Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
ixE
تقرَّر أيضًا في علم الأصول، أن جواب المسئول لمن سأله لا يعتبر فيه مفهوم
المخالفة؛ لأنَّ تخصيص المنطوق بالذكر لمطابقة الجواب للسؤال، فلم يتعين
كونه لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق.
وقال الشوكاني: وتعليق سؤال بعضهم بعدم الشعور لا يستلزم سؤال غيره به
حتى يقال: إنه يختصُّ الحكم بحالة عدم الشعور، ولا يجوز إطراحها بإلحاق
العمد بها، وبهذا يعلمُ أنَّ التعويل في التخصيص على وصف عدم الشعور المذكور
في سؤال بعض السائلين غير مفيد للمطلوب. انتهى بقدر الضرورة، وقد عرفت
مما قدمنا أن أحاديث الباب مخالفة للحنفية والمالكية في بعض الصور فاعتذروا
عن ذلك بوجوه؛ منها: أن معنى الحرج في هذه الأحاديث الإثم، وهو المنفي
ها هنا، قال الأبي في ((الإكمال)): قوله: ((لَا حَرَجَ)) محمول عندنا على نفي الإثم
فقط. انتهى. وبذلك جزم الطحاوي وغيره من الحنفية أن المنفي هو الإثم فقط
دون الفدية، وتعقبَّهُ الحافظُ في الفتح فقال: العجبُ ممن يحملُ قوله: ((وَلَا حَرَجَ))
على نفي الإِثم فقط، ثم يخص ذلكَ ببعضِ الأَمور دون بعضٍ، فإن كان الترتيب
واجبًا يجب بتر كه دم، فليكن في الجميع وإلا فما وجه تخصيص بعض دون بعض
مع تعميم الشارع الجميع بنفي الحرج. انتهى.
قلت: التعقُّب المذكورُ قوي متجه، وجوابه متعذّرٌ جدًّا، وقد اعترف بذلك
بعض الحنفية حيث قال: يلزم على ما قرَّرنا القول بوجوب الترتيب في الأعمال
الأربعة من الرمي والنحر والحلق والطواف، وكلام أصحابنا صريح في نفي
وجوبه مطلقًا في الطواف دون سائر الأعمال، ولم أجد إلى الآن مع البحثِ الشديدِ
في الفرق بين الطواف وبين الأفعال الثلاثة وجهًا شافيًا، ولعلَّ اللَّه يحدث بعد ذلك
أمرًا. انتهى.
وقد تعرَّض الزرقاني للجواب عن التعقُّب المذكور، فقال: إنَّ مالكًا خصَّ من
العموم تقديم الحلق على الرمي، فأوجب فيه الفدية لعلةٍ أخرى وهي: إلقاء التفث
قبل فعل شيء من التحلل، وقد أوجبَ اللهُ ورسوله الفدية على المريض، أو مَنْ
برأسه أذى إذا حلق قبل المحل مع جواز ذلك له؛ لضرورته، فكيف بالجاهل
والناسي؟ وخص منه أيضًا تقديم الإفاضة على الرمي؛ لئلا يكون وسيلة إلى النساء

٣٢١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
REXCEE
بَابٌ في التَّحَلَّلِ وَنَقْلِهِم بَعَض الأعْمَالِ عَلَى بَعْضٍ
والصيد قبل الرمي؛ ولأنَّه خلاف الواقع منه مِ ثله ولم يثبت عنده زيادة ذلك، فلا
يلزمه زيادة غيره، وهو أثبت الناس في ابنٍ شهابٍ، ومحل قبول زيادة الثقةِ ما لم
يكن من لم يزدها أوثق منه. وابنُ أبي حفصة الَّذِي روى ذلك عن ابنِ شهابٍ، وإن
كان صدوقًا وروى له الشيخان، لكنه يخطئ، بل ضعَّفه النسائيُّ، واختلف قول ابن
معين في تضعيفه، وكان يحيى بن سعيد يتكلم فيه. انتهى.
وحاصل هَذَا الجواب: أنَّ الْمَرَاد في أحاديث الباب بنفي الحرج هو نفي الإثم
فقط، وأما وجوب الدم في بعض الصور، فإنما أوجبه مالك أو غيره لدلائل
أخرى. قلتُ: لم يثبت بحديث مرفوع صحيح أو ضعيف وجوب الدم في شيء من
التقديم والتأخير، وأما ما يذكر فيه من قول ابن عباس أو غيره، فسيأتي الجواب
عنه، وزيادة الثقة مقبولة إذا لم يعارض لرواية من هو أوثق منه، ولا معارضة ها هنا
بين الروايات فيجب قبولها. وقال ابن دقيق العيد: من قال بوجوب الدم في العمد
والنسيان عند تقديم الحلق على الرمي؛ فإنه يحمل قوله فعلَّار: ((لَا حَرَجَ)). على
نفي الإثم ولا يلزم من نفي الإثم نفي وجوب الدم، وادعى بعض الشارحين: أنَّ
قولَهُ مَّ: ((لَا حَرَجَ)) ظاهر في أنَّهُ لا شيء عليه، وعنى بذلك نفي الإثم والدم معًا،
وفيما ادعاه من الظهور نظر، وقد ينازعه خصومه فيه بالنسبة إلى الاستعمال
العرفي، فإنه قد استعمل ((لَا حَرَجَ)) كثيرًا في نفي الإثم، وإن كان من حيثُ الوضع
اللغوي يقتضي نفي الضيق، نعم من أوجب الدم وحمل نفي الحرج على نفي الإثم
يشكل عليه تأخير بيان وجوب الدم، فإنَّ الحاجة تدعو إلى بيان هَذَا الحكم، فلا
يُؤخر عنها بيانه، ويمكنُ أن يقال: إن ترك ذكره في الرواية، لا يلزم منه ترك ذكره
في نفس الأمر. انتهى.
قلتُ: ذكر هَذَا الإشكال الحافظ أيضًا فقال: تُعُقِّبَ بأنَّ وجوب الفدية يحتاج
إلى دليل، ولو كان واجبًا لبينه وَلَّ حينئذٍ؛ لأنَّهُ وقت الحاجة ولا يجوز تأخيره،
وأجابَ العَيْنِي عن هَذَا التعقُّب فقال: لا ثَمَّ دليل أقوى من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْ
رُؤُوسَكُمْ خَّ بَلُغَ اَلْهَدْىُ عِلٌَّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وبه احتجَّ النخعيُّ فقال: فَمَنْ حَلَق قبلَ الذبح
أهراق دمًا. رواه ابنُ أبي شيبة عنه بسند صحيح. انتهى. وقد رد الحافظُ هَذَا
الاحتجاج بأنَّ المرادَ ببلوغ محله وصوله إلى الموضع الَّذِي يحل ذبحه فيه وقد
حصل، وإنما يتم ما أراد أن لو قال: ولا تحلقوا حتى تنحروا. انتهى.

٣٢٢
WEND BE
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*eeee
وقال ابن حزم: أما قولُ إبراهيم في أنَّ مَن حَلَق قبل الذبح والنحر؛ فعليه دم
واحتجاجه بقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ﴾ فغفلة منه؛ لأنَّ محلّ الهدي هو
يوم النحر بمنى ذبح أو نحر أو لم يذبح ولا نحر، إذا دخل يوم النحر والهدي بمنى
أو بمكة، فقد بلغ محله؛ فحل الحلق ولم يقل تعالى حتى تنحروا أو تذبحوا، وبين
رسول اللَّه وَسيل أن كلَّ ذلك مباح ولا حجة في قول أحد سواه ثُلِّلا. انتهى.
وأجاب عن هَذَا العَيْنِي بأنه ليس المراد الكلي مجرد البلوغ إلى المحل الَّذِي
يذبح فيه، بل المقصد الكلي الذبح؛ ولذا لو بلغ ولم يذبح يجب عليه الفدية.
انتھی .
وأجاب بعض الحنفية عن الإشكال المذكورِ بأنه قد يترك البيان في مثل تلك
الحالة؛ اعتمادًا على القواعد العامة المعلومة من الشرع، ويحسبُ أن فيها غنية عن
بيان المسألة في ذلك الوقت بخصوصه، قال: ونظيره ما رواه البخاري في
((صَحِيحِه)) من طريق هشام بن عروة عن فاطمة عن أسماء بنت أبي بكر قالت:
أفطرنا على عهدِ النبيِّ وَّهُ يومَ غيمٍ، ثم طلعت الشمسُ، قيل لهشام: فَأُمِرُوا
بالقَضَاءِ؟ قال: لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ. وقالٌّ معمر: سمعتُ هشامًا يقولُ: لا أدِرِّي أقضوا
أم لا .
قال الحافظ: جزم هشام بالقضاء محمول على أنه استند فيه إلى دليل آخر، وأما
حديث أسماء، فلا يحفظ فيه إثبات القضاء ولا نفيه. انتهى. قال هَذَا البعض:
فالقضاء واجب في تلك الصورة عند جمهور الأمة، ولكن لم يبينه وَّ في ذلك
الوقت مع احتياج الناس إليه، ولو بيّنَهُ لنقل إلينا، وهكذا هو في حديث الباب.
قلتُ: لم يعرف عن النَّبِي ◌َّ قبل ذلك بيان قاعدة عامة أو خاصة تدل على وجوب
الدم في مثل تلك الحالة، وتغني عن البيان في ذلك الوقت، أي: في ابْتِدَاء
الإسلام حينما كان الناس محتاجين إلى تقرير قواعد الحج، فسكوته وَاللّ عن البيان
حين ذاك دليل على عدم وجوب الفدية على من خالف الترتيب، وأما تنظير ذلك بما
رواه البخاري من حديث أسماء، فليس في محله، فإنه ليس فيه إثبات قضاء الصوم
ولا نفيه، وإنما رجَّح الجمهورُ إيجاب القضاء فيه؛ خلافًا لمجاهد والحسن
وإسحاق وأحمد في رواية وَابْن خزيمة بأنه لو غم هلال رمضان، فأصبحوا

٣٢٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابْ في التَّحَلَّلِ وَنَقْلِهِم بَعَض الأَعْمَالِ عَلَى بَعْضٍ
مُفطرين، ثم تبين أن ذلك اليوم من رمضانَ؛ فالقضاءُ واجبٌ بالاتفاقِ، فكذلك
هذا، وأما ما نحن فيه، فقد بيَّن النبيُّ ◌َ حُكمَ ذلك بقوله: (لَا حَرَجَ)) وهو يدلُّ
دلالة لا لبس فيها على أن من قدَّم أو أخَّر لا شيء عليه من إثمٍ ولا فديةٍ؛ لأنَّهُ نكرة
في سياقٍ النفي ركبت مع، لا فبقيت على الفتح والنكرة، إذًا كانت كذلك، فهي
صريح في العموم، فالأحاديثُ إذًا نص صريح في عموم النفي لجميع أنواع الحرج
من إثم وفدية .
قلت: واستدل بعضهم على كون المراد بنفي الحرج في الحديث نفي الإثم فقط
لا غيره، بما وقع في حديث أسامة بن شريك الآتي من الاستثناء بقوله: ((إلا على
رجل اقترضَ عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الَّذِي حرج وهلك)) قالوا: فيه
دلالة ظاهرة على أن الحرجَ المنفي في الحديثِ هو الإثم والفساد فقط، لا الفدية
ونحوها .
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن هَذَا الاستدلال إنما يتم إذا كان الاستثناء في هَذَا
الحديث متصلًا، وأما إذا كان منقطعًا فلا، كما لا يخفى فافهم واحتجَّ بعضُهم
لذلكَ أيضًا بأنَّ ابنَ عباسٍ روى مثل حديث عبد الله بن عمرو كما سيأتي، وأوجبَ
الدم، فقد روى الطحاوي بسندِهِ عنه أنه قال: ((من قدم شيئًا من حجَّه أو أخره؛
فليهرق لذلك دمًّا))، فلولا أنه فهم أنَّ الْمَرَاد بنفي الحرج نفي الإثم فقط دون الفدية
لما أمر بخلافه، وفيه: أنه قد روى عَنِ ابْن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ما يعارضه، فقد روى
البيهقي (ج٥: ص ١٤٣) عن أبي الحسن العلوي عن عبد الله بن محمد بن شعيب
البزمهراني عن أحمد بن حفص بن عبد الله عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عن خالد
الحذاء عن عِكْرِمَة عَنِ ابْن عَبَّاسٍ أنه قال: سأل رجلٌ رسولَ اللهِ وَال ... الحديث،
وفيه: فما عَلِمْتُهُ سُئِلَ عن شيءٍ يومئذٍ إلَّا أنَّهُ قالَ: (لَا حَرَجَ)) ولم يأمرْ بشيءٍ من
الكَفَّارَةِ. قال البيهقي: هَذَا إسنادٌ صحيحٌ.
وروى البيهقي أيضًا (ج٥ ص ١٤٣، ١٤٤) بسنده عَنِ ابْن عَبَّاسٍ قال: قال
النبيُّ وَّهَ: ((مَنْ قَدَّمَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ أَخَّرَ؛ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ)). قال الشيخ محمد عابد
السندي في ((المواهب اللطيفة)) بعد ذكره: هَذَا مرفوع مقدم على موقوفه. انتهى.
وأجابَ ابنُ التركماني عن الرواية الأولى بأن الزيادة المذكورة وهي قوله: ((ولم

EBINE
٣٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يأمرْ بشيءٍ منَ الكَفَّارَةِ)). غريبة جدًّا لم أجدها في شيء من الكتب المتداولة بين
أهل العلم وشيخ البيهقي وشيخ شيخه لم أعرف حالهما بعد الكشف والتتبع إلى
آخر ما قال.
وأجاب بعضهم عن الرواية الثانية بأنه أي شيء يزيد فيه على حديثه المرفوع
الَّذِي سيأتي بلفظ ((لا حرجَ؟)) فقوله: ((لَا شَيْءَ عَلَيْهِ)) أيضًا يحمل على ما حملنا عليه
قوله: ((لَا حَرَجَ)) أي: لا شيءَ عليه من الإثم وإعادة فعل فعله على غير الترتيب.
قال: والظاهرُ أن حديث البيهقي مختصر من حديث الباب، قد اختصره بعض
الرواة ورواه بالمعنى. انتهى.
ومن الوجوه التي اعتذروا بها عن أحاديث الباب أن فتوى الراوي إذا كان مخالفًا
لروايته يعمل بفتواه، وهذا ابن عباس الراوي لحديث الباب قد أفتى بوجوب الدم
كما تقدم، وتعقب بأن الطريق بذلك إلى ابن عباس فيها ضعف، وأيضًا قد روي عنه
ما يعارض فتواه صريحًا كما تقدم أيضًا، وأيضًا قد روى البيهقي بسنده عن مقاتل :
أنهم سألوا أنسَ بنَ مالِك عن قوم حَلَقُوا من قبل أن يَذْبَحُوا، قال: أخطأتم السنةَ
ولا شيءَ عَلَيْكم. وهذا كما ترَّى مخالف لفتوى ابن عباس وموافق لحديثه
المرفوع، وأيضًا نحن متعبدون بما بلغ إلينا من الحديث ولم نتعبد برأي الراوي أو
بما فهمه كما بسطه ابن القيم في ((الإِعلام)) والعلامة القنوجي في ((حصول
المأمول)».
ومنها: أن أحاديث الباب معارضة لدلالة آية الأذى، فإن الله تعالى، إذ أوجب
الفدية لعذر الأذى، فكيف بدون العذر. قال ابن رشد في ((البداية)): وعمدة مالك
أن رسول اللَّه وَ ل الحكم على من حلق قبل محله من ضرورة بالفدية، فكيف من غير
ضرورة. انتهى. وتعقبَّه ابنُ الهمام فقال: أما الاستدلال بدلالة قوله تعالى: ﴿فَن
كَانَ مِنكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِ أَذَى مِّن رَأْسِهِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، فإن إيجاب الفدية للحلق قبل
أوانه حالة العذر يوجب الجزاء مع عدم العذر بطريق أولى، فمتوقف على أن ذلك
التأقيت الصادر عنه وَله بالقول كان لتعيينه لا لاستنانه. انتهى.
وأما ما قال مالك في باب الحلاق من ((موطئه)): الأمرُ الَّذِي لا اختلافَ فيه
عندنا أن أحدًا لا يحلق رأسه ولا يأخذ من شعره حتى ينحر هديًا إن كان معه ولا

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابٌ في التَّحَلَّلِ وَنَقْلِهِم بَعَض الأَعْمَالِ عَلَى بَعْضٍ
٣٢٥
يحل من شيء حرم عليه حتى يحل بمنى يوم النحر، ذلك أن الله تعالى قالَ: ﴿وَلَ
تَحِلِّقُواْ رُءُوسَكُمْ خَّى بَْغَ الْهَدْىُ مَحِلٌَّ﴾ [البقرة: ١٩٦] فهو محمولٌ على كراهة التنزيه والسنة
والاستحباب على ما هو المشهور من مذهب مالك.
ومنها: ما قال ابن الهمام أن قول القائل: ((لم أشعر)) ففعلت ما يفيدُ أنه ظهر له
بعد فعله أنه ممنوع من ذلك، فلذا قدَّم اعتذاره على سؤالهِ، وإلا لم يسأل أو لِم
يعتذر، لكن قد يقالُ: يحتملُ أن الَّذِي ظهرَ له مخالفة ترتيبه لترتيب رسول الله
وَله، فظنَّ أن ذلك الترتيب متعيَّن، فقدم ذلك الاعتذار وسأل عما يلزمه به فبين -
عليه الصلاة والسلام - في الجواب عدم تعينه عليه بنفي الحرج، وأن ذلك الترتيب
مسنون لا واجب، والحقُّ أنه يحتمل أنْ يَكُون كذلك، وأن يكون الَّذِي ظهر له كان
هو الواقع إلا أنه وُّ عذرهم للجهل وأمرهم أن يتعلموا مناسكهم، وإنما عذرهم
بالجهل؛ لأن الحال إذ ذاك كان في ابتدائه، وإذا احتمل كُلَّا منهما؛ فالاحتياط
اعتبار التعيين والأخذ به واجب في مقام الاضطراب. انتهى.
ومنها: أن قوله: ((وَلَا حَرَجَ)) يحتملُ أن يراد به نفي الإثم والفدية معًا عن هؤلاء
السائلين الَّذِين جهلوا الحكم الشرعي بأعيانهم؛ لكون الجهل عذرًا مقبولًا في
حقهم إذ ذاك، وإن لم يكن عذر اليوم لشيوع الأحكام الشرعية وقدم العهد بها،
روى الطحاوى عن أبي سعيد الخدري قال: سُئِل رسولُ اللهِوَّه وهو بين الجمرتَيْن
عن رجلٍ حَلَق قبلَ أنْ يرمي؟ قال: ((لَا حَرَجَ))، وعن رجلٍ ذَبَح قبلَ أن يرمي؟ قال:
(لَا حَرَجَ))، ثم قال: ((عِبَادَ اللَّهِ! وَضَعَ اللهُ رَّتِ الصِّيقَ وَالْحَرَجَ، وَتَعَلَّمُوا مَنَاسِكَكُمْ،
فَإِنَّهَا مِنْ دِينِكُمْ)).
قال العَيْنِي: فدلَّ ذلك على أن الحرج الَّذِي رفعه الله عنهم؛ إنما كان لجهلهم
بأمر المناسك لا لغير ذلك، وذلك؛ لأن السائلين كانوا أناسًا أعرابًا لا علم لهم
بالمناسك، فأجابهم رسول اللَّه ◌َ له بقوله: ((لا حرج)) يعني فيما فعلتم بالجهل لا أنه
أباح لهم ذلك فيما بعد. انتهى.
وقال الطحاوي بعد رواية الحديث: أفلا ترى أنه أمرهم بتعلم مناسكهم؛ لأنهم
كانوا لا يحسنونها، فدلَّ ذلك أن الحرج والضيق الَّذِي رفعَهُ اللهُ عنهم هو لجهلهم
بأمر مناسكهم لا لغير ذلك، وفيه: أن حاصل هَذَا الاعتذار أن رفع الإثم والفدية

٣٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
*
عن السائلين الأعراب؛ كان لجهلهم ويرجع ذلك إلى أنْ يَكُون الحكم المذكور
خاصًّا بهم، ولا يخفى ما فيه.
ومنها: ما تقدم في كلام الباجي وَابْن التين أن ذلك لا يقتضي رفع الحرج في
تقديم شيء ولا تأخيره غير المسألتين المنصوص عليهما يعني المذكورتين في رواية
مالِكِ؛ لأنا لا ندري عن أي شيءٍ غيرهما سُئل في ذلك اليوم، وجوابه إنما كان عن
سؤال السائل فلا يدخل فيه غيره. انتهى.
وتعقبَّهُ الحافظُ فقال: كأنه غَفَل عن قوله في بقية الحديث: ((فَمَا سُئِل عنْ شيءٍ
قُدِّم وَلَا أُخِّر)). وكأنه حمل ما أبهم فيه على ما ذكر، لكن قوله في رواية ابن جريج
وأشباه ذلك يرد عليه وتقدم فيما حررناه من مجموع الأحاديث عدة صور. انتهى.
وأجاب عنه الزرقاني بأن مالكًا أوجبَ الدم في تقديم الإفاضة على الرمي؛ لأنَّهُ
لم يقع في رِوَايَتِه حديث الباب ولا يلزم بزيادة غيره؛ لأنَّهُ أثبت الناس في ابن
شهاب، وأوجب الفدية في تقديم الحلق على الرمي؛ لوقوعه قبل شيء من
التحلل. انتهى. وفيه: أن الإمام مالكًا معذور؛ لكونه لم يبلغه ما وقع عند غيره من
أصحاب الزهري، وأما المالكية ومن وافقهم، فلا عذر لهم في ترك القول والعمل
بما رواه غيره من الرواة الثقات الأثبات عن الزهري زيادة على رواية مالك، وأما ما
ذكر من التعليل لإيجاب الدم في تقديم الحلق على الرمي، فهو مما لا يلتفت إليه
بعد وروده نصًّا في الحديث؛ لكونه في مقابلة النص، وأيضًا إذا كانَ الحلق نسكًا
كان هو من أسباب التحلل.
(مُتَّفَقْ عَلَيْهِ) أخرجَهُ البخاريُّ في العلمِ والحجِّ والنذورِ ومُسْلِمٍ فِي الحجِّ بألفاظٍ
مختلفة المذكور ها هنا أحدها، وأخرجَهُ أيضًا أحمد (ج٢: ص ١٦٠، ١٩٢،
٢٠٢، ٢١٠) ومالك والترمذي وأبو دَاوُد والنَّسَائِي وَابْن ماجه والطحاوي وَابْن
الجارود (ص١٧٤، ١٧٥) والدارمي والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٤١، ١٤٢). (وَفِي
رِوَايَةٍ لِمُسْلِم) رواها من طريق محمد بن أبي حفصة عن الزهري، وكذا أخرجه من
طريقه أحمدَّ (ج٢: ص ٢١٠) وَابْن أبي حفصة هَذَا من رِجَال الصَّحِيحين ومن
أصحاب الزهري المشهورين، وثَّقَّهُ ابنُ معينٍ وأبو داود، وقال علي بن المديني :
ليس به بأس، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يخطئ. وقال النسائي:
ضعيف، وهذا جرح مُبهم على أنَّ النسائي متعنِّت، فلا يلتفت إلى تضعيفه.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابْ في التَّحَلَّلِ وَنَقْلِهِم بَعَض الأَعْمَالِ عَلَى بَعْضٍ
٣٢٧
(أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمٍ وَلَا حَرَجَ، وَأَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ:
أَفَضْتُ إِلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْم وَلَا حَرَجَ). قد تقدَّم أن الترتيبَ بين الرمي
والذبح والحلق للقارن والمتمتع، وبين الرمي والحلق للمفرد؛ واجبٌ عند
الحنفية، وأما الترتيبُ بين الرمي والطواف وبين الحلق والطواف؛ فليس بواجبٍ
عندهم، ففرَّقُوا بين الطواف وبين الأشياء الثلاثة في ذلك مع أنه وقع في جملة
الروايات السؤال عن جميع هذه الصور، وورد الجواب في كلها بلفظ: (لَا حَرَجَ))
وقد تقدم ما قال بعضُهم: إنه لم يجد مع البحث الشديد للفرق بين الطواف وبين
الأفعال الثلاثة وجهًا شافيًا، ورواية مسلم هذه صريحة في الردِّ على المالكية؛ إذ
نفى فيها الحرج في تقديم الحلق والإِفاضة على الرمي، وقد سبق ما أجابَ به
الزرقاني عنها.
٢٦٨٠ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َه يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ
بِمِنَّى، فَيَقُولُ: ((لَا حَرَجَ))، فَسَأَلَهُ رَجُلٌّ، فَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ، فَقَالَ:
((لَا حَرَجَ)).
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٦٨٠ - قوله: (كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنَى) أي: عن التقديم
والتأخير. (فَيَقُولُ: لَا حَرَجَ، فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ؟ فَقَالَ: لَا
حَرَجَ) قد تقدَّم في شرحِ حديثٍ عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال الحافظ بعد
ذكر رواية ابن عباس هذه: إنها تدلَّ على أن هذه القصةَ كانت بعد الزوالِ؛ لأن
المساء يطلق على ما بعد الزوال، وكأنَّ السائل علم أن السنة للحاج أن يرمي
الجمرة أول ما يقدم ضحى، فلما أخرَّها إلى بعد الزوال سأل عن ذلك. انتهى.
وقال الشوكاني: قوله: (رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ؟) فيه دليلٌ على أنَّ مَن رمى بعد
دخول وقت المساء وهو الزوال؛ صحَّ رَمْيُه ولا حرجَ عليه في ذلك. قلتُ: وقد
(٢٦٨٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٧٣٥)، ومُسْلم (١٣٠٧) اللفظ للبخاري عَنْهُ فِيهِ.

٣٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
تقدَّم في شرح حديث ابن عباس في الفصل الثاني من باب الدفع من عرفة أنهم
اختلفوا فيمن فاته يوم النحر ولم يرم الجمرة حتى غربت الشمس، فمن قائل:
يرميها ليلًا وهو أبو حنيفة ومالك ومن وافقهما. ومن قائل: لا يرميها ليلًا، ولكن
يؤخر رميها حتى تزول الشمس من الغدٍ وهو الإمام أحمد، ومن ذهب إلى جواز
الرمي ليلًا؛ استدل بحديث ابن عباس هذا، قال: لأنَّ اسم المساء يصدق بجزءٍ من
الليلِ، بل قال بعضُهُم: المساء من بعد الغروب.
قال القاري: قوله: ((أمسيت))، ضد: أصبحت، على ما في ((القاموس))،
فظاهره أنه بعد الغروب، وأجابَ الَّذِين ذهبوا إلى عدم جواز الرمي ليلاً بأن قوله:
((يومَ النحرِ))، في هَذَا الحديث يدلُّ على أن السؤالَ وقعَ في النهارِ، والرمي بعد
الإمساء وقع في النهار؛ لأنَّ المساء يطلق لغة على ما بعد وقت الظهر إلى الليل،
قالوا: فالحديثُ صريحٌ في أنَّ المرادَ بالإمساءِ فيه آخر النهار بعد الزوال لا الليل
وإذن، فلا حجة فيه الرمي لياًا.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في بابِ الذبحِ قبلَ الحلق من طريق عبد الأعلى عن خالدٍ
الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس. وفي باب: ((إذا رمَى بعدَ مَا أَمْسَى)). من
طريق يزيد بن زريع عن خالد عن عكرمة، وكذا رواه أبُو دَاوُد والنَّسَائِي وَابْن ماجه
والدار قطني والطحاوي والْبَيْهَقِي (ج ٥ : ص ١٤٣) وزاد البيهقي في روايته: ((ولمْ
يَأْمُرْ بشيءٍ منَ الكَفَّارَةِ)). وقد ذكرناها قبل ذلك مع ما أجاب به عنها ابن
التركماني؛ ولحديث ابن عباس في السؤال عن التقديم والتأخير طرق وألفاظ عند
الشيخين، من شاءَ الوقوف عليها رجع إلى ((جامع الأصول)) (ج٤: ص ١١٠،
١١١) وقد أخرجه أيضًا الدار قطني وأحمد بألفاظ مختلفة مختصرًا ومطولًا (ج١:
ص ٢١٦، ٢٥٨، ٢٦٩، ٢٩١، ٣٠٠، ٣١١، ٣١٦).

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابٌ في التَّحَلَّلِ وَنَقْلِهِم بَعَض الأَعْمَالِ عَلَى بَعْضٍ
٣٢٩
الفصل الثاني
٢٦٨١ - [٣] عَنْ عَلِيِّ، قَالَ: أَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَارَسُولَ اللهِ! إِنِّي
أَفَضْتُ قَبْلَ أَنْ أَحْلِقَ؟ قَالَ: ((احْلِقْ أَو قَصِّرْ وَلَا حَرَجَ))، وَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ:
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ((ارْمٍ وَلَا حَرَجَ)).
الشرح
٢٦٨١ - قوله: (أَنَاهُ) أي: النبيَّ ◌َله. (إِنِّي أَفَضْتُ) أي: طفت طواف
الإفاضة. (قَبْلَ أَنْ أَحْلِقَ؟ قالَ: احْلِقْ أَوْ قَصِّرْ) ((أو)): للتخيير. (وَلَا حَرَجَ) أي: لا
إِثَمَ ولا فدية. (وَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ارْمٍ وَلَا حَرَجَ). قال
القاري: أي: لا إثمَ ولا فدية على المُفْرِدٍ، وأما القَارِن والمتمتِّع، فليسَ عليهما
الإِثم إذا لم يكن عن عمدٍ، لكن عليهما الكفارة. انتهى.
قلت: إنما فسَّر القاري بذلك؛ لأنَّهُ لا ذبح على المفردِ ولا يجب الترتيب عليه
عند الحنفية إلا في الرمي والحلق فقط، وأما القارن والمتمتع، فيجبُ عليهما
الترتيب في الرمي والذبح والحلق. قال الخطابي: وتأول بعضُ من ذهب إلى هَذَا
القول - أي: وجوب الدم في التقديم والتأخير - من أصحاب الرأي قوله: ((ارْم وَلَا
حَرَجَ)) على أنَّه أراد رفع الحرج في الإثم دون الفدية، قال: وقد يجوزُ أن يكونَ هَذَا
السائل مفردًا، فلا يلزمه دم، وإذا كان متطوعًا بالدم لم يلزمه في تقديمه وتأخيره
شيء. قلتُ - قائله الخطابي: قوله: ((لَا حَرَجَ)) ينتظمُ الأمرين جميعًا: الإثم،
والفدية؛ لأنَّهُ كلام عام، وكان أصحابُ رسولِ اللَّه ◌َلّل: إما متمتعين، أو قارنين؛
على ما دلَّت عليه الأَخْبَارُ، والدمُ على القارنِ والمتمتع واجبٌ، على أنَّ السائل عن
هَذَا الحكم لم يكن - رجلًا واحدًا فقط، إنما كانواَ جماعة، ألا تراه يقول - في
حديث أسامة بن شريك: فمنْ قائل: ((أَخَّرْتُ شَيْئًا أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا)). وهؤلاء لا يتفق
أن يكونوا كلهم مفردين، فكان هَذَا الاعتراض غير لازم. انتهى.
(٢٦٨١) رَوَاهُ التِّرْمِذِي (٨٨٥) عَنْهُ فِيهِ.

٣٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في حديث طويل في صفة الحج في باب: ((أنَّ عرفةَ كُلَّها
مَوْقِفٌ)). وأشار إليه في باب: ((مَن حَلَق قبلَ أنْ يَذْبَحَ أَوْ نَحَر قَبْلَ أَنْ يَرْمِي)). حيث
قال بعد إيراد حديث عبد الله بن عمرو: ((وفي الباب عن عليّ ... )) إلخ.
والحديثُ قد صحَّحه الترمذي، ورواه أيضًا الطحاوي (ج١: ص ٤٢٣) بهذا اللفظ
وأحمد (ج١ : ص ٧٥، ٧٦) باختلافٍ يسيرٍ، ورواه عبد الله بن أحمد من غير طريق
أبيه (ج١ : ص ٧٦): ثُمَّ أتاهُ رجلٌ فقالَ: إني رميتُ الجمرةَ وأفضتُ ولبستُ ولمْ
أحلقْ قال: ((فَلَا حَرَجَ فَاحْلِقْ))، ثم أتاه رجلٌ آخر فقال: إني رميتُ وحَلَقْتُ ولبستُ
ولم أَنحر؟ فقال: (لَا حَرَجَ فَانْحَرْ))، وهكذا أخرجَهُ الطحاوي أيضًا (ج١ : ص
٤٢٤) .
الفصل الثالث
٢٦٨٢ - [٤] عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيِكِ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ
حَاجًا، فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ فَمِنْ قَائِلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ؟ أَوْ
أَخَّرْتُ شَيْئًا؟ أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا؟ فَكَأَنَ يَقُولُ: ((لَا حَرَجَ إِلَّا عَلَى رَجُلِ اقْتَرَضَ
[رَوَاهُ أَبُو دَاوِدَ]
عِرْضَ مُسْلِمٍ، وَهُوَ ظَالِمُ؛ فَذَلِكَ الَّذِي حَرِجَ، وَهَلَكَ)).
الشرح
٢٦٨٢ - قوله: (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيك) الثعلبي، بالمثلثة والمهملة من بني
ثعلبة بن سعدٍ، وقيل: من ثعلبة بن يربوع، وقيل: من ثعلبة بن بكر بن وائل،
والأول أصحُّ، صحابي عداده في أهل الكوفة، روى عنه زياد بن علاقة وعلي بن
الأقمر، وقال الأزدي وسعيد بن السكن والْحَاكِم وغَيْرهم: لم يرو عنه غير زياد،
وقال الحافظ في ((التقريبٍ)): تفرَّد بالرواية عنه زياد بن عِلاقة على الصحيح. قال
الخزرجي: له ثمانية أحاديث. (خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَلِ حَاجًا) أي: مريدًا
(٢٦٨٢) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (٢٠١٥) فيه رَضِ لْنَهُ.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابْ في التّحَلْلِ وَنَقْلِهِم بَعَض الأَعْمَالِ عَلَى بَعْض
RSIME
٣٣١
للحج. (سَعَيْتُ) أي: للحجِّ عقيب الإحرام بعد طواف قدوم الآفاقي أو طواف نفل
للمكي. (قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ؟) أي: طواف الإفاضة. قال القاري: وهو بظاهره يشمل
الآفاقي والمكي وهو مذهبنا على اختلاف في أفضلية التقديم والتأخير؛ خلافًا
للشافعي حيث قيده بالآفاقي. (أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا؟ أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا؟) أي: في أفعالِ أيَّام
منی .
(فَكَانَ يَقُولُ: لَا حَرَجَ) كذا في جميع نسخ ((المشكاة)) وهكذا ذكره الجزري في
((جامع الأصول))، والذي في ((سُنَن أبي داود)) ((لَا حَرَجَ، لَا حَرَجَ)) أي: مرتين.
قال القاري: أي: لا إثم. (إِلَّا عَلَى رَجُلٍ) قال القاري: الاستثناء يؤيد أن معنى
الحرج هو الإثم، وقد تقدَّم الكلامُ على هذا، وعلى مسألة تقديم السعي على
الطواف.
(اقْتَرَضَ) بالقاف والضاد المعجمة، أي: اقتطع افتعال من القرض، وهو
القطع، وسمي المقراض؛ لأنَّهُ يقطع، وقرض الفأر: قطع.
(عِرْضَ مُسْلِم) كذا في جميع النسخ، والذي في ((سنن أبي داود)) ((عِرْضَ رَجُلٍ
مُسْلِم)) والعرضَّ بكسر العين المهملة وسكون الراء، يعني: نال منه وعابَهُ وقطعه
بِالْغِيَّةِ ونحوها.
(وَهُوَ) أي: والحال أن ذلك الرجل. (ظَالِمٌ) فيخرج جرح الرواة والشهود، فإنه
مباح.
(فَذَلِكَ الَّذِي) أي: الرجل الموصوف. (حَرِجَ) بكسر الراء أي: وقع منه حرج.
(وَهَلَكَ) أي: بالإِثم، والعطف تفسيري.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) وسكت عنه هو والمُنْذِري وأخرجه أيضًا الطحاوي (ج١ : ص
٢٢٣، ٢٢٤) والدار قطني (ص٢٦٨) والْبَيْهَقِي (ج٥: ص ١٤٦).

٣٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٠ - بَابُ خُطْبَةٍ يَوْمِ النَّخرِ،
وَرَفي أيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
(بَابُ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ) بضمِّ الخاءِ المعجمة، مصدر خطب يخطب خطابة
وخطبة، أي: وعظَ، ويطلقُ على الكلام الَّذِي يخطب به، كذا في ((القاموس)).
وفي عرف الشرع: عبارة عن كلام يشتمل على الذكر والتشهد والصلاة والوعظ.
(وَرَمْي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ) عطف على خُطبة، وأيام التشريق: هي ثلاثة أيام بعد يوم
النحر، أولها اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، وسُميت هذه الأيام أيام التشريق؛
لكثرةٍ تشريق اللحم في الشمس فيها بعد تقطيعه وتقديده؛ وقيل: لأنَّ الهدايا
والضحايا تقع فيها، وابتداؤها من يوم النحر بعد شروق الشمس، فانسحبَ عليها
اسم التشريق. وهذا القولُ اختاره أبو عبيد القاسم بن سلام. واليوم الأول من هذه
الأيام الثلاثة يقالُ له: يوم القر؛ لأنَّ الناس يستقرون فيه بمنى، وسمي يوم الرؤوس
أيضًا؛ لأن الناس يأكلون فيه رؤوس ذبائحهم يوم النحر. واليوم الثاني سمي يوم
النفر الأول ويقال له: يوم الأكارع. واليوم الثالث يقال له: يوم النفر الآخر؛ ذكره
الطبري .
وقال الجزري: وإنما سُميت بذلك؛ لأنهم كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحي،
أي: يقطعونها ويقددونها، وتشريق اللحم: تقديده، وقيل: سميت بذلك؛
لقولهم: ((أشرق ثبير كيما نغير)). وقيل: سميت بذلك؛ لأن الهدي لا يذبح ولا
ينحر حتى تشرق الشمس. انتهى.
وفي ((اللسان)): لأن لحم الأضاحي يشرق فيها للشمس. (وَالتَّوْدِيع) عطف على
رمي أو خطبة، قال في ((القاموس)): ودعه كوضعه وودّعه - بتشديد الدال -
بمعنى: والاسم الوداع، يقال: ودع المسافر القوم وودعهم أي: خلفهم خافضین،
وقال في ((العناية)): الوداع - بفتح الواو: اسم للتوديع كسلام وكلام.

٣٣٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمْي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
الفصل الأول
٢٦٨٣ - [١] عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَو ◌ْتَهُ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ◌َّهِ يَوْمَ النَّحْرِ
قَالَ: ((إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، السَّنَّةُ
اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ،
وَالْمُحَرَّعُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ))، وَقَالَ: ((أَيُّ شَهْرِ هَذَا؟))
قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ:
((أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةَ؟)) قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: ((أَُّ بَلَدٍ هَذَا؟)) قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ
أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: ((أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟))، قُلْنَا:
بَلَى، قَالَ: ((فَأَتُّ يَوْمِ هَذَا؟))، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ
سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: ((أَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟)) قُلْنَا: بلى، قَالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ
وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي
شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي
ضُلَّالًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟))، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ:
((اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلَّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبُّ، فَرُبَّ مُبَلَّغ أَوْعَى مِنْ سَامِعِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٦٨٣ - قوله: (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ) الثقفي الصحابي اسمه نفيع بن الحارث.
(خَطَبَنَا النَّبِيُّ ◌َهِ يَوْمَ الَّحْرِ) فيه دليلٌ على مشروعيةِ الخطبةِ يومَ النحرِ ، ويدلُّ عليه
أيضًا حَدِيث ابنِ عُمَر عند البخاري قال: وقفَ رسولُ اللهِ وَهُ يومَ النحرِ بينَ
الجمرات في حجَّةِ الوداعِ، فقال: ((أَيُّ يَوْم هَذَا)) الحديث، وحديث ابن عباس عند
(٢٦٨٣) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي بَكْرَةَ؛ البُخَارِي (١٠٥) (١٧٤١) (٤٤٠٦) (٥٥٥٠) (٧٤٤٧) فِي الْعِلْمِ
وَالحَجِّ وَالتَّفْسِيرِ وَغَيْرِهَا، مُسْلِم (٢٩ - ١٦٧٩/٣١) فِي الدِّيَّاتِ، والنَّسَائِي في الكُبرى (٤٠٩٣)
فِي الحَجِّ.

٣٣٤
eser
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
البخاري وغيره: أنَّ رسولَ اللهِ وَّخطبَ الناسَ يومَ النحرِ فقال: ((يا أيها الناسُ أي
يوم هذا؟)) وحديثُ جابرٍ عندَ أحمد، قال: خَطَبَنا رسولُ اللهِ وَ له يومَ النحرِ فقال:
((أَُّ يَوْمٍ أَعْظَمُ حُرْمَةً؟)) وحديثُ الهرماسِ بن زياد الباهلي قال: رأيتُ رسولَ اللهِ
وَلَه يخطِّبُ الناسَ على ناقتِهِ العضباء يومَ الأضحى بمنَّى. أخرجه أحمد (ج٣: ص
٤٨٥، وج ٥: ص ٧) وأبو داود. وحديثُ أبي أمامة عندَ أبي داوُدَ قال: سمعتُ
خطبةَ النبيِّ ◌ََّ بِمِنَّى يومَ النحرِ، وحديثِ رافع بن عمرو المزني الآتي في الفصل
الثاني من هَذَا الباب قال: رأيتُ رسولَ اللَّه ◌َلَه في حجَّة الوداعِ يومَ النحرِ يخطبُ
على بغلةٍ شهباء، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه شهدَ النبيَّ وَلَ يخطبُ
يومَ النحرِ، فقامَ إليه رجلٌ - الحديث. أخرجَهُ الشيخان وغَيْرهما.
وهذه الأحاديثُ نص في مشروعيةِ الخطبةِ في يوم النحر، وهي تردُ على مَن زَعَم
أن يوم النحر لا خُطبة فيه للحاج، وأنَّ المذكورَ في أحاديث الباب؛ إنما هو من
قُبيل الوصايا العامة، لا أنه خطبة من شعار الحج. ووجه الردِّ: أنَّ الرواةَ سموها
خطبةَ كما سموا التي وقعت بعرفاتٍ خطبة، وقد اتفق على مشروعية الخطبة
بعرفات، ولا دليلَ على ذلك إلا ما روي عنه وَلَه أنه خطبَ بعرفاتٍ، والقائلون
بعدم مشروعية الخطبة يوم النحر: هم المالكية والحنفية، وقالوا: خطب الحج
ثلاث: سابع ذي الحجة، ويوم عرفة، وثاني يوم النحرِ، ووافقهم الشافعيةُ إلا أنَّهم
قالوا بدل ثاني النحر: ثالثه، وزادوا خطبة رابعة، وهي يوم النحر.
قال الإمام الشافعي: وبالناسِ إليها حاجة؛ ليتعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمي
والذبح والحلق والطواف. وتعقبَّهُ الطحاوي بأنَّ الخطبة المذكورة ليست من
متعلقات الحج؛ لأنَّهُ لم يذكر فيها شيئًا من أعمال الحج وإنما ذكر فيها وصايا
عامة، قال: ولم ينقل أحد أنه علمهم فيها شيئًا مما يتعلَّق بالحجِّ يوم النحر، فعرفنا
أنها لم تقصد لأجل الحجِّ. وقال ابنُ القصار: إنما فعلَ ذلك من أجلٍ تبليغ ما
ذكره؛ لكثرة الجمع الَّذِي اجتمعٍ من أقاصي الدنيا، فظن الَّذِي رآه أنه خطب،
قال: وأما ما ذكرَهُ الشافعيُّ أنَّ بالناسِ حاجة إلى تعليمهم أسباب التحلل
المذكورة، فليس بمتعين؛ لأن الإمام يمكنه أن يعلمهم إياها يوم عرفة. انتهى.
وأجيب بأنه نبَّهَ وَّ في الخطبةِ المذكورة على تعظيم يوم النحر وعلى تعظيم

٣٣٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ خْطَبَةٍ يَوْم النّحْرِ، وَرَمْي أيَّامَ التَّشَرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
شهر ذي الحجة وعلى تعظيم البلد الحرام، وقد جَزَم الصحابةُ المذكورون بتسميتها
خطبة كما تقدم، فلا يلتفت إلى تأويل غيرهم، وما ذكره من إمكان تعليم ما ذكر
يوم عرفة يعكر عليه كونه يرى مشروعية الخطبة ثاني يوم النحر، وكان يمكنُ أن
يعلموا يوم التروية جميع ما يأتي بعده من أعمال الحج، لكن لما كان في كل يوم
أعمال ليست في غيره شرع تجديد التعليم بحسب تجدد الأسباب. وقد بيَّن الزهري
وهو عالم أهل زمانه أن الخطبة ثاني يوم النحر نقلت من خطبة يوم النحر، وأن ذلك
من عمل الأمراء يعني من بني أمية، كما أخرج ذلك ابن أبي شيبة عنه، وهذا وإن
كان مرسلًا لكنه معتضد بما سبق وبان به أن السنة الخطبة يوم النحر لا ثانيه.
وأما قول الطحاوي أنه لم يعلمهم شيئًا من أسبابِ التحلَّل، فلا ينفي وقوع ذلك
أو شيء منه في نفس الأمر، بل قد ثبتَ في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص،
كما تقدَّم أنه شهدَ النبيَّ ◌َ لَ يخطبُ يومَ النحرِ، وذكرَ فيه السؤال عن تقديمِ بعضٍ
المناسك على بعض، فكيف ساغ للطحاوي هَذَا النفي المطلق مع روايته هو
لحديث عبد الله بن عمرو؟ وثبتَ أيضًا في بعضٍ أحاديث الباب أنَّهُ وَ له قال للناس
حينئذٍ: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)) فكأنَّهُ وعَظَهُم بما وَعَظَهم به وأحالَ في تعليمهم على
تلقي ذلك من أفعاله؛ أفاده الحافظ .
قلتُ: حديثُ رافع بن عمرو المزني الآتي بلفظ: ((رأيتُ رسولَ اللهِوَ لَ يخطبُ
الناس بمنى حين ارتفعَ الضحى على بغلة شهباء)). يدلَّ على أنَّ الخطبة المذكورة
كانت وقت الضحى، يعني: قبل طواف الإفاضة، وهو مشكل على مذهب
الشافعية، حيث قالوا: إنَّهُ يسنُّ أن يخطب الإمام أو نائبه الناس بعد صلاة الظهر
يومَ النحرِ بمنَّى بعد طواف الإفاضة، وقد تقدَّم التنبيه على ذلك في شرح حديث
عبد الله بن عمرو في الباب الَّذِي قبل هذا.
(إِنَّ الزَّمَانَ) هو اسم لقليل الوقت وكثيره، والمراد هنا السنة. (قَدِ اسْتَدَارَ) أي:
دار. (كَهَيْئَتِهَ) قال الطيبي: الهيئة: صورة الشيء وشكله وحالته، والكافُ صفة
مصدر محذوف أي: استدار استدارة مثل حالته. (يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ) أي:
وما فيها من النيرين الَّذَيْنِ بهما تعرف الأيام والليالي والسنة والأشهر. (وَالأَرْضَ).
قال القاري: أي: عادَ ورجعَ إلى الموضع الَّذِي ابتدأ منه، يعني: الزمان في

٣٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
*SINCE * woIce
انقسامِهِ إلى الأعوام، والأعوام إلى الأشهر، عادَ إلى أصلِ الحسابِ والوضع الَّذِي
اختارَهُ اللهُ تعالى ووضعه يوم خلق السموات والأرض.
وقال بعض المحققين من عُلمائنا - الحنفية: أي: دارَ على الترتيبِ الَّذِي اختارَهُ
اللهُ تعالى ووَضَعَه يومَ خلق السموات والأرض، وهو أنْ يَكُون كل عام اثني عشر
شهرًا، وكل شهرٍ ما بين تسعة وعشرين إلى ثلاثين يومًا، وكانت العرب في
جاهليتهم غيَّروا ذلك، فجعلوا عامًا اثني عشر شهرًا وعامًا ثلاثة عشر، فإنهم كانوا
ينسئون الحج في كل عامين من شهر إلى شهر آخر بعده ويجعلون الشهر الَّذِي
أنسؤوه ملغى، فتصير تلك السنة ثلاثة عشر، وتتبدل أشهرها فيحلون الأشهر
الحرم ويحرمون غيرها؛ كما قال تعالى في سورة التوبة ﴿إِنَّمَا السَِّىُّ زِيَادَةٌ فِ
اَلْكُفْرِ﴾ الآية [التوبة: ٣٧]، فأبطلَ اللهُ ذلك وقرَّرَه على مداره الأصلي، فالسنة التي
حجَّ فيها رسولُ اللهِ وَليه حجة الوداع هي السنة التي وصلَ ذو الحجة إلى موضعه،
فقال النَّبِيِ وََّ : ((إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ)) يعني: أمر الله أن يكونَ ذو الحجة في
هَذَا الوقت، فاحفظوه واجعلوا الحجَّ في هَذَا الوقت ولا تبدلوا شهرًا بشهرٍ، كعادة
أهل الجاهلية. انتهى.
وقال النووي: قال العلماء: معناه أنهم في الجاهلية يتمسكون بملَّةِ إبراهيم ◌َلة.
في تحريمِ الأشهر الحرم، وكان يشقُّ عليهم تأخير القتال ثلاثة أشهر متواليات
وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، فكانوا إذا احتاجوا إلى قتالٍ أخَّرُوا
تحريم المحرم إلى الشهر الَّذِي بعدَه وهو صفر، ثم يؤخِّرُونَهُ في السنة الأخرى إلى
شهر آخر، وهكذا يفعلون في سنة بعد سنة حتى اختلط عليهم الأمر وصادفت حجة
النَّبِي ◌ََّ تحريمهم، وقد تطابقَ الشرع، وكانوا في هذه السنة قد حرَّمُوا ذا الحجة
الموافقة الحساب الَّذِي ذكرنا، فأخبر النَّبِي وَّ أن الاستدارة صادفت ما حكم الله
تعالى به يوم خلق السموات والأرض، وقال أبو عبيد: كانوا ينسئون أي:
يؤخِّرون، وهو الَّذِي قال الله تعالى فيه: ﴿إِنَّمَا الشَِّّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]
فربما احتاجوا إلى الحرب في المحرم، فيؤخرون تحريمه إلى صفر، ثم يؤخرون
صفرًا في سنة أخري فصادف تلك السنة رجوع المحرم إلى موضعه. انتهى.
وقال البيضاوي: كانوا إذا جاءَ شهرٌ حرامٌ، وهم محاربون أحلوه؛ وحرموا

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حُطَبَةٍ يَوْم النّحْرِ، وَرَمْي أيَّامَ التَّشَرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
٣٣٧
مكانه شهرًا آخر حتى رفضوا خصوص الأشهر واعتبروا مجرد العدد. انتهى، فكأنَّ
العربَ كانوا مختلفين في النسيءٍ. والله تعالى أعلم.
(السَّنَة) إلخ، أي: السنة العربية الهلالية. قال الطيبي: جملة مستأنفة مبينة
للجملة الأولى. (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ). قال تعالى: ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾
[ التوبة،
٣٦] قَالَ البيضاوي: أي: بهتك حرمتها وارتكاب حرامها، وقال الحافظ: ﴿فَلَا
تَظْلِمُواْ فِيِهِنَّ أَفُسَكُمْ﴾ أي: في الأربعة باستحلال القتال. وقيل: بارتكاب
المعاصي. (ثَلاثٌ) هو تفسير الأربعة الحرم. (مُتَوَالِيَاتٌ) أي: متتابعات. قال
الطيبي: اعتبر ابْتِدَاء الشهور من الليالي، فحذف التاء، وقال ابن التين: الصواب
ثلاثة متوالية يعني؛ لأن المميز الشهر قال: ولعله أعاده على المعنى، أي: ثلاث
مدد متواليات. انتهى. قال الحافظ: أو باعتبار العدة مع أن الَّذِي لا يذكر التمييز
معه يجوز فيه التذكير والتأنيث.
(ذُو الْقَعْدَةِ) بفتح القاف وقد يُكسر، شهر كانوا يَقْعُدُون فيه عن الأسفار. (وَذُو
الْحِجَّةِ) بكسر الحاء وقد تفتح. (وَالْمُحَرَّمُ) عطف على ذو القعدة. قال الحافظ:
ذكرها من سنتين لمصلحة التوالي بين الثلاثة، وإلا فلو بدأ بالمحرَّم؛ لفات مقصود
التوالي، وفيه: إشارة إلى إبطالٍ ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من تأخير بعض
الأشهر الحرم، فقيل: كانوا يجعلون المحرم صفرًا ويجعلون صفرًا المحرم؛ لئلا
يتوالى عليهم ثلاثة أشهر لا يتعاطون فيها القتال، فلذلك قال: متواليات. وكانوا
في الجاهلية على أنحاء منهم: مَن يسمي المحرم صفرًا فيحلَّ فيه القتال ويحرم
القتال في صفر ويسميه المحرم، وَمِنْهُم: من كان يجعلُ ذلك سنة هكذا وسنة
هكذا، وَمِنْهُم: من يجعله سنتين هكذا وسنتين هكذا، وَمِنْهُم: من يؤخر صفرًا إلى
ربيع الأول وربيعًا إلى ما يليه، وهكذا إلى أن يصير شوال ذا القعدة، وذو القعدة ذا
الحجة، ثم يعود فيعيد العدد على الأصل. انتهى.
(وَرَجَبُ مُضَرَ) عطف على ثلاثٍ، ومُضَر على وزن عُمَر غير منصرفٍ، قبيلة
عظيمة، وأضافَ الشهرُ إليها؛ لأنَّهَا كانت تشدد في تحريم رجب وتحافظ على
ذلك أشد من محافظة سائر القبائل من العرب ولا توافق غيرها من العرب في
استحلاله. (الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى) بضمِّ الجيمِ وفتح الدال وبعده ألف ورسمه بالياء.

٣٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَشَعْبَانَ) وصفه بكونه بين جمادى وشعبان؛ لزيادة البيان وتوكيده كما قال في
أسنان الصدقة: ((فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر)). ومعلوم أن ابن اللبون لا
يكون إلا ذكرًا، ويحتمل أنْ يَكُون إنما قال ذلك من أجل أنهم قد كانوا نسؤوا رجبًا
وحوَّلُوه عنْ موضعِهِ، وسموا به بعض الشهور الأخر فنحلوه اسمه فبين لهم أن رجبًا
هو الشهر الَّذِي بين جمادى وشعبان لا ما كانوا يسمونه على حساب النسيء.
قال النووي: قد أجمع المسلمون على أن الأشهر الحرم الأربعة هي هذه
المذكورة في الحديث، ولكن اختلفوا في الأدبِ المستحب في كيفية عدِّها،
فقالت طائفة من أهل الكوفة وأهل الأدب. يقال: المحرم ورجب وذو القعدة وذو
الحجة؛ ليكون الأربعة من سَنَة واحدة، وقال علماء المدينة والبصرة وجماهير
العلماء: هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب ثلاثة سرد وواحد فرد، وهذا
هو الصحيح الَّذِي جاءت به الأحاديث الصحيحة منها هَذَا الحديث الَّذِي نحن في
فيه، وعلى هَذَا الاستعمال أطبق الناس من الطوائف كلها. انتهى.
قيل: الحكمة في جعل المحرم أول السنة، أن يحصلَ الابتداء بشهر حرام
ويختمُ بشهر حرام وتتوسط السنة بشهر حرام وهو رجب، وإنما توالى شهران في
الآخر لإرادة تفضيل الختام، والأعمال بالخواتيم. قال الحافظ: أبدى بعضهم لما
استقرَّ عليه الحال من ترتيب هذه الأشهر الحرم مناسبة لطيفة. حاصلها: أن للأشهر
الحرم مزية على ما عداها، فناسب أن يبدأ بها العام وأن تتوسطه وأن تختم به،
وإنما كان الختم بشهرين؛ لوقوع الحج ختام الأركان الأربع؛ لأنَّهَا تشتملُ على
عمل مال محض وهو الزكاة وعمل بدن محض وذلك تارة يكون بالجوارح وهو
الصلاة، وتارة بالقلب وهو الصوم؛ لأنَّهُ كف عن المفطراتِ، وتارة عمل مركب
من مال وبدن وهو الحجِّ، فلما جمعهما؛ ناسب أنْ يَكُون له ضعف ما لواحد
منهما، فكان له من الأربعة الحرم شهران. والله أعلم.
(وَقَالَ: أَيُّ شَهْرِ هَذَا؟) أرادَ بهذا الاستفهام أن يقرِّر في نفوسهم حرمة الشهر
والبلدة واليوم ليبني عليه ما أراده. قال القرطبي: سؤالُهُ مَّ عن الثلاثةِ وسكوته بعد
كلِّ سؤال منها كان لاستحضار فهومهم، وليقبلوا عليه بكليتهم وليستشعروا عظمة
ما يخبرهم عنه. ولذلك قالَ بعدَ هَذَا: «فإنَّ دماءكم ... )) إلى آخره. مبالغة في بيان

٣٣٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ ◌َابَ خَطْبَةٍ يَوْمِ النَّحْرِ، وَرَمْي أيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَالتَّوْدِيعِ
تحريم هذه الأشياء انتهى. وقال النووي: هَذَا السؤال والسكوت والتفسير أراد به
التفخيم والتقرير والتنبيه على عظم مرتبة هَذَا الشهر والبلد واليوم.
(قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) قال التُّورِبَشْتِي: إحالتهم الجواب عليه فيما استبان
أمره وتحقق، نوع من الأدب بين يدي من حقَّ عليهم التأذُّب بين يديه، ثم إنهم لم
بيأسوا من أنْ يَكُون في الأمر المسئول عنه علم لم يبلغ إليهم، فأحالوا العلم على
علام الغيوب، ثم إلى المستأثر من البشرِ بنوع من ذلك العلم، وينبئك عن هَذَا
المعني قولهم: ((حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه))، انتهى. وقال الحافظ: قولهم:
((اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ))، هَذَا من حسن أدبهم؛ لأنهم علموا أنه لا يخفى عليه ما
يعرفونه من الجوابٍ، وأنه ليسَ مراده مطلق الإخبار بما يعرفونه، ولهذا قال:
((حتى ظننًا أنَّه سيسميه بغير اسمه))، ففيه إشارة إلى تفويض الأمور بالكلية إلى
الشارع.
(فَقَالَ: أَلَيْسَ) أي: هَذَا الشهر أو اسمه. (ذَا الْحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: أَُّ بَلَدٍ
هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: ) بلا
فاء. (أَلَيْسَ) أي: البلد. (الْبَلْدَةَ) قال الخطابي: يقال: إنَّ البلدة اسم خاص بمكّة
وهي المرادة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِّرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ [ النمل ٩١] وقال
الطيبي: المطلق محمول على الكامل، وهي الجامعة للخير المستجمعة للكمال،
كما أن الكعبة تسمى البيت ويطلق عليها ذلك، كَذَا فِي ((الفَتْح)). وقال التُّورِبَشْتِي:
قيل: إن البلدة اسم خاص لمكة - عظَّم الله حرمتها -، ويؤيد ذلك هَذَا الحديث،
ووجه تسميتها بالبلدة وهي تقع على سائر البلدان؛ أنها البلدة الجامعة للخير
المستحقة أن تسمى بهذا الاسم؛ لتفوقها سائر مسميات أجناسها حتى كأنها هي
المحل المستحقة للإقامة بها من قولهم: بلد بالمكان أي: أقام.
(قَالَ: فَأَتُّ يَوْمِ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ... ) إلخ. وفِي الْبُخَارِي من حديث
ابن عباس أنهم قالوا: يوم حرام. وقالوا عند سؤاله عن الشهرِ: شهر حرام، وعند
سؤاله عن البلد: بلد حرام، وعند البخاريِّ أيضًا من حديث ابن عمر بنحو حديث
أبي بكرة إلا أنه ليس فيه قوله: ((فسكت)) في المواضع الثلاثة. قال الحافظ في
كتاب العلم بعد ذكر حديث ابن عباس: وظاهرهما أي: ظاهر حديثي أبي بكرة