Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ixE
وَابْن عباس التعارض، والجمع بينهما أن الطائفة الَّذِين كان فيهم ابن عباس
أجابوا، والطائفة الَّذِين كان فيهم أبو بكرة لم يجيبوا، بل قالوا: الله ورسوله
أعلم. أو تكون رواية ابن عباس بالمعنى؛ لأن في حديث أبي بكرة عند البخاري
في الحجِّ، وفي الفتنِ أنه لما قال: ((أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟)) قالُوا: بَلَى. فقولهم:
((بلى))، بمعنى قولهم: ((يوم حرام)) بالاستلزام، وغايته أن أبا بكرة نقل السياق
بتمامه، واختصر ابن عباس، وكأن ذلك كان بسبب قرب أبي بكرة منه؛ لكونه كان
آخذًّا بخطام الناقة، وقَالَ بَعْضُهُم: يحتملُ تعدُّد الخطبة، فإن أراد أنه كرَّرها في يومٍ
النحرِ؛ فيحتاجُ لدليلٍ، فإن في حَدِيث ابنِ عُمَر عند البخاري في الحجِّ أن ذلك كانَ
يوم النحر بين الجمرات في حجته، وقال الحافظ في كتاب الحج: قيلَ في الجمع
بين الحديثين: لعلهما واقعتان.
قال الحافظ: وليس بشيء؛ لأن الخطبة يوم النحر إنما تشرع مرة واحدة، وقد
قال في كل منهما: إن ذلك كان يوم النحر، وقيل في الجمع بينهما: إن بعضهم بادر
بالجواب وبعضهم سكت، وقيل في الجمع: أنهم فوَّضُوا أولًا كلهم بقولهم: ((اللَّه
ورسوله أعلم))، فلما سكت أجابَ بعضُهم دونَ بعضٍ، وقيل: وقع السؤال في
الوقت الواحد مرتين بلفظين، فلما كان في حديث أبي بكرة فخامة ليست في
الأولِ؛ لقوله فيه ((أَتَدْرُونَ؟)) سكتوا عن الجوابِ بخلاف حديث ابن عباس؛ لخلوه
عن ذلك، أشار إلى ذلك الكرماني، وقيل: في حديث ابن عباسٍ اختصارٌ بينته
رواية أبي بكرة، فكأنه أطلق قولهم: قالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ باعتبار أنهم قرروا ذلك حيث
قالوا: بلى. قال الحافظ: وهذا جمع حسن.
(فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ) إلخ. تقدَّم شرح هذه الجملة في شرح حَدِيث جَابِر
الطويل المذكور في باب صفة الحج، والمرادُ بهذا كله بيان توكيد غلظ تحريم
الأموال والدماء والأعراض والتحذير من ذلك. (وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ) أي: يوم
القيامة. (فَيَسْأَلُّكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ) أي: القليلة والكثيرة. (أَلَا) للتنبيهِ. (فَلَا تَرْجِعُوا
بَعْدِي) أي: لا تصيرُوا بعدَ فراقي من موقفي هذا، أو بعد موتي ووفاتي، وهو
الأظهرُ، وفيه استعمالٌ ((رجع)) كـ((صار)) معنى وعملًا. قال ابنُ الملك: وهو مما
خفي على أكثر النحويين. أي: لا تصيروا بعدي. (ضُلَّالًا) بضمِّ الضادِ وتشديد
اللام جمع ضال، وفي رواية أخرى ((كُفَّارًا)) أي: كالكفار، أو لا يكفر بعضكم

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
٣٤١
بَابُ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
بعضًا فتستحلوا القتال، أو لا تكن أفعالكم شبيهة بأفعال الكفار. (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ
رِقَابَ بَعْضٍ) برفع الباء من ((يضرب)) على أنها جملة مستأنفة مبينة لقوله: ((لَا
تَرْجِعُوا بَعْدِّي ضُلَالًا)) ويجوز الجزم.
قال أبو البقاء: على تقديرٍ شرط مضمر أي: إن ترجعوا بعدي يضرب. وقال
الحافظ: قوله: ((يَضْرِبْ)) بجزم الباء على أنه جواب النهي، وبرفعها على
الاستيناف أو يجعل حالًا. وقال النووي: الرواية ((يَضْرِبُ)) برفع الباء هَذَا هو
الصواب، وهكذا رواه المتقدمون والمتأخرون، وبه يصحُّ المقصود هنا. ونقل
القاضي عياض أن بعض العُلَمَاء ضبطه بإسكان الباء. قال القاضي: وهو إحالة
للمعنى والصوابُ الضمُّ.
قال النووي: في معنى قوله بَّه: ((فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا ... )) إلخ. سبعة
أقوال: أحدها: أن ذلك كفر في حقِّ المستحل بغير حقٍّ. والثاني: أنَّ الْمَرَاد كُفر
النعمة وحق الإسلام. والثالث: أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه. والرابع: أنه فعل
كفعل الكفار. والخامس: المراد حقيقة الكفر، ومعناه: لا تكفروا، بل دوموا
مسلمين. والسادس: حكاه الخطابي وغيره أنَّ المراد المتكفرون بالسلاح، يقال :
تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه. قال الأزهري في كتابه ((تهذيب اللغة)): يقال للابس
السلاح: كافر. والسابع: معناه: لا يكفر بعضكم بعضًا، فتستحلوا قتالَ بعضِكُمْ
بعضًا؛ قاله الخطابي. قال النووي: وأظهر الأقوال الرابع وهو اختيار القاضي
عياض .
وقال الحافظ: جملة ما فيه من الأقوالِ ثمانية؛ أحدها: قول الخوارج أنه على
ظاهره. ثانيها: هو في المستحلين. ثالثها: المعني كفارًا بحرمة الدماء وحرمة
المسلمين وحقوق الوالدين. رابعها: تفعلون فعل الكفار في قتل بعضهم بعضًا.
خامسها: لابسين السلاح يقال: كفر درعه؛ إذا لبس فوقها ثوبًا. سادسها: كفارًا
بنعمة الله. سابعها: المراد الزجر عن الفعل، وليس ظاهره مرادًا. ثامنها: لا يكفر
بعضكم بعضًا كأن يقولَ أحد الفريقين للآخر: يا كافر، فيكفر أحدهما، ثم وجدت
تاسعًا وهو: أنَّ الْمَرَاد ستر الحقِّ، والكفر لغة: الستر؛ لأنَّ حقَّ المسلم على
المسلم أن ينصره ويعينه، فلما قاتله كأنه غطى على حقه الثابت له عليه، وعاشرًا:
وهو أن الفعل المذكور يفضي إلى الكفرِ؛ لأنَّ من اعتادَ الهجوم على كبار

٣٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المعاصي؛ جرَّه شؤمُ ذلك إلى أشد منها، فيخشى أن لا يختم له بخاتمة الإسلام.
وقال الداودي: معناه: لا تفعلوا بالمؤمنين ما تفعلون بالكفار، ولا تفعلوا بهم ما لا
يحل وأنتم ترونه حرامًا.
قلت - قائله الحافظ: وهو داخل في المعاني المتقدمة. قلت: واستشكل بعض
الشراح غالب هذه الأجوبة بأن راوي الخبر وهو أبو بكرة فهم خلاف ذلك؛ لأنه
ترك القتال في الفتنة، والجوابُ: أن فهمه ذلك إنما يعرف من توقفه عن القتال
واحتجاجه بِهَذَا الحَدِيث، فيحتملُ أنْ يَكُون توقفه بطريق الاحتياط لما يحتمله
ظاهر اللفظ، ولا يلزم أنْ يَكُون يعتقد حقيقة كفر من باشر ذلك، ويؤيده أنه لم يمتنع
من الصلاة خلفهم ولا امتثال أوامرهم، ولا غير ذلك مما يدل على أنه يعتقد فيهم
حقيقته. انتهى.
(أَلَا) للتنبيه. (هَلْ بَلَّغْتُ؟) بتشديد اللام، أي: أعلمتكم ما أنزل إليَّ من ربي
وما أمرني بِه. (اللَّهُمَّ اشْهَدْ) أي: لي وعليهم، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان فرضًا عليه
أن يبلغ، فَأَشْهَدَ اللهَ على أنه أدَّى ما أوجبه عليه. (فَلْيُبَلِّغْ) بالتشديد ويخفف أي:
ليخبر. (الشَّاهِدُ) أي: الحاضر في المجلس. (الْغَائِبَ) أي: الغائب عنه،
والمراد: إما تبليغ القول المذكور أو تبليغ جميع الأحكام.
قال السندي: قوله: ((الشَّاهِدُ)) بالرفع فاعل ليبلغ، وِ ((الْغَائِبَ) بالنصبِ على أنه
مفعول أول والمفعول الثاني محذوف، أي: العلم الَّذِي حضر سماعه أي ليعم
البلاغ الكل، كما هو مقتضى عموم الرسالة إليهم، ولأنَّه قد يفهم المبلغ ما لا
يفهمه الحامل من الأسرار والعلوم وهذا معنى قوله: (فَرُبَّ مُبَلَّغ) بتشديد اللام
المفتوحة اسم مفعول أي: من يبلغه كلامي بواسطة. (أَوْعَى) أيَّ: أحفظ لمبناه
وأفهم لمعناه. (مِنْ سَامِعٍ) سمعه مني مباشرة.
قال الحافظ: أي: رب شخص بلغه كلامي، فكان أحفظ له وأفهم لمعناه من
الَّذِي نقله. قال المهلب: فيه أنه يأتي في آخر الزمان من يكون له من الفهم في
العلم ما ليسَ لمن تقدمه إلا أن ذلك يكون في الأقل؛ لأن (رُبَّ)) موضوعة للتقليل.
قلت - قائله الحافظ: هي في الأصلِ كذلك إلا أنها استعملت في التكثير بحيثُ
غلبت على الاستعمال الأول، لكن يؤيد أن التقليل هنا مراد أنه وقع في رواية

٣٤٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
consax :
بَابُ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
للبخاري بلفظ: ((عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ)) وقوله: ((أَوْعَى مِنْ سَامِع)) نعت
(((مبلغ))، والذي يتعلّق به ((رب)) محذوف وتقديره يوجد أو يكون، ويجوَّزُ على
مذهب الكوفيين في أن ((رب) اسم أن تكون هي مبتدأ و((أوعى)) الخبر، فلا حذف
ولا تقدير، وفِي الحَدِيث من الفوائد: الحث على تبليغ العلم، وجواز التحمل قبل
كمال الأهلية، وأن الفهم ليس شرطًا في الأداءِ.
قال الحافظ: في الحديث دلالة على جوازٍ تحمل الحديث لمن لم يفهم معناه
ولا فقهه إذا ضبط ما يحدث به، ويجوز وصفه بكونه من أهل العلم بذلك، وفيه :
أيضًا وجوب تبليغ العلم على الكفاية، وقد يتعيِّن في حقِّ بعض الناس، وفيه:
تأكيد التحريم وتغليظه بأبلغ ممكن من تكرار ونحوه، وفيه: مشروعية ضرب
المثل وإلحاق النظير بالنظير؛ ليكون أوضح للسامع.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في العلم: والمناسك، وبدء الخلق، والمغازي
في باب حجة الوداع، وفي تفسير براءة، وفي الأضاحي، والفتن، والتوحيد.
ومُسْلِم فِي الديات، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٥: ص ٣٧، ٣٩، ٤٠، ٤٥، ٤٩)
وأبو دَاوُد والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٤٠) وأخرجه ابنُ ماجه في السنة مختصرًا جدًّا.
٨٤ ٢٦ - [٢] وَعَنْ وَبَرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ: مَتَى أَرْمِي الْجِمَارَ؟
قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ؛ فَارْمِهْ، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ، فَقَالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا
زَالَتِ الشَّمْسُ؛ رَمَيْنَا.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٦٨٤- قوله: (وَعَن وَبَرَةَ) بفتح الواو الموحدة بعدها راء، هو ابن
عبد الرحمن الْمُسْلمي بضم الميم وسكون المهملة بعدها لام - أبو خزيمة أو أبو
العباس الكوفي، ثقة تابعي، ماتَ في ولايةِ خالد بن عبد الله القسري على الكوفة
سنة ست عشرة ومائة .
(٢٦٨٤) الْبُخَارِي (١٧٤٦)، وَأَبُو دَاوُد (١٩٧٢) فِي الحَجِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

٣٤٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مَتَى أَرْمِي الْجِمَارَ؟) يعني: في غير يوم الأضحي. (إِذَا رَمَى إِمَامُكَ فَارْمِهْ) بهاء
ساكنة للسكت. وقال القاري: بهاء الضمير أو السكت، وعلى الأول تقديره: ارم
موضع الجمرة أو ارم الرمي أو الحصى. انتهى. قال الحافظ: قوله: ((إِذَا رَمَی
إِمَامُكَ فَارْمِهْ)) يعني الأمير الَّذِي على الحج، وكأن ابن عمر خاف عليه أن يخالف
الأمير، فيحصل له منه ضرر، فلما أعادَ عليه المسألة لم يسعه الكتمان فأعلمه بما
كانوا يفعلونه في زمن النَّبِي وَلَّ، وقد رواه ابن عيينة عن مسعر عن وبرة عن ابن
عمر فقال فيه: فقلت له: أرأيت إن أخر إمامي؟ أي: الرمي فذكر له الحديث.
أخرجه ابن أبي عمر في ((مسنده)) عنه ومن طريقه الإسماعيلي. انتهى.
(فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ) أردتُ تَحْقِيق وقت رمي الجمرة. (كُنَّا نَتَحَيَّنُ) نتفعل من
الحين وهو الزمان، أي: نراقب الوقت المطلوب وهو زوال الشمس. قال
الطيبي: أي ننتظر دخول وقت الرمي. انتهى. وقال الطّبَري: أي: نطلب حينها
والحين الوقت، ومنه كانوا يتحينون وقت الصلاة أي: يطلبون حينها، ولفظ أبي
داود: ((كنا نتحيَّنُ زوال الشمس)). (فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا) بلا ضمير أي:
الجمرة يعني: قبل صلاة الظهر، فقد روى ابن ماجه من طريق الحكم عن مقسم
عَنِ ابْن عَبَّاسٍ أن رسول اللَّه ◌َ ليل كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس قدر ما إذا فرغ
من رميه صلى الظهر. قال السندي: هَذَا يدل على أنه بعد الزوال يبدأ برمي
الجمار، ثم يصلي أي الظهر. انتهى.
وفِي الحَدِيث: دليل على أن السنة أن يرمي الجمار في غير يوم الأضحى بعد
زوال الشمس، وأنه لا يجزئ رميها قبل زوالها، بل وقته بعد الزوال، وإلى هَذَا
ذهب الجمهور. وخالف في ذلك عطاء وطاوس، فقالا: يجوز الرمي قبل الزوال
مطلقًا، ورخَّص الحنفية في الرمي في يوم النفر قبل الزوال. وقال إسحاق: إن رمى
قبل الزوال؛ أعاد إلا في اليوم الثالث، فيجزئه، والحديث يردُّ على الجميع، وقد
تقدم البسط في هذه المسألة في شرح حَدِيث جَابِر في الفصل الأول من باب رمي
الجمار.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا أبُو دَاوُد والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٤٨).

٣٤٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
٢٦٨٥ - [٣] وَعَنْ سَالم ◌َعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي جَمْرَةَ الدُّنْيَا
بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرَّ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ، فَيَقُومُ
مُسْتَقَّبِلَ الْقِبْلَةِ طَوِيلًا، وَيَدْعُو، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ،
يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِذَاتِ الشِّمَالِ، فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ
الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَدْعُو، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ
بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ
يَنْصَرِفُ، فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَ يَفْعَلُهُ.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٦٨٥ - قوله: (كَانَ يَرْمِي جَمْرَةَ الدُّنْيَا) كذا في جميع النسخ وهكذا وقع في
((المصابيح))، أي: بإضافة الجمرة إلى الدنيا. وفي البخاري: الْجَمْرَةَ: الدُّنْيَا.
قال التُّورِبَشْتِي: الجمرة: واحدة جمرات المناسك. وهي ثلاث جمرات واحد
منها: ذات العقبة وهي مما يلي مكة ولا يرمى يوم النحر إلا جمرة ذات العقبة،
وبعد يوم النحر يرمى الثلاث، والسنة فيها ما ذكر في الحديث، والدنيا هي التي
يبدأ بها، ووصفها بالدنيا - أي: القربى - لكونها أقرب إلى منازل النازلين عند
مسجد الخيف، وهنالك كان مناخ النَّبِي وَّ، وإضافتها إلى الدنيا كإضافة المَسْجِد
إلى الجامع من إضافة الموصوف إلى الصفة، ويحتملُ أنْ يَكُون فيه حذف، أي:
جمرة البقعة الدنيا كقولك: حق اليقين.
(بِسَبْعٍ حَصَيَاتٍ) في كل يومٍ من أيام التشريقِ. (يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلُّ حَصَاةٍ) بكسرٍ
الهمزة وسكون المثلثة وبفتحهما أي: عقيب كل واحدة من الحصى، وظاهرُ هَذَا
تأخير التكبير عن الرمي. وفي رواية أحمد (ج٢: ص ١٥٢): يكبِّرُ معَ كلِّ حصاةٍ،
وكذا وقعَ في حديثٍ جابر عند مسلمٍ وغيره وحديث ابن مسعود عند الشيخين،
ويأتي في حَدِيث ابنِ عُمَر في رمي جمرة العقبة: ((يكبر عند كلِّ حصاةٍ)). قال
القاري: وهو أعمُّ، والمرادُ بالمعية: خروج الجمرة من اليد، فهو مع الرمي
(٢٦٨٥) البُخَارِي (١٧٥١)، وَالنَّسَائِي (٢٧٦/٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ.

٣٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
باعتبار الابتداء، أو أثره باعتبار الانتهاء. انتهى. وأول بعضهم قوله: ((إثر كلٍّ
حصاةٍ))، بأنَّ الْمَرَاد عقب إرادة الرمي بها، وإلى المعية، أي: مقارنة التكبير لكلِّ
حصاةٍ ذهب أتباع الأئمة الأربعة، كما صرح به الباجي وَابْن قدامة والنووي.
قال الدسوقي: ظاهرُ ((المدونة)) أنَّ التكبير مع كل حصاة سنة، وأشعر قول
الدردير مع رمي كل حصاة أنه لا يكبر قبل رميها ولا بعده، ويفوت المندوب
بمفارقة الحصاة ليده قبل النطق بالتكبير. انتهى. وفي ((الهداية)): يكبر معَ كلِّ
حصاةٍ، كذا روي عن ابن مسعود وَابْن عمر. انتهى.
(ثُمَّ يَتَقَدَّمُ) أي: يذهب قليلاً من ذلك الموضع وفي رواية: ((ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا)).
(حَتَّى يُسْهِلَ) بضمِّ أوله وسكون المهملة، يقال: أسهل الرجل؛ إذا صار إلى السهل
من الأرض. قال الحافظ: أي: يقصد السهل من الأرض: وهو المكان المستوي
الَّذِي لا ارتفاع فيه. انتهى. وقال القاري: أي: يدخل المكان السهل وهو اللين
ضد الحزن بفتح الحاء وسكون الزاي أي: الصعب. (فَيَقُومُ) مرفوع عطفًا على
((يتقدم)). (مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) أي: حال كونه مقابل الكعبة. (طَوِيلًا) وفي رواية:
((فَيَقُومُ قِيامًا طَوِيلًا)). (وَيَدْعُو) أي: قدر سورة البقرة كما تقدم. (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) أي :
في الدعاء. (ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى) وفي رواية: (ثُمَّ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى)). أي:
الجمرة التي بين الأولى والأخرى.
قال ابن الهمام: هل هَذَا الترتيب متعين أو أولى؟ مختلف فيه، والذي يقوى
عندي استنان الترتيب لا تعيينه. والله أعلم. قال القاري: والأحوط مراعاة
الترتيب؛ لأنَّهُ واجب عند الشافعي وغيره، ثم الظاهر أن الموالاة سنة، كما في
الوضوء أو واجب وفق مذهب مالك هنالك. انتهى. وقالَ ابنُ قُدَامَة في ((المعني))
(ج٣: ص ٤٥٢): والترتيبُ في هذه الجمرات واجب على ما وقع في حديث ابن
عمرو وحديث عائشة عند أبي داود، فإن نكس، فبدأ بجمرة العقبة ثم الثانية ثم
الأولى، أو بدأ بالوسطى ورمى الثلاث؛ لم يجزه إلا الأولى وأعاد الوسطى
والقصوى، نص عليه أحمد، وإن رمى القصوي ثم الأولى ثم الوسطى؛ أعاد
القصوى وحدها، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال الحسن وعطاء: لا يجبُ
الترتيب وهو قول أبي حنيفة، فإنه قال: إذا رمى منكسًا يعيد، فإن لم يفعل؛

٣٤٧
كِتّاب الْمُنَاسِكِ بَابُ خَطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
أجزأه، واحتجَّ بعضُهُم بما روي عن النَّبِي ◌َّةِ أنه قال: ((مَنْ قَدَّمَ نُسُكَّا بَيْنَ يَدَيْ
نُسُكِ، فَلَا حَرَجَ))، ولأنَّها مناسك متكررة في أمكنة متفرقة في وقت واحد ليس
بعضها تابعًا لبعض، فلم يشترط الترتيب فيها كالرمي والذبح. ولنا أن النَّبِي ◌ِّ
رتبها في الرمي وقال: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ))، ولأنَّه نسك متكرِّر، فاشترط
الترتيب فيه كالسعي، وحديثهم إنما جاء فيمن يقدم نسكًا على نسك لا في تقديم
بعض النسك على بعض، وقياسهم يبطل بالطواف والسعي. انتهى.
وقال الشنقيطي: اعلم أنَّه يجبُ الترتيب في رمي الجمار أيام التشريق، فيبدأ
بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، فيرميها بسبع حصيات يكبِّر مع كلِّ
حصاةٍ، ثم ينصرفُ إلى الجمرة الوسطى، فيرميها كالتي قبلها، ثم ينصرف إلى
جمرة العقبة، فيرميها كذلك، وهذا الترتيب على النحو الَّذِي ذكرنا هو الَّذِي فعله
النَّبِي ◌َّةِ وأمر بأخذ المناسك عنه، فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا الترتيب
المذكور، ثم ذكر حَدِيث ابنِ عُمَر الَّذِي نحن فِي شَرْحِه، ثم قال: روى البخاري
هَذَا الحديث في ثلاثة أبواب متوالية، وهو نص صحيح صريح في الترتيب
المذكور، وقد قال رَّهِ: (لتأخذوا عني مَنَاسِكَكُمْ))، فإن لم يرتب الجمرات بأن بدأ
بجمرة العقبة لم يجزئه الرمي منكسًا؛ لأنَّهُ خالف هدي التَّبِي ◌َّةِ، وفِي الحَدِيث:
(مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا؛ فَهُوَ رَدِّ)، وتنكيس الرمي عمل ليسَ من أمرنا،
فيكونُ مردودًا، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وجمهور أهل العلم. وقال أبو
حنيفة: الترتيب المذكور سُنة، فإن نكس الرمي؛ أعاده، وإن لم يعد؛ أجزأه، وهو
قول الحسن وعطاء، واحتجوا بأدلة لا تنتهض، وعلى الصحيح الَّذِي هو قول
الجمهور: أن الترتيب شرط لو بدأ بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم الأولى، أو بدأ
بالوسطى ورمي الثلاث لم يجزه إلا الأولى؛ لعدم الترتيب في الوسطى والأخيرة،
فعليه أن يرمي الوسطى ثم الأخيرة، ولو رمى جمرة العقبة ثم الأولى ثم الوسطى
أعاد جمرة العقبة وحدها، هَذَا هو الظاهر. انتهى كلام الشنقيطي.
(يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ) قال الباجي: وذلك أنه إذا كان التكبير مشروعًا عند
الرمي، فإنه يتكرَّر عند كلٍّ رمية، وكذلك كل عبادة شرع فيها التكبير، فإنه يتكرّر
بتكرُّر محله، كالانتقال من ركن إلى ركن في الصلاة، وقد قال مالك: يكبر مع
كلِّ حصاةٍ. انتهى. والأصلُ في ذلك ما رُوي عن النَّبِي وَّر: أنه كان يكبِّر مع كلّ

٣٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
حصاةٍ. انتهى.
(ثُمَّ يَأْخُذُ بِذَاتِ الشِّمَالِ) في البخاري: ((ذات الشمال))، أي: بدون الباء، أي:
يمشي إلى جهة شماله. (فَيُسْهِلُ) قال القاري: أي: يذهب على شمال الجمرة
الوسطى حتى يصل إلى موضع سهل يعني ليقف داعيًا في مكان لا يصيبه الرمي.
وفي رواية: ((ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ الشِّمَالِ مِمَّا يَلِي الْوَادِيَ، فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةٍ)).
(ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ) بإضافة الجمرة. قال الحافظ: هو نحو يا نساء
المؤمنات، أي: يأتي الجمرة ذات العقبة، وثبت كذلك في رواية سليمان - عن
يونس عن الزهري عن سالمٍ -، عند البخاري، وفي رواية عثمان بن عمر - عن
يونس - ثم يأتي الجمرة الّتي عند العقبة. (وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا) أي: للدعاء. (ثُمَّ
يَنْصَرِفُ) أي: ابن عمر. وفِي الحَدِيث: مشروعية التكبير عندَ رمي كلِّ حصاةٍ،
وقد أجمعوا على أنَّ مَن تركه لا يلزمه شيء إلا الثوري، فقال: يطعم، وإن جبره
بدم أحب إليَّ، وعلى الرمي بسبع وعلى استقبال القبلة والقيام طويَّلا عند الجمرتين
- أَي: الأولى والثانية - والتضرع عندهما.
وفيه: التباعد من موضع الرمي عند القيام بالدعاء حتى: لا يصيب رمي غيره.
وفيه: مشروعية رفع اليدين في الدعاء وترك الدعاء والقيام عند جمرة العقبة؛
قال ابن قدامة: لا نعلم لما تَضَمَّنَه حَدِيث ابن عمر هَذَا مخالفًا إلا ما روي عن مالك
مِن ترك رفع اليدين عند الدعاء بعد رمي الجمار، فقال ابنُ المُنْذِر: لا أعلمُ أحدًا
أنكر رفع اليدين في الدعاء عند الجمرة إلا ما حكاه ابنُ القاسم عن مالك. انتهى.
قال الحافظ: وردَّهُ ابنُ المنير بأن الرفع لو كان هنا سنة ثابتة ما خفي عن أهل المدينة
وغفل - رحمه الله تعالى - عن أنَّ الَّذِي رواه من أعلم أهل المدينة من الصَّحَابَة في
زمانه وابنه سالم أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، والراوي عنه ابن شهاب عالم
المدينة ثم الشام في زمانهِ، فمن علماء المدينة إن لم يكونوا هؤلاء؟ والله
المستعان. انتهى.
ونقل في ((المحلى)) عن ابن المنذر أنه قال: لا أعلمُ أحدًا أنكر ذلك غير مالِكِ،
فإن ابن القاسم حكى عنه أنه لم يكن يعرف رفع اليدين هناك. قال: واتباع السنة
أفضل، وقيل: يرفع، حكاه ابن التين وَابْن الحاجب. انتهى. وحكى القسطلاني

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ خْطَبَةٍ يَوْمِ النّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التَّشَرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
٣٤٩
عن ابن فرحون من المالكية في ((مناسكه)) في رفع اليدين في الدعاء قولان. انتهى.
ولم يذكر في الحديث حال الرمي في المشي والركوب، وقد روى ابن أبي شيبة
بإسنادٍ صحيح: أن ابن عمر كان يمشي إلى الجمارِ مقبلًا ومُدبرًا، وعن جابر: أنه
كان لا يركبَُّ إلَّ من ضرورةٍ، وروى التِّرْ مِذيُّ عن ابن عمر وصحَّحه والْبَيْهَقِي: أنَّ
النبيَّ ◌ِ ﴿ كانَ إذا رمى الجمار؛ مشي إليها ذَاهبًا ورَاجعًا. وفي لفظ عنه: كانَ يرمي
الجمرةَ يومَ النَّحْرِ راكبًا وسائر ذلك ماشيًا، ويخبرهم أنَّ النَّبِي وَلّ كان يفعلُ ذلك.
رواه أحمد (ج٢: ص ١١٤، ١٣٨، ١٥٦) وأبو دَاوُد والْبَيْهَقِي.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٢: ١٥٢) والنَّسَائِي والْبَيْهَقِي (ج٥ : ص
١٤٨) .
٢٦٨٦ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِب
رَسُولَ اللّهِ بَّهِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةً لَيَالِيَ مِنَّى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٨٦ - قوله: (اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللّهِ وَ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ
لَيَالِيَ مِنَّى) المرادُ بها: ليلة الحادي عشر واللتين بعده. (مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ) قال
القاري: أي: التي بالمسجد الحرام المملوءة من ماء زمرم المندوب الشرب منها
عقب طواف الإفاضة وغيره إذا لم يتيسر الشرب من البئر للخلق الكثير، وهي الآن
بركة، وكانت حياضًا في يدي قصي، ثم منه لابنه عبد مناف، ثم منه لابنه هاشم،
ثم منه لابنه عبد المطلب ثم منه لابنه العباس، ثم منه لابنه عبد الله، ثم منه لابنه
علي، وهكذا إلى الآن، لكن لهم نواب يقومون بها. قالوا: وهي لاَل عباسٍ أبدًا،
انتهى. وروى الفاكهي بسنده عن عطاء قال: سقاية الحاج زمرم.
وقال الأزرقي: كان عبد مناف يحملُ الماءَ في الروايا والقرب إلى مكة ويسكبه
(٢٦٨٦) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٦٣٤)، ومُسْلِم (٣٤٦/ ١٣١٥) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ، وأَبُو دَاوُد (١٩٥٩).

٣٥٠
*=
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في حياض من أدم بفناء الكعبة للحجاج، ثم فعله ابنه هاشم بعده، ثم عبد المطلب،
فلما حفر زمزم؛ كان يشترى الزبيب، فينبذه في ماء زمزم ويسقي الناس.
قال ابن إسحاق: لما ولي قصي بن كلاب أمر الكعبة؛ كان إليه الحجابة
والسقاية واللواء والرفادة ودار الندوة، ثم تصالح بنوه على أن لعبد مناف السقاية
والرفادة، والبقية للأخوين، ثم ذكر نحو ما تقدم، وزاد: ((ثم وَلي السقايةَ من بعدٍ
عبدِ المطلبٍ ولدُهُ العباسُ، وهو يومئذ مِن أَحْدَث إخوتِهِ سِنَّا، فلم تزلْ بيدِهِ حتَّى
أقامَ الإِسلامُ وهي بيدهِ، فأقرَّها رسولُ اللهِ وَ لهَ معَهُ فهي اليومُ إلى بني العباس))،
كَذَا فِي ((الفَتْح)).
وقال الطَّبَري: قال أهل التواريخ: كان أصل السقاية حياض من أدم توضع على
عهدٍ قصي بفناء الكعبة ويستقى فيها الماء للحاج، وأصل الرفادة: خرج كانت
قريش تخرجه من أموالها إلى قصي يصنع به طعامًا للحاج يأكله من ليس له سعة،
وما زال ذلك الأمر حتى قام به هاشم، ثم أخوه عبد المطلب، ثم قام به العباس.
(فَأَذِنَّ لَهُ) وفي رواية: ((رخَّص رسولُ اللَّهِ وَ لَه للعباسِ أنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ أَيَّامَ مِنَّى منْ
أَجْلِ سِقَايَتِهِ. والمراد بأيام منى: لياليها، كما وقع في رواية البخاري، وهي: ليلة
الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر.
والحديث: دليل على مشروعية المبيت في منى ليالي أيام التشريق، وعلى جواز
التخلُّفِ عن المبيتِ فيه لأجل السقاية. واتفق العُلَمَاء على ذلك، ثم اختلفوا: هل
المبيت فيه واجب أو سنة؟ فذهب مالك وأصحابه إلى أنه واجب ولو باتَ ليلة
واحدة منها أو جل ليلة وهو خارج عن منى؛ لزمه دم؛ لأثر ابن عباس: ((مَن نسي
مِن نُسُكه شيئًا أو تَرَكه؛ فَلْيُهْرِقْ دمًّا)). أخرجه البيهقي، وروى مالك في الموطأ عن
نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: ((لاَ يَبِيتَنَّ أَحَدٌ مِنَ الْحَاجِّ لَيَالِيَ
مِنَّى مِنْ وَرَاءِ الْعَقَبَةِ)). ومذهبُ أبي حنيفة هو: أن عدم المبيت بمنى ليالي منى
مكروه؛ لأنَّهُ وَ لَهباتَ بمنى، وعمر كان يؤدِّبُ على ترك المقام بها، ولو باتَ بغيرها
متعمدًا لم يلزمه شيء عند أبي حنيفة وأصحابه؛ لأنهم يرون أن المبيت بمنى لأجل
أن يسهل عليه الرمي في أيامه، فلم يكن من الواجبات عندهم.
وللشافعي في هذه المسألة قولان: أصحهما وأشهرهما وأظهرهما: أنه واجب،

٣٥١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
والثاني: أنه سنة، فعلى القول بأنه واجب، فالدم واجب في تركه، وعلى أنه سنة،
فالدم سنة في تركه، ولا يلزم عندهم الدم إلا في ترك المبيت في الليالي كلها؛ لأنَّهَا
عندهم كأنها نسك واحد، وإن ترك المبيت في ليلة من الليالي الثلاث، ففيه
الأقوال المذكورة في ترك الحصاة الواحدة عندهم، أصحها: أن في ترك مبيت
الليلة الواحدة مُدًّا. والثاني: أن فيه درهمًا، والثالث: أن فيه ثلث دم، وحكم
الليلتين معلوم، والمعتبر في المبيت عندهم الكون بمنى معظم الليل؛ إذ المبيت
ورد مطلقًا والاستيعاب غير واجب اتفاقًّا، فأقيم المعظم مقام الكلِّ، ولا فرق بين
أول الليل وآخره، وفي قَوْلِه: أن المعتبر الكون بمنى عند طلوع الفجر، ومن حضر
بها قبله؛ فقد أدَّى واجبَ المبيت.
ومذهب الإمام أحمد: أن المبيت بمنى ليالي منى واجب، فلو ترك المبيت بها
في الليالي الثلاث، فعليه دم على الصحيح من مَذْهَبِهِ، وعنه: يتصدَّق بشيء وعنه :
لا شيء عليه، فإن ترك المبيت في ليلة من لياليها؛ ففيه ما في الحصاة الواحدة من
الأقوال التي قدمنا: قيل: مد، وقيل: درهم، وقيل: ثلث دم.
وأظهر الأقوال دليلًا أن المبيت بمنى أيام منى نُسك من مناسك الحج يدخلُ في
قول ابن عباس: ((مَن نَسَي مِن نُسُكه شيئًا أو تَرَكَه؛ فَلْيُهْرِقْ دمَّا))، والدليل على ذلك
ثلاثة أمور: الأول: أن النَّبِي ◌َّ بات بها الليالي المذكورة، وقال: ((لِتَأْخُذُوا عَنِّي
مَنَاسِكَكُمْ))، فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا البيتوتة بمنى الليالي المذكورة.
الثاني: هو حَدِيث ابنِ عُمَر في الترخيصِ للعباسِ الَّذِي نحنُ فِي شَرْحِهِ. قال
الحافظ: في الحديث دليل على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج؛ لأنَّ
التعبير بالرُّخْصَة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأنَّ الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم
توجد هي أو ما في معناها لم يحصل الإذن، وبالوجوب قال الجمهور، وفي قول
للشافعي ورواية عن أحمد وهو مذهب الحنفية: إنه سنة ووجوب الدم بتركه مبني
على هَذَا الاختلاف، ولا يحصلُ المبيت إلا بمعظم الليل. انتهى. وما ذكره من
أخذ الوجوب من الحديث المذكور واضح. الأمر الثالث: هو ما روي عن عمر بن
الخطاب رَوَّهُ أنه كان يمنعُ الحُجَّاجِ من المبيت خارج منى ويرسل رجالًا
يدخلونهم في منى، وهو من الخلفاء الراشدين الَّذِين أمرنا بالاقتداء بهم والتمسك
بسنتهم .

٣٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والظاهر: أن من ترك المبيت بمنى لعذرٍ لا شيء عليه، كما دلَّ عليه الترخيص
للعباس من أجل السقاية والترخيص لرعاء الإبل في عدم المبيت. قال الحافظُ:
وهل يختصُّ الإذن بالسقاية وبالعباس أو بغير ذلك من الأوصاف المعتبرة في هَذَا
الحكم، فقيل: يختصُّ الحكم بالعباس وهو جمود، وقيل: يدخل معه آلُهُ، وقيل:
قومُهُ وهم بنو هاشم، وقيل: كل من احتاج إلى السقاية؛ فله ذلك، ثم قيل أيضًا:
يختصُّ الحكم بسقاية العباس حتى لو عملت سقاية لغيره، لم يرخص لصاحبها في
المبيت لأجلها، وَمِنْهُم من عمَّمه، وهو الصحيح في الموضعين، والعلَّة في ذلك
إعداد الماء للشاربين، وهل يختصُّ ذلك بالماء أو يلتحقُ به ما في معناه من الأكل
وغيره، محل احتمال، وجزم الشافعية بإلحاق من له مال يخاف ضياعه أو أمر
يخاف فوته أو مريض يتعاهده بأهل السقاية، كما جزم الجمهور بإلحاق الرعاء
خاصة .
قال الزرقاني: لكنهم لم يجزموا بذلك بالإلحاق، إنما هو بالنص الَّذِي رواه
مالك وأصحاب السنن الأربع عن عاصم بن عدي: أن رسولَ اللَّه ◌َلَّ أَرْخَص لرعاءٍ
الإبل في البيتوتة عن منى.
قال الحافظ: وهو قول أحمد، واختاره ابنُ المنذر أعني الاختصاص بأهل
السقاية ورعاء الإبل، والمعروف عن أحمد اختصاص العباس بذلك، وعليه اقتصر
صاحب ((المغني)) حيث قال بعد ذكر حديث ابن عمر: وتخصيصُ العباس بالرُّخْصَة
لعذره دليل على أنَّهِ لا رخصةَ لغيره، وعَنِ ابْن عَبَّاسٍ قال: لم يرخِّصِ النبيُّ وَل
لأحدٍ يبيتُ بمكّة إلّ العبّاس من أجلِ سقايته. رواه ابن ماجه. انتهى.
وقال أيضًا: يجوزُ للرعاة ترك المبيت بمنى ليالي منى ويؤخرون رمي اليوم
الأول ويرمون يوم النفر الأول عن الرميين جميعًا لما عليهم من المشقة في المبيت
والإقامة للرمي؛ لحديث أبي البداح بن عاصم بن عدي - الآتي -، وكذلك
الحكم في أهلِ سقاية الحاج لحَدِيث ابنِ عُمَر - الَّذِي نحن فِي شَرْحِه - إلا أن
الفرق بين الرعاء وأهل السقاية أن الرعاء إذا قاموا حتى غربت الشمس، فقد انقضى
وقت الرعي، وأهل السقاية يشتغلون ليلًا ونهارًا، فافترقا وصار الرعاء كالمريض
الَّذِي يباح له ترك الجمعة لمرضه، فإذا حضرها؛ تعينت عليه، والرعاء أبيح لهم

٣٥٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ خُطْبَةٍ يَوْم النّحْرِ، وَرَمْي أيَّامَ التَّشَرِيقِ، وَالتَّوْدِيع
ترك المبيت لأجل الرعي، فإذا فات وقته؛ وجب المبيت، وأهل الأعذار من غير
الرعاء كالمرضى ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم كالرعاء في ترك البيتوتة؛ لأن
النَّبِي بَّة رخص لهؤلاء؛ تنبيهًا على غيرهم. أو نقول: نص عليه لمعنى وجد في
غيرهم فوجب إلحاقه بهم. انتهى.
وقال النووي في ((مناسكه)): من ترك مبيت منى لعذرٍ؛ فلا شيء عليه، والعذرُ
أقسامٌ: أحدها: أهل سقاية العباس يجوزُ لهم تركه سواء تولى بنو العباس أو
غيرهم. ولو حدثت سقاية للحجاج، فللمقيم بشأنها ترك المبيت كسقاية العباس -
هَذَا هو المعتمد، وإن أطالَ الإسنوي وغيره في ردِّهِ. الثاني: رعاء الإبل يجوزُ لهم
ترك المبيت لعذر الرعي - ينبغي حمله على ما إذا احتاجوا إليه ليلًا أو كانوا مع
الذهاب إليه لا يمكنهم المجيء إلى المبيت وإن لم يحتاجوا إليه ليلًا، فلا منافاة بين
هَذَا وفرقه الآتي بين السقاة والرعاة - ومتى أقام الرعاءُ بمنى حتى غربت الشمس؛
لزمهم المبيت بها تلك الليلة، ولو أقامَ أهلُ السقاية حتى غربت الشمس، فلهم
الذهاب إلى السقاية بعد الغروب؛ لأن شغلهم يكون ليلًا ونهارًا. الثالث: من له
عذر بسبب آخر كمن له مال يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت أو يخاف على نفسه أو
مال معه أو له مريض يحتاج إلى تعهده أو يطلب عبدًا آبقًا أو يكون به مرض يشق
معه المبيت أو نحو ذلك، فالصحيح: أنه يجوزُ لهم ترك المبيت، ولهم أن ينفروا
بعد الغروب ولا شيء عليهم. انتهى.
وقال الدردير: إن ترك المبيت بها جل ليلة فأكثر فدم ولو لضرورة ورخَّص
لراعي إبل فقط بعد رمي العقبة يوم النحر، أن ينصرف إلى رعيه ويترك المبيت ليلة
الحادي عشر والثاني عشر، ويأتي اليوم الثالث من أيام النحر فيرميه فيه لليومين.
وكذا يرخَّصُ لصاحبِ السقاية في ترك المبيت خاصة، فلا بد أن يأتي نهارًا للرمي
ثم ينصرف؛ لأنَّ ذا السقاية ينزعُ الماءَ من زمزم ليلًا ويفرغه في الحياض.
قال الدسوقي: قوله: ولو كان الترك لضرورة، أي: لخوف على متاعه وهو
الَّذِي يقتضيه مذهب مالك حسبما رواه عنه ابن نافع فيمن حبسه مرض فبات بمكة
فإن عليه هديًا، وقوله: لراعي إبل فقط. لأن الرخصة كما في ((الموطأ)) عن
النَّبِيِ وََّ لرعاةِ الإِبلِ، ومعلوم أنَّ الرخصة لا تتعدّى محلها، وفي القياس عليها

٣٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
نزاع، وظاهر المصنف - أي: الشيخ خليل - وَابْن شاس وَابْن الحاجب وَابْن عرفة
الإطلاق - أي: في رعاء الإبل ورعاء غير الإبل. قوله: ويأتي اليوم الثالث ولا دم
عليه لترك المبيت ولا لتأخير رمي اليوم الثاني لليوم الثالث، قوله: ((في ترك المبيت
خاصة)). أي: لا في ترك الإتيان يوم الحادي عشر والإتيان في الثاني عشر كالرعاة.
انتھی .
وقال في ((الأنوار عن حاشية الصاوي)): رخَّص مالك جوازًا لراعي الإبل فقط
بعد رمي العقبة أن ينصرف إلى رعيه ويترك المبيت ليلة الحادي عشر والثاني عشر،
ويأتي اليوم الثالث من أيام النحر، فيرمي فيه لليومين الَّذِي فاته والذي حضر فيه،
ورخّص لصاحبِ السقاية في ترك المبيت خاصة، فلا بدَّ أن يأتي نهارًا للرمي ثم
ينصرف؛ لأنَّ ذا السقاية ينزعُ الماء من زمزم ويفرغه في الحياض. انتهى. وكذا
قال الزرقاني: إن أهلَ السقاية إنما يرخص لهم في ترك البيات بمنى لا في ترك رمي
اليوم الأول من أيام الرمي، فيبيتون بمكة ويرمون الجمار نهارًا ويعودون لمكة،
كما في ((الطراز المذهب)). انتهى.
وقد تقدم أن المبيت بمنى سنة عند الحنفية وعدم المبيت بها مَكْرُوه تنزيهًا
عندهم، فضلًا أنْ يَكُون للعذر. وفِي الحَدِيثِ: استئذان الأمراء والكبراء فيما يطرأُ
من المصالح والأحكام وبدار من استؤمر إلى الإذن عند ظهور المصلحة.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٢: ص ١٩، ٢٢، ٢٨) وأبو دَاوُد وَابْن
ماجه والدارمي والْبَيْهَقِي (ج ٥: ص ١٥٣).

٣٥٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابَ، خَطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمْيٍ أَيَّامَ التَّشَرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
٢٦٨٧ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ
فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا فَضْلُ،ً اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ◌َهُ
بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا، فَقَالَ: ((اسْقِنِ))، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ
أَيْدِيَهُمَّ فِيهِ، قَالَ: ((اسْقِنِ)) فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ
فِيهَا، فَقَالَ: ((اعْمَلُوا، فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلِ صَالِحٍ))، ثُمَّ قَالَ: ((لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا
لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ عَلَى هَذِهِ)، وَأَشَارَ إِلَّى عَاتِقِهِ. [رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيحِ}
الشرح
٢٦٨٧ - قوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ) قال في ((المجمل)):
السقايةُ هي المحل الَّذِي يتخذ فيه الشراب في الموسم، كان يشترى الزبيب، فينبذ
في ماء زمزم ويسقى للناس، وكان يليها العباس جاهلية وإسلامًا، وأقرَّها النَّبِي بَّه
له، فهي لآل العباس أبدًا، فلا يجوزُ لأحد نزعها منهم ما بقي منهم أحد. انتهى.
(فَاسْتَسْقَى) أي: طلب الشراب. (فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا فَضْلُ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ) الفضلُ
هو ابن العباس أخو عبد اللّه وأمه هي أم الفضل لبابة بنت الحارث الهلالية، وهي
والدة عبد اللَّه أيضًا. (فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ بِشَرَابٍ) أي: خالص خاص ما وصله
استعمال. (اسْقِنِي) بهمزة وصل أو قطع أي: من هَذَا الشراب الحاضر في السقاية.
(فَقَالَ) أي: العباس. (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ) أي: الناس. (يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ) أي :
في هَذَا الشراب والغالب عليهم عدم النظافة .
قال الحافظ: في رواية الطَّرَاني من طريق يزيد بن أبي زياد عن عِكْرِمَة في هَذَا
الحديث أن العباس قال له: إن هَذَا قد مرث - أي: وسخوه بإدخال أيديهم فيه -
أفلا أسقيك من بيوتنا، قال: ((لَا، ولكن اسقني مما يشرب منه الناس))، انتهى.
وعند أحمد (ج١: ص ٣٢٠، ٣٣٦) بسند ضعيف، قال ابنُ عباسٍ: جاءً
النبيُّ بَّهِ عباسًا، فقال: ((اسْقُونَا))، فقال: إن هَذَا النبيذ شراب قد مغث ومرث،
أفلا نسقينك لبنًا أو عسلًا؟ قال: ((اسْقُونَا مِمَّا تَسْقُونَ مِنْهُ النَّاسَ)).
(٢٦٨٧) البُخَارِي (١٦٣٥) فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

٣٥٦
SECHeR
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(قَالَ: اسْقِنِي) زاد أبو علي بنُ السكنِ في روايته: فناولَهُ العباسُ الدلوَ. (فَشَرِبَ
مِنْهُ) قال الحافظ في رواية يزيد المذكورة: فأَتِي بِهِ فَذَاقه، فقطب ثم دعا بماءٍ فكسره
قال: وتقطيبه إنما کان لحموضته و کسره بالماء لیهون علیه شربه وعرف بهذا جنس
المطلوب شربه؛ إذ ذاك، وقد أخرج مسلم من طريق بكر بن عبد اللَّه المزني قال:
كنتُ جالسًا مع ابن عباس فقال: قَدِمِ رسولُ اللهِ وَّه وخلفه أسامةُ، فاستسقى فأتيناه
بإناءٍ من نبيذٍ فشَرِب وسَقَى فضلَهُ أسامةَ وقال: ((أَحْسَنْتُمْ، كَذَا فَاصْنَعُوا)). (ثُمَّ أَنَى
زَهْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ) أي: الناس عليها. (وَيَعْمَلُونَ فِيهَا) أي: يكدحون بالجذبِ
والصبِّ. (فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ) أي: قائمون أو ثابتون، أي: تسعون على عملٍ.
(صَالِح) أي: خير. (لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا) بضمِّ أوله على البناء للمجهول، أي: لَوَلا
كراهةً أن يغلبكم الناس ويأخذوا هَذَا العمل الصالح من أيديكم. (لَنَزَلْتُ) أي: عن
ناقتي. قال التُّورِبَشْتِي: أعلمهم النَّبِي وَّ أن الَّذِي يكدحون فيه من سقاية الحاجِّ
بمكانٍ من العمل الصالح لحُبِّ النَّبِي وَّ أن يشاركهم فيه غيره أنه لا يأمن عليهم إن
فعل ذلك غائلة الولاة وتنافسهم وتنازعهم فيه؛ حرصًا على حيازة هذه المأثرة
المكان رسول اللَّه وَ له ورغبته فيها، فتغلبوا عليها، وينتزع عنكم، فهذا هو المانع
الَّذِي صدني عن النزع معكم. انتهى.
وقال الحافظ: معناه: لولا أن يغلبكم الناس على هَذَا العمل إذا رأوني قد عملته
لرغبتهم في الاقتداء بي، فيغلبوكم بالمكاثرة لفعلت. ويؤيد هَذَا ما أخرج مسلم
من حديث جابر: أتىِ النَّبِي بَّ بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم، فقال:
((انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلًا أَنْ يَغْلِيَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ))
واستدل بهذا على أن سقاية الحاج خاصة ببني العباس. وقال ابن بزيزة: أراد
بقوله: ((لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا)) قصر السقاية عليهم، وأن لا يشاركوا فيها، واستدلَّ به على
أنَّ الَّذِي أرصد للمصالح العامة لا يحرم على النَّبِي وَّ ولا على آله تناوله؛ لأن
العباس أرصد سقاية زمزم لذلك، وقد شرب منها التَّبِي ◌َّرَ. قال ابن المنيرِ في
الحاشيةِ: يحملُ الأمر في مثل هَذَا على أنها مرصدة للنفع العام، فتكون للغني في
معنى الهدية وللفقير صدقة.
(حَتَّى أَضَعَ) بالنصب والرفع. (وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ) هو أحد طرفي رقبته. قال
الحافظ: في الحديث من الفوائد: أنه لا يكره طلب السقي من الغير ولا رد ما

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حْطَبَةٍ يَوْمِ النّحْرِ، وَرَمْي أيَّامَ التَّشَرِيقَ، وَالتَّوْدِيعِ
٣٥٧
يعرض على المرء من الإكرام إذا عارضته مصلحة أولى منه؛ لأنَّ ردَّهُ لما عرض
عليه العباس مما يؤتى به من نبيذٍ لمصلحة التواضع التي ظهرت من شربه مما
يشرب منه الناس. وفيه: الترغيبُ في سقي الماء خصوصًا ماء زمزم، وفيه: تواضع
النَّبِي وَلّة وحرص أصحابه على الاقتداء به، وكراهة التقذر والتكره للمأكولات
والمشروبات. قال ابن المنير في ((الحاشية)): وفيه أن الأصل في الأشياء الطهارة؛
لتناوله ◌َّه من الشراب الَّذِي غمست فيه الأيدي. انتهى. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه
أيضًا الطَّبَرَاني والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٤٧).
٢٦٨٨ - [٦] وَعَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ
وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصُّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٦٨٨ - قوله: (صَلَّى الظُّهْرَ) أي: بعد النفر من منى في اليوم الرابع من يوم
النحر، وهذا صريح في تقديم رمي الجمار على الظهر أثر الزوال، وأنه ينفر من
مِنى قبل أداء صلاة الظهر. قال الحافظ: قوله: ((صَلَّى الظَّهْرَ))، لا ينافي أنه ◌َِلّ لم
يرم إلا بعد الزوال؛ لأنَّهُ رمى فنفر، فنزل المحصب، فصلى الظهر به. (ثُمَّ رَقَدَ
رَقْدَةً) أي: نام نومة خفيفة، وفي حَدِيثِ ابنِ عُمَر عند أحمد وأبي داود: ((ثُمَّ هَجَعَ
هَجْعَةً))، أي: اضطجع ونام يسيرًا. (بِالْمُحَصَّبِ) بضم الميم وفتح الحاء المهملة
وتشديد الصاد المهملة المفتوحة وفي آخره باء موحدة: مكان متسع بين مكة ومنى
سمي به لاجتماع الحصباء فيه بحمل السيل، فإنه موضع منهبط، قال في ((شرح
اللباب)): المحصب وهو الأبطح ويسمى الحصباء والبطحاء والخيف، قيل: هو
إلى منىٍ أقرب وليس بصحيح. والمعتمد: أنه بفناء مكة وحده على الصحيح ما بين
الجبل الَّذِي عند مقابر مكة، والجبل الَّذِي يقابله مصعدًا إلى جهة الأعلى في الشقِّ
الأيسر، وأنت ذاهب إلى منى مرتفعًا عن بطن الوادي، وليس المقبرة من
(٢٦٨٨) البُخَارِي (١٧٥٦)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٤٢٠٤) فِيهِ عَنْ أَنَسٍ .

٣٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المحصب .
وقال في ((المرقاة)): قوله: بِالْمُحَصَّبِ، تنازع في الجار والمجرور: صلى،
ورقد، وهو في الأصلِ: كل موضع كثر حصباؤه. والمراد: الشعب الَّذِي أحد
طرفيه منى والآخر متصل بالأبطح وينتهي عنده؛ ولذلك لم يفرق الراوي بينهما،
فروى في هَذَا الحديث أنه صلى بالمحصب، وفي حديثه الآخر: أَنَّهُ صَلَّى
بِالْأَبْطَحِ. ويقال له: البطحاء، وقال التُّورِبَشْتِي: قوله: ((بالمحصب))، متعلَّق بأوَّلِ
الحديثِ إلى قوله: ثُمَّ رَقَدَ كأنه قال: وذلك بالمحصب، والمعنى: أنه صلى
الصلوات الأربع بالمحصب، ثم رقد به رقدة، ثم ركب إلى البيت فطاف به، أي:
طواف الصدر، وهو طوف الوداع، والمراد من المحصب في هَذَا الحديث: هو
الأبطح الَّذِي في الحديث الَّذِي يليه، والمحصب: يصح أن يقال لكل موضع كثر
حصباؤه، والأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصى، وهذا الموضع المذكور في
الحديث تارة بالأبطح، والأخرى بالمحصب أوله منقطع الشعب من وادي منى
وآخره متصل بالمقبرة التي يسميه أهل مكة المعلى. انتهى. وهذا الحديث صريح
في أن أول صلاة صلاها رسول اللّه وَّ في المحصب صلاة الظهر، والمتبادر من
الحديث الآتي أنه العصر، فيقدم الصريح على الظاهر.
(ثُمَّ رَكِبَ) أي: من المحصب متوجهًا. (إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ) أي: طواف
الوداع، والحديث فيه دليل: على مشروعية النزول بالمحصب واستحبابه لمن لم
يكن متعجلاً، واختلفوا في أنه سنة أو منزل اتفاقي على القولين، وسيأتي تفصيل
الكلام فيه شرح حديث عائشة الآتي.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) وأخرجه أيضًا النسائي في ((الكبرى)) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص
١١٠).

٣٥٩
BE
بَابُ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
٢٦٨٩ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْع قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنٍ مَالِك،
قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنْ رَسُولَ اللّهِّ وَهِ: أَيْنَ صَلَّى الظَّهْرَ يَوْمَ
التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنَّى، قَالَ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ بَوْمَ الْنَّفْرِ؟ قَالَ: بِالْأَبَطَحِ، ثُمَّ
قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤَُ.
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٨٩ - قوله: (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْع) بضمِّ الراءِ وفتح الفاء مصغرًا،
الأسدي أبو عبد الله المكي نزيل الكوفة مَّن مشاهير التابعين وثقاتهم، قال
البخاري عن علي: له نحو ستين حديثًا، مات سنة ثلاثين ومائة. وقيل: بعدها
وليس لعبد العزيز بن رفيع عن أنسٍ في ((الصَّحِيحَيْن)) إلا هَذَا الحديث الواحد.
(قُلْتُ) بدل من ((سألت)) أو بيان. (عَقَلْتَهُ) بفتح القاف أي علمتِه وحفظته. وهي
جملة في محلِّ الجرِّ؛ لأنَّهَا وقعت صفة لقوله: ((شيء)). (أَيْنَ صَلَّى الظَّهْرَ) زاد في
رواية البخاري: ((وَالْعَصْرَ)). (يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) أي: اليوم الثامن من ذي الحجة، وقد
تقدَّم وجه تسميته بذلك. وقال الحافظ: سمي التروية بفتح المثناة وسكون الراء
وكسر الواو وتخفيف التحتانية؛ لأنهم كانوا يروون فيها إبلهم ويتروون من الماء؛
لأنَّ تلك الأماكن لم تكن إذ ذاك فيها آبار ولا عيون، وأما الآن، فقد كثرت جدًّا
واستغنوا عن حمل الماء، وقد روى الفاكهي في ((كتابٍ مكّة)) من طريق مجاهد
قال: قال عبدُ الله بن عمر: يا مجاهد إذا رأيتَ الماءَ بطريقٍ مَّة ورأيتَ البناءَ يَعْلُو
أخاشبها فخُذْ حذرَك، وفي رواية: فاعلمْ أنَّ الأمرَ قد أظلَّك.
وقيل في تسمية التروية أقوال أخرى شاذة؛ منها: أن آدم رأى فيه حواء واجتمع
بها. ومنها: أن إبراهيم رأى في ليلة أنه يذبح ابنه فأصبح متفكرًا يتروى. ومنها: أن
جبريل ◌ُالَّلا أرى فيه إبراهيم مناسك الحج. ومنها: أن الإمام يعلم الناس فيه
مناسك الحج، ووجه شذوذها أنه لو كان من الأول لكان يوم الرؤية، أو الثاني
(٢٦٨٩) الْبُخَارِي (١٦٥٣)، ومُسْلِم (١٣٠٩/٣٣٦)، وأَبُو دَاوُد (١٩١٢)، والتِّرْمِذي (٩٦٤)،
والشَّسَائِي (٢٤٩/٥) فِيهِ عَنْ أَنَسٍ .