Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لكان يوم التروي بتشديد الواو، أو من الثالث لكان من الرؤيا، أو من الرابع لكان
من الرواية .
(قَالَ: بِمِنَّى) فيه: أنَّ السنة أنْ يصلي الحاج الظهر يوم التروية بمنى، وهو قول
الجمهور، ويدلَّ عليه أيضًا ما تقدم في حَدِيث جَابِرِ الطويل في صفة الحجِ: فلما
كانَ يومُ الترويةِ؛ توجَّهُوا إلى منَّى فأهَلَّوا بالحجِّ وركب رسولُ اللهِ وَلَّهَ فصلَّى بها
الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والفجرَ. الحديث. وروى أبُو دَاوُد والترمذي
وأحمد والْحَاكِم من حديث ابن عباس، قال: صلَّى النبيُّ وَّل بمنى خمس
صلوات. ولأحمد عن ابن عمر: أنه كان يحبُّ إذا استطاع أن يصلي الظهر بمنى يوم
التروية، وذلك أن رسول اللَّه وَل صلى الظهر بمنى. ولابن خزيمة والْحَاكِم من
طريق القاسم بن محمد عن عبد الله بن الزبير قال: من سُنة الحج أنْ يصلي الإمام
الظهر وما بعدها والفجر بمنی ثم يغدون إلى عرفة. وروى الثوري في ((جامعه)) عن
عمرو بن دينار قال: رأيتُ ابنَ الزبيرِ صلَّى الظهر يوم التروية بمكّة.
قال الحافظ: لعله فعل ما نقله عمرو عنه لضرورة أو لبيانِ الجوازٍ، وروى ابنُ
المنذرِ من طريق ابن عباس قال: إذ زاغت الشمسُ؛ فليرح إلى منى. قال ابنُ
المُنْذِر في حديث ابن الزبير: أن من السنة أن يصلي الإمام الظهر والعصر
والمغرب والعشاء والصبح بمنى، قال به علماء الأمصار. قال: ولا أحفظ عن أحدٍ
من أهل العلم أنه أوجب على مَن تخلَّف عن منى ليلة التاسع شيئًا، ثم روى عن
عائشة أنها لم تخرج من مكة يوم التروية، حتى دخل الليل وذهب ثلثه. قال ابنُ
المُنْذِر: والخروج إلى منى في كل وقت مباح.
قلت: الظاهر من سياق حديث أنس وجابر أن توجهه وقال كان قبل الزوال، وذكر
أبو سعيد النيسابوري في كتاب ((شرف المصطفى)) أن خروجه ◌ُّ يوم التروية كان
ضحوة النهار، وهذا يدلّ على استحباب الغدو من الغدِ. وفي ((سيرة الملا»: أن
النَّبِي ◌َُّ خرِجَ إلى مِنى بعد ما زاغت الشمس. وهذا يدلّ على استحباب الرواح
بعد الزوال. قال الطَّبَري: يمكنُ أنْ يَكُون وَّ تأهَّب للتوجُّه ضحوة النهار وتوجه
في أول الزوال، ويكون أمره بالرواح على ما رواه الشافعي عن الحسن بن مسلم
للراكب المخف الَّذِي يصل إلى منى قبل فوات الصلاة، وأمره بالغدو للماشي أو
٣٦١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
الذي الثقل أو يكون أمر بهما، توسعة فيهما، فالمتوجه إلى منى مخير بين الغدو
والرواح لذلك. وقد اتفقت الروايات كلها على أنه مج لخيله صلى بها الظهر والعصر،
انتھی .
وقال المهلب: الناس في سعة من هَذَا يخرجون متى أحبوا، ويصلون حيث
أمكنهم؛ ولذلك قال أنس: صَلِّ حيث يصلي أمراؤك، والمستحب في ذلك ما
فعله الشارع، صلى الظهر والعصر بمنى، وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة
والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور. (قَالَ) كذا في جميع النسخ من ((المشكاة))،
وفي (الصَّحِيحَيْن)): (قُلْتُ))، بدل: ((قَالَ))، قال القاري: في قَوْلِهِ: ((قَالَ)) التفات؛
إذ حقُّه أن يقول: ((قلت)). (يَوْمَ النَّفْرِ) بفتح النون وسكون الفاء وهو الرجوع
والانصراف من منى. قال القاري: أي: النفر الثاني وهو اليوم الثالث من أيام
التشريق. (قَالَ: بِالْأَبَطَح) أي: البطحاء التي بين مكة ومنى، وهي ما انبطح من
الوادي واتسع، وهي التي يقال لها: المحصب، وحَدُّهَا ما بين الجبلين إلى
المقبرة؛ قاله الحافظ. وقد تقدَّم ما ذكره القاري في الفرق. (ثُمَّ قَالَ) أي: أنس.
(افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُلَكَ) قال الحافظ: خشي عليه أن يحرص على ذلك، فينسب
إلى المخالفة أو تفوته الصلاة مع الجماعة، فقال له: ((صَلِّ مع الأمراء حيث
يصلون))، وفيه إشعار؛ لأن الأمراء إذ ذاك كانوا لا يواظبون على صلاة الظهر ذلك
اليوم بمكان معين، فأشار أنس إلى أن الَّذِي يفعلونه جائز، وأن الاتباع أفضل يعني
اتباعهم أفضل خوفًا من حدوث فتنة.
وقال القاري: أي: لا تخالفهم، فإن نزلوا به أي: بالأبطح فانزل، وإن تركوه،
فاتركه حذرًا مما يتولد على المخالفة من المفاسد، فيفيد أن تركه لعذر لا بأس به.
انتھی .
قال الحافظ: وفِي الحَدِيث الإشارة إلى متابعة أولي الأمر والاحتراز عن مخالفة
الجماعة.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي والدرامي وَابْن
خزيمة وأبو عوانة فِي ((صَحِيحِه))، وَابْن الجارود في ((المنتقى)) وسمويه في
((فوائده)) وَابْن المنذر والإسماعيلي والْبَيْهَقِي.
٣٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٦٩٠ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴿َّنَا قَالَتْ: نُزُولُ الْأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إِنَّمَا
نَزَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ إِذَا خَرَجَ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٩٠ - قوله: (نُزُولُ الْأَبْطَح) أي: المحصب تعني النزول فيه. (لَيْسَ بِسُنَّةٍ)
زاد في رواية أبي داود: ((فَمِن شَاء نَّزَلَ ومَنْ شَاءَ لَمْ يَنْزِل)). قال القاري: ليس بسنةٍ،
أي: قصدية أو من سنن الحج. وروى الشيخان عن ابن عباس، قال: ليس
التحصيب بشيء. قال ابنُ المنذر: أي: من أمر المناسك الَّذِي يلزم فعله. وروى
أحمد من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة قالتْ: ثم ارتحلَ حتى نزلَ الحصبةَ.
قالَتْ: واللهِ ما نزلها إلا مِنْ أَجْلي. وروى مسلمٌ وأبوِ دَاوُد وغَيْرِهما من طريق
سليمان بن يسار عن أبي رافع قال: لم يأمرني رسول اللَّه وَ لَّ أَنْ أنزلَ الأَبْطَح حينَ
خرجَ من منى، ولكن جئت فضربت قبته فنزل. وروى مسلمٌ من طريق الزهري عن
سالم: أن أبا بكر وعمر وَابْن عمر كانوا ينزلون الأبطح. قال الزهري: وأخبرني
عروة عن عائشة أنها لم تكن تفعل ذلك وقالت: إنَّما نَزَلَهُ رسولُ اللهِ وَجّ؛ لأنَّه كان
منزلا أسمح لخروجه.
قال الحافظ: لكن لما نزله النبيُّ وَله كان النزول به مستحبًّا؛ اتباعًا له ولتقريره
على ذلك وفعله الخلفاء بعده، كما رواه مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن
أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: كان النبيُّ ◌َّ وأبو بكر وعمر ينزلون الأبطح.
ومن طريق أخرى عن نافع عن ابن عمر، أنه كان يرى التحصيب سُنة. قال نافع: قد
حَصَبَ رسولُ اللَّهِ وَلّه والخلفاء بعدَهُ. فالحاصل: أنَّ من نفى أنه سنة كعائشة وَابْن
عباس أراد أنه ليس من المناسك، فلا يلزم بتركه شيء، ومن أثبته كابن عمر أراد
دخوله في عموم التأسي بأفعالِهِ وَّ لا الإلزام بذلك، ويستحبُّ أن يصلي به الظهر
والعصر والمغرب والعشاء ويبيت به بعض الليل، كما دلّ عليه حديث أنس المتقدم
(٢٦٩٠) البُخَارِي (١٧٦٥)، ومُسْلِم (١٣١١/٣٣٩)، وأَبُو دَاوُد (٢٠٠٨)، والترمذي (٩٢٣)، وابن
ماجه (٣٠٦٧)، والنسائي في ((الكبرى)) (٤٢٠٧) عَنْ عَائِشَةَ فِيهِ، وَأَوَّلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَطْ.
كِتَابَ الْمُنَاسِكِ
ذَابُ خصبَةٍ يَوْم النّحْر، وَرَمْي أيَّامَ التّشري، والتؤدِيع
٣٦٣
BASE
وحديث ابن عمر. انتهى.
قلتُ: نقل ابنُ المنذر الاختلاف في استحبابه مع الاتفاق على أنه ليس من
المناسك. وادعى الحافظ زكي الدين الْمُنْذِرِي استحبابه عند جميع العلماء،
وكذلك ادعى قبله القاضي عياض. قال العراقي: فيه نظر؛ لأن الترمذي حكى
استحبابه عن بعض أهل العلم. وقال النووي: إن عائشة وَابْن عباس كانا لا يقولان
به، ويقولان هو مَنْزِلٌ اتفاقي لا مقصود، فحصلَ خلاف بين الصَّحَابَة
ومذهب الشافعي ومالك والجمهور استحبابه اقتداء برسول الله وَله والخلفاء
الراشدين وغَيْرهم.
قال العَيْنِي: وهذا هو الصواب، وقد كان من أهل العلم من لا يستحبه، فكانت
أسماء وعروة بن الزبير ظًّا لا يحصبان، حكاه ابنُ عبد البر في ((الاستذكارِ)) عنهما،
وكذلك سعيد بن جبير، فقيل لا براهيم: إن سعيد بن جبير لا يفعلُهُ، فقال: قد كان
يفعله ثم بدا له. وقد تقدَّم أن عائشة لم تكن تفعل ذلك.
قلت: ومما يدل على استحباب التحصيب ما أخرجه الجماعة من حديث أسامة
ابن زيد: أن النَّبِي وَ لِّ قال: نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث تقاسمت قريش على
الكفر - يعني: المحصب - وذلك أن بني كنانة حالفت قريشًا على بني هاشم أن لا
يناكحوهم ولا يؤووهم ولا يبايعوهم. وفي ((الصَّحِيحَيْن)) عن أبي هريرة: أنَّ
النبيَّ وَّرِ قال حين أراد أن ينفر من منى: (نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا)) فذكر نحوه، وكان
نزوله وَيه بالمحصب شكرًا لله تعالى على ما منحه فيه من الظهور فيه على أعدائه
الَّذِين تقاسموا فيه على قطيعته ومضرته؛ وتذكيرًا للنعمة من القضاء على الكفر
وإظهار دينه ونصرته وتأييده.
وقال ابنُ الهمامِ بعدَ ذكرٍ حديث أسامة وأبي هريرة: فثبتَ بهذا أنه نزله قصدًا
ليرى لطيف صنع الله به، وليتذكر فيه نعمته سبحانه عليه عند مقايسته نزوله به الآن
إلى حاله قبل ذلك - أعني: حال انحصاره من الكفار في ذات الله تعالى - وهذا
أمر يرجع إلى معنى العبادة، ثم هذه النعمة التي شملته عليه الصلاة والسلام من
النصر والاقتدار على إقامة التوحيد وتقرير قواعد الوضع الإلهي الَّذِي دعا الله
تعالى إليه عباده لينتفعوا به في دنياهم ومعادهم لا شك في أنها النعمة العظمى على
٣٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
*
أمته؛ لأنهم مظاهر المقصود من ذلك المؤيد، فكلُّ واحدٍ منهم جدير بتفكرها
والشكر التام عليها؛ لأنَّهَا عليه أيضًا، فكان سنة في حقِّهم؛ لأن معنى العبادة في
ذلك يتحقَّق في حقٌّهم أيضًا، وعن هَذَا حصب الخلفاء الراشدون، وعلى هَذَا الوجه
لا يكون كالرمل ولا على الأول؛ لأن الإراءة لم يلزم أن يراد بها إراءة المشركين،
ولم يكن بمكة مشرك عام حجة الوداع، بل المراد إراءة المسلمين الَّذِين كان لهم
علم بالحال الأول. كذا في ((المرقاة)).
قلت: ومذهب الحنفية في ذلك على ما في فروعهم وفي مناسكهم أن السنة أن
ينزل به ولو ساعة ويدعو أو يقف على راحلته ويدعو. قال في ((الدُّرِّ المختارِ)): وإذا
نفرَ إلى مكّة نزل استنانًّا ولو ساعة بالمحصب. قال ابن عابدين: قوله: ((وَلَوْ سَاعَة))
يقف فيه على راحلته يدعو، فيحصل بذلك أصل السنة. وأما الكمال فما ذكره
الكمال ابن الهمام من أنه يصلي فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويهجع
هجعة ثم يدخل مكة ((بحر)) وفي ((شرح النقاية)) للقاري: والأظهر أن يقال: إنه سنة
كفاية؛ لأن ذلك الموضع لا يسع الحاج جميعهم، وينبغي لأمراء الحج وكذا
غيرهم أن ينزلوا فيه ولو ساعة؛ إظهارًا للطاعة. انتهى. وفي ((المدونة)): استحبَّ
مالك لمن يقتدى به أن لا يدع النزول به ووسع لمن لا يقتدي به في تركه، وكان
يفتي به سرًّا وفي العلانية يفتي بالنزول به لجميع الناس.
(إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ) أي: أسهل لمخرجه إلى
المدينة ليجتمع الناس إليه مدة مقامه ثم يرحلوا لرحيله، فليس ذاك لقصد النسك
حتى يكون سنة. (إِذَا خَرَجَ) أي: إذا أراد الخروج إلى المدينة. قال الحافظ: قوله:
(أَسْمَحَ) أي: أسهل لتوجهه إلى المدينة يستوي في ذلك البطيء والمعتدل، ويكون
مبيتهم وقيامهم في السحر ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة. وقال الطيبي: لأنه كان
يترك فيه ثقله ومتاعه، أي: كان نزوله بالأبطح ليترك ثقله ومتاعه هناك ويدخل مكة
فيكون خروجه منها إلى المدينة أسهل، انتهى. قال القاري: وفيه أنه لا ينافيه قصد
النزول به للمعنى الَّذِي ذكره ابن الهمام كما مرَّ.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وتفرد مسلم منه بقولها: نُزُولُ الْأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ. والحديث
أخْرَجَه أيضًا أَحْمَد وأبو دَاوُد والنَّسَائِي والترمذي وَابْن مَاجِه والْبَيْهَقِي.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
٣٦٥
بَابُ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
٢٦٩١ - [٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: أَحْرَمْتُ مِنَ التَّنْعِيمِ بِعُمْرَةٍ، فَدَخَلْتُ
فَقَضَيْتُ عُمْرَتِي، وَانْتَظَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بِالْأَبْطَحِ حَتَّى فَرَغْتُ فَأَمَرَ النَّاسَ
بِالرَّحِيلِ، فَخَرَجَ، فَمَرَّ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ قَبْلَ صَلََّةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى
الْمَدِينَةِ.
- هَذَا الْحَدِيثُ مَا وَجَدْتُهُ بِرِوَايَةِ الْشَّيْخَينِ، بَلْ بِرِوَايَةٍ أَبِي دَاوُدَ مَعَ اخْتِلَافٍ
يَسِيرٍ فِي آخِرِهِ.
[مُتَّفَقَ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٩١ - قوله: (أَحْرَمْتُ مِنَ التَّنْعِيم بِعُمْرَةٍ) قد تقدَّم الكلام على إحرامها من
التنعيم بالعمرة في الفصل الأول من بَاب قصة حجة الوداع في شرح حديث
عائشة. (فَدَخَلْتُ) أي: مكة. (فَقَضَيْتُ عُمْرَتِي) أي: أديتها منفردة عن الحج.
(وَانْتَظَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ بِالْأَبْطَحِ حَتَّى فَرَغْتُ) أي: من العمرة. (فَأَمَرَ النَّاسَ
بِالرَّحِيلِ فَخَرَجَ) أي: من الأبطح. (فَطَافَ بِهِ) أي: طواف الوداع. (هَذَا الْحَدِيثُ
مَا وَجَدْتُهُ بِرِوَايَةِ الْشَّيْخَينِ) أي: أحدهما. (بَلْ) وجدته. (بِرِوَايَةٍ أَبِي دَاوُدَ مَعَ
اخْتِلَاف يسير) أي: بينه وبين لفظ ((المصابيح)). (فِي آخِرِهِ) قال القاري: فيه
اعتراضان على صاحب ((المصابيح)) حيثُ ذكر الحديث في الفصل الأول، وحيث
خالفَ لفظ أبي داود. والله أعلم.
قلت: روى أبُو دَاوُد حديث عائشة في باب طواف الوداع أولًا من طريق وهب
ابن بقية عن خالد عن أفلح عن القاسم عن عائشة ◌َّا، قالت: أحرمتُ من التنعيمِ
بعمرةٍ، فدخلتُ، فقضيتُ عُمْرَتي وانتظرني رسولُ اللّه وَ لَّه بالأ بطح حتى فرغت،
وأمر الناس بالرحيل. قالت: وأتى رسول اللّه وَ له البيتَ، فطافَ به ثُمَّ خَرَج. ثم
رواه من طريق محمد بن بشار عن أبي بكر الحنفي عن أفلح عن القاسم عن عائشةً
قالَتْ: خَرَجْتُ مَعَه - تعني مع النبيِّ وََّ - في النفرِ الآخرِ، فَنَزَلَ الْمُحَصَّبَ.
(٢٦٩١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٥٦٠) (١٧٨٨)، ومُسْلِم (١٢١١ / ١٢٣) فِيهِ مُفَرَّقًا عَنْ عَائِشَةَ، وَاللَّفْظُ
هُنَا لأَبِي دَاوُد (٢٠٠٥).
٣٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال أبو داود: ولم يذكر ابنُ بشّار قصةَ بعثها إلى التنعيمِ في هَذَا الحديث.
قالت: ثُمَّ جِئْتُهُ بِسَحَرٍ فَأَذَّنَ فِي أَصْحَابِهِ بِالرَّحِيلِ فَارْتَحَلَ فَمَّرَّ بِالْبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ
الصُّبْحِ فَطَافَ بِهِ حِينَ خَرَجَ ثُمَّ انْصَرَفَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ. انتهى. وقد اتضح
بهذا ما وقع عن البغوي من التصرُّف والاختلاف في نقلٍ لفظ الحديث.
وقال المناوي في ((الكشف)): لم أقف على هَذَا الحديث بجملة في
((الصَّحِيحَيْن))، إنما الّذِي في ((الصَّحِيحَيْن)) القطعة الأخير منه، وهي قوله: ((فَأَمَرَ
النَّاسَ بِالرَّحِيلِ)). إلى آخره، وأول الحديث معناه في ((الصَّحِيحَيْن)) لا لفظه،
ولفظه في أبي داود، هَذَا ما ظهر لي بعد الكشف. انتهى. كذا في ((تنقيح الرواة)).
والحَدِيث سَكَتَ عَنْه أبُو دَاوُد والمُنْذِري، وأخرجه البيهقي (ج ٥: ص ١٦١) من
طريق أبي داود عن محمد بن بشار ثم قال: رواه البخاري في ((الصحيح)) عن محمد
ابن بشار.
٢٦٩٢ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ
وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِ: ((لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ))،
إِلَّا أَنَّهُ خُقِّفَ عَنِ الْخَائِضِ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٩٢ - قوله: (كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ) أي: في كل طريق بعد
انقضاء أيام منى، مِنْهُمْ من يطوف وَمِنْهُم من لم يَطُفْ. وقال القاري: أي: بعد
حِجِّهم في كل طريق طائفًا وغير طائف. (لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ) أي: النَّفْر الأول وهو
الَّذِي يكون في اليوم الثاني من التشريق لمن تعجل، أو النفر الثاني وهو في اليوم
الثالث لمن تأخّر، أو لا يخرجن أحدكم من مكة. والمراد به الآفاقي، وقوله:
((أَحَدُكُمْ)). هكذا وقع في نسخِ ((المشكاةٍ))، والذي في ((صحيح مسلم)): ((لَا يَنْفِرَنَّ
أَحَدٌ)) (حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ) أي: الطواف به كما رواه أبو داود، وقوله:
(٢٦٩٢) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٧٥٥)، ومُسْلِم (١٣٢٧/٣٧٩) (١٣٢٨/٣٨٠) فِيهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ
وَفَرَّقَهُ.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ خْطَبَةٍ يَوْمِ النّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التّشَرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
٣٦٧
((بالبيت)) خبر كان والسياق المذكور لمسلم، ولفظ البخاري: قال ابنُ عباسٍ : أمر
الناسَ أن يكونَ آخر عهدِهِمْ بالبيتِ إلّا أنَّه خَفَّف عنِ الحائضِ. وكذا وقع في رواية
لمسلم .
قال الحافظ: قوله: ((أَمَرَ النَّاسَ)) كذا في رواية سفيان عن عبد الله بن طاوس عن
أبيهِ عَنِ ابْن عَبَّاسٍ على البناء لما لم يسم فاعله، والمراد به النَّبِي ◌َّةٍ وكذا قوله:
((خُفِّفَ)) وقد رواهً سفيانُ أيضًا عن سليمان الأحول عن طاوس، فصرح فيه بالرفع،
ولفظه عَنِ ابْن عَبَّاسٍ قال: كان الناسُ ينصرفون في كلِّ وجهٍ، فقال رسولُ اللَّه ◌َه :
(لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّىَّ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ))، وأخرجه مسلم هو والذي قبله عن
سعيد بن منصور، عن سفيان بالإِسنادين فرقهما، فكأن طاوسًا حدَّث به على
الوجهين؛ ولهذا وقع في رواية كلَّ من الراويين عنه ما لم يقع في رواية الآخر.
وفيه دليل على وجوب طواف الوداع للأمر المؤكد به وللتعبير في حقِّ الحائض
بالتخفيف كما سيأتي، والتخفيف لا يكون إلا من أمر مؤكد.
قال النووي: في الحديثِ دلالة لمن قال بوجوب طواف الوداع، وأنه إذا تركه؛
لزمه دم وهو الصحيح في مذهبنا، وبه قال أكثر العُلَمَاء، منهم: الحسن البصري
والحكم وحماد والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال مالك وداود
وَابْن المنذر: هو سُنة لا شيء في تركه، وعن مجاهد روايتان كالمذهبين. انتهى.
قال الحافظُ: والذي رأيتُهُ في ((الأوسط)) لابنِ المنذر أنه واجبٌ للأمر به إلا أنه
لا یجب بتر که شيء. انتھی.
قال الشوكاني: قد اجتمع في طواف الوداع أمره وَله به ونهيه عن تركه وفعله
الَّذِي هو بيان للمجمل الواجب، ولا شك أن ذلك يفيد الوجوب.
وقال ابن قدامة: طواف الوداع واجب ينوب عنه الدم إذا تركه، وبهذا قال أبو
حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي. وقال أيضًا: من أتى مكة لا يخلو إما أن يريد
الإقامة بها أو الخروج منها، فإن أقام بها فلا وداع عليه؛ لأن الوداع من المفارق لا
من الملازم، سواء نوى الإقامة قبل النفر أو بعده، وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن نوى الإقامة بعد أن حل له النفر لم يسقط عنه الطواف ولا
يصحُّ؛ لأنَّهُ غير مفارق، فلا يلزمه وداع كمن نواها قبل حل النفر، وإنما قال
النَِّي وَلَّهِ: ((لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ))، وهذا ليس بنافٍ .
٣٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فأما الخارج من مكة، فليس له أن يخرج حتى يودع البيت بطواف، وهو واجب
من تركه؛ لزمه دٌّ، وبذلك قال الحكم وحماد والثوري وإسحاق وأبو ثور. وقال
الشافعي في قول له ضعيف: لا يجبُ بتركه شيء، وبه قال مالك كما تقدم؛ لأنَّهُ
يسقط عن الحائض فلم يكن واجبًا. ولنا ما روى ابن عباس قال: أمر النَّاسَ أنْ
يَكُون آخر عهدهم بالبيت ... إلخ. ولمسلمٍ قال: قال رسول اللّه وَلَهُ: ((لَا يَنْفِرَنَّ
أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ))، وليس في سقوطه عن المعذور ما يجوز
سقوطه لغيره كالصلاة تسقط عن الحائض وتجب على غيرها، بل تخصيص
الحائض بإسقاطه عنها دليل على وجوبه على غيرها؛ إذ لو كان ساقطًا عن الكلِّ لم
يكن لتخصيصها بذلك معنى. ووقته بعد فراغ المرء من جميع أموره؛ ليكون آخر
عهده بالبيت على ما جرت به العادة في توديع المسافر إخوانه وأهله؛ ولذلك قال
النَِّي وَلَ: ((حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ)). ومن كان منزله في الحرم، فهو
كالمكي لا وداع عليه، ومن كان منزله خارج الحرم قريبًا منه فظاهر كلام الخرقي
أنه لا يخرج حتى يودع البيت، وهذا قول أبي ثور، وقال أصحاب الرأي في أهل
المواقيت: إنهم بمنزلة أهل مكة في عدم وجوب طواف الوداع، ولنا عموم
قوله {وَله: ((لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ)) ولأنه خارج من مكة،
فلزمه التوديع كالبعيدِ، فإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج ففيه روايتان:
إحداهما: يجزئه عن طواف الوداع؛ لأنه أمر أن يكون آخر عهده بالبيت، وقد
فعل، ولأن ما شرع لتحية المَسْجِد؛ أجزأ عنه الواجب من جنسه كتحية المَسْجِد
بركعتين تجزئ عنهما المكتوبة .
وعنه - أي: عن أحمد وهي الرواية الثانية - لا يجزئه عن طواف الوداع؛ لأنهما
عبادتان واجبتان فلم تجزئ إحداهما عن الأخرى كالصلاتين الواجبتين، فإن طافَ
للوداع ثم اشتغل بتجارة أو إقامة فعليه إعادته، وبهذا قال عطاء ومالك والثوري
والشافعي وأبو ثور.
وقال أصحاب الرأي: إذا طاف للوداع بعد ما حل له النفر؛ أجزأه، وإن أقام
شهرًا أو أكثر - أي: لا إعادة عليه، والأفضل أن يعيد -؛ لأنَّهُ طافَ بعد ما حلَّ له
النفر فلم يلزمه إعادته كما لو نفر عقبيه، ولنا قوله تعالَّ: ((لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى
٣٦٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ خُطَبَةٍ يَوْمِ النّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ)) ولأنه إذا أقام بعده خرج عن أنْ يَكُون وداعًا في العادة، فلم
يجزئه كما لو طافه قبل حل النفر. فأما إن قضى حاجة في طريقه أو اشترى زادًا أو
شيئًا لنفسه في طريقه لم يعده؛ لأن ذلك ليس بإقامة تخرج طوافه عن أنْ يَكُون آخر
عهده بالبيت، وبهذا قال مالك والشافعي، ولا نعلم مخالفًا لهما، فإن خرج قبل
طواف الوداع؛ رجع إن كان بالقرب فطاف، وإن بعد بعث بدم، هَذَا قول عطاء
والثوري والشافعي وإسحاق وأبي ثور. والقريب هو الَّذِي بينه وبين مكة دون
مسافة القصر، والبعيد من بلغ مسافة القصر، نصَّ عليه أحمد وهو قول الشافعي.
وقال الثوري: حد ذلك الحرم، فمن كان في الحرم فهو قريب ومن خرجٍ منه
فهو بعيد، وإن لم يمكنه الرجوع لعذر فهو كالبعيد، ولو لم يرجع القريب الَّذِي
يمكنه الرجوع لم يكن عليه أكثر من دم، إلى آخر ما بسط الكلام في هذه المسألة.
وقال العَيْنِي: قال أصحابنا الحنفيةً: هو واجب على الآفاقي دون المكي،
والميقاتي ومن دونهم: وقال أبو يوسف: أَحَبُّ إليَّ أنْ يطوفَ المكي؛ لأنَّهُ يختم
المناسك، ولا يجب على الحائض والنفساء ولا على المعتمر؛ لأن وجوبه عرف
نصًّا في الحج فيقتصر عليه وما ورد في ثبوته على المعتمر، فهو حديث ضعيف
أخرجه الترمذي - ولا على فائت الحج؛ لأن الواجب عليه العمرة وليس لها طواف
الوداع، وقال مالك: من أخر طواف الوداع وخرج ولم يطف إن كان قريبًا رجع
فطاف، وإن لم يرجع، فلا شيء عليه. وقال عطاء والثوري وأبو حنيفة والشافعي في
أظهر قوليه وأحمد وإسحاق وأبو ثور: إن كان قريبًا؛ رجع فطاف، وإن تباعد مضى
وأهراق دمًا، واختلفوا في حد القرب، فروي أن عمر رد رجلًا من مر الظهران لم
يكن ودع وبينه وبين مكة ثمانية عشر ميلاً - رواه مالك ولم يحد له هو حدًّا، بل أراد
الحكم على المشقة كما قال الباجي - وعند أبي حنيفة يرجعُ ما لم يبلغ المواقيت،
وعند الشافعي وأحمد يرجع من مسافة لا تقصر فيها الصلاة، وعند الثوري يرجع ما
لم يخرج من الحرم.
(إِلَّا أَنَّهُ خُقَّفَ) بصيغة المجهول من التخفيف أي: طواف الوداع. (عَنِ
الْحَائِضِ) وفي معناها النفساء وعلى هَذَا الاستثناء اتفاق جميع أهل العلم. واستدل
به على أن الطهارة شرط لصحة الطواف، وقد تقدم الكلام في ذلك، وصنيع
البغوي يدلُّ على أن قوله: ((إِلَّا أَنَّهُ خُفْفَ عَنِ الْخَائِضِ)) تتمة قوله بَّ: (لَا يَنْفِرَنَّ
٣٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أَحَدُكُمْ))، إلخ. والأمر ليس كذلك، فإنه قد انتهى إلى قوله: ((بِالْبَيْتِ)) والاستثناء
المذكور إنما هو تتمة قول ابن عباس عند الشيخين: ((أمر الناس أنْ يَكُون آخر
عهدهم بالبيت))، كما تقدم وهو دليل على سقوط طواف الوداع عن المرأة
الحائضة، فلا یکون واجبًا عليها ولا يلزمها دم بتر که.
قال ابن قدامة: المرأة إذا حاضت قبل أن تودع خرجت ولا وداع عليها ولا
فدية، وهذا قول عامة فقهاء الأمصار، وقد روي عن عمر وابنه أنهما أمرا الحائض
بالمقام لطواف الوداع. و کان زيد بن ثابت يقول به، ثم رجع عنه كما روى مسلم.
وروي عن ابن عمر أنه رجع إلى قول الجماعة أيضًا، وقد ثبت التخفيف عن
الحائض بحديث صفية حين قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنها حائض، فقال: ((أَحَابِسَتُنَا
هِيَ؟» قالوا: يا رسول اللَّه، إنها قد أفاضتْ يومَ النحر، قال: ((فَلْتَنْفِرْ إِذَّا))، ولا
أمرها بفدية ولا غيرها. وفي حديث ابن عباس: أمر الناسَ أن يكونَ آخرُ عهدهم
بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض. والحكم في النفساء كالحكم في
الحائض. انتهى.
وقال النووي: حديث ابن عباس دليل لوجوب طواف الوداع على غير الحائض
وسقوطه عنها، ولا يلزمها دم بتركه، هَذَا مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة
وأحمد والعلماء كافة إلا ما حكى ابن المنذر عن عمر وابنه وزيد بن ثابت أنهم
أمروا بالمقام لطواف الوداع، ودليل الجمهور هَذَا الحديث وحديث صفية.
انتھی .
وروى البُخَارِي من طريق عبد الله بن طاوس عن أبيه عَنِ ابْن عَبَّاسٍ قال: رخَّص
للحائض أن تنفر إذا أفاضت، قال: وسمعت ابن عمر يقول: إنها لا تنفُرُ. ثم سمعته
يقول بعد: أن النَّبِيِ نَّه رخصَّ لَهُنَّ. قال الحافظ: قوله: ((ثُمَّ سَمِعْتُهُ يقولُ بَعْد)) إن
ذلك كان قبل موت ابن عمر بعام، كما وقع للطحاوي من رواية عقيل عن الزهري
عن طاوس. وقال ابنُ المُنْذِر: قال عامة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي
قد أفاضت طواف وداع، وروينا عن عمر بن الخطاب وَابْن عمر وزيد بن ثابت أنهم
أمروها بالمقام إذا كانت حائضًا لطواف الوداع، وكأنهم أوجبوه عليها كما يجب
عليها طواف الإفاضة؛ إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها، ثم أسندَ عن عمر بإسنادٍ
صحيحٍ إلى نافع عن ابن عمر قال: طافت امرأة بالبيت يوم النحر، ثم حاضت فأمر
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ خطَبَةٍ يَوْم النَّحْرِ، وَرَمْي أيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
٣٧١
عمر بحبسها بمكة بعد أن ينفرَ الناسُ حتى تطهرَ وتطوفَ بالبيتِ. قال: وقد ثبت
رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك وبقي عمر، فخالفناه لثبوت حديث عائشة،
يشير بذلك إلى حديثها الآتي وما في معناه، وقد روى ابن أبي شيبة من طريق
القاسم بن محمد كان الصَّحَابَة يقولون: إذا أفاضت المرأة قبل أن تحيض فقد
فرغت إلا عمر، فإنه كان يقول: يكون آخر عهدها بالبيت. وقد وافق عمر على
رواية ذلك عن النَّبِي ◌ِّ غيره، فروى أحمد وأبو دَاوُد والنَّسَائِي والطحاوي واللفظ
لأبي داود من طريق الوليد بن عبد الرحمن عن الحارث بن عبد الله بن أوس الثقفي
قال: أتيتُ عمرَ فسألته عن المرأةِ تطوفُ بالبيت يومَ النحرِ ثم تحيضُ، قال: ليكُنْ
آخرُ عهدِها بالبيتٍ، فقال الحارثِ: كذلك أفتاني، وفي رواية أبي داود: هكذا
حدَّثْني رسول اللَّه ◌َله، واستدلَّ الطحاوي بحديث عائشة على نسخ حديث
الحارث في حقِّ الحائض، وكذلك استدل على نسخه بحديث أم سليمٍ عند أبي
داود الطيالسي أنها قالت: حضْتُ بعد ما طُفْتُ بالبيت، فأمرني رسول اللَّه ◌َلّل أن
أنفر، والحقُّ مع الجمهور، ولعلَّ عمر لم يبلغه حديثُ الرخصةِ وإلا لكان أول
الناس عملاً به.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) قد تقدَّم أن أول الحديث إلى قوله: ((بالبيت)) لمسلم وحده، وقوله:
((إِلَّا أَنَّهُ خُفْفَ عَنِ الْخَائِضِ)) إنما هو تتمة الرواية الأخرى التي اتفق عليها الشيخان،
والحديثُ أخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج١: ص ٢٢٢) وأبو دَاوُد والنَّسَائِي وَابْن ماجه
والشافعي وَابْن الجارود والدارمي والْبَيْهَقِي والبغوي في ((شرح السنة)).
٢٦٩٣ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ، فَقَالَتْ:
مَا أُرَانِي إِلَّ حَابِسَتَكُمْ، قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((عَقْرَى، حَلْقَى، أَطَافَتْ يَوْمَ الْنَّحْرِ؟))،
قِيلَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَانْفِرِي)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٩٣ - قوله: (حَاضَتْ صَفِيَّةٌ) بفتح الصاد المهملة وكسر الفاء وتشديد الياء
(٢٦٩٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٧٧١) (١٧٧٢)، ومُسْلِم (١٢١١/٣٨٧) فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ.
٣٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
آخر الحروف، وهي أم المؤمنين صفية بنت حُييٍّ بضم الحاء المهملة ويجوز
كسرها وفتح التحتية الأولى المخففة وشدة الأخرى ابنٍ أَخْطَب، بفتح الهمزة
وإسكان الخاء المعجمة وفتح الطاء المهملة آخرها باء موحدة ابن سعنة بن ثعلبة
الإسرائيلية، من سبط لاوي بن يعقوب، ثم من سبط هارون بن عمران أخي
موسى الشَّالِّ، كانت تحت سلام بن مشكم اليهودي، ثم خلف عليها كنانة بن أبي
الحقيق، وهما شاعران فقُتِل زوجها كنانة في غزوة خيبر حين افتتحها رسولُ اللَّه
وَّ سُنة سبع فوقعت في السبي، فاصطفاها رسول اللَّهِ وَ لَه لنفسه، وأسلمت فأعتقها
وتزوجها النَّبِي وَّر بعد خيبر في سنة سبع من الهجرة. قيل: كان اسمها زينب فلما
صارت من الصفاءِ سُميت صفية، وكانت حليمة، عاقلة، فاضلة، توفيت في
رمضان سنة (٥٠ أو ٥٢) في زمن معاوية، وقيل: سنة (٣٦) وهو غلط، فإن علي
ابن الحسين لم يكن ولد، وقد ثبت سماعه منها في الصَّحِيحَيْن، ودفنت بالبقيع
ولها نحو ستين سنة؛ لقولها: ما بلغت سبع عشرة سنة يوم دخلتُ على رسول الله
وَ لخافه .
قال الحافظُ: قوله: (حَاضَتْ) أي: بعد أن أفاضت يوم النحر كما في رواية
البخاري في باب الزيارة يوم النحر من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة
قالت: ((حَجَجْنَا مع النبيِّ وَّ فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية ... )) الحديث. ثم
قال البخاري: ويذكر عن القاسم وعروة والأسود عن عائشة: أفاضَتْ صفيَّةُ يومَ
النحرِ. قال الحافظ: غرضُهُ بهذا أنَّ أبا سلمة لم ينفرد عن عائشة بذلك وإنما لم
يجزم به؛ لأنَّ بعضَهُم أوردهُ بالمعنى، ثم ذكر الحافظُ تخريج روايات هؤلاء الثلاثة
من ((الصحيحين)).
(لَيْلَةَ النَّفْرِ) أي: ليلة يوم النفر؛ لأن النفر لم يشرع في تلك الليلة بل في يومها.
قال القاري: والنفرُ يحتملُ الأول والثاني، وجزم به ابن حجر. قلتُ: يدلَّ على أنَّ
الُمَرَاد هو الثاني ما رواه مسلم من طريق الحكم عن إبراهيم عن عائشة قالت: لما
أرادَ النبيُّ وَِّ أن ينفر، إذا صفية على باب خبائها كئيبة حزينة، فقال: ((عَقْرَى حَلْقَى
إِنَّكِ لَحَابِسَتْنَا ... )) الحديث.
(فَقَالَتْ) أي: صفية للنبي وََّ. (مَا أَرَانِي) بصيغة المجهول من الإراءة، أي: ما
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ خُطَبَةٍ يَوْمُ النّحْرِ، وَرَمْي أيَّامَ التَّشَرِيقِ، وَالتّؤْدِيعِ
٣٧٣
أظن نفسي. (إِلَّا حَابِسَتَكُمْ) بكسر الباء وفتح التاء نصبًا على المفعولية، أي:
مانعتكم عن الخروج إلى المدينة بل تنتظرون إلى أن أطهر فأطوف طواف الوداع
ظنًّا منها أن طواف الوداع كطواف الإفاضة لا يجوز تركه بالأعذار.
قال العَيْنِي: قولها: ((مَا أُرَانِي إِلَّ حَابِسَتَكُمْ)). أي: ما أظنُّ نفسي إلا حابستكم
الانتظار طهري وطوافي للوداع، فإني لم أطف للوداع، وقد حضت فلا يمكنني
الطواف الآن، وظنت أن طواف الوداع لا يسقط عن الحائض. انتهى.
وفي رواية للبخاري: قالتْ صفيةُ: ((مَا أُرَانِي إِلَّا حَابِسَتَهُمْ)). قال العَيْنِي: أي:
ما أظن نفسي إلا حابسة القوم عن التوجه إلى المدينة؛ لأني حضْت وما طفْتُ
بالبيتِ - أي: للوداع - فلعلهم بسببي يتوقفون إلى زمان طوافي بعد الطهارةِ،
وإسناد الحبس إليها على سبيل المجاز. انتهى.
(قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: عَقْرَى حَلْقَى) بالفتح فيهما ثم السكون، وبالقصر بغير تنوين في
الرواية، ويجوز في اللغة التنوين، وَصوَّبَه أبو عبيدٍ؛ لأن معناه الدعاء بالعقر
والحلق كما يقال: سقيًّا ورعيًا، ونحو ذَلِك من المصادرِ التَّي يدعى بها، وعلى
الأول هو نعت لا دعاء، ثم معنى: ((عَقْرَى)) عقرها الله أي: جرحها، وقيل: جعلها
عاقرًا لا تلد وقيل: عقر قومها، ومعنى: ((حَلْقَى)) حلق شعرها وهو زينة المرأة، أو
أصابها وجع في حلقها، أو حلق قومها بشؤمها، أي: أهلكهم، وحَكَى القرطبيُّ:
أنها كلمة تقولها اليهود للحائض، فهذا أصل هاتين الكلمتين، ثم اتسع العرب في
قولهما بغير إرادة حقيقتهما، كما قالوا: قاتلَهُ اللهُ، وتربت يداه، ونحو ذلك.
وقال الطيبي: قوله: (عَقْرَى حَلْقَى)، هكذا روي على وزن ((فَعْلَى)) بلا تنوينٍ،
والظاهر ((عقرًا وحلقًّا)) بالتنوين، أي: عقرها اللهُ عقرًا، وحلقها الله حلقًا، يعني:
قتلها وجرحها أو أصاب حلقها بوجع، وهذا دعاء لا يراد وقوعه، بل عادة العرب
التكلم بمثله على سبيل التلطف، وقيل: هما صفتان للمرأة، يعني: أنها تحلق
قومها وتعقرهم أي: تستأصلهم من شؤمها. انتهى. وقيل: إنهما مصدران والعقر
الجرح والقتل وقطع العصب، والحلق إصابة وجع في الحلق أو الضرب على
الحلق أو الحلق في شعر الرأس؛ لأنهن يفعلن ذلك عند شدة المصيبة، وحقهما أن
ينونا لكن أبدل التنوين بالألف إجراء للوصل مجرى الوقف. انتهى.
SBeRE
٣٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال القاري: وفيه أنَّه لا يساعده رسمها بالياء. وقيل: إنهما تأنيث فعلان، أي:
جعلها عقرى، أي: عاقرًا، أي: عقيمًا وحلقى، أي: جعلها صاحبة وجع الحلق،
ثم هَذَا وأمثال ذلك مثل: تربت يداه وثكلته أمه مما يقع في كلامهم للدلالة على
تهويل الخبر، وأن ما سمعه لا يوافقه لا للقصد إلى وقوع مدلوله الأصلي والدلالة
على التماسه. انتهى.
قال القرطبي وغيره: شتان بين قوله وَلَّ هَذَا لِصَفِيَّةً وبين قوله لعائشة لما حاضت
معه في الحج: ((هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ))، لما يشعر به من الميل لها
والحنو عليها بخلافٍ صفية. قال الحافظ: وليس فيه دليل على اتضاع قدر صفية
عنده، لكن اختلف الكلام باختلاف المقام؛ فعائشة دخل عليها وهي تبكي أسفًا
على ما فاتها من النُّسُك فسلاها بذلك، وصفية أراد منها ما يريدُ الرجل من أهلِهِ
كما ورد في رواية فأبدت المانع فناسب كلا منهما ما خاطبها به في تلك الحالة.
انتھی .
(أَطَافَتْ؟) أي: صفية. (يَوْمَ النَّحْرِ) أي: طواف الإفاضة. (قِيلَ: نَعَمْ) وفي
رواية للبخاري: ثم قال - أي: النَّبِي وَِّ: ((كُنْتِ طَفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟)) قالت: نعم.
(قَالَ: فَاتْفِرِي) بكسرِ الفاء، أي: اخرجي إلى المدينة من غير طواف الوداع، فإن
وجوبه ساقط بالعذر.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجَهُ البخاريُّ في كتاب الحيض وفي الحج، ومُسْلِم في الحج،
واللفظ المذكور للبخاري في باب الإدلاج من المحصبٍ، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد
ومالك والترمذي وأبو دَاوُد والنَّسَائِي وَابْن ماجه وَابْن الجارود والْبَيْهَقِي بألفاظ
مختلفة .
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابْ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
٣٧٥
الفصل الثاني
٢٦٩٤ - [١٢] عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ
يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: ((أَُّ يَوْم هَذَا؟)) قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، قَالَ: ((فَإِنَّ
دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيَّنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةٍ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ
هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى نَفْسِهِ، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَّا مَوْلُودٌ
عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَبَدًّا، وَلَكِنْ
سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَسَيَرْضَى بِهِ).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَالْتّْمِذِيُّ وَصْحَحَهُ]
الشرح
٢٦٩٤ - قوله: (عَنْ عَمْرٍو) بفتح أوله. (بْنِ الأَحْوَصِ) بمفتوحة وسكون حاء
وبصاد مهملتين. هو عمرو بن الأحوص الجُشَّمي بضم الجيم وفتح المعجمة، من
بني جشم بن سعد. قال الحافظ في ((التقريبٍ)): صحابي، له حديث في حجة
الوداع. ونسبه ابنُ عبد البر فقال: عمرو بن الأحوص بن جعفر بن كلاب الجشمي
الكلابي. اختلف في نسبه، روى عنه ابنُهُ سليمانُ بنُ عمرو بن الأحوص، حديثُهُ
عن النَّبِي نَّ في خطبة في حجة الوداع، وفي رمي الجمار أيضًا. يقال: إنه شهد
حجة الوداع مع أمه وامرأته، وحديثه في الخطبة عن الشَِّ نَّ صحيح. انتهى. قال
الحافظ: وقد شهد اليرموك في زمن عمر .
(يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) أي: يوم النحر كما سبق. (أَيُّ يَوْم هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمُ
الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) وفي روايةَ ((قَالَ: أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ؟ - أي: أعظم وَّأشد حرمة وأكثر
احترامًا - فَقَالَ النَّاسُ: يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَّرِ))، وفيه: دليل لمن يقول: إن يوم الحج
الأكبر هو يوم النحر، وقد وردت في ذَلِك أحاديث أخرى ذكرها السيوطي في ((الدر
المنثور)) والحافظ ابن كثير في ((تفسيره)). منها: ما رواه البخاريُّ في بابِ الخطبةِ
(٢٦٩٤) التِّرْ مِذِي (٢١٥٩) فِي الحَجِّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٣٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أيام منى تعليقًا من حَدِيث ابنٍ عُمَر قال: وقف النَّبِي وَِّ يومَ النحر بين الجمراتِ في
الحجة التي حجَّ بها وقالَ: ((هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ)). فطفق النبيُّ وٍَّ يقول: ((اللَّهُمَّ
اشْهَدْ)). وودع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع، ووصل هَذَا التعليق أبُو دَاوُد وَابْن
ماجه والطَّبَرَاني.
ومنها: ما رواه البخاري أيضًا في بابٍ: ((كيف ينبذ إلى أهل العهد))، من كتاب:
الجهاد، من حديث أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى ...
إلى أنْ قالَ: ويوم الحج الأكبر يوم النحر. واختار هَذَا القول الحافظُ ابنُ جريٍ،
وهو قول مالك والشافعي والجمهور، وسمي بذلك؛ لأن فيه تمام الحج ومعظم
أفعاله.
وقال الحافظُ: لأنَّ فيه تتكمل بقية المناسك، وذهب آخرون منهم عمر وَابْن
عباس وطاوس إلى أنه يوم عرفة؛ لقوله وَله: ((الْحَجُّ عَرَفَةُ)). وفيه أقوال أخرى،
ذكرها العَيْنِي والحافظ في ((الفتح)) في تفسير سورة براءة، والقول الأول أرجح،
وأما ما اشتهر على ألسنة العوام من أن يوم عرفة إذا وافق يوم الجمعة كان الحج
حجًّا أكبر، يعني: أن الحج الأكبر ما كان فيه الوقوف بعرفةَ يوم الجمعة، فهذا مما
لا أصلَ له عن رسولِ اللَّه ◌َلِّ ولا عن أحدٍ من الصحابةِ ولا هو المراد بالحجِّ الأكبر
المذكور في الكتاب والسنة، نعم، له فضل ومزية كما يدلَّ عليه ما ذكره رزين في
((تجريده) عن طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلًا مَرْفُوعًا، ولكن لا يعرف إسناده ولا
من خرجه، وقد تقدَّم التنبيه على هَذَا في باب الوقوف بعرفة ثم قولهم ((يَوْمَ الْحَجِّ
الأْبَرِ)) بظاهره ينافي جوابهم السابق، والله ورسوله أعلم، وقد تقدَّم وجهُ التوفيقِ .
فتذكّر .
(فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ
هَذَا) أي: مكة أو الحرم المحترم وزاد في رواية ابن ماجه والترمذي في التفسير:
((فِي شَهْرِكُمْ هَذَا)) أريد بذلك أن دم كلٍّ واحدٍ حرام عليه وعلى غيره، وأما في
المال، فالمراد أن مال كل واحد حرام على غيره لا عليه إلا في الباطل، فقد يصير
حرامًا عليه أن يصرفه فيه، قاله السندي.
(أَلَا) للتنبيه. (لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى نَفْسِهِ) قال الطيبي: خبر في معنى النهي؛ ليكون
٣٧٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
BEENENSE
أبلغ، يعني: كأنه نهاه فقصد أن ينتهي فأخبر به، والمراد الجناية على الغيرِ إلا أنها
لما كانت سببًّا للجناية على نفسه أنذرها في صورتها ليكون أدعى إلى الامتناع،
ويدلُّ على ذلك أنه روي في بعض طرق الحديث: ((إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ)) وحينئذ يكون
خبرًا بحسب المعنى أيضًا، كذا في ((المرقاة))، وقال في ((اللمعات)): قوله: ((أَلا لَا
يجني جانٍ عَلَى نَفْسِهِ)) خبر بمعنى النهي. والمراد: لا يجني أحدكم على الغير
فيكون سببًّا للجناية على نفسه اقتصاصًا ومجازاة، ولما كان هَذَا في معنى النهي عن
الجناية على الغير، والغير أعم أردفه بذكر النهي عن الجناية على والدٍ ومولود
تخصيصًا بعد تعميم لاختصاصه بمزيد قبح وشناعة، وقد روى: ((أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ
إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ))، وحينئذ يكون خبرًا بحسب المعنى أيضًا. انتهى.
قلت: قوله: ((لَا يَجْنِي جَاٍ عَلَى نَفْسِهِ)) هكذا وقِعَ في جميعٍ نُسَخِ ((المشكاةِ))،
والذي في الترمذي وابن ماجه: ((لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ))، وكذا وقع في
((المصابيح))، فالظاهر: أن ما وقع في ((المشكاة)) خطأ من المصنف أو الناسخ. قال
السندي: لا يجني جان إلا على نفسه، أي: لا يرجع وبال جنايته من الإثم أو
القصاص إلا إليه.
وقال الجزري في ((النهاية)): الجناية: الذنب والجرم وما يفعله الإنسان مما
يوجب عليه العذاب أو القصاص في الدنيا والآخرة، المعنى: أنه لا يطالب بجناية
غيره من أقاربه وأباعده، فإذا جنى أحدهما جناية لا يعاقب بها الآخر، كقوله
تعالى: ﴿وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] انتهى.
(أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ) قال القاري: يحتملُ أنْ يَكُون
المراد النهي عن الجناية عليه لاختصاصها بمزيد قبح، وأن يكون المراد تأكيد لا
يجني جان على نفسه، فإنَّ عادتهم جرت بأنهم يأخذون أقارب الشخص بجنايته.
والحاصل: أن هَذَا ظلم يؤدي إلى ظلمٍ آخر، والأظهرُ: أنَّ هَذَا نفي فيوافق قوله
تعالى: ﴿وَلَ نَِّرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥) وإنَّما خص الولد والوالد؛ لأنهما أقربُ
الأقارب، فإذا لم يؤاخذا بفعله فغيرهما أولى، وفي رواية: ((لَا يُؤْخَذُ الرَّجُلُ
بِجَرِيمَةِ أَبِيهِ)) وضبط بالوجهين.
(أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ) هو إبليس الرئيس أو الجنس الخسيس. (قَدْ أَبِسَ) أي: قنط .
٣٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(أَنْ يُعْبَدَ) قال القاري: أي من أن يطاع في عبادة غير اللَّه تعالى، لأنَّه لم يعرف أنه
عبده أحد من الكفار. انتهى. وقيل: معناه إن الشيطان أيس أن يعودَ أحد من
المؤمنين إلى عبادةِ الصنمِ، ولا يرد على هَذَا مثل أصحاب مسيلمة ومانعي الزكاة
وغَيْرهم ممن ارتد؛ لأنهم لم يعبدوا الصنم. ويحتملُ معنى آخر: وهو أنه أشار ◌َله
إلى أن المصلين من أمتي لا يجمعون بين الصلاة وعبادة الشيطان كما فعلته اليهود
والنصارى، ولك أنْ تقولَ: معنى الحديث: أن الشيطان أيس من أن يتبدل دين
الإسلام ويظهر الإشراك ويستمر ويصير الأمر كما كان من قبل، ولا ينافيه ارتداد
من ارتد بل لو عبد الأصنام أيضًا لم يضر في المقصود فافهم، كذا في ((اللمعات))
مع زيادة .
(فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) أي: مكّة، قال القاري: أي علانية؛ إذ قد يأتي الكفار مكة
خفية. قلت: قوله: ((فِي بَلَدِكُمْ هَذَا)) كذا وقع في رواية ابن ماجه، وللترمذي في
الفتن: ((فِي بِلَادِكُمْ هَذِهِ)) يعني: مكة وما حولها من جزيرة العرب. (وَلَكِنْ سَتَكُونُ
لَهُ طَاعَةٌ) أي: انقياد أو إطاعة. (فِيمَا تَحْتَقِرُونَ) من الاحتقار، أي: تحسبون ذلك
حقيرة صغيرة، ويكون فيها طاعة ومرضاة للشيطان. (مِنْ أَعْمَالِكُمْ) أي: دون
الكفر من القتلِ والنهبٍ ونحوهما من الكبائر وتحقير الصغائر. (فَسَيَرْضَى) بصيغة
المعلوم أي الشيطان. (بِهِ) أي: بالمحتقرِ حيثُ لم يحصل له الذنب الأكبر؛ ولهذا
تَرى المعاصي من الكذبِ والخيانةِ ونحوهما توجد كثيرًا في المسلمينَ وقليلاً في
الكافرين؛ لأنَّهُ قد رضي من الكفار بالكفر، فلا يوسوس لهم في الجزئيات،
وحيثُ لا يرضى عن المسلمين بالكفرِ فيرميهم في المعاصي، وروي عن
عليٍّ رَوَّهُ: الصلاة التي ليس لها وسوسة إنما هي صلاة اليهود والنصارى. ومن
الأمثال: لا يدخل اللص في بيت إلا فيه متاع نفيس.
وقال الطيبي: قوله: ((فِيمَا تَحْتَفِرُونَ)) أي: مما يتهجَّس في خواطرِكُم وتتفوهون
عن هناتكم وصغائر ذنوبكم، فيؤدي ذلك إلى هيج الفتنٍ والحروبِ؛ كقوله ◌َله :
((إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلَّونَ فِي جَزِيَرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ
بَيْنَهُمْ))، كذا في ((المرقاةٍ))، وقوله: ((فِيمَا تَحْتَقِرُونَ ... )) إلخ. هو لفظ الترمذي،
وفي ابن ماجه: ((فِي بَعْضٍٍ مَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَيَرْضَى بِهَا)) والحدیثُ دليل
على مشروعيَّةِ الخطبةِ يومَ النحرِ، وقد سبقَ الكلام على ذلك.
كِتَاب المُنَاسِكِ
بَابُ خطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
٣٧٩
(رَوَاهُ ابْن مَاجَه) في الحج. (وَالتِّرْمِذِيُّ) في تفسير سورة التوبة وفي كِتَابٍ
الفِتَنِ، ونسبه في تنقيح ((الرواةِ للنسائيِّ)) أيضًا. (وَصَحَّحَهُ) أي: الترمذي، وكذا
صحَّحَهُ ابنُ عبدِ البرِّ كَما تقدَّم .
٢٦٩٥ - [١٣] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرِو الْمُزَنِي قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ
وَلَّهِ يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنَّى حِينَ ازَّتَفَعَ الضَّحَى عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ، وَعَلِيٍّ يُعَبِّرُ
عَنْهُ، وَالنَّاسُ بَيْنَ قَائِم وَقَاعِدٍ .
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ]
الشرح
٢٦٩٥ - قوله: (وعَنْ رَافِع بن عَمْرِو الْمُزَنِيِّ) نسبة إلى قبيلة مُزَينة بضم الميم
وفتح الزاي، وهو رافع بن عمرو بن هلال المزني - أخو عائذ بن عمرو - لهما
ولأبيهما صحبةٌ. قال ابنُ عبد البر: سكنَ رافع وعائذ جميعًا البصرة. روى عن
رافع هَذَا عمرو بن سليم المزني وهلال بن عامر المزني. وقال الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)): روى رافع عن النَّبِي ◌ََّ حديثين: أحدهما: ((الْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ)) عند ابن
ماجه من رواية عمرو بن سليم المزني عنه. والآخر: شهوده حجة الوداع عند أبي
داود والنَّسَائِي من رواية هلال بن عامر المزني عنه، قال ابنُ عساكر: كانَ رافعٌ في
حجة الوداع خماسيًّا أو سداسيًّا. انتهى، ورواية هلال بن عامر عنه تدلّ على أنه بقي
إلى خلافة معاوية.
(يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنَّى) أي: أول النحر بقرينة قوله: (حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى عَلَى
بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ) أي: بيضاء يخالطها قليل سواد، ولا ينافيه حديث قدامة: رأيتُ
النبيَّ وَّه يرمي الجمرة يوم النحر على ناقةٍ صهباء، قاله القاري.
قلت: وروى أحمد وأبو دَاوُد من حديث الهرماس بن زياد البهلِي قال: رأيتُ
النبيَّ ◌َّهَ يخطبُ الناس على ناقتِهِ العضباء يوم الأضحى. قال الطّبَري بعدَ ذكرِ
حديث الهرماس ورافع المزني: وهذه الخطبة الثالثة من خطب الحج، ولا تضاد
(٢٦٩٥) أَبُو دَاوُد (١٩٥٦)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٤٠٩٤) فِيهِ عَنْ رَافِعٍ بْنِ عَمْرٍو.