتقدمة ظاهرة في أن الَّذِي تأخر
هو العضد، وأنه يَّثّ أكلها حتى تعرقها، أي: لم يبق منها إلا العظم، ووقع عند
البُخَارِي في الهبة: ((حتى نفدها))، أي: فرغها، فأي شيء يبقى منها حينئذ حتى
يأمر أصحابه بأكله، لكن رواية أبي محمدٍ في الصيد عند البخاري: ((أَبَقِيَ مَعَكُمْ
شَيْءٌ مِنْهُ؟)) قلت: نعم. قال: ((كُلُوا فَهُوَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللهُ)) فأشعر بأنه بقي

٤٩٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
منها غير العضد والله أعلم، انتهى.
وقال الزيلعي: قال صاحب ((التنقيح)): والظاهر أن هَذَا اللفظ الَّذِي تفرد به
معمر غلط، فإنَّ في ((الصَّحِيحَيْن)): أنَّ النبيَّ وَسَ أْكلَ منْهُ. وفي لفظ لأحمد (ج٥ :
ص ٣٠٦): قلتُ: هذه العضد قد شويتها وأنضجتها فأخذها فنهشها ◌َّ وهو حرام
حتى فرغ منها، انتهى. وقال الشيخُ محمد عابد السندي في ((المواهب اللطيفة)):
والأولى أن يقال: إن رواية معمر شاذة لمخالفته للثقات الأثبات فلا عبرة بها والله
أعلم، انتهى.
قلت: معمر ثقة لا يضر تفرده وقد تقدم وجه الجمع بين الروايتين في كلام ابن
خزيمة، ويشهد للزيادة المذكورة في رواية معمر حَدِيث جَابِر الآتي في الفصل
الثانى .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البُخَارِي في الجهاد والأَطْعِمَة والهبة والحج والمغازي
والصيد، ومُسْلِم فِي الحج واللفظ المذكور في البخاري في الجهادِ، والحديث
أخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٥: ص ٣٠١، ٣٠٢، ٣٠٦، ٣٠٧، ٣٠٨) ومالك وأبو دَاوُد
والترمذي والنّسائي وابن ماجه، والحميدي (ج١ : ص ٢٠٤) والبیھَقِي (ج٥ ص
١٨٧، ١٨٨، ١٨٩) والدراقطني وَابْن الجارود (ص١٥٣، ١٥٤) والشافعي
والطحاوي وغَيْرِهم. (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا) أي: للشيخين المعلوم من متفَق عَلَيه،
واللفظ الآتي للبخاري في الحج، ولفظ مسلم: فقالَ: ((هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ
إِلَيْهِ بِشَيْءٍ؟)) وفي رواية أخرى له: قال: ((أَشَرْتُمْ أَوْ أَعَنْتُمْ أَوْ أَصَدْتُمْ)).
(أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ) أي: بالصريح أو الدلالة. (أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا) قال القاري: أي:
على الحمارِ أو الصيد وتأنيثه باعتبار الدابة، قلتُ: الضمير راجع إلى الأتان؛ لأنَّهُ
لا يطلقُ إلا على الأنثى وهي مذكورة في رواية البُخَارِي التي هذه تتمتها وقد ذكرنا
لفظها. (أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟) عطف على أمره. قال القاري: والفرقُ بين الدلالة
والإشارة أن الأولى باللسان والثانية باليدٍ، وقيل: الأولى في الغائب والثانية في
الحضور، وقيل: كلتاهما بمعنى واحد، انتهى. وفيه: دليل على أن مجرد الأمر
من المحرم للصائد بأن يحمل على الصيد، والإشارة منه مما يوجب عدم الحل
لمشار كته للصائد.

٤٩٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْمُحْرِمُ يَجْتَنِبُ الصَّيْد
(فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا) قال الحافظ: صيغةُ الأمر هنا للإباحة لا للوجوب؛
لأنَّهَا وقعت جوابًا عن سؤالهم عن الجواز لا عن الوجوب فوقعت الصيغة على
مقتضى السؤال ولم يذكر في هذه الرواية أنه ول# أكل من لحمها، وذكره في
الروايات الأخرى كما تقدم، وفي الحَدِيث: أنه لا يجوزُ للمحرم الاصطياد، ولا
الإعانة عليه بدلالة أو إشارة أو مناولة سلاح أو غير ذلك مما يعين على قتله أو
صيده، وفيه: جواز أكل المحرم مما صاده الحلال إذا لم يكن من المحرم إعانة أو
إشارة أو دلالة، وهو إجماع إذا لم يصد لأجله، فإن صيد لأجله، فكذلك عند
الجمهور منهم الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد خلافًا للحنفية إذ قالوا: يجوزُ
له أكل ما صيد لأجله، وقد تقدَّم في أول الباب ذكر الخلاف في المسألةِ، وأن
حديثَ أبي قتادة هَذَا من مستدلات الحنفيةِ، فإنَّ ظاهرَهُ أنه صادَهُ لأجلٍ رفقهم
المحرمين، قال القاري في ((شرح النقابة)): الأولى في الاستدلال على المطلوب
حديث أبي قتادة، فإنهم لما سألَوَه ◌َّه لم يجب لحله لهم حتى سألهم عن موانع
الحل، أكانت موجودة أم لا؟ فقال ◌َّ: ((أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ
إِلَيْهَا؟» قالوا: لا. فقال: ((فَكُلُوا إِذَّا)). فلو كان من الموانع أن يصاد لهم لنظمه في
سلك ما يسأل عنه منها في التفحص عن الموانع ليجيب بالحكم عند خلوه عنها،
وهذا المعنى كالصريح في نفي كون الاصطياد لهم مانعًا، انتهى كلام القاري.
وهو مأخوذ من تقرير ابنٍ الهمام، وذكر بعض الحنفية كلام ابن الهمام وزاد
عليه: أن العادة قاضية بأن مثل هَذَا الحيوان، أي: الحمار الوحشي في عظمٍ جثته
وكثرة لحمه لا يصيده الصائد؛ لأن يأكله هو وحده، وكان أبو قتادة إذ ذاك في السفر
ولم يكن معه إلا رفقته المحرمون فيغلب على الظنِّ - والله أعلم -، أنه كان نوى
تشريكهم في أكلهِ ولا سيما بعد ما علم بقرائن الحال من تمنيهم اصطياده كما يدل
عليه قوله في بعض الروايات: ((فَلَمْ يُؤْذِنُونِي بِهِ وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ))، انتهى.
وأجيب عن ذلك: بأن رواية معمر عند أحمد وابن ماجه وَابْن خزيمة وغَيْرهم
صريحة في أنه ◌ّيّ لم يأكل منه حينما أخبره أبو قتادة بأنه إنما اصطاده لأجله وَ ل ،
وهذا يقتضي أن أبا قتادة لم يصد لأجل رفقته وأن الاصطياد لأجل المحرم من
موانع الأكل، ولذا امتنع النَّبِي ◌َّ من أكله وأذن لرفقته فيه، وأما استبعاد أن يصيد
أبو قتادة الحمار الوحشي لأجله فقط دون رفقته، فقد أجاب عنه صاحب ((تيسير