Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فيما أمره به من ذبح الشاة، بل وافق وزاد، ففيه أن من أفتى بأيسر الأشياء فله أن
يأخذ بأرفعها كما فعل كعب.
وقال الحافظ: هو فرع ثبوت الحديث ولم يثبت بما قدمته، انتهى. وقال الحافظ
العراقي: لفظ بقرة شاذ منكر، هَذَا واختلفت الروايات فيما افتدى به كعب بن
عجرة، قال الحافظ بعد ذكر رواية أبي الزبير عن مجاهد عند الطَّبَرَاني بلفظ: ما
أجد هديًا؟ قال: ((فَأَطْعِمْ))، قال: ما أجدُ؟ قال: ((صُمْ)) ما نصه: عرف من رواية أبي
الزبير أن كعبًا افتدى بالصيام، ووقع في رواية ابن إسحاق ما يشعر بأنه افتدى
بالذبح؛ لأن لفظه: ((صم أو أطعم أو انسك شاة))، قال: فحلقتُ رأسي ونسكت.
وروى الطَّرَاني من طريق ضعيفة عن عطاء عن كعب في آخر هَذَا الحديث، فقلت :
يا رسولَ الله: خر لي قال: ((أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ)»، انتهى. كذا ذكر الحافظ ولم
يجزم بشيء من الثلاثة، لكن في كلامه السابق الإشارة إلى أن الَّذِي فعله كعب إنما
هو الافتداء بذبح الشاة حيث قال بعد ذكر رواية البقرة: وقد عارضها ما هو أصح
منها من أن الَّذِي أمر به كعب وفعله في النسك إنما هو شاة، وتقدم أن ابن بطال
اعتمد على رواية افتدائه بالبقرة، وتعقبه الحافظ: بأن ذلك لم يثبت، ورواية أبي
داود من طريق الحكم عن ابن أبي ليلى بلفظ: فحلقت رأسي ثم نسكت. تدلّ على
أنه افتدى بالذبح وهي تؤيد رواية ابن إسحاق، لكن يأباه حديث الشعبي عن كعب
عند أبي داود أيضًا، قال وَّرَ: ((أَمَعَكَ دَمٌ؟)) قال: لا، قالَ: ((فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّام أَوْ
تَصَدَّقْ)). وجمع بينهما بأنه يحتمل أنه لم يكن واجدًا للشاة حين سأله وََّ، ثمّبعد
ذلك حصلت له فذبحها .
قال الزرقاني: يحتمل أنه وجدها بعد ما أخبر أنه لا يجدها فنسك بها، وأما ما
أخرجه ابنُ عبدِ البرِّ أنه قال: فحلقت وصمت، فإما أنها رواية شاذة أو أنه فعل
الصوم أيضًا باجتهاده، واختلف العُلَمَاء في موضع ذبح فدية الأذى، فقال مالك
وأحمد: يذبح حيث شاء ولا يختص ذلك بمكة ولا بالحرم، وقال الشافعي وأبو
حنيفة: يختصُّ بالحرمِ. قال العَيْنِي: احتجَّ بعموم الحديث مالك على أن الفدية
يفعلها حيث يشاء سواء في ذلك الصيام والإطعام والكفارة؛ لأنَّهُ لم يعين له موضعًا
للذبح أو الإطعام، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت البيان، وقد اتفق العُلَمَاء في
الصوم أنَّ لَهُ أن يفعلَهُ حيثُ شاءَ لا يختصُّ ذلك بمكّة ولا بالحرم، وأما النسك
٤٦١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ المُحرِمُ
والإطعام فجوزهما مالك أيضًا كالصوم، وخصص الشافعي ذلك بمكة أو بالحرم،
واختلف فيه قول أبي حنيفة فقال مرة: يختص بذلك الدم دون الإطعام، وقال مرة:
يختصان جميعًا بذلك. وقال هشيم: أخبرنا ليث عن طاوس أنه كان يقول: ما كان
من دم أو إطعام فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء، وكذا قال عطاء ومجاهد
والحسن، انتهى.
وقال الخرقي: كلُّ هدي أو إطعام فهو لمساكين الحرم إن قدرٍ على إيصاله إليهم
إلا من أصابه أذى من رأسه فيفرقه على المساكين في الموضع الَّذِي حلق فيه، قال
ابنُ قدامة: أما فدية الأذى فتجوَّز في الموضع الَّذِي حلق فيه نص عليه أحمد، وقال
الشافعي: لا يجوزُ إلا في الحرم؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِّيقِ﴾.
[الحج: ٣٣] ولنا أنه يَّله أمر كعب بن عجرة بالفدية بالحديبية ولم يأمر ببعثه إلى الحرم،
وروى الأثرم وإسحاق والجوزجاني في كتابيهما عن أبي أسماء مولى عبد الله بن
جعفر قال: كنت مع عثمان وعلي وحسين بن علي رَوَُّةُ حجاجًا، فاشتكى حسين بن
علي بالسقيا، فأومأ بيده إلى رأسه فحلقه علي ونحر عنه جزورًا بالسقيا، هَذَا لفظ
رواية الأثرم ولم يعرف لهم مخالف، والآية وردت في الهدي، وظاهر كلام
الخرقي اختصاص ذلك بفدية الشعر، وما عداه من الدماء فبمكة.
وقال القاضي في الدماء الواجبة بفعل محظور كاللباس والطيب: هي كدم الحلق
وفي الجميع روايتان إحداهما: يفدي حيث وجد سببه، والثانية: محل الجميع
الحرم، وأما جزاء الصيد فهو لمساكين الحرم نص عليه أحمد ... إلى آخر ما
قال. وقال الدردير: لم يختص النسك بمعنى الفدية بأنواعها الثلاثة: شاة، أو
إطعام ستة مساكين، أو صيام ثلاثة أيام بزمانٍ كأيام منى أو بمكان كمكة أو منى
بخلاف الهدي فإنه يختص بهما إلا أن ينوي بالذبح الهدي بأن يقلد أو يشعر،
والمعتمد أن مجرد النية كاف فحكمه حكم الهدي في الاختصاص بمنى أو مكة،
انتھی .
وفي ((الهدايةٍ)) الصومُ يجزيه في أي موضع شاء؛ لأنَّهُ عبادة في كل مكانٍ،
وكذلك الصدقة عندنا، وأما النسك فيختص بالحرم؛ لأن الإراقة لم تعرف قربة إلا
في زمان أو مكان، وهذا الدم لا يختص بزمان فتعين اختصاصه بالمكان، انتهى.
٤٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
قال الحافظُ: واحتج للمالكية القرطبي بقوله في حديث كعب: ((أَوِ اذْبَحْ نُسُكًا))
قال: فهذا يدلُّ على أنه ليسَ بهدي، قال: فعلى هَذَا يجوز أن يذبحها حيث شاء،
قلت - قائله الحافظ -: لا دلالة فيه؛ إذ لا يلزمُ مِن تسميتِهَا نسكًا أو نسيكة أنْ لا
تسمى هديًا أو لا تعطي حكم الهدي، وقد وقع تسميتها هديًا في رواية للبخاري
حيث قال: ((أو تهدي شاة))، وفي رواية مسلم: ((وَاهْدِ هَدْيًا)) وفي رواية للطبري:
((هَلْ لَكَ هَدْيٌّ؟)) قلتُ: لا أجد، فظهر أن ذلك من تصرف الرواة، ويؤيده قوله في
رواية مسلم: ((أَوِ اذْبَحْ شَاةً)) واستدل به على أنَّ الفدية لا يتعين لها مكان، وبه قال
أكثر التابعين .
