Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠٠
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
المرأة رأسها وتقصيرها إياه.
فما دلَّ على الحلق؛ فهو ما رواه ابن حبان في (صَحِیچِه)) من حديث وهب بن
جرير، ثنا أبي سمعت أبا فزارة يحدِّث عن يزيد بن الأصم عن ميمونة: ((أنَّ
النَّبِي وَله تزوَّجها حَلالًا وَنَى بها وماتت بسَرِف، فدفنَّاها في الظلةِ التي بنى بها
فيها، فنزلنا أنا وَابْن عباسٍ، فلما وضعناها في اللحدِ مالَ رأسها، فأخذت ردائي
فوضعته تحت رأسها فاجتذَبه ابن عباس فألقاه، وكانت قد حَلَقت رأْسَها في الحجِّ،
فكان رأسُها محجمًا)) فهذا الحديث يدلُّ على أن ميمونة حلقت رأسها ولو كان
حرامًا ما فعلته.
وأما التقصير؛ فما رواه مسلمٌ فِي ((صَحِيحِه)) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن
قال: دخلتُ على عائشة أنا وأخوها من الرضاع، فسألها عن غسل النَّبِي وَلّ من
الجنابةِ، فدعت بإناء قدر صاع، فاغتسلت وبيننا وبينها ستر، وأفرغت على رأسها
ثلاثًا، قال: وكان أزواج رسول اللّه ◌َلَ يَأْخُذْنَ من رؤوسهن حتى تكون كالوفرةِ.
فالجواب عن حديث ميمونة على تقدير صحّته أن فيه أن رأسها كان محجمًا،
وهو يدلَّ على أن الحلق المذكور؛ لضرورة؛ المرض لتتمكن آلة الحجم من
الرأس، والضرورة يباح لها ما لا يباح بدونها، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا
حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِّرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. انتهى. وقيل: إن ميمونة إنما حلقت
رأسها في الحج عند التحلل من الإحرام، ولعل ذلك أن نهي النساء عن الحلق
يكون عندها نهي إرشاد لا نهي حكم فحلقت رأسها؛ اختيارًا منها لترك الزينة.
قال الشنقيطي: وأما الجواب عن حديث مسلم؛ فعلى القول بأن الوفرة أطول
من اللمة التي هي ما ألم بالمنكبين من الشعر فلا إشكال؛ لأن ما نزل عن المنكبين
طويل طولًا يحصل به المقصود. قال النووي في ((شرح مسلم)): والوفرة أشبع
وأكثر من اللمة، واللمة ما يلم بالمنكبين من الشعر، قاله الأصعمي. انتهى كلام
النووي. وأما على القولِ الصحيح المعروف عند أهل اللغة من أنها لا تجاوز
الأذنين. قال في ((القاموس)): والوفرة: الشعر المجتمع على الرأس، وأما ما سال
على الأذنين منه، أو ما جاوز شحمة الأذن، ثم الجمة ثم اللمة، وقال الجوهري في
((صحاحه)): والوفرة: الشعر إلى شحمة الأذن ثم الجمة ثم اللمة، وهي التي ألمت

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْحُلْق
٣٠١
بالمنكبين. انتهى.
فالجواب أن أزواج النَّبِي وَ لّ إنما قصرن رؤوسهن بعد وفاته وَّه؛ لأنهن كنَّ
يتجمَّلْنَ له في حياته، ومن أجمل زينتهن شعرهن، أما بعد وفاته بَله، فلهن حكم
خاص بهن لا تشاركهن فيه امرأة واحدة من نساء جميع أهل الأرض، وهو انقطاع
أملهن انقطاعًا كليًّا من التزويج ويَأْسُهُنَّ منه اليأس الَّذِي لا يمكن أن يخالطه طمع،
فهن كالمعتدات المحبوسات بسببه وَ لهإلى الموت. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ
أَن تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ أَن تَنْكِحُوْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًاْ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ
عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] واليأس من الرجال بالكلية قد يكون سببًا للترخيص في الإخلال
بأشياء من الزينة لا تحل لغير ذلك السبب.
وقال النووي في ((شرح مسلم)) في الكلام على هَذَا الحديث: قال عياض:
المعروفُ أنَّ نساء العرب إنما كن يتخذن القرون والذوائب، ولعلَّ أزواج النَّبِي وَلِّ
فعلن هَذَا بعد وفاته بَّه؛ لتركهن التزين واستغنائهن عن تطويل الشعر وتخفيفًا
المؤنة رؤوسهن، وهذا الّذِي ذكره القاضي عياض من كونهن فعله بعد وفاته وَّل،
لا في حياته، كذا قاله أيضًا غيره - كالمازري والقرطبي والأبي - وهو متعيَّن، ولا
يظن بهن فعله في حياته بَّله، وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء. انتهى
كلام النووي.
قال الشنقيطي: وقوله: فيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء؛ فيه عندي
نظر لما قدمنا من أن أزواج النَّبِي وَّ بعد وفاته لا يقاس عليهن غيرهن؛ لأن قطع
طمعهن في الرجال بالكلية خاص بهن دون غيرهن، وقد يباحُ له من الإخلال ببعض
الزينة ما لا يباح لغيره حتى إن العجوز من غيرهن لتتزين للخُطّاب، وربما تزوجت؛
لأن كل ساقطة لها لاقطة، وقد يحب بعضهم العجوز كما قال القائل:
عَجُوزًا وَمَنْ يُخْبِبْ عَجُوزًا يفنَّدِ
أَبَى الْقَلْبُ إِلَّا أُمَّ عَمْرٍو وَحُبَّهَا
وَرَقَّعْتُهُ مَا شِئْتَ فِي الْعَيْنِ وَالْيَدِ
كثَوْبِ الْيَمَانِي قَدْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ
وقال الآخر:
لَكَانَ هَوَى لَيْلَى جَدِيدًا أَوَائِلُه
وَلَوْ أَصْبَحَتْ لَيْلَى تَدُبُّ عَلَى الْعَصَا

٣٠٢
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
انتهى كلامُ الشنقيطي ببعض الاختصار.
وقيل أيضًا في الجواب عن هَذَا الحديث: إنَّ الْمَرَاد أن نساء النَِّي وَِّ كُن
يقصرن شعورهن المسترسلة ويعقدنها على القفا أو على الرأس من غير أن يتخذنها
قرونًا وضفائر، فتكون كالوفرة في عدم مجاوزتها الأذنين، كما يفعله كثير من
العجائز والأيامى في عصرنا، بل عامة النساء في حالة الاغتسال بعد غسل الرأس،
فإنَّ الشعور الطويلة لو استرسلت على حالها، فإيصال الماء إلى البدن المستور
تحت الشعور المسترسلة لا يخلو عن كلفة ومشقة.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) حديث علي رَوَاه التِّر مذيُّ في بابٍ كراهية الحلق للنساء من
كتاب الحجِّ، والنَّسَائِي في باب النهي عن حلقِ المرأة رأسها من كتابٍ الزينة،
قالا : حدثنا محمد بن موسى الحرشي، عن أبي داود الطيالسي عن همام عن قتادة
عن خلاس بن عمرو عن علي، قال: نهى رسولُ اللهِوَ لَّهِ أَنْ تَحْلِقَ المرأةُ رأسَهَا. ثم
رَوَاهُ التِّرْمذيُّ عن محمد بن بشار عن أبي داود الطيالسي عن همام عن خلاس عن
الَّبِي ◌َّ نحوه مرسلًا، أي: لم يذكر فيه عن عليٍّ. وقال: حديثُ عليٍّ فيه
اضطراب، ورُوي هَذَا الحديث عن حماد بن سلمة عن قتادة عن عائشة: أن
الَّبِي وَِّ نَهَى أَنْ تَحْلِقِ المرأةُ رَأْسَهَا. انتهى.
وحكى الزيلعي (ج٣: ص ٩٥) كلام الترمذي هَذَا بلفظ: قال الترمذي: هَذَا
حديث فيه اضطراب، وقد روي عن حماد بن سلمة عن قتادة عن عائشة عن
النَّبِي وَّل مرسلًا. انتهى. وإنما قال: مرسلًا، أي: منقطعًا؛ لما حكى الحافظ في
((تهذيب التهذيب)) في ترجمة قتادة (ج٨: ص ٣٥٥) عن الحاكم أنه قال في ((علوم
الحديث)): لم يسمع قتادة من صحابي غير أنسٍ. قال: وقد ذكر ابنُ أبي حاتمٍ عن
أحمد بن حنبل مثل ذلك. وقال أبو حاتم: قتادة عن أبي الأحوص مُرسل، وأرسل
عن أبي موسى وعائشة وأبي هريرة ومعقل بن يسار. انتهى.
ثم قال الزيلعي : وقال عبد الحق في ((أحكامه)): هَذَا حدیث یرویه همام بن یحیی
عن قتادة عن خلاس بن عمرو عن علي، وخالفه هشام الدستوائي وحماد بن سلمة،
فروياه عن قتادة عن النَّبِي وَّل مرسلاً. انتهى.
قال الحافظ في ((الدراية)»: رواته موثقون إلا أنه اختلف في وصله، انتهى.

كِتّابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْحُلْق
٣٠٣
وحاصل ما وقع في هَذَا الحديث من الاضطرابِ أنه اختلفَ أصحابُ قتادةَ عليه،
فروى همام عنه عن خلاسٍ عن علي عن النَّبِي بَّ أي: جعله من مسندٍ عليٍّ،
وخالفه حماد بن سلمة، فروى عن قتادة عن عائشة عن النَّبِي وَّ فجعله من مسند
عائشة، وخالفهما هشام الدستوائي، فرواه عن قتادة عن النَّبِي وَلّ مُرسلًا، وكذا
روي عن حماد بن سلمة عن قتادة مرسلاً أيضًا، واختلفَ أيضًا على همام فروى
محمد بن موسى عن الطيالسي عن همام عن قتادة عن خلاس عن عليٍّ عن
النَّبِي ◌ََّ، وروى محمد بن بشار عن الطيالسي عن همام عن خلاس نحوه مرسلًا
ولم يذكر فيه ((عن علي)).
قلت: خلاس بن عمرو ثقة من رجال الستة، غير أنه قال أبُو دَاوُد ويحيى بن
سعيد: لم يسمعْ خلاس من عليٍّ. وقال أحمد بن حنبل: روايته عن علي كتاب،
وكذا قال يحيى بن سعيد وأبو حاتم والبخاري في ((تاريخه)) ولكن قال الجوزجاني
والعقيلي: كان خلاس على شرطة علي، وقد سمع من عمار وعائشة وَابْن عباس
كما في ((تهذيب التهذيب))، وإذَا فسماعه عن علي ليس ببعيد، ومحمد بن موسى
الحرشي عن الطيالسي عن همام سلسلة الرواة الثقات، فالرواية المسندة بذكر علي
مقبولة معتبرة لا يضرها رواية من رواها مرسلة، وللْحَدِيث طريق آخر عند البزار
يعتضد به .
قال الزيلعي: حديث آخر أخرجه البزار في مسنده عن معلى بن عبد الرحمن
الواسطي، ثنا عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضيثُها: أن
النَّبِي ◌ِّ نَهى أن تحلق المرأة رأسها. قال البزار: ومعلى بن عبد الرحمن الواسطي
روى عن عبد الحميد بأحاديث لم يتابعْ عليها، ولا نعلم أحدًا تابعه على هَذَا
الحدیث. انتهى.
ورواه ابن عدي في ((الكامل)) وقال: أرجو أنه لا بأس به. قال عبدُالحقِّ: وضعَّفهُ
أبو حاتمٍ وقال: إنه متروك الحديث. انتهى. وقال ابنُ حبَّان في كتابٍ ((الضعفاءِ)):
يروى عن عبد الحميد بن جعفر المقلوبات، لا يجوزُ الاحتجاج به إذا انفردَ.
انتهى. وفي الباب أيضًا عن عثمان. قال الزيلعي: رواه البزار في ((مسنده)) من
طريق روح بن عطاء بن أبي ميمونة عن أبيه عن وهب بن عمير قال: سمعتُ عثمانَ

٣٠٤
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يقولُ: نهى رسولُ اللهِ وَّهِ أَنْ تحلقَ المرأةُ رَأْسَهَا. قال البزار: ووهب بن عمير لا
نعلمه روى غير هَذَا الحديث، ولا نعلمُ حدَّث عنه إلا عطاء بن أبي ميمونة، وروح
ليس بالقوي. انتھی.
وقال الهيثمي بعد عزوه إلى البزار (ج٣: ص ٢٦٣): وفيه روح بن عطاء وهو
ضعيف. انتهى. والحديثان وإن كانا ضعيفين لكنهما يصلحان للاستشهاد.
٢٦٧٨ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَيْسَ عَلَى
النِّسَاءِ الْحَلْقُ؛ إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوِدَ وَالْدَارِمِيُّ]
- وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الْثَالِثِ.
الشرح
٢٦٧٨ - قوله: (لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ الْحَلْقُ) أي: لا يجبُ عليهن الحلق في
التحلل. (إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ) أي: إنما الواجب عليهنَّ التقصيرُ بخلافٍ
الرجالِ، فإنه يجبُ عليهم أحدهما والحلق أفضلُ، قاله القاري. وفيه دليل على أنَّ
المشروع في حقِّ النساء التقصير، وقد حكى الحافظُ وغيره الإجماع على ذلك،
كما تقدَّم.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) قال: حدثنا محمد بن الحسن العتكي، ثنا محمد بن بكر، ثنا
ابن جريج قال: بلغني عن صفية بنت شيبة بن عثمان قالت: