Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤٠
SEMENS
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عباس أقوى وأصح إسنادًا لاتفاق الشيخين عليه بخلاف حديث ابن الأصم وما في
معناه؛ فإنه لم يخرِّجْه البخاريُّ، وقد تقدَّم الجواب عن هذا.
ومنها: أن ابن الأصم لا يقاوم بابنِ عباس حفظًا وإتقانًا وفِقْهًا؛ ولذا قال عمرو
ابن دينار للزهري: وما يدري ابن الأصم أعرابي كذا وكذا بشيءٍ؟ أتجعله مثل ابن
عباس؟ فابن عباس بمرتبة من العلم والفقه والحفظ والإتقان لا يدانيه ابن الأصم.
وأجابَ عنْ هَذَا ابنُ حزم بما نصُّهُ: وأما ترجيحهم ابن عباس على يزيد فنعم،
والله لا يقرب يزيد بعبد اللَّهُ ولا كرامة، وهذا تمويه منهم؛ لأنَّ يزيد إنما رواه عن
ميمونة، وروى أصحاب ابن عباس عَنِ ابْن عَبَّاسٍ ونحن لا نقرن ابن عباس صغير
من الصَّحَابَة إلى ميمونة أم المؤمنين، لكن نعدل يزيد إلى أصحاب ابن عباس ولا
نقطعٍ بفضلِهِم عليه، قال: وخبر يزيد عن ميمونة هو الحقُّ، وقول ابن عباس وَهْم
لا شك فيه؛ لأنَّهَا هي أعلم بنفسها منه، وأنها كانت إذ ذاك امرأة كاملة، وكان ابن
عباس يومئذ ابن عشرة أعوام وأشهر فبين الضبطين فرق لا يخفى.
هذا؛ وقد تصدَّى العَيْنِي للجوابِ عن كلام ابنٍ حزمٍ، من شاء الوقوف عليه رجع
إلى ((العمدة)) (ج ١٠: ص ١٩٦).
ومنها: أن حديث ابن عباس مُثْبِت لأمرٍ زائدٍ وهو الإحرام، وحديث ابن الأصم
ناف له، ومن المعلوم أن المثبت يُقدَّم ويُرجَّحِ على النافي. وفيه: أن حديث يزيد
عن ميمونة أيضًا مثبتَ لوقوع عقد النكاح حلالًا، وحديث ابن عباس ناف لذلك،
وبه صرح أهل الأصول من الحنفيّة، وهذا يقتضي أن يقدم حديث ابن الأصم ومن
وافقه على حديث ابن عباس.
ومنها: أن حديث ابن عباس محكم لا يحتمل تأويلاًا قريبًا بخلاف رواية ابن
الأصم وما في معناها، فإنها تحمل على الخطبة أو فشو أمر التزويج واشتهاره عند
البناء في الحلّ - أي: بسرف راجعًا إلى المدينة: وفيه: أن الأمر على العكسٍ من
ذلك كما تقدَّم .
ومنها: أن أمر النكاح كان إلى العباسٍ، وكان هو وكيل عقد النكاح، والوكيل
أعرف من الموكل، وكذا يكون ابن العباس أعرف بالقضيةِ. وفيه: ما تقدَّم أن
صاحبَ القضيةِ - أي: ميمونة - أعرف بقضيتها ولم يرو عن العباس في وقتٍ

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يجْتَنِبُهُ المُحْرِمُ
٤٤١
التزويج شيء ولم يثبت شهود ابنه واقعة النكاح.
ومنها: أَنَّ حديث ابن عباس مؤيد بالقياس فإنه عقد كسائر العقود التي يتلفظ بها
من شراء الأمة للتسري وغيره، كما حكي عن أنس فيما رواه الطحاوي. وفيه: أنَّ
الواجبَ حينئذٍ الرجوع إلى الحديثِ القولي أي: حديث عثمان لا إلى القياس، فإن
تحكيم القياس عند التعارض بين حكايتي فعل مع وجود النص القولي غير صحيح،
فإن فيه تركًا للنص وعملًا بالقياس.
الوجه الثاني من الوجهين اللذين أجابَ بهما القائلون بالجوازِ: هو أنَّ الْمَرَاد
بالنكاح والتزوج في حديث يزيد بن الأصم هو الدخول والبناء والوطء دون العقدِ .
قال القاري: قوله: ((تَزَوَّجَهَا)) أي: دخل بها. وقال ابن الهمام: يحمل لفظ التزوج
في حديث ابن الأصم على البناءِ بها مجازًّا بعلاقة السببية العادية، انتهى. وبنحو
ذلك قال الزبيدي في ((شرح الإحياء)). وفيه: أنه روى مسلم عن ابن نمير عن ابن
عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء: أنَّ ابن عباس أخبرَهُ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَّه
تزوَّج ميمونةَ وهو مُحْرِم. قال عمرو بن دينار: فحدثت به الزهري، فقال: أخبرني
يزيد بن الأصم، أنه نَكَحَها وهو حلالٌ، زاد عبد الرزاق والْبَيْهَقِي: قال عمرو بن
دينار: فقلت لابنِ شهابٍ: أتجعل أعرابيًّا بَوَّالًا على عقبيه على ابنِ عباسٍ. وهي
خالة ابن عباس أيضًا؟ ولفظ الطحاوي: أتجعله مثل ابن عباس؟ قال البيهقي:
ويزيد بن الأصم لم يقله عن نفسه إنما حدث به عن ميمونة بنت الحارث، انتهى.
فهذه الرواية تدلُّ على أنَّ المراد بالنكاح والتزوج في حديثي ابن عباس ويزيد بن
الأصم عند عمرو بن دينار وَابْن شهاب هو العقد لا الوطء والبناء وإلا لما صحَّ
المقابلة والمعارضة فافهم، وكذا يدلَّ على بطلان التأويل المذكور رواية أحمد
والترمذي والْبَيْهَقِي لحديث يزيد بن الأصم عن ميمونة بلفظ: أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ وَإِله
تَزَوَّجَهَا حَلَالًا وَبَنَى بِهَا حَلَالًا .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في النكاح وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٦: ص ٣٣٢، ٣٣٣، ٣٣٥)
وأبو دَاوُد وَابْن ماجه والدرامي وَابْن الجارود والْبَيْهَقِي (ج ٥: ص ٦٦، وج ٧:
ص ٢١١).
(قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ) أي: صاحب ((المصابيح)). (وَالْأَكْثَرُونَ) قال

٤٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
القاري: يعني: الأئمة الثلاثة وأتباعهم. (عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا حَلَالًا) أي: عقد عليها
قبل أن يحرم. (وَظَهَرَ أَمْرُ تَزْوِيجِهَا) أي: بسرف ذاهبًا على مكة. (وَهُوَ مُحْرِمٌ ثُمَّ
بَنَى) أي: دخل بها. (وَهُوَ حَلَالٌ بِسَرِفَ) على وزنٍ كتف غير منصرف، وقيل
منصرف. (فِي طَرِيقٍ مَكّةَ) أي: إلى المدينة وذلك بعد فراغه من عمرته المسماة
بعمرة القضاء، قال الساعاتي في ((شرح المسند)): وهذا الجمع وجيه، وعليه فيقال:
إن ابن عباس لم يعلم بالعقدِ إلا بعد انتشارِهِ والنبي ◌َّ محرم بسرف، ففهم أنَّ
العقد لم يحصل إلا في المكان الَّذِي يقال له: سرف؛ ولهذا قال في روايتِهِ: إِنّ
النبيَّ ◌َّاه تزوَّج بماءٍ يقال له: سرف وَهُو مُحْرِم. وتقدم أن هَذَا الماء أقرب إلى مكة
من المدينة، وميقات أهل المدينة أقرب إلى المدينة من مكة، فثبت أنه كان محرمًا
بسرف ولم يبلغ ابن عباس خبر الزواج إلا بهذا المكان ففهم أنه حصل حينئذ.
٢٧٠٩ - [٧] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهَ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ
مُحْرِمٌ.
[مُتَّفَقُ عَلَيْهِ]
الشّؤْخُ
٢٧٠٩ - قوله: (كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرٌِ) فيه دليل على جوازِ الاغتسال
للمحرم وغسله رأسه وتشريبه شعره بالماء، وفِي الحَدِيث قصة وهو مختصر من
حديث طويل رواه الشيخان وغَيْرهما عن عبد الله بن حنين: أنَّ عبدَاللهِ بنَ عباسٍ
وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ، فَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ.
وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ. فَأَرْسَلَنِي عَبْدُاللهِ بَُّّ عباسٍ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ
الْأَنْصَارِيِّ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ
هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَّاسِ يَسْأَلُكَ: كَيْفَ
كَانَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهَّوَ مُحْرٌِ؟ فوضعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَىّ الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ
حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ حَرَّكَ
(٢٧٠٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٨٤٠)، ومُسْلِم (٩١/ ١٢٠٥) فِيهِ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي أَيُّوبَ رَوَهُ، وَفِيهِ
قِصَّةٌ لابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ المسْوَرِ، وأَبُو دَاوُد (١٨٤٠)، والنَّسَائِي (١٢٨/٥)، وابن مَاجَهْ (٢٩٣٤).

٤٤٢
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ
رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ فَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يَفْعَلُ. وقد ترجم
البُخَارِي لهذا الحديث: باب الاغتسال للمحرم.
قال الحافظ: أي: ترفهًا وتنظفًا وتطهرًا من الجنابة، قال ابنُ المنذر: أجمعوا
على أنَّ للمحرم أن يغتسل من الجنابة، واختلفوا فيما عدا ذلك، وكأن المصنف -
أي: البخَارِي - أشار إلى ما روي عن مالك: أنه كره للمحرم أن يغطي رأسه في
الماء، وروي في ((الموطأ)) عن نافع: أن ابن عمر كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلا
من احتلام. قال الحافظ: وفِي الحَدِيث: جواز غسل المحرم وتشريبه شعره بالماء
ودلكه بيده إذا أمن تناثره. وقال الزرقاني: دلَّ حديث أبي أيوب على جواز ذلك ما
لم يؤد إلى نتفِ الشعرِ، وقال الباجي: ليس في إمرار اليد على الرأس قتل الدواب
ولا إزالتها عن موضعها إلا مثل ما في صب الماء على الرأس خاصة، ولذلك كانا
مباحين، فأما الانغماس في الماء فإنه محظور عند مالك على المحرم؛ لأنَّهُ ربما
زال القمل بكثرة الماء عن الشعر، وقد روى عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن
عباس إجازة انغماس المحرم في الماء.
قال العَيْنِي: وكان أشهب وَابْن وهب يتغامسان في الماء وهما محرمان مخالفة
لابن القاسم، وكان ابن القاسم يقول: إِنْ غَمَس رَأْسَه في الماءِ أطعم شيئًا من طعامِ
خوفًا من قتل الدواب ولا تجب الفدية إلا بيقين، وعن مالك استحبابه ولا بأس عندً
جميع أَصْحَاب مَالِك أن يصب المحرم على رأسه الماء لحرٍّ يجده، انتهى.
قال الساعاتي في ((شرح المسند)): اتفق العُلَمَاء على جوازٍ غسل المحرم رأسه
وجسده من الجنابة، بل هو واجب عليه، وأما غسله تبرُّدًا فمذهب الجمهور جوازه
بلا كراهةٍ، واختلفوا في غسل المحرم رأسه، فذهب الأئمة أبو حنيفة والشافعي
وأحمد وإسحاق والثوري والأوزاعي إلى أنه لا بأس بذلك، ووردت الرخصة به
عن عمر بن الخطاب وَابْن عباس وجابر وعليه الجمهور، وحجتهم حديث أبي
أيوب وكان مالك يكره ذلك للمحرم لأثر ابن عمر: أنه كان لا يغسل رأسه إلا من
احتلام، ويجوزُ غسل الرأس بالسدر والخطمي عند الشافعية ورواية للحنابلة مع
الكراهةِ بحيث لا ينتف شعرًا ولا فدية عليه.
وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى التحريم ولزوم الفدية، وقال صاحبا أبي

SOCK
٤٤٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حنيفة: عليه صدقة؛ لأن الخطمي تستلذ رائحته وتزيل الشعث وتقتل الهوام
فوجبت به الفدية كالورس، وقال ابن رشد: قال الجمهور: أبو حنيفة والشافعي
وأحمد وإسحاق والثوري والأوزاعي: لا بأس بغسل المحرم رأسه، وقال مالك:
يكره، وعمدته أثر ابن عمر المذكور وعمدةُ الجمهورِ: حديثُ أبي أيوب وحمله
مالك على غسل الجنابة والحجة له إجماعهم على أنَّ المحرم ممنوع من قتل القمل
ونتف الشعر وإلقاء التفث، والغاسل رأسه إما أن يفعل هذه كلها أو بعضها، انتهى.
وقال الأبي في ((الإكمالِ)): اختلف في غسلِ المحرم تبردًا أو غسل رأسه؟ فأجازه
الجمهور کما قال عمر: لا یزیدہ الماء إلا شعثًا، وتؤول عن مالك مثله وتؤولت عنه
الكراهة أيضًا، وكره غمس المحرم رأسه في الماء، وعللت الكراهة: بأنه من
تحريك يده في غسله أو غمسه قد يقتل بعض الدواب أو يسقط بعض الشعر،
وقيل: لعلَّهُ رآه من تغطية الرأس، انتهى. وقال الباجي: الغسل للتبرد جائز للمحرم
وإن كان لغير ضرورة. وهذه رواية ابن القاسم عنه، انتهى.
قلت: وأثر ابن عمر المذكور بظاهره معارض لما روى مالك عن نافع أن
عبد الله بن عمر كان لا يدخلُ مكة إذا خرج حاجًّا أو معتمرًا حتى يغتسل قبل أن
يدخل إذا دنا من مكة بذي طوى ويأمر من معَهُ فيغتسلون قبل أن يدخلوا مكَّة. قال
الحافظ: ظاهرُهُ أن غسله لدخول مكة كان لجسده دون رأسه، وهكذا قال الباجي
وزاد: قال ابنُ حبيب: إذا اغتسل المحرم لدخول مكة فإنما يغسل جسده دون
رأسه، فقد كان ابن عمر لا يغسله.
وقال الشيخ أبو محمد: لعلَّ ابنَ عُمر كان لا يغسل رأسه إلا من جنابة يعني في
غير هذه المواضع الثلاثة، فذهب إلى تخصيص ذلك وحكى ابن المواز عن مالك
أنَّ المحرم لا يتدلك رأسه في غسل دخول مكة ولا يغسل رأسه إلا بصبِّ الماءِ
فقط. واعتبر الباجي من قول مالك: أنه في كلِّ موضعٍ أباح الغسل للمحرم لغير
جنابة لا يذكر فيه إمرار اليد وإنما يذكر فيه صب الماء، وإذا ذكر غسل الجنابة ذكر
إمرار اليد.
وقال الشافعي: نحن ومالك لا نرى بأسًا أن يغسل المحرم رأسه من غير احتلام،
وروي عنه ◌َّله أنه اغتسل وهو محرم وأطال الكلام إلى أن قال: وقد يذهب على ابن

٤٤٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يجْتَنِبُهُ الْحُرِمُ
عمر وغيره السنن ولو علمها ما خالفها، انتهى. وقال في ((المحلى)): قوله: كَانَ لَا
يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ إِلَّا مِنَ احْتِلَام. أي: تحريًا لما هو الأفضل لما روى
الترمذي عن ابن عمر مَرْفُوعًا: ((الحَاجُّ، الشَّعِثُ التَّقِلُ)) انتهى.
وأما غسل الرأس بالخطمي والسدر ونحوه فاختلفوا فيه أيضًا كما تقدم، قال
العَيْنِي: إن غسل رأسه بالخطمى والسدر، فإنَّ الفقهاء يكرهونه وهو قول مالك
وأبي حنيفة والشافعي، وأوجب مالك وأبو حنيفة عليه الفدية. وقال الشافعي
وأبو ثور: لا شيء عليه، وقال في ((البناية)): لا يغسل رأسه ولا لحيته بالخطمى،
وبه قال مالك. وفي ((شرح الوجيز)): لا يكره بالخطمى والسدر، وفي القديم يكره
ولكن لا فدية عليه. وبه قال أحمد، وفي الهداية: لا يغسل بالخطمى؛ لأنه نوع
طيب؛ ولأنه يقتل هوام الرأس، وقال القاري: يجوز للمحرم غسل رأسه بحيث لا
ينتف شعرًا بلا خلاف، أما لو غسل رأسه بالخطمي، فعليه دم عند أبي حنيفة، وبه
قال مالك وقالا: صدقة، ولو غسل بأشنان فيه طيب، فإن كان من رآه سماه أشنانًا
فعليه الصدقة، وإن سماه طيبًا فعليه الدم، وكذا في قاضي خان، ولو غسل رأسه
بالحرض والصابون والسدر ونحوه لا شيء عليه بالإجماع.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فيه أنَّ اللفظ المذكور ليس لهما ولا لأحدهما بل هو مفهوم ما فعله
أبو أيوب، ومقتضى ما نسبه إلى النَّبِي ◌َّ كما يظهر من سياق الحديث وتمامه عند
الشيخين، وقد أخرجَهُ أيضًا مطولًا أحمد (ج ٥: ص ٤١٦، ٤١٨، ٤٢١) ومالك
وأبو دَاوُد وَابْن ماجه والدرامي وَابْن الجارود والْبَيْهَقِي وغَيْرهم.

٤٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٧١٠ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ وَطَهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْجُ
٢٧١٠ - قوله: (احْتَجَمَ النَّبِيُّ وََّ) أي: في حجة الوداع كما جزم به الحازمي
وغيره. (وَهُوَ مُحْرِمٌ) جملة حالية، زاد في رواية للبخاري: فِي رَأْسِهِ مِنْ وَجَع كَانَ
بِهِ بِمَاءٍ يُقَالُ لَّهُ: لَحْي جَمَلٍ. وفي طريق أخرى له عَنِ ابْن عَبَّاسٍ تعليقًاً: أنَّ
رسولَ اللهِ وَل﴿ احتجمَّ وَهُوَّ مُحرمٌ في رأسِهِ من شَقِيقة كانت به. بشين معجمة
وقافين، وزن عظيمة: وجع يأخذ في أحد جانبي الرأس أو في مقدمه، وفي حديث
ابن بحينة الآتي في الفصل الثالث: فِي وَسَطِ رَأْسِهِ. قال الحافظ: بفتح المهلمة أي
متوسطه وهو ما فوق اليافوخ فيما بين أعلى القرنين. قال الليث: كانت هذه
الحجامة في فأس الرأس، وفي حديث أنس الآتي في الفصل الثالث: احْتَجَمَ وَهُوَ
مُحْرِمٌ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ مِنْ وَجَع كَانَ بِهِ. وفي حَدِيثِ جَابِر عند أحمد والنسائي:
احْتَجَمَ النَّبِيُّ وََّ وَهُوَ مُحْرِمٌ مِنْ وَثٍْ كَانَ بِوِرْكِهِ أَوْ ظَهْرِهِ. ويجمعُ بين هذه
الروايات بتعدُّد الحجامة منه فِي الإحرام، ثم يحتملُ أنها في إحرام واحد، أي:
في حجة الوداع، ويمكنُ أنْ يَكُون بعضها في إحدى عمراته.
وفِي الحَدِيث: دليل على جوازِ الحجامة للمحرم، وقد ترجم البُخَارِي لحديث
ابن عباس وَابْن بحينة: باب الحجامة للمحرم. قال الحافظُ: أي: هل يمنع منها أو
تباح له مطلقًا أو للضرورة؟ والمرادُ في ذلك كله المحجوم لا الحاجم. قال ابنُ
قدامة (ج٣: ص ٣٠٥): أما الحجامة إذا لم يقطع شعرًا فمباحة من غير فدية في
قول الجمهور؛ لأنَّهُ تداوٍ لإخراج دم فأشبه الفصد، وبط الجرح، وقال مالك: لا
يحتجمُ إلا من ضرورة. وكان الحسن البصري يرى في الحجامة دمًا، انتهى. وقال
العَيْنِي: وبجوازه مطلقًا، قال عطاء ومسروق وإبراهيم وطاوس والثوري وأبو حنيفة
(٢٧١٠) الْبُخَارِي (١٨٣٥)، ومُسْلِم (١٢٠٢/٨٧)، وأَبُو دَاوُد (١٨٣٥)، والتِّرْمِذي (٨٣٩)، والنَّسَائِي
(١٩٣/٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴾ًا، فِيهِ.

٤٤٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ المُخرِمُ
والشافعي وأحمد وإسحاق، وقالوا: ما لم يقطع الشعر، وقال قوم: لا يحتجم
المحرم إلا من ضرورة، روي ذلك عن ابن عمر وبه قال مالك، انتهى.
وقال النووي: أجمع العلماءُ على جوازِ الحجامةِ له في الرأس وغيره، إذا كان له
عذر في ذلك وإن قطع الشعر حينئذ، لكن عليه الفدية بقطع الشعر، فإن لم يقطع
فلا فدية عليه، ودليل المسألة قوله تعالى: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِضًا أَوْ بِهِ، أَنَّى مِّن رَّأْسِهِ،
فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا الحديثُ محمول على أنَّ النَّبِي بَلّ كانَ له عُذر في
الحجامة في وسط الرأس؛ لأنَّهُ لا ينفك عن قطع شعر. أما إذا أراد المحرم
الحجامة لغير حاجة فإن تضمنت قطع شعر فهي حرام لتحريم قطع الشعر، وإن لم
تتضمن ذلك بأن كانت في موضع لا شعر فيه، فهي جائزة عند الجمهور ولا فدية
فيها وعن ابن عمر ومالك كراهتها، وعن الحسن البصري: فيها الفدية وإن لم
يقطع شعرًا، دليلنا أن إخراج الدم في الإحرام ليس بحرام، انتهى.
وخصَّ أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس، ونقلَ الحطاب عن ابنٍ بشير المالكي
أنه ذكر قولًا بسقوط الفدية مطلقًا، أي: سواء أزال بسبب الحجامة شعرًا أو لا . قال
الشنقيطي: القولُ الَّذِي ذكره ابنُ بشيرٍ من المالكية، واستغربه خليل في
((التوضيح)) بسقوط الفدية مطلقًا ولو أزال بسبب الحجامة شَعْرًا، له وجه من
النظر، ولا يخلو عندي من قوة، والله تعالى أعلم، وإيضاح ذلك أن جميع
الروايات المصرحة بأنَّ النبيَّ رََّاحتجَمَ في رأسِهِ، لم يرد في شيءٍ منها أنه افتدى
لإزالة ذلك الشعر من أجلِ الحجامة، ولو وجبت عليه في ذلك فدية لبينها للناس؛
لأنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجةِ لا يجوزُ، والاستدلال على وجوب الفدية في
ذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ خَّ بَغَ اَلْهَدَىُ مِلَّمْ فَ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِة
أَذَّى مِّن رَأْسِهِ، فَفِذْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] لا ينهضُ كل النهوض؛ لأن الآية واردة في حلق
جميع الرأس لا في حلق بعضه، وقد قدمنا أن حلق بعضه ليس فيه نص صريح،
ولذلك اختلف العُلَمَاء فيه فذهب الشافعي إلى أن الفدية تلزم بحلقِ ثلاث شعرات
فصاعدًا، وذهب أحمد في إحدى الروايتين إلى ذلك، وفي الأخرى إلى لزومها
بأربع شعراتٍ، وذهب أبو حنيفة إلى لزومها بحلق الربع، وذهب مالك إلى لزومها
بحلق ما فيه ترفه أو إماطة أذى، وهذا الاختلاف يدلّ على عدم النص الصريح في
حلق بعض الرأس، فلا تتعين دلالة الآية على لزوم الفدية لمن أزال شعرًا قليلًا

٤٤٨
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لأجل تمكن آلة الحجامة من موضع الوجع، والله تعالى أعلم.
وممن قال بأن إزالة الشعر عن موضع الحجامة لا فدية فيه: محمد وأبو يوسف
صاحبا أبي حنيفة، بل قالا: في ذلك صدقة، وقد قدمنا مرارًا أن الصدقة عندهم
نصف صاع من بر أو صاع كامل من غيره كتمر وشعير، والحاصلُ: أن أكثر أهل
العلم منهم الأئمة الأربعة على أنه إن حلق الشعر لأجل تمكن آلة الحجامة لزمته
الفدية على التفصيل المتقدم في قدرٍ ما تلزم به الفدية من حلق الشعر كما تقدم
إيضاحه، وأن عدم لزومها عندنا له وجه من النظرٍ قوي، وحكاه ابن بشير من
المالكية، وأما إن لم يحلق بالحجامة شعرًا فقد قدمنا قريبًا أقوال أهل العلم فيها
وتفصيلهم بين ما تدعو إليه الضرورة وبين غيره، انتهى.
قال النووي: وفي حديث الحجامة بيان قاعدة من مسائل الإحرام، وهي أن
الحلق واللباس وقتل الصيد ونحو ذلك من المحرمات يباح للحاجة وعليه الفدية
كمن احتاج إلى حلق أو لباس لمرض أو حر أو برد أو قتل صيد للمجاعة وغير
ذلك، واستدل بِهَذَا الحَدِيث على جواز الفصد وبط الجرح والدمل وقطع العرق
وقلع الضرس وغير ذلك من وجوه التداوي إذا لم يكن في ذلك ارتكاب ما نهي عنه
المحرم من تناول الطيب وقطع الشعر ولا فدية عليه في شيء من ذلك. وفيه:
مشروعية التداوي واستعمال الطب والتداوي بالحجامة.
تنبيه:
قال الزرقاني في شرح قولِ مالِكِ ((لا يحتجم المحرم إلا مِن ضرورةٍ) أي: يكره؛
لأنَّهَا قد تؤدي لضعفه، كما كره صوم يوم عرفة للحاج مع أن الصوم أخف من
الحجامة، فبطل استدلال المجيز بأنه لم يقم دليل على تحريم إخراج الدم في
الإِحْرَام؛ لأنَّا لم نقل بالحرمة، بل بالكراهة لعلة أخرى عملت، انتهى.
ومرادُهُم أنَّ ضعفه بإخراج الدم منه قد يؤدي إلى عجزه عن إتمام بعض
المناسك، وهذا يدلُّ على أن المنع عند المالكية لاحتمال الضعف لا لمعنى في
نفس الحجامة، لكن قال الدردير: وكره حجامة بلا عذر خيفة قتل الدواب، فإن
تحقق نفي الدواب فلا كراهة، ومحل الكراهة إذا لم يزل بسببها شعر وإلا حرم بلا
عذر. وافتدى مطلقًا لعذر أم لا، وحكى الدسوقي اختلاف أصحابهم في إطلاقٍ

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يجْتَنِبُهُ المُحرِمُ
٤٤٩
الكراهةِ وتقييدها باحتمال قتل الدواب، ولم يذكر من كرهه لعارض الضعف ووجه
بعض المالكية الكراهة المذكورة بأن الحجامة إنما تكون في العادة بشد الزجاج
ونحوه والمحرم ممنوع من العقدِ والشدِّ علی جسده، قاله الشيخ سند .
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجَهُ البخاريُّ في الحجِّ وفي الصومِ وفي الطبِّ، ومُسْلِم فِي
الحجِّ، وأخرجه أحمد مرارًا والترمذي وأبو دَاوُد والنَّسَائِي والحميدي والْبَيْهَقِي
والدرامي وَابْن الجارود وغَيْرهم.
٢٧١١ - [٩] وَعَنْ عُثْمَانَ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بَلَه فِي الرَّجُلِ إِذَا
اشْتَكَى عَيْنَيْهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ ضَمَّدَهُمَا بِالصَّبِرِ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرْجُ
٢٧١١ - قوله: (فِي الرَّجُلِ) أي: في حقه وشأنه وكذا حكم المرأة المحرمة.
(إِذَا اشْتَكَى عَيْنَيْهِ) أي: حين شكا وجعهما. (ضَمَّدَهُمَا) بصيغةِ الماضي مُشَدَّدًا من
بابِ التفعيلِ. قال القاري: وفي نسخة - يعني: من ((المشكاة)) - على بناءِ الأمرِ
للإباحةِ. قلتُ: ويحتملُ أنْ يَكُون بصيغة الماضي مخفّفًا من باب ضرب ونصر،
يقال: ضمد الجرح يضمده ويضمده وضمَّده شدَّه بالضمادة، وهي العصابة
كالضماد، هَذَا أصله ثم استعمل في خلط الدواء بمائع فيلين ويوضع على العضو
الماؤفٍ، قال الطيبي: أصلُ الضمدِ: الشدُّ، يقال: ضمَّد رأسَهُ وجرحه إذا شدَّه
بالضماد، وهو خرقة يشد بها العضو الماؤف - أي: المصاب بالآفة -، ثم قيل :
لوضع الدواء على الجرح وغيره وإن لم يشد، انتهى.
(بِالصَّبِرِ) ككتف بفتح الصاد المهملة وكسر الباء ويجوز إسكانها، وقال في
القاموس: ولا يسكن الباء إلا في ضرورة الشعر، عصارة شجر مر، وقال في ((بحر
الجواهر)): هو عصارة جامدة من نبات كالسوسن بين صفرة وحمرة منه سقوطري
(٢٧١١) مُسْلِم (١٢٠٤/٨٩)، وَأَبُو دَاوُد (١٨٣٨)، والتِّرْمِذِي (٩٥٢)، والنَّسَائِي (١٤٣/٥) عَنْ
عُثْمَانَ .

٤٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومنه عربي ومنه سميخاني وأفضله سقوطري، انتهى. ويسمى بالأردية إيلوا،
والمقصود: أنَّ يخلط الصبر بالماء ويمرخ فيقطره في عينيه أو يكتحلهما به أو يضعه
على عينيه. وفِي الحَدِيث: دليلٌ على جوازٍ تضميد العين وغيرها بالصبرِ ونحوه.
قال النووي: اتفقَ العلماءُ على جوازٍ تضميد العين وغيرها بالصبر ونحوه مما
ليس بطيب ولا فدية في ذلك، فإن احتاج إلى ما فيه طيب جاز له فعله وعليه الفدية .
واتفق العُلَمَاء على أن للمحرم أن يكتحل بكحل لا طيب فيه إذا احتاج إليه ولا فدية
عليه فيه. وأما الاكتحال للزينة فمكروه عند الشافعي وآخرين ومنعه جماعة منهم
أحمد وإسحاق، وفي مذهب مالك قولان كالمذهبين، وفي إيجاب الفدية بذلك
عندهم خلاف، انتهى.
ومذهب الحنفية فيه مثل مذهب الشافعي، وروى البيهقي عن عائشة أنها قالت
في الإثمد والكحل الأسود: إنه زينة نحن نكرهه ولا نحرمه. وبه قال مالك وأحمدُ
وإسحاق إلا عندَ الحاجةِ، وأجمعوا على حلة حيث لا طيب فيه.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج١: ص ٦٠، ٦١، ٦٥، ٦٨) وأبو دَاوُد
والترمذي والنَّسَائِي والْبَيْهَقِي وَابْن الجارود والحميدي.
٢٧١٢ - [١٠] وَعَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ: رَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلَالًا،
وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةٍ رَسُولِ اللّهِ وَِّهِ، وَالْآخَرُ رَافِعُ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ
حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَّبَةَ.
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشَّرُْ
٢٧١٢ - قوله: (وَعَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ) بضمِّ الحاءِ وفتح الصاد المهملتين ثم ياء
ساكنة ثم نون، هي بنت إسحاق الأحمسية الصحابية ولا يعرف لها اسم. (رَأَيْتُ
أُسَامَةَ) هو ابن زيد بن حارثة مولى رسول اللَّه ◌َلّ. (وَبِلَالًا) هو ابن رباح مولى أبي
بكر الصديق. (وَأَحَدُهُمَا) أي: والحالُ أن أحدهما. قال القاري: والظاهر أنه
(٢٧١٢) مُسْلِم (١٢٩٨/٣١٢)، وَأَبُو دَاوُد (١٨٣٤)، وَالنَّسَائِي (٢٦٩/٥) فِي الحَجِّ عن أُمُّ الحُصَيْنِ.

٤٥١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ المُحْرِمُ
بلال. (آخِذٌ) بصيغة الفاعلِ. (بِخِطام نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ بِلِه) الخطام بكسر الخاء
ككتاب بمعنى الزمام. (وَالآخَرُ) أي: أسامة. (رَافِعٌ) بالتنوين. (ثَوْبَهُ) أي: ثوبًا
في يده. (يَسْتُرُهُ) أي: يظله بثوب مرتفع عن رأسه بحيث لم يصل الثوب إلى رأس
رسول اللّه وَلَه. (مِنَ الْحَرِّ) وفي رواية: ((رافع ثوبه على رأسِ رسولِ الله ◌ٍَّ من
الشمسِ)). وروى أحمد عن أبي أمامة عمن رأى النَّبِي ◌َِّرَاحَ إلى منّى يومَ الترويةِ
وإلى جانبِهِ بلالٌ، بيدِهِ عُود عليهِ ثوبٌ يظللُ به رسولَ الله ◌َّه. وفِي الحَدِيثِ: دليلٌ
على جوازٍ تظليلِ المحرم على رأسِهِ بثوبٍ أو نحوه، سواءً كان راكبًا أو نازلًا، وإليه
ذهب أبو حنيفة والشافعي والجمهور محتجين بحديثي أم الحصين وأبي أمامة،
وذهب مالك وأحمد إلى عدم الجواز إلا إذا كان نازلًا، فإن استظل سائرًا فعليه
الفدية، وعن أحمد رواية أخرى أنه لا فدية، وأجمعوا على أنه لو قَعد تحت خيمة
أو سقف جاز.
وقد احتج لمالك وأحمد على منع التظلَّل بما رواه البيهقي بإسنادٍ صحيحٍ عن ابنٍ
عُمر، أنه أبصرَ رجلًا على بعيره وهو محرم قد استظل بينه وبين الشمس، فقال:
((إِضْح لِمَنْ أَحْرَمْتَ لَهُ))، وبما أخرجَهُ البيهقيُّ أيِضًا بإسناد ضعيف عن جابرٍ
مَرْفُوعًا: ((مَا مِنْ مُحْرِمٍ يضحِي للشَّمْسِ حتَّى تَغْرُبَ إِلَّا غَرُبَتْ بِذُنُوبِهِ حَتَّى يَعُودَ كَمَا
وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)) وقوله: (إضح)) بالضاد المعجمة، وكذا ((يضحِي)) والمراد: أُبرز
للشمس، وروى البيهقي أيضًا والشافعي وسعيد بن منصور عن عبد الله بن عياش
ابن ربيعة قال: حججتُ مع عُمر بن الخطاب، فما رأيت مضطربًا فسطاطًا حتى
رجعَ، قيل له: فما كان يصنعُ؟ قال: يطرح النطع على الشجر فيجلس تحته. قال
الشوكاني: ويجابُ بأنَّ قولَ ابنِ عُمر لا حُجَّة فيهِ، وبأنَّ حَدِيث جَابِر مع كونه
ضعيفًا لا يدلَّ على المطلوب وهو المنع من التظلل ووجوب الكشفِ؛ لأنَّ غاية ما
فيه أنه أفضل، على أنه يبعد منه وَّلر أن يفعل المفضول ويدع الأفضل في مقام
التبليغ، انتهى.
وقال النووي: حَدِيث جَابِر ضعيف مع أنه ليس فيه نهي، وكذا فعل عمر وقول
ابن عمر ليس فيه نهي ولو كان فحديث أم الحصين مقدم عليه، انتهى. قلت: ويدلُّ
على الجوازِ مطلقًا استظلاله وَله بالقبة المضروبة في عرفة. وقال الشنقيطي: لا
يجوز عند المالكية أن يظلل المحرم على رأسه أو وجهه بعصا فيها ثوب، فإن فعل

٤٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
افتدى، وفيه قول عندهم بعدم لزوم الفدية وهو الحقُّ، وحديث أمِّ الحصين في
التظليل على النبيِّ وَّهَ بثوبٍ يقيهِ الحرَّ وهو يرمي جمرة العقبة، يدلّ على ذلك،
وعلى أنه جائز، فالسنةُ أولى بالاتباع، وأجاز المالكية للمحرم أن يرفع فوق رأسه
شيئًا يقيه من المطَرِ، واختلفوا في رفعه فوقه شيئًا يقيه من البردِ، والأظهر الجواز
لدخوله في معنى الحديث المذكور؛ إذ لا فرق بين الأذى من البرد والحر والمطر،
وبعضهم يقول: إن الفدية المذكورة مندوبة لا واجبة، ولا بأس عندهم باتقاء
الشمس أو الريح باليد يجعلها على رأسه أو وجهه.
قال الشنقيطي: ولا خلاف بين أهل العلم في الاستظلال بالخباء والقبة
المضروبة والفسطاط والشجرة وأن يرمي عليها ثوبًا، وعن مالك منع إلقاء الثوب
على الشجرة، وأجازه عبد الملك بن الماجشون قياسًا على الخيمة وهو الأظهر.
قال: والاستظلال بالثوب على العصا عند المالكية إذا فعله وهو سائر لا خلاف في
منعه، ولزوم الفدية فيه، وإن فعله وهو نازل ففيه خلاف عندهم.
والحقُّ الجواز مطلقًا للْحَدِيث المذكور؛ لأنَّ ما ثبتت فيه سُنة عن رسولِ اللهِ وَل
لا يجوزُ العدول عنه إلى رأى مجتهد من المجتهدين، ولو بلغ ما بلغ من العلم
والعدالة؛ لأنَّ سُنته وَلَه حجة على كلِّ أحدٍ، وليس قول أحد حجة على سنته وَلّ،
وحديث أم الحصين نَصٌّ صحيح صريح في جواز استظلال المحرم الراكب بثوب
مرفوع فوقه يقيه حر الشمس والنازل أحرى بهذا الحكم عند المالكية من الراكب.
وهذا الحديث الصحيح المرفوع لا يعارض بما روي من فعل عمر وقول ابنه
عبد اللَّه موقوفًا عليهما، ولا بحديث جابر الضعيف في منع استظلال المحرم،
انتھی .
قلت: وأجابَ عن حديثٍ أمِّ الحصين بعض أَصْحَاب مَالِك بأن هَذَا المقدار لا
يكاد يدوم فهو كما أجاز مالك للمحرم أن يستظل بيدِهِ. وقال الطّبَري: حمل بعض
أَصْحَاب مَالِك الحديث على أنه تساهل لما قارب الإحلال، كما تساهل في الطيبٍ
قبلَ الإفاضة. قلت: وما رواه أحمد من حديث أبي أمامة يرد التأويلين. (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ) وأخرجَهُ أيضًا أحمد (ج٦: ص ٤٠١) وأبو دَاوُد والنَّسَائِي والدرامي
والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ٦٩).

٤٥٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابَ مَا يَجْتَنِبُهُ المُحْرِمُ
٢٧١٣ - [١١] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَوَتَهُ أَنَّ النَّبِيَّ وَ مَرَّ بِهِ وَهُوَ
بِالْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَهُوَ يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ، وَالْقَمْلُ
تَتَهَافَتُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: ((أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟))، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَاحْلِقْ
رَأْسَكَ، وَأَطْعِمْ فَرَقًّا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ)). وَالْفَرَقُ - ثَلَاثَةُ آصُع - ((أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ
أَيَّام، أَوِ انْسُْك نَسِيكَةً)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْجُ
٢٧١٣ - قوله: (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ) بضم العين المهملة وسكون الجيم
وبعدها راء مهملة ثم تاء تأنيث. نقل ابنُ عبد البر عن أحمد بن صالح المصري
قال: حديث كعب بن عجرة في الفدية سنة معمول بها لم يروها من الصَّحَابَة غيره
ولا رواها عنه إلا ابن أبي ليلي وَابْن معقل. قال: وهي سُنة أخذها أهل المدينة عن
أهل الكوفة. قال الزهري: سألتُ عنها علماءَنَا كلهم حتى سعيد بن المسيب فلم
يبينوا كم عدد المساكين. قال الحافظ: فيما أطلقه ابن صالح نظر فقد جاءت هذه
السنة من رواية جماعة من الصَّحَابَة غير كعب فذكرهم، قال: ورواه عن كعب بن
عجرة غير المذكورين أبو وائل عند النسائي ومحمد بن كعب القرظي عند ابن ماجه
ويحيى بن جعدة عند أحمد، وعطاء عند الطبري، فيقيد إطلاق أحمد بن صالح
بالصحة، فإن بقية الطرق التي ذكرتها لا تخلو عن مقال إلا طريق أبي وائل عن
كعب بن عجرة عند النسائي.
(أَنَّ النَِّيَّ ◌َ مَرَّ بِهِ) فيه تجريد أو التفات أو نقل بالمعنى، قاله القاري. قلتُ:
وفي رواية: وَقَفَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَّه بِالْحُدَيْبِيَةِ. وفي أخرى: أتى عليَّ رسولُ اللهِ
وَلَه زمن الحديبية. وفي أخرى: أتيت رسولَ اللهِ وَّه فقال: ((ادْنُهْ))، فدنوت،
فقال: ((ادْنُه))، فدنوت. وفي رواية: حملتُ إلى رسول اللَّه ◌َ له والقمل يتناثر على
وجهي، فقال: ((مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ مَا أَرَى)). وفي أخرى: أنه خرجَ مَع
(٢٧١٣) البُخَارِي (١٨١٤)(١٨١٥)، ومُسْلِم (٨٣/ ١٢٠١)، وأَبُو دَاوُد (١٨٥٦)، والتِّرْ مِذِي (٩٥٣)،
والنَّسَائِي (١٩٤/٥) عَنْهُ فِهِ.

٤٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
النَّبِي ◌َِّ مُحْرِمًا فقَمل رأسُه ولِحْيَتِهِ، فبلَغَ ذَلِك النَّبِيِنَّهَ فأرسلَ إليهِ فَدَعا الحلاق
فحَلَق رأسَهُ.
والجمع بين هَذَا الاختلاف أن يقال: مرَّ به أولًا وهو يوقد تحت قدر فرآه على
تلك الصورة رؤية إجمالية عن بعد يسيرٍ وقال: ((أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ هَذِهِ؟» ولكنه لم
يقدر قدر ما بلغ به من الوجع الشديد، ثم بلغه ما هو فيه من البلاء وشدة الأذى،
فأرسل إليه واستدعاه حتى أتاه محمولًا، فاستدناه فدنا، كما في رواية ابن عون عن
مجاهدٍ عن ابن أبي ليلى عند الشيخين، وحَكَّ رأسَهُ بإصبعهِ الكريمةِ، كما في رواية
أبي وائل عن كعب عند الطبري فخاطبه وقال له: ((مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ مَا
أَرَى))، ودعا الحلاق فحلَقَ رأسَهُ بحضرته، فنقل بعض الرواة ما لم ينقله الآخر.
قال الحافظ بعد ما ذكر اختلاف الروايات في ذَلِك مفصلاً ما لفظه: والجمعُ بين
هَذَا الاختلاف في قول ابن أبي ليلى عن كعبٍ أنَّ النبيَّ وَّهِ مرَّ به فرآه، وفي قول
عبد الله بن معقل: أنَّ النبيَّ ◌َّ أرسلَ إليه فَرَآه، أن يقال: مرَّ به أولًا فرآه على تلك
الصورة فاستدعى به إليه فخاطبه وحلق رأسه بحضرته فنقل كل واحد منهما ما لم
ينقله الآخر، ويوضحه قوله في رواية ابن عون حيث قال فيها: فقالَ: ((أَدْنُ))
فَدَنَوْتُ. فالظاهر: أن هَذَا الاستدناء كان عقب رؤيته إياه؛ إذ مرَّ به وهو يوقد تحتَ
القدر، انتهى.
وقال الطَّبَري: يحتمل أنْ يَكُون وقف عليه وَّل وأمره بذلك، ثم حمل إليه لما
كثر عليه فأمره ثانيًا فلا يكون بين قوله: فحملتُ إلى رسول اللَّه وَل. وبين قوله:
مَرَّ بهِ. تضاد. وقال العَيْنِي بعد ذكر اختلاف الروايات: لا تعارض في شيءٍ من
ذلك ووجهه: أنه مرَّ به وهو محرم في أول الأمر وسأله عن ذلك، ثم حمل إليه ثانيًا
بإرساله إليه، وأما إتيانه فبعد الإرسال، وأما رؤيته فلا بدَّ منها في الكلِّ، انتهى
باختصار یسیر.
(وَهُوَ) أي: كعب. (بِالْحُدَيْبِيَةِ) تقدم ضبطها والكلام عليها، وكان ذلك سنة
ست من الهجرةٍ، وكانوا محرِمين بعمرة مع النَّبِي ◌َّ فصدهم المشركون عن
دخولٍ مكَّة. (قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ) أي: وهو يتوقع دخولها حين لم يقع منع عن
وصولها، وفي رواية للبخاريٍّ: أن رسول اللَّه ◌َ لّه رَآه وَإِنَّه ليسقط القمل على

٤٥٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ المُحْرِمُ
وجههِ، فقال: ((أَيُؤْذِيَكَ هَوَامَُّكَ؟)) قال: نعم، فأمرَهُ أن يحلق وهم بالحديبية ولم
يبين لهم أنهم يحلون وهم على طمع أن يدخلوا مكة فأنزل اللَّه الفدية. (وَهُوَ يُوقِدُ)
من الإيقاد. (تَحْتَ قِدْرٍ) وفي روايةً: برمة. (وَالْقَمْلُ) أي: جنسه وهو بفتح القاف
وسكون الميم، دويبة تتولد من العرق والوسخ في بدن الإنسان أو ثوبه أو شعره
تسمى بالفارسية: سبس. وبالأردوية: جوين. (تَتَهافَتُ) بالتائين، وفي مسلم:
(يَتَهَافَتُ)) أي: بصيغة التذكير، يعني: تتساقط شيئًا فشيئًا، من التهافت وهو تساقط
الشيء قطعة قطعة كالثلج والرذاذ ونحوهما. (عَلَى وَجْهِهِ) وفي رواية لأحمد :
قَمِلْتُ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ كُلَّ شَعْرَةٍ مِنْ رَأْسِي فِيهَا الْقَمْلُ مِنْ أَصْلِهَا إِلَى فَرْعِهَا. وفي
رواية له أيضًا: وَقَعَ الْقَمْلُ فِي رَأْسِي وَلِحْيَتِي حَتَّى حَاجِي وَشَارِبِي. وفي رواية
لأبي داود: أَصَابَتْنِي هَوَامٌّ حَتَّى تَخَوَّقْتُ عَلَى بَصَرِي.
(فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ؟) بالتذكيرِ، وفي بعض النسخ بالتأنيث. (هَوَامُّك) بتشديد
الميم جمع هامة، وهي ما يدبُّ من الأخشاش، والمراد بها ما يلازم جسد الإنسان
غالبًا إذا طالَ عهده بالتنظيف، وقد وقع في الرواية هذه نفسها القمل فهو المراد
بالهوام. قال الحافظُ: قد عين في كثير من الروايات أنها القمل، وقال في موضع
آخر: الهوام اسم للحشرات؛ لأنَّهَا تهم أن تدب، وإذا أضيفت إلى الرأس اختصت
بالقمل. وقال القاري: الهوام جمع هامة بتشديد الميم وهي الدابة التي تسير على
السكون كالنمل والقمل. قال القرطبي: قوله: ((أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟)) هَذَا سؤالٌ عن
تَحْقِيق العلَّة التي يترتَّب عليها الحكم، فلما أخبره بالمشقة التي نالته خفف عنه،
انتهى. قال الحافظ: واستدل به على أن الفدية مرتبة على قتلِ القملٍ، وتعقب بذکرٍ
الحلقِ. فالظاهر: أن الفدية مرتبة عليه، وهما وجهان عند الشافعية. ويظهر أثر
الخلاف فيما لو حلق ولم يقتل قملًا.
(فَاحْلِقْ رَأْسَكَ) أمر إباحة، قاله القاري. وفي رواية: فأمرَهُ رسولُ اللَّهِ وَله أن
يحلقَ رأسه، قال الباجي: والأمر وإن كان يقتضي الوجوب أو الندب ولا تكون
الإباحة أمرًا، فقد يحتمل أنْ يَكُون النَّبِي وَِّ ندبه إلى ذلك، ورآه الأفضل له فقد
نهي الإنسان عن أذى نفسه وتحمل المشقة الخارجة عن العادة المؤذية التي لا
يطيقها الإنسان غالبًا في العبادات ولذلك كره من الحولاء بنت تويت أن لا تنام
الليل، وقد قال ◌َ له: ((اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ))، انتهى. وقوله: ((أَنْ يَحْلِقَ

٤٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
رَأْسَهُ)) أي: يزيل شعره أعم من أنْ يَكُون بموسى أو بمقص أو نورة، قاله الزرقاني،
وقال ابن قدامه: لا نعلم خلافًا في إلحاق الإزالة بالحلق سواء كان بموسى أو مقص
أو نورة أو غير ذلك، وأغرب ابن حزم فأخرج النتف عن ذلك، فقال: يلحق جميع
الإزالات بالحلق إلا النتف، كَذَا فِي ((الفَتْح)).
(وَأَطْعَمْ) أمر وجوب وهو بيان لقوله تعالى: ﴿أَوْ صَدَقَّةٍ﴾. (فَرَقًا) بفتح الفاء
والراء وقد تسكن، قاله ابن فارس. وقال الأزهري: كلام العرب بالفتح
والمحدثون قد يسكنونه وآخره قاف، مكيال معروف بالمدينة وهو ستة عشر رطلًا.
قال الحافظ: وإذا ثبت أن الفرق ثلاثة آصع كما سيأتي اقتضى أن الصاع خمسة
أرطال وثلث خلافًا لمن قال إن الصاع ثمانية أرطال. (بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ) قال
الطيبي: فلكلِّ واحدٍ نصف صاع بلا فرق بين الأَطْعِمَة. (وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُع) كذا
في ((صحيح مسلمٍ)) و((كتاب الحميدي)) و((شرح السنة))، وفي نسخ ((المصابيح)):
((أَصْوُعِ)) وكلاهما جمع صاع. وأخطأ من قال: آصُع. لحن، قال الطيبي: صحَّ هَذَا
اللفظ في الحديث وهو من قبيل القلب وأصله أصَّوع، انتهى. والمراد بالقلب:
القلب المكاني بأن تجعل الواو مكان الصاد وعكسه بعد نقل حركة الواو إلى الصاد
ثم تقلب الواو ألفًا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها، وكذا في ((المرقاة)).
وقال النووي: الآصع جمع صاع، وفي الصاع لغتان، التذكير والتأنيث وهو
مكيال يسع خمسة أرطال وثلثا بالبغدادي، هَذَا مذهب مالك وأحمد وجماهير
العلماء، وقال أبو حنيفة: يسع ثمانية أرطال، وأجمعوا على أن الصاع أربعة أمداد،
وهذا الَّذِي قدمناه من أن الآصع جمع صاعٍ صحيح، وقد ثبت استعمال الآصع في
هَذَا الحديث الصحيح من كلام رسول اللَّه ◌َلَّ، وكذلك هو مشهور في كلام
الصَّحَابَة والعلماء بعدهم، وفي كتب اللغة وكتب النحو والتصريف، ولا خلاف
في جوازه وصحته، انتهى.
وذكر الحافظ في ((الفتح)) هذه الرواية عن مسلمٍ ثم قال: وأخرجه الطبري من
طريق يحيى بن آدم عن ابن عيينة فقال فيه: قال سفيان: والفرق ثلاثة آصع، فأشعر
بأن تفسير الفرق مدرج لكنه مقتضى الروايات الأخر، ففي رواية سليمان بن قرم
عن ابنِ الأصبهاني عند أحمد: ((لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ)) وفي رواية يحيى بن

٤٥٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابَ مَا يجْتَنِبُهُ المُحرِمُ
جعدة عند أحمد أيضًا: ((أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنٍ مُدَّيْنٍ)) وفي رواية زكريا عن ابن
الأصبهاني عند مسلم: ((أَوْ يُطْعِمَ سِنَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينَيْنِ صَاعٌ)) وكذا أخرجه
مسدد في ((مسنده)) عن أبي عوانة عن ابن الأصبهاني، وللبخاري عن أبي الوليد عن
شعبة عن ابن الأصبهاني: ((أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ))، ثم إنه
اختلفت الروايات في ذكر ما يخرج في الصدقة، وفي مقدار الواجب لكِّ مسكين
من المخرج، فللطبراني كما قال الحافظ عن أحمد بن محمد الخزاعي عن أبي
الوليد شيخ البُخَارِي فيه: ((لِكُلُّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعَ تَمْرٍ)) ولمسلمٍ وأحمد وأبي داود
من طريق أبي قلابة عن ابن أبي ليلى: ((أَوْ أَطْعِمْ ثَلاثَةَ آصُعَّ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِنَّةِ
مَسَاكِينَ)) ولأحمد عن محمد بن جعفر وبهز عن شعبة: نصف صَّاع طعام، والمراد
بالطعام هنا: التمر كما صرح بذلك في عدة طرق عند أحمد وأبي داود وغَيْرِهما،
وفي طريق لمسلم.
قال الحافظ: ولبشر بن عمر الزهراني عن شعبة - عند الدارقطني في
((الغرائب)): ((نصف صاع حنطة))، ورواية الحكم عن ابن أبي ليلى عند أبي داود
والْبَيْهَقِي تقتضي أنه نصف صاع زبيب فإنه قال: ((يطعم فرقًا من زبيب بين ستة
مساكين)). قال ابنُ حزم: لا بد من ترجيح إحدى هذه الروايات؛ لأنَّهَا قصة واحدة
في مقام واحد في حقَّ رجل واحد.
قال الحافظ: المحفوظُ عن شعبة أنه قال: نصف صاع من طعام، والاختلافُ
عليه في كونه تمرًا أو حنطة لعله من تصرف الرواة، وأما الزبيب فَلم أره إلا في
رواية الحكم، وقد أخرجها أبو داود، وفي إسنادها ابن إسحاق وهو حجة في
المغازي لا في الأحكام إذا خالف، والمحفوظ رواية التمر فقد وقع الجزم بها عند
مسلم من طريق أبي قلابة كما تقدَّم، ولم يختلف فيه على أبي قلابة. وكذا أخرجه
الطبري من طريق الشعبي عن كعب، وأحمد من طريق سليمان بن قرم عن ابن
الأصبهاني، ومن طريق أشعث وداود عن الشعبي عن كعب، وكذا في حديث
عبد الله بن عمرو عند الطَّبَرَاني، وعرف بذلك قوة قول من قال: لا فرق في ذلك
بين التمر والحنطة وأن الواجب ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع، انتهى. يشيرُ
بذلك إلى تضعيف ما هو محكي عن الحنفية، ففي ((الدر المختار)): أو تصدق
بثلاثة أصوع طعام على ستة مساكين. قال ابن عابدين ناقلًا عن القهستاني: والطعام

٤٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
البر بطريق الغلبة، انتهى.
وقال ابن قدامة: قال الثوري وأصحاب الرأي: يجزئ من البرِّ نصف صاع لكلِّ
مسكينٍ، ومن التمرِ والشعيرِ صاع صاع، واتباع السنة أولى، وترجم البخاري:
باب الإطعام في الفدية نصف صاع.
قال الحافظ: أي لكلِّ مسكينٍ من كلِّ شيءٍ، يشير بذلك إلى الردِّ على من فرق
في ذلك بين القمح وغيره، قال ابن عبد البر: قال أبو حنيفة والكوفيون: نصف
صاع من قمح وصاع من تمر وغيره، وعن أحمد رواية تضاهي قولهم، قال عياض :
وهذا الحدیث یرد عليهم، انتهى.
وأما رواية إسماعيل بن زكريا عن أشعث عن الشعبي عن عبد الله بن معقل عن
كعب بلفظ: ((لكلِّ مسكين صاع من تمر)). فضعيفة كما قال ابنُ حزم (ج٧: ص
٢١٠) هَذَا وقوله: ((أَطْعِمْ فَرَقًّا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ)) يدل على أن الإِطعام لستة
مساكين، وترجم البخاري: باب قول الله: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ وهي إطعام ستة مساكين.
قال الحافظ: يشير بهذا إلى أن الصدقة في الآية مبهمة فسرتها السنة، وبهذا قال
جمهور العلماء، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الحسن قال: الصوم
عشرة أيام والصدقة على عشرة مساكين، وروى الطبري عن عِكْرِمَة ونافع نحوه.
قال ابنُ عبدِ البرِّ: لم يقل بذلك أحد من فقهاء الأمصار، انتهى. وقال العَيْنِي: إن
الإطعام لستة مساكين ولا يجزئ أقل من ستة، وهو قول الجمهور، وحكى عن أبي
حنيفة: أنه يجوزُ أن يدفع إلى مسكين واحد، انتهى.
(أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّام) بيان لقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ﴾ قال ابنُ التين وغيره:
جعل الشارع هنا صوَّم يوم معادلًا بصاع، وفي الفطر من رمضان عدل مد وكذا في
الظهار والجماع في رمضان وفي كفارة اليمين بثلاثة أمداد وثلث، وفي ذلك أقوى
دليل على أن القياس لا يدخل في الحدود والتقديرات، كَذَا فِي ((الفَتْح))، وفِي
الحَدِيث: دليل على أن الصوم في الفدية الواجبة بحلق الشعر ثلاثة أيام، وقد تقدم
ما روي عن الحسن أنه قال: الصيام عشرة أيام، قال ابنُ كثيرٍ: هو قول غريب فيه
نظر؛ لأنَّهُ ثبتت السنة في حديث كعب بن عجرة صيام ثلاثة أيام لا عشرة. وقال ابنُ
عبدِ البرِّ في ((الاستذكارِ)): روي عن الحسن وعكرمة ونافع صوم عشرة أيام ولم

٤٥٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ
يتابعهم أحد من العُلَمَاء على ذلك، انتهى.
هذا؛ ولا تخصيص لصيام الفدية عند العُلَمَاء بموضع دون موضع، بل يجوزُ له
أن يصوم في أي موضع شاء بالاتفاق بين الأئمة الأربعة وغيرهم، وأما الإطعام ففيه
خلاف فذهب الشافعي إلى أن الإطعام لا يجزيه إلا في الحرم وبه قال أحمد، قال
أبو حنيفة ومالك: لا يختصُّ ذلك بمكة ولا بالحرم فيطعم حيث شاء. (أَوِ انْسُْك)
بوصل الهمزة وضم السين. (نَسِيكَةً) أي: اذبح ذبيحة، وفي رواية: ((انْسُْكْ شَاةً))
أي: اذبح شاة، والنسك: يطلق على العبادة وعلى الذبح المخصوص. وقوله وَل
المذكور بيان لقوله تعالى: ﴿أَوْ فٍُّ﴾ وترجم البخاري: باب النسك شاة، قال
الحافظ: أي النسك المذكور في الآية حيث قال: أو نسك، وروى الطبري من
طريق مغيرة عن مجاهد في آخر هَذَا الحديث: فأنزل الله ﴿فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ
أَوْ شٍُ﴾ والنسك: شاة. ومن طريق محمد بن كعب القرظي عن كعب: أمرني أن
أحلقَ وأفتدي بشاةٍ. قال عياض ومن تبعه تبعًا لأبي عمر: كلٍّ من ذكر النسك في
هَذَا الحديث مفسرًا إنما ذكروا شاة وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء.
قال الحافظ: يعكر عليه ما أخرجه أبُو دَاوُد من طريق نافع عن رجل من الأنصار
عن كعب بن عجرة أنه أصابه أذى فحَلق فأمره النَّبِي وَ لّ أن يهدي بقرة، وللطبراني
من طريق عبد الوهابٍ بن بخت عن نافع عن ابن عمر قال: حلقَ كعبُ بنُ عجرة
رأسَهُ فأمره رسولُ اللَّه وَ سليل أن يفتدي فافتدى ببقرةٍ، ولعبد بن حميد من طريق أبي
معشر عن نافع عن ابن عمر قال: افتدى كعب من أذى كان برأسه فحلقه ببقرة
قلدها وأشعرها، ولسعيد بن منصور من طريق ابن أبي ليلى عن نافع عن سليمان بن
يسار قيل لابن كعب بن عجرة: ما صنعَ أبوك حين أصابه الأذى في رأسه؟ قال:
ذبح بقرة، فهذه الطرق كلها تدور على نافع.
وقد اختلفَ عليه في الواسطة الَّذِي بينه وبين كعب، وقد عارضها ما هو أصح
منها من أن الَّذِي أمر به كعب وفعله في النسك إنما هو شاة، وروى سعيد بن
منصور وعبد بن حميد من طريق المقبري عن أبي هريرة: أن كعب بن عجرة ذبح
شاة لأذى كان أصابَه، وهذا أصوب من الَّذِي قبله، واعتمد ابنُ بطَّل على رواية
نافع عن سليمان بن يسار فقال: أخذ كعب بأرفع الكفارات ولم يخالف التَّبِي ◌َِّّه