وقال الحسن: تتعين مكة، وقال مجاهد: النسك بمكة ومنى، والإطعام بمكة،
والصيام حيث شاء، وقريب منه قول الشافعي وأبي حنيفة: الدم والإطعام لأهل
الحرم والصيام حيث شاء؛ إذ لا منفعة فيه لأهل الحرم، وألحق بعض أصحاب أبي
حنيفة وأبو بكر بن الجهم من المالكية الإطعام بالصيام، انتهى.
والأظهر عندنا في النسك والصدقة أيضًا: أن له أن يفعلهما حيث شاء؛ لأن فدية
الأذى أشبه بالكفارة منها بالهدي، ولأن اللَّه لم يذكر للفدية محلًا معينًا ولم يذكره
النَّبِي وَّهُ وسماها نسكًا، والله أعلم. هَذَا وقد تقدَّم أنَّ الحديثَ تفسير؛ لقوله
تعالى: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًّا أَوْ بِهَِ أَذَى مِّن رَأْسِهِ، فَفِذْيَةٌ مِن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ شٍُ﴾ وسياق
الحديث موافق للآية و(أَوٍ) فيهما للتخيير، وقد ترجم البُخَارِي في الحج من
صحيحه بالآية وقال بعد ذكرها: وهو مخير والصيام ثلاثة أيام.
قال الحافظ: قوله: مخير، من كلام المصنفِ، استفادَهُ من ((أو)) المكرَّرَة، وقد
أشارَ إلى ذَلِك في أولٍ بابٍ كفَّارات الأيمانِ، فقال: وقد خَيَّرَ النبيُّ بَّرَ كعبًا فِي
الفديةِ، ويذكرُ عَنِ ابْن عَبَّاسٍ وعطاء وعِكْرِمة: ما كان في القُرْآن أو فصاحبه
بالخيارِ، قال الحافظ: وأقرب ما وقفت عليه من طريق حديث الباب إلى التصريح
ما أخرجه أبُو دَاوُد من طريق الشعبي عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة: أن
النَِّيِ بَّ قال له: ((إِنْ شِئْتَ فَانْسُك نَسِيكَةً، وَإِنْ شِئْتَ فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ، وَإِنْ شِئْتَ
فَأَطْعِمْ ... )) الحديث. وفي رواية مالك في ((الموطأ)) عن عبد الكريم بإسَّناده في آخر
الحديث: ((أَيُّ ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَأَ)).
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ المُحْرِمُ
٤٦٣
قال الحَافِظُ: لكنْ رواية عبد الله بن معقل عندَ الشيخين تقتضي أنَّ التخيير إنما
هو بين الإطعام والصيام لمن لم يجد النسك، ولفظه عند البخاريٍّ: قال: ((أَتَجِدُ
شَاةً؟)) قال: لا، قال: ((فَصُمْ أَوْ أَطْعِمْ))، ولأبي داود في رواية أخرى: ((أَمَعَكَ دَمٌ؟))
قال: لا، قال: ((فَإِنْ شِئْتَ فَصُمْ)) ونِحوه للطبراني من طريق عطاء عن كعب،
ووافقهم أبو الزبير عن مجاهد عند الطَّبَرَاني، وزاد بعد قوله: ما أجد هديًا، قال:
((فَأَطْعِمْ)). قال: ما أجد. قال: ((فَصُمْ))، ولهذا قال أبو عوانة فِي ((صَحِيحِه)): فيه
دليل على أن من وجد نسكًا لا يصوم، يعني: ولا يطعم لكن لا أعرف من قال بذلك
من العُلَمَاء إلا ما رواه الطَّبَري وغيره عن سعيد بن جبير قال: النسك شاة، فإن لم
يجد قومت الشاة دراهم، والدراهم طعامًا فتصدق به أو صام لكل نصف صاع
يومًا. أخرجه من طريق الأعمش عنه، قال: فذكرته لإبراهيم فقال: سمعتُ عَلْقَمة
مثله. فحينئذ يحتاج إلى الجمع بين الروايتين وقد جمع بينهما بأوجه، منها ما قال
ابن عبد البر: إن فيه الإشارة إلى ترجيح الترتيب لا لإ يجابه، ومنها ما قال النووي:
ليس المراد أن الصيام أو الإطعام لا يجزئ إلا لفاقد الهدي، بل المراد أنه استخبره
هل معه هدي أو لا؟ فإن كان واجده أعلمه أنه مخير بينه وبين الصِّيَام والإِطْعَام، وإنْ
لم يجدْهُ أعلمه أنه مخير بينهما، ومحصله أنه لا يلزم من سؤاله عن وجدان الذبح
تعيينه لاحتمال أنه لو أعلمه أنه يجده لأخبره بالتخييرِ بينَهُ وبين الإطعامِ والصومِ .
ومنها: ما قال غيرهما: يحتملُ أنَّ النَّبِي وَّ لما أذن له في حلق رأسه بسبب
الأذى أفتاه بأن يكفر بالذبح على سبيلِ الاجتهادٍ منه ◌َّ، أو بوحي غير متلو، فلما
أعلمه أنه لا يجد نزلت الآية بالتخييرِ بين الذبح والإطعام والصوم فخيَّره حينئذ بين
الصيام والإطعام لعلمه بأنه لا ذبح معه، فصام لكونه لم يكن معه ما يطعمه،
ويوضِّحُ ذَلِك رواية مسلمٍ في حديثِ عبدِ الله بنِ معقلِ المذكور حيث قال: (أَتَجِدُ
شَاةً؟)) قلتُ: لا، فنزلت هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ شٍُ﴾ فقال: ((فَصُمْ
ثَلاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ))، وفي رواية عطاء الخراساني قال: ((صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِنَّةً
مَسَاكِينًَ، قال: وكان قد علم أنه ليس عندي ما أنسك به، ونحوه فيَّ رواية محمد
ابن كعب القرظي عن كعب، وسياق الآية يشعر بتقديم الصيام على غيره،
وليس ذلك لكونه أفضل في هَذَا المقام من غيره، بل السر فيه أن الصَّحَابَة الَّذِين
خوطبوا شفاهًا بذلك كان أكثرهم يقدر على الصيام أكثر مما يقدر على الذبح أو
٤٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
الإطعام، انتهى كَلَام الحَافِظ.
ثم إن التخيير في الفدية بأنواعها الثلاثة، هل يختص بالعذر والضرورة أو يعم؟
وأن الفدية المذكورة تختص بالحلق أو تعم الحلق وغيره من محرمات الإحرام
كاللبس والتطيب؟ وهل تختص بالعمد أو تعم العمد والخطأ والنسيان؟ وما هو
حكم بعض شعر الرأس وحكم شعر الجسد غير الرأس؟
العلماء مختلفون في ذلك كله من أراد الوقوف على مذاهبهم ومستندات
أقوالهم، فليرجع إلى العَيْنِي (ج ١٠: ص ١٥٢) و((المغني)) (ج٣: ص ٤٩٢،
٤٩٣، ٤٩٤) و ((أضواء البيان)) (ج٥: ص ٣٦٠ إلى ٤٠٠).
وفي الحَدِيث من الفوائد: أن السنة مبينة لمجمل الكتاب لإطلاق الفدية في
القُرْآن وتقييدها بالسنة، وتحريم حلق الرأس على المحرم والرخصة له في حلقها
إذا آذاه القمل أو غيره من الأوجاع مع الكفارة المذكورة، وأن النسك ها هنا شاة،
فلو تبرع بأكثر من هَذَا جاز، وفيه: تلطف الكبير بأصحابه وعنايته بأحوالهم وتفقده
لهم، وإذا رأى ببعض أصحابه ضررًا سأل عنه وأرشده إلى المخرج منه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البُخَارِي في الحجِّ والمغازي والتفسيرِ والمرضى والطبِّ
والنذورٍ، ومُسْلِم فِي الحج، وأخرجه أيضًا مالك فيه، وأحمد (ج٤: ص ٢٤١،
٢٤٢، ٢٤٣، ٢٤٤) والترمذي في الحج وفي التفسير وأبو دَاوُد والنَّسَائِي وَابْن
ماجه في الحج، وأخرجه أيضًا الشافعي وَابْن الجارود والحميدي والْبَيْهَقِي
وغيرهم.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ
ISBSGX XESIC
٤٦٥
الفصل الثاني
٢٧١٤ - [١٢] عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يَنْهَى النِّسَاءَ
فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنَّقَابِ، وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثَِّابِ،
وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الْثِيَابِ مُعُصْفُرٍ أَوْ خَرٍّ أَوْ حُلِيٍّ أَوْ
سَرَاوِيلَ، أَوْ قَمِيصٍ، أَوْ خُقٍّ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ]
الشّوْجُ
٢٧١٤ - قوله: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِ نَّهِ يَنْهَى النِّسَاءَ فِي
إِحْرَامِهِنَّ عَنِ الْقُفَّزَيْنِ) أي: عن لبسهما في أيديهن. (وَالنِّقَابِ) أي: البرقع في
وجوههن بحيث يماس بشرتهن، فيه: دليل على منع المحرمة من لبس القفازين
والنقاب، وهو الحق والصواب، وقد تقدم الكلام في ذلك. (وَمَا مَسَّ) أي: وعما
صبغه. (الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثَِّابِ) تقدَّم الكلام في ذلك أيضًا. (وَلْتَلْبَسْ) قال
الطيبي: كأنه قال سمعته يقول: لا تلبس النساء القفازين والنقاب ولتلبس بعد
ذلك، أي: ما ذكر.
(مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ) أي: أنواعها وأصنافها. (مُعُصْفُر) بالجر على أنه
بدل من ألوان الثياب أي المصبوغ بالعصفر، وهو بضمٍّ عين وسكون صاد مهملتين
فضم فاء آخره راء، يقال له بالهندية: كُسُمْ وكُسُنْبة.
قلت: قوله: ((مُعُصْفُرٍ)) كذا في جميع نسخ ((المشكاة) و((المصابيح))، وفي أبي
داود: ((مُعُصْفُرٍ)) بالنصب وهكذا ذكر المجد في ((المنتقى)) والنووي في ((شرح
المهذب)) والحافظ في ((التخليص)) والْبَيْهَقِي في (السنن)) والزيلعي في ((نصب
الراية))، وفي ((المستدرك)) للحاكم: ((مِنْ مُعُصْفُرٍ)) أي: بزيادة من، وكذا في
((جامع الأصول)).
(٢٧١٤) أَبُو دَاوُد (١٨٢٧) فِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصِّحَاحِ.
٤٦٦
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وفِي الحَدِيث: دلالة على لبس الثوب المعصفر للمحرمة، وإليه ذهب الشافعي
وأحمد، وكرهه مالك إذا كان ينتفض، ومنع منه الثوري وأبو حنيفة. قال الخرقي:
لا بأسَ بما صبغ بالعصفر. قال ابنُ قدامة: إنَّ العصفر ليس بطيب ولا بأس
باستعماله وشمه ولا بما صبغ به، وهذا قول جابر وَابْن عمر وعبد الله بن جعفر
وعقيل بن أبي طالب وهو مذهب الشافعي، وعن عائشة وأسماء وأزواج الشَِّي ◌َّ
أنهن كن يحرمن في المعصفرات. وكرهه مالك إذا كان ينتفض في بدنه ولم
يوجب فيه فدية. ومنع منه الثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وشبهوه بالمورس
والمزعفر؛ لأنَّهُ صبغ طيب الرائحة فأشبه ذلك، قال: ولنا ما روى أبُو دَاوُد بإسناده
عن ابن عمر أنَّه سمع رسول اللّه ◌َ له نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب
... الحديث.
وروى الإمامُ أحمدُ في ((المناسِك)) بإسنادِهِ عنْ عائشةَ بنتِ سعدٍ قالَتْ: كنَّ
أزواج النبيِّ وَّهِ يُحرِمْنَ في المعصفرات، ولأنَّه قول من سمينا من الصَّحَابَة ولم
نعرفْ لهم مخالفًا، ولأنَّه ليسَ بطيب فلَمْ يكره ما صبغ به كالسوادِ والمصبوغِ
بالمغرة، وأما الورس والزعفران فإنه طيب بخلافٍ مسألتنا، انتهى.
وقال الشنقيطي: الأظهرُ أن العصفر ليس بطيب مع أنه لا يجوزُ لبسِ المحرم ولا
غیره للمعصفر، وقد تقدم حَدِیث ابنِ عُمَر عند أبي داود یرید حديثه الّذِي نحن فِي
شَرْحِهِ، قال: وهو صريح في أن العصفر ليس بطيب، وعَنِ ابْن عَبَّاسٍ قال: كانَ
أزواج التَّبِيِ وَلّ يختصبنَ بالحناءِ وهن محرمات ويلبسن المعصفر وهن محرمات.
ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد))، وقال: رواه الطَّرَاني في ((الكبير)) وفيه يعقوب
ابن عطاء وثَّقَهُ ابْنُ حِبَّان وضعَّفَهُ جماعةٌ، وأما ما ورد من منع لبس المعصفر مطلقًا
فهو محمول على الرجال فلا يجوز لهم لبس المعصفر فِي الإِحْرَام ولا في غير
الإحرام، وأما النساء فيجوز لهن مطلقًا.
وأجاب الحنفية عن حَدِيث ابنِ عُمَر هَذَا بأوجه: منها: أنه محمول على معصفر
مغسول لا يوجد منه رائحة، ومنها: أنَّ الْمَرَاد بالمعصفر في الحديث ما يصبغ
بالطين الأرمني، كذا ذكره القاري، ولا يخفى ما فيه، ونحوه ما ذكره في ((البدائع))
أنَّ الْمَرَاد بالمعصفر المصبوغ بمثل العصفور كالمغرة ونحوها، ومنها: ما قال ابن
٤٦٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ المُحْرِمُ
الهمام: إن مبنى الخلاف على أن العصفر طيب الرائحة أم لا؟ فقلنا: نعم. فلا
يجوزُ، قال: والنصُّ المذكورُ وردَ بمنع المورسِ، وهو دون المعصفر في الرائحةِ،
فيُمْنَعِ المعصفرُ بطريقٍ أولى، قال: وَالجوابُ المحقَّق من حديث ابن عمر - إن
شاء الله - أن نقولَ: ولتلبس بعد ذَلِك ... إلخ. مدرج فإن المرفوع صريحًا هو
قوله: سمعته ینهی عن كذا، وقوله: ولتلبس بعد ذلك ليس من متعلقاته، ولا يصحُّ
جعله عطفًا على ((نهى)) لكمال الانفصال بين الخبر والإنشاء، فكان الظاهرُ أنه
مستأنف من كلام ابن عمر، فتخلو تلك الدلالة عن المعارض الصريح - أعني
منطوق المورس ومفهومه الموافق - فيجب العمل به، انتهى. وقد تقدم الجواب
عن ذلك في كلام الطيبي والشنقيطي فتأمل.
(أَوْ خَزِّ) بفتح الخاء المعجمة والزاي المشددة، ثوب من إبريسم وصوف، وفي
((المغرب)): الخز اسم دابة سمي المتخذ من وبرها خزًّا. (أَوْ حَلِيٍّ) بفتح الحاء
وإسكان اللام وبضم الحاء مع كسر اللام وتشديد الياء جمع حلي بالفتح، وهو ما
تتحلى به المرأة من جلجل وسوار وخرص وتتزين به من ذهب أو فضة أو غيرهما
من المعدنيات أو الحجارة الثمينة. قال الطيبي: جعل الحلي من الثيابٍ تغليبًا أو
أدخل في الثياب مجازًا لعلاقة إطلاق اللبس عليه في قَوْلِه تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ
حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [ النحل، الآية ١٤].
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وأخرجه أيضًا الحاكم (ج ١: ص ٤٨٦) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص
٥٢) وأخرجه أحمد (ج٢: ص ٢٢) إلى قوله: ((مِنَ الثَّيَابِ)) وفي سنده عندهم
جمیعًا محمد بن إسحاق وقد صرح بالتحدیث، فالحدیث حسن وقد سكت عنه أبُو
دَاوُد والحافظ في ((الفتح)) و((التلخيص))، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم،
وقرره الذهبي، وقال النووي في ((شرح المهذب)): رواه أبُو دَاوُد بإسناد حسن وهو
من رواية محمد بن إسحاق صاحب ((المغازي))، إلا أنه قال: حدثني نافع عن ابن
عمر، وأكثر ما أنكر على ابن إسحاق التدليس وإذا قال المدلس: حدثني احتج به
على المذهب الصحيح المشهور، انتهى.
٤٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
sea
٢٧١٥ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ رُِّّ قَالَتْ: كَانَ الْرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا،
وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا جَاوَزُوا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا
مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَلِابْنِ مَاجَه مَعْنَاهُ] {صحيح}
الشّرُْ
٢٧١٥ - قوله: (كَانَ الرُّكْبَانُ) بضم الراء جمع الراكب. (يَمُرُّونَ بِنَا) أي:
علينا معشر النساء. (مُحْرِمَاتٌ) بالرفع على الخبرية أي: مكشوفات الوجوه. (فَإِذَا
جَازَوُا بِنَا) كذا في بعض نسخ ((المشكاه))، وهكذا وقع في ((السنن)) للبيهقي، وهو
من الجواز بمعنى المرور، أي: مروا علينا وفي بعض النسخ: ((جَاوَزُوا بِنَا)). من
المجاورة، وهكذا وقع في ((جامع الأصول))، أي: أرادوا المجاوزة والمرور بنا
ولفظ أبي داود: ((حَاذَوْا بِنَا)). بفتح الذال من المحاذاة بمعنى المقابلة، وهكذا وقع
في (مسند أحمد)) وفي ((القرى)) للطبري و((المنتقي)) للمجد، وفي بعض نسخ أبي
داود: ((حَاذُونَ)). وهكذا وقع في نسخة ((معالم السنن))، وفي (السيل الجرار))
و((المغني)) و((التلخيص)) و((المصابيح)) وهو الأظهر. (سَدَلَتْ) أي: أرسلت.
(جِلْبَابِهَا) بكسر الجيم أي ملحفتها وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة إذا خرجت
الحاجة، وقال الطّبَري: الجلباب هو كالمقنعة تغطي به المرأة رأسها وظهرها
وصدرها، وجمعه جلايب وقد يطلق على الإزار والملحفة. (فَإِذَا جَاوَزُونَا) أي:
تعدوا عنا وتقدموا علينا. (كَشَفْنَاهُ) أي: أزلنا الجلباب، قال القاري: ولو جعل
الضمير إلى الوجه لقرينة المقام فله وجه، والمعنى: أنهن كن يسترن وجوههن إذا
مر عليهن الرجال بجلابيبهن، فإذا أبعدوا عنهن كشفن وجوههن.
وفِي الحَدِيث: الرخصة للمرأة في ستر وجهها للحاجة كما فعلت عائشة ومن
معها من النسوة، وهن محرمات عند مرور الرجال عليهن. قال الخطابي: قد ثبت
عن النَّبِي وَّ أنه نهى المحرمة عن النقاب، فأما سدل الثوبٍ على وجهها من
(٢٧١٥) أَبُو دَاوُد (١٨٣٣)، وَابن مَاجَهْ (٢٩٣٥) فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ.
٤٦٩
كِتَابُ الْنَاسِكِ
بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ المُحرِمُ
رَأْسِها، فقد رخَّص فيه غير واحد من الفقهاء ومنعوها أن تلف الثوب أو الخمار على
وجهها أو تشد النقاب أو تتلثم أو تتبرقع، وممن قال بأن للمرأة أن تسدل الثوب على
وجهها من فوق رأسها: عطاء ومالك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق،
وهو قول محمد بن الحسن وقد علق الشافعي القول فيه أي على صحته، انتهى.
وقال الشوكاني: استدل بِهَذَا الحَدِيث على أنه يجوز للمرأة إذا احتاجت إلى
ستروجهها بمرور الرجال قريبًا منها فإنها تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها؛
لأن المرأة تحتاج إلى ستر وجهها فلم يحرم عليها ستره مطلقًا كالعورة، لكن إذا
سدلت يكون الثوب متجافيًا عن وجهها، بحيث لا يصيبُ البشرة، هكذا قال
أصحاب الشافعي وغَيْرهم، وظاهر الحديث خلافه؛ لأن الثوب المسدول لا يكاد
يسلم من إصابة البشرة، فلو كان التجافي شرطًا لبينه الشَّبِي وَّ، انتهى.
وقالَ ابنُ قُدَامَة (ج٣: ص ٣٢٦): إذا احتاجتِ المرأةُ إلى سترِ وجْهِهَا لمرورٍ
الرجالِ قريبًا منها فإنها تسدلُ الثوبَ من فوقٍ رأسها على وجهِهَا، روي ذلك عن
عثمان وعائشة، وبه قال عطاء ومالك والثوري والشافعي وإسحاق ومحمد بن
الحسن، ولا نعلم فيه خلافًا، وذلك لحديث عائشة عند أبي داود والأثرم فذكر
حديثها الَّذِي نحنُ في شرْحِهِ، قال: ولأنَّ بالمرأة حاجة إلى سترِ وجهها، فلم يحرم
عليها ستره على الإطلاق كالعورة، وذكر القاضي أن الثوب يكون متجافيًا عن
وجهها بحيث لا يصيب البشرة، فإن أصابها ثم زال أو أزالته بسرعة فلا شيء عليها
كما لو أطارت الريح الثوب عن عورة المصلى، ثم عاد بسرعة لا تبطل الصلاة،
فإن لم ترفعه مع القدرة افتدت؛ لأنَّهَا استدامت الستر، ولم أر هَذَا الشرط عن
أحمد ولا هو في الخبر مع أن الظاهر خلافه، فإن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من
إصابة البشرة، فلو كان هَذَا شرطًا لبين، وإنما منعت المرأة من البرقع والنقاب
ونحوهما مما يعد لستر الوجه. قال أحمد: إنما لها أن تسدل على وجهها من فوق
وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل، كأنه يقول إن النقاب من أسفل على وجهها،
انتھی .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أي: بهذا اللفظ وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٦: ص ٣٠) والْبَيْهَقِي
وَابْن خزيمة كلهم من طريق يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن عائشة، وقد سكت
٤٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
عنه أبو داود، وقال المنذري: ذكر شعبة ويحيى بن سعيد القطان ويحيى بن معين أن
مجاهدًا لم يسمع من عائشة، وقال أبو حاتم الرازي: مجاهد عن عائشة مرسل،
وقد أخرج البُخَارِي ومُسْلِم فِي ((صحيحيهما)) من حديث مجاهد عن عائشة
أحاديث، وفيها ما هو ظاهر في سماعه منها وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وقد تكلم
فيه غير واحد، وأخرج له مسلم في جماعة غير محتج به، انتهى.
وقال الحافظ في ((التخليص)): وقال ابنُ خُزيمة: في القلبٍ من يزيد بن أبي
زياد، ولكن ورد من وجه آخر من طريق، ثم أخرج من طريق فاطمة بنت المنذر عن
أسماء بنت أبي بكر وهي جدتها نحوه، وصححه الحاكم، وقال في ((الفتح)) بعد ذكر
حديث عائشة: أخرجه ابن المنذر من طريق مجاهد عنها، وفي إسناده ضعف.
وقال الشوكاني: يزيد بن أبي زياد المذكور قد أخرج له مسلم، أي مقرونًا. في
((الخلاصة)) عن الذهبي أنه صَدُوق رديء الحفظ، قلت: وقال ابن معين: ضعيف
الحديث لا يحتج بحديثه، وقال أبو داود: لا أعلم أحدًا ترك حديثه وغيره أحب إليَّ
منه، كذا في ((تهذيبِ الحافظِ)).
٢٧١٦ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ضِ﴿ُّ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهَ كَانَ يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ،
وَهُوَ مُحْرِمٌ، غَيْرُ الْمُقَنَّتِ - يَعْنِي: غَيْرَ الْمُطَيَّبِ -.
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشَّرْجُ
٢٧١٦- قوله: (كَانَ يَدَّهِنُ) بتشديد الدال. (غَيْرِ الْمُقَتَّتِ) بقاف وتائين
مثناتين فوقيتين الأولى مشددة من التقتيت حال من الزيت أو صفة له، وهو الَّذِي
يطبخ فيه الرياحين حتى يطيب ريحه، قال في ((القاموس)): زيت مقتت، طبخ فيه
الرياحين أو خلط بأدهان طيبة، انتهى. (يَعْنِى) هو كلام بعض الرواة يعنى يريد ابن
عمر بغير المقتت. (غَيْرَ الْمَّطَيَّبِ) وفِي الحَدِيث: دلالة على جواز الادهان بالزيت
الَّذِي لم يخلط بشيء من الطيب، لكن الحديث ضعيف كما ستعرف، ويستدلُّ
(٢٧١٦) التِّرْمِذِي (٩٦٢)، وَابن مَاجَهْ (٣٠٨٣) فِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
٤٧١
بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ المُحْرِمُ
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بمفهومه على أنه لو كان مطيبًا لم يجز الادهان به قال ابنُ المُنْذِرِ: أجمع العُلَمَاء
على أن للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والسمن والشيرج، وأن يستعمل ذلك في
جميع بدنه سوى رأسه ولحيته. قال: وأجمعوا على أن الطيب لا يجوز استعماله في
بدنه، ففرقوا بين الطيب والزيت في هذا. قال الحافظ: فقياس كون المحرم
ممنوعًا من استعمال الطيب في رأسه أن يباح له استعمال الزيت في رأسه، انتهى.
قلت: في نقل الإجماع على جواز استعمال الزيت ونحوه في جميع البدن نظر،
فكلام الحنفية والمالكية يدل على أن الادهان ممنوع عندهم، ففي ((الهداية)): ولا
يمس طيبًا لقوله تعالََّ: ((الْحَاجُ، الشَّعِثُ التَّفِلُ))، وكذا لا يدهن لما روينا، انتهى.
قال ابن الهمام: والشعث انتشار الشعر وتغيره لعدم تعهده، فأفاد منع الادهان،
انتھی .
وقال القاري في ((شرح المناسك)): إن ادهن بدهن غير مطيب كالزيت الخالص
وأكثر منه فعليه دم عند أبي حنيفة وصدقة عندهما، وروي عنه مثل قولهما وإن
استقل منه فعليه صدقة اتفاقًّا، هَذَا إذا استعمله على وجه الطيب، أما إذا استعمله
على وجه التداوي أو الأكل فلا شيء عليه اتفاقًا. ولو ادهن بسمن أو شحم أو ألية أو
أكله فلا شيء عليه، ولا فرق بين الشعر والجسد في الدهن، انتهى.
وفي ((البدائع)): لو ادهن بدهن فإن كان الدهن مطيبًا فعليه دم إذا بلع عضوًا
كاملًا، وإن كان غير مطيب بأن ادهن بزيت فعليه دم في قول أبي حنيفة، وعند أبي
يوسف ومحمد عليه صدقة ولو داوى بالزيت جرحه أو شقوق رجليه فلا كفارة
عليه؛ لأنَّهُ ليس بطيبٍ بنفسه، وإن كان أصل الطيب لكنه ما استعمله على وجه
الطيب فلا يجب به الكفارة بخلاف ما إذا تداوى بالطيب أنه تجب به الكفارة؛ لأنَّهُ
طيب في نفسه فيستوي فيه استعماله للتطيب أو لغيره، وإن ادهن بشحم أو سمن فلا
شيء عليه؛ لأنه ليس بطيب في نفسه، ولا أصل للطيب بدليل أنه لا يطيب بإلقاء
الطيب فيه ولا يصير طيبًا بوجه، وقد قال أصحابنا: إن الأشياء التي تستعمل في
البدن على ثلاثة أنواع: نوع هو طيب محض معد للتطيب كالمسك ونحوه فتجب
به الكفارة على أي وجه استعمل، حتى قالوا: لو داوى عينه بطيب تجب عليه
الكفارة. ونوع ليس بطيب بنفسه وليس فيه معنى الطيب، ولا يصير طيبًا بوجه
٤٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كالشحم، فسواء أكل أو ادَّهَنَ به أو جعل في شقوق الرجل لا تجب الكفارة. ونوع
ليس بطيب بنفسه لكنه أهل الطيب يستعمل على وجهِ الطيب، ويستعمل على وجه
الإدام كالزيت والشيرج فيعتبر فيه الاستعمال، فإن استعمل استعمال الادهان في
البدن يعطى له حكم الطيب، وإن استعمل في مأكول أو شقاق رجل لا يعطى له
حکم الطیب کالشحم، انتھی.
وقال في ((اللباب)): لا فرق بين الشعر والجسد في الدهن. وقال الباجي:
الادهان بعد الإحرام وقبل وجود شيء من التحلل ممنوع بدهن مطيب وغير
مطيب، وروى ابن حبيب عن الليث إباحة ذلك بكل ما يجوز له أكله من الأدهان،
وقال: إنه قول عمر وعلي، فإن فعل شيئًا من ذلك فقد روى ابن حبيب عن مالك أن
عليه الفدية، واختار ابن حبيب أن لا فدية عليه، انتهى. وقال في موضع آخر:
استعمالُ الدهنِ الَّذِي ليس بمطيب يكون في ثلاثة مواضع: أحدهما: أن يستعمله
في باطن جسده بأن لا يظهر منه كتقطيره في الأذن والاستسعاط به والمضمضة فإن
هَذَا كله جائز للمحرم أن يفعله ولا شيء عليه فيه؛ لأنَّهُ بمنزلة أكله وهو الَّذِي ذكره
مالك في ((الموطأ)) - في باب ما يجوز للمحرم أن يفعله.
والثاني: أن يستعمله في ظاهر بدنه غير باطن يديه وقدميه، فإن فعل فهذا
ممنوع، وعليه الفدية عند مالك وجميع أصحابه. قال ابن حبيب: وقد روى إباحة
ذلك، وبه أخذ الليث. وجه قول مالك: أنه إزالة شعث؛ لأنَّهُ مما يفعل للجَمَال
والتنظَّفٍ، وإن دهن بطون قدميه أو يديه الشقوق بهما فلا بأس بذلك، وإن فعل
ذلك لغير علة فعليه الفدية، ووجه ذلك: أنهما ظاهران ظهور سائر الأعضاء، فإذا
لم يقصد بدهنهما دفع مضرة فلا غرض في ذلك غير تحسين ظاهر الجسد وإزالة
الشعث فوجبت بذلك الفدية، وإن قصد بذلك دفع المضرة أو القوة على العمل فلا
فدية في ذلك لأنهما وإن ظهرا فإنهما باطنان من ظاهر الجسد ويختصان بالعمل
وبذلك فارقا سائر الأعضاء من الجسد، انتهى.
وقال النووي في ((المناسك)): أما الأدهان فضربان: دهن هو طيب، ودهن ليس
بطيب كالزيت والشيرج والسمن فلا يحرم الادهان به في غير الرأس واللحية، وأما
ما هو طيب كدهن الورد والبنفسج فيحرم استعماله في جميع البدن والثياب، ثم قال
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يجْتَنِبُهُ المُحرِمُ
٤٧٣
في مبحث شعر الرأس واللحية: يحرمُ عليه دَهْنُهما بكلِّ دهن سواء كان مطيبًا أو غير
مطيب، كالزيت ودهن الجوز واللوز ولو دهن الأقرع رأسه بهذا الدهن فلا بأس
به. وكذا لو دهن الأمرد ذقنه فلا بأسَ، ولو دهن محلوق الشعر رأسه عصى على
الأصح ولزمه الفدية بناء على أن الشعرَ إن نبت جمله ذلك الدهن الَّذِي جعل عليه
وهو محلوق، والوجه الثاني: لا فدية؛ لأنَّهُ لا يزول به شعث، واختاره المزني
وغيره.
وقالَ ابنُ قُدَامَة (ج٣: ص ٣٢٢): أما المطيب من الأدهان كدهن الورد
والبنفسج فليس في تحريم الادهان به خلاف في المذهب، وأما ما لا طيب فيه
كالزيت والشيرج والسمن والشحم ودهن ألبان الساذج، فقال الأثرم: سمعت أبا
عبد اللَّه يُسْأَل عن المحرم يدهن بالزيت والشيرج؟ فقال: نعم يدهن به إذا احتاج
إليه ويتداوى المحرم. قالَ ابنُ المُنْذِر: أجمع عوام أهل العلم على أن للمحرم أن
يدهن بدنه بالشحم والزيت والسمن، ونقل الأثرم جواز ذلك عَنِ ابْن عَبَّاسٍ وأبي
ذر والأسود بن يزيد، ونقل أبُو دَاوُد عن أحمد أنه قال: الزيت الَّذِي يؤكل لا يدهن
المحرم به رأسه، فظاهر أنه لا يدهن رأسه بشيء من الأدهان، وهو قول عطاء
ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، لأنه يزيل الشعث ويسكن الشعر،
فأما دهن سائر البدن فلا نعلم عن أحمد فيه منعًا وقد ذكرنا إجماع أهل العلم على
إباحته في اليدين، وإنما الكراهة في الرأس خاصة؛ لأنَّهُ محل الشعر.
وقال القاضي: في إباحته في جميع البدن روايتان، فإن فعله فلا فدية فيه في
ظاهر كلام أحمد سواء دهن رأسه أو غيره إلا أنْ يَكُون مطيبًا. وقد روي عن ابن عمر
أنه صدع وهو محرم فقالوا: ألا ندهنك بالسمن؟ فقال: لا. قالوا: أليس تأكله؟
قال: ليس أكله كالادهان به، وقال الَّذِين منعوا من دهن الرأس: فيه الفدية؛ لأنَّهُ
مزيل للشعث أشبه ما لو كان مطيبًا، ولنا أن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل ولا دليل
فيه من نص ولا إجماع، ولا يصح قياسه على الطيب، فإن الطيب يوجب الفدية
وإن لم يزل شعثًا، ويستوي فيه الرأس وغيره والدهن بخلافه، انتهى.
قلت: احتج الشافعية لما ذهبوا إليه من جواز دهن جميع البدن غير الرأس
واللحية بالزيت والسمن ونحوهما مما ليس بطيب بحديث ابن عمر. وأجاب
٤٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحنفية ومن وافقهم عنه بأوجه؛ منها: أنَّ الحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج كما
ستعرفُ. ومنها: أن الصحيح أنه موقوف ليس بمرفوع، كذا قيل. ومنها: أنه
اختلف فيه على سعيد بن جبير فقيل: عن ابن عباس، مكان ابن عمر كما في السنن
للبيهقي. ومنها: أنه على تقدير صحة الاحتجاج به فظاهره عدم الفرق بين الرأس
واللحية وبين سائر البدن؛ لأن الادهان فيه مطلق غير مقيد بما سوى الرأس
واللحية. ومنها: أن الحديث محمول على حال الضرورة؛ لأنَّهُ وَّ كما كان لا
يفعلُ ما يوجب الدم كان لا يفعل ما يوجب الصدقة، ثم ليس فيه أنه لم يكفر
فيحتمل أنه فعل وكفر فلا يكون حجة. ومنها: أنه يحتمل أنْ يَكُون ◌َّل ادهن قبل
الإحرام وبقي أثره بعد الإحرام ويؤيده ما وقع في رواية لأحمد (ج٢: ص ٢٥،
٥٩): أنَّ رسولَ اللَّه وَ كانَ يدَّهِنُ عند الإحرامِ بالزيتِ غير المقتت.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٢: ص ٢٥، ٢٩، ٥٩، ٧٢، ١٤٥)
وَابْن ماجه والْبَيْهَقِي (ج ٥: ص ٥٨) كلهم من طريق فرقد السبخي عن سعيد بن
جبير عن ابن عمر، وقال الترمذي: هَذَا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث فرقد
السبخي عن سعيد بن جبير، وقد تكلم يحيى بن سعيد في فرقد السبخي، وروى عنه
الناس، انتهى.
قلت: قال الحافظ في ((التقريب)): فرقد بن يعقوب السبخي بفتح المهملة
والموحدة وبخاء معجمة أبو يعقوب البصري صَدُوق عابد لكنه لين الحديث كثير
الخطأ، وقال الذهبي في ((الميزان)): قال أبو حاتم: ليس بقوي، وقال ابن معين:
ثقة، وقال البخاري: في حديثه مناكير، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أيضًا هو
والدارقطني: ضعيف، وقال يحيى القطان: ما يعجبنا الرواية عن فرقد، انتهى.
وقال في ترجمة محمد بن يونس القرشي الشامي نقلًا عن ابن حبان: فرقد السبخي
ليس بشيء.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابٌ مَا يجْتَنِبُهُ المُخرِمُ
٤٧٥
الفصل الثالث
٢٧١٧ - [١٥] عَنْ نَافِعِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَجَدَ الْقُرَّ، فَقَالَ: أَلْقِ عَلَيَّ ثَوْبًا
يَا نَافِعُ، فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ بُرْنُسَّا، فَقَّالَ: تُلْقِي عَلَيَّ هَذَا، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾
أَنْ يَلْبَسَهُ الْمُحْرِمُ؟ !.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ]
الشّرْجُ
٢٧١٧ - قوله: (القُرَّ) بضم القاف وتشديد الراء، أي: البرد، يقال: قرَّ اليوم
قرًّا بالفتح برد، والاسم القر بالضم فهو قر بالفتح تسمية بالمصدر، وقار على
الأصل أي بارد، وليلة قرة وقارة. (أَلْقٍ) أمر من الإلقاء أي اطرح. (عليَّ) بتشديد
الياء. (بُرْنُسًا) تقدم ضبطه ومعناه. (تُلْقِي عَلِيَّ) بحذف الاستفهام الإنكاري. (هَذَا)
أي: الثوب المخيط. (وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَنْ يَلْبَسَهُ الْمُحْرِمُ) قال القاري:
فجعل طرحه عليه لبسًا، ومذهبنا: أنه يحرم على المحرم لبس المخيط وتغطية
بعض الأعضاء بالمخيط وغيره على الوجه المعتاد، والمخيط الملبوس المعمول
على قدرِ البدنٍ أو قدر عضو منه بحيثُ يحيط به سواء بخياطة أو نسج أو لصق أو غير
ذلك، وتفسير لبس المخيط على الوجه المعتاد أن لا يحتاج في حفظِهِ إلى تكلُّف
عند الاشتغال بالعمل، وضده أن يحتاج إليه، قال: ولعل ابن عمر كره ذلك للتشبه
بالمخيط، وأطلق اللبس على الطرح مجازًا، ويمكن أنه ألقي عليه على وجه غطى
رأسه ووجهه فأنكر عليهِ، فعلى هَذَا معنى كلامه: أتلقي هَذَا الإلقاء، والحال
أنه وَلّ نهى المُحْرمَ عن سترِ الرأس وتغطيته، انتهى.
وقال في ((اللمعات)): لعلَّ مذهب ابن عمر اجتناب المخيط مطلقًا أو فعله
احتياطًا، وإلا فالمراد النهي عن لبس المخيط على وجه يتعارف فيه وقد صرحوا
به، انتهى. وتقدم شيء من الكلام في ذلك في شرح حَدِيث ابنِ عُمَر أول أحاديث
هَذَا الباب .
(٢٧١٧) أَبُو دَاوُد (١٨٢٨) في الحج عنه.
٤٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُد) وأخرجه أيضًا أَحْمَد (ج٢: ص ٣١، ١٤١) والبٹھَقِي (٥٣ : ص
٥٢) وقد سكت عنه أبو داود، وقال المنذري: وأخرج البُخَارِي والنَّسَائِي المسند
منه بنحوه أتم منه.
٢٧١٨ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ بُحَيْنَةً قَالَ: احْتَجَمَ
رَسُولُ اللّهِ بِّهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِلَحْي جَمَلٍ مِنْ طَرِيقِ مَكّةَ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشُّْ
٢٧١٨ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ بُحَيْنَةَ) بضم الموحدة وفتح الحاء
المهملة بعدها ياء ساكنة، ثم نون بعدها هاء، اسم أم عبد الله، ولذا كتبت الألف
في ابن بحينة. (بِلَحْي جَمَلٍ) بفتح اللام ويجوز كسرها وسكون الحاء وياء مثناة
تحتية، وفي بعضِ الرّواياتِ: ((بِلَحْبَيْ جَمَلٍ)) أي: بيائين بصيغة التثنية، وجمل
بفتح الجيم والميم اسم موضع بطريق مكة كما وقع مبينًا في الرواية، قال الحافظ :
ذكر البكري في ((معجمه)) في رسم العقيق، قال: هي بئر جمل التي ورد ذكرها في
حديث أبي جهم في التيمم، وقال غيره - يعني ابن وضاح -: هي عقبة الجحفة على
سبعة أميال من السقيا، انتهى. وقال صاحب ((القاموس)): لحي جمل: موضع بين
الحرمين، وإلى المدينة أقرب، وزعم أن السقيا بالضم موضع بين المدينة ووادي
الصفراء، وما ظنه بعضهم من أنَّ المراد بلحي جمل أحد فكي الجمل الَّذِي هو ذكر
الإبل وأن فكه كان هو آلة الحجامة، أي: احتجم بعظم جمل فهو غلط لا شك فيه.
(مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ) وفي رواية: بِطَرِيقِ مَكَّةَ. (فِي وَسَطِ رَأْسِهِ) بفتح السين المهملة
أي: متوسطه، وهذا الاحتجام لا يتصور بدون إزالة الشعر فيحمل على حال
الضرورة، والله تعالى أعلم.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البُخَارِي في الحج وفي الطب، ومُسْلِمٍ فِي الحج، وأخْرَجَه
أيضًا أَحْمَد (ج٥: ص ٣٤٥) والنَّسَائِي والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٦٥).
(٢٧١٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٢٦٩٨)، ومُسْلِم (١٢٠٣) فيه عنه.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يجْتَنِبُهُ المُحْرِمُ
٤٧٧
٢٧١٩ - [١٧] وَعَنْ أَنَسِ رِفَهُ قَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ وَهُوَ
مُحْرِمٌ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْنَّسَائِيُّ]
الشّرْخُ
٢٧١٩ - قوله: (احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَم مِنْ وَجَع
كَانَ بِهِ) وفي رواية النسائي: ((مِنْ وَثْءٍ كَانَ بِهِ) وهو بفتح الواو وسكون المثلثةً
آخره همزة، وجع يصيب اللحم ولا يبلغ العظم، أو وجع يصيب العظم من غير
كسر والاحتجام على ظهر القدم يتصور بدون قطع الشعر فلا إشكال مع التصريح
بالعذر، ثم يمكن تعدد الاحتجام في إحرام واحد أو في إحرامين، قاله القاري.
قلت: ذكر في هَذَا الحديث أن الحجامة كانت على ظهر القدم، وفي حديثي ابن
عباس وَابْن بحينة: أنها كانت في الرأس من صداع وجده، وفي حَدِيث جَابِر عند
أحمد: ((مِن وَثْءٍ كانَ بوِرْكه أو ظهرِهٍ)). فيحتمل أنه كان به الأمران فاحتجم مرة
لوجع الرأس ومرة للوثءِ بظهر القدم وبالورك، وأن الحجامة تعددت منه وَّل في
إحرام حجة الوداع، ويحتمل أنها كانت مرة في عمرة ومرة في حجة الوداع.
قال الحافظ: اتفقت الطرق عن ابنِ عباسٍ: أنه احتجمَ وَ لّ وهو مُحرم في رأسِهِ،
ووافقها حديث ابنٍ بحينة وخالف ذلك حديث أنس، فأخرج أبُو دَاوُد والترمذي في
((الشمائل)) والنَّسَائِي وصححه ابن خزيمة وَابْن حِبَّان من طريق معمر عن قتادة عنه
قال: ((احتجمَ النبيُّ وَ لَه وهو مُحرم على ظهر القدم من وجع كان بهِ)). ورجاله ◌ِجَال
الصَّحِيح، إلا أن أبا داود حكى عن أحمد أن سعيد بن أبي عروبة رواه عن قتادة
فأرسله، وسعيد أحفظ من معمر وليست هذه بعلة قادحة، والجمع بين حديثي ابن
عباس واضح بالحمل على التعدد أشار إلى ذلك الطبري، انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجَهُ أيضًا أحمد وَابْن خزيمة وَابْنِ حِبَّان والْبَيْهَقِي
(ج٥: ص ٦٥) وأخرجه الترمذي في أواخر الشمائل بلفظ: إنَّ رسولَ اللهِ وَه
(٢٧١٩) أَبُو دَاوُد (١٨٣٧)، والنَّسَائِي (١٩٤/٥) عنه فيه.
٤٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
احتجمَ وهوَ محرم بمَلَلٍ على ظهرِ القدم)). قال القاري: هو بفتح الميم واللام
الأولى، موضع بين مكة والمدينة على سبعة عشر ميلاً من المدينة.
٢٧٢٠ - [١٨] وَعَنْ أَبِي رَافِع قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِِّ مَيْمُونَةَ وَهُوَ
حَلَالٌ، وَبَنَى بِهَا، وَهُوَ حَلَالٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولُ بَيْنَهُمَا.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ]
الشّرْجُ
٢٧٢٠ - قوله: (وَعَنْ أَبِي رَافِع) مولى النَّبِي وَهِ. (بَنَى بِهَا) أي: دخل عليها
وهو كناية عن الزفاف. (وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولُ) أي: الواسطة في أمر الزواج. (بَيْنَهُمَا)
أي: بينه وبين ميمونة أو بينه وبين العباس وكيلها في الزواج، وهذا الحديث صريح
كحديث يزيد بن الأصم المتقدم في الفصل الأول: ((أن رسول اللّه وَل تزوَّج
ميمونة وهو حلالٌ)) خلافًا لما روى ابن عباس، قال الحازمي في كتابه في ((بيان
الناسخ والمنسوخ)) (ص١١): والأخذُ بحديثٍ أبي رافع أولى؛ لأنَّهُ كان السفير
بينهما وكان مباشرًا للحال، وَابْن عباس كان حاكيًا، ومباشر الحال مقدم على
حاكيه ألا ترى عائشة كيف أحالت على علي حين سئلت عن مسح الخفِّ وقالت:
سَلُوا عليًّا، فإنه كان يسافر مع رسول اللّه ◌َّرله انتهى بتغيير يسير.
وعزاه الزيلعيُّ (ج٣: ص ١٧٤) للطحاوي وسكت عنه، هَذَا وقد تقدم الكلام
في مسألة التزوج في الإحرام مبسوطًا في شرح أحاديث عثمان وابن عباس ویزید
ابن الأصم.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٦: ص ٣٩٢). (وَالتِّرْمِذِيُّ) في الحجِّ، وأخرجه أيضًا ابن
خزيمة، والْبَيْهَقِي (ج ٥: ص ٦٦، وج ٧: ص ٢١١) وَابْن حِبَّان فِي ((صَحِيحِه)) عن
ابن خزيمة كما في ((نصب الراية)) كلهم من طريق حماد بن زيد عن مطر الوراق عن
ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع. (وَقَالَ) أي:
الترمذي. (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وبعده: ولا نعلمُ أحدًا أسندَهُ غير حماد بن زيد عن
(٢٧٢٠) أَحْمَد (٦/ ٣٩٣.٣٩٢)، والتِّرْمِذِي (٨٤١) فیه وقال: حسن.
٤٧٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ
مطر الوراق عن ربيعة. وروى مالك بن أنس عن ربيعة عن سليمان بن يسار: ((أنَّ
النبيَّ ◌َِّ تزوَّج ميمونة وهو حلال))، مرسلاً. ورواه أيضًا سليمان بن بلال عن ربيعة
مرسلًا، انتهى.
قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) بعد ذكر رواية مطر الوراق: هَذَا عندي غلط من
مطر؛ لأن سليمان بن يسار ولد سنة أربع وثلاثين، وقيل: سبع وعشرين، ومات
أبو رافع بالمدينة بعد قتل عثمان بقليل، وقتل عثمان في ذي الحجة سنة خمس
وثلاثين فلا يمكن أن يسمع سليمان من أبي رافع، ومن صحيح أن يسمع سليمان بن
يسار من ميمونة لما ذكرنا من مولده، ولأن ميمونة مولاته، انتهى. وقال ابنُ أبي
حاتم في ((المراسيل)): حديث سليمان بن يسار عن أبي رافع مرسل، ورد ذلك بما
قال الزرقاني بعد ذكر كلام ابن عبد البر من أن سماع سليمان عن أبي رافع ممكن
على القول الثاني في ولادته؛ لأنَّهُ أدرك نحو ثمان سنين من حياة أبي رافع فلا
یتغرب سماعه منه، انتهى.
وقال الحافظُ في ((تهذيب التهذيبٍ)) - بعدَ ذكر كلام ابن عبد البر وَابْن أبي حاتم
- ما لفظه: كذا قالا وحديثه عنه في مسلم وصرح بسماعه منه عند ابن أبي خيثمة في
((تاريخه))، انتهى. وقال الطحاوي: حديث أبي رافع إنما رواه مطر الوراق ومطر
عندهم ليس ممن يحتج بحديثه وقد رواه مالك وهو أضبط منه فقطعه يعني رواه
مرسلاً.
قلت: مطر الوراق صَدُوق صالح الحديث من رواةٍ مسلمٍ، وذكره ابن حبان في
((الثقات)) وقال: ربما أخطأ وقال الذهبي في ((الميزان)): هو من رجال مسلم حسن
الحديث. وقال البيهقي: قد احتج به مسلم بن الحجاج، انتهى. ومن تكلّم فيه إنَّما
تكلّم في حديثه عن عطاء خاصة، قال في ((الميزان)): قال أحمد ويحيى: هو ضعيف
في عطاء خاصة، وقال في ((تهذيب التهذيب)): قال أحمد: ما أقربه من ابن أبي ليلى
في عطاء خاصة، انتهى. فحديثه عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن لا ينحط عن درجة
الحسن ولذا حسنه الترمذي ولم ير إرسال مالك قادحًا في وصله على أنهما حديثان
متغايران كما لا يخفى، فلا تعارض بين رواية مطر ورواية مالك حتى يحتاج إلى
الترجيح أو الجمع فافهم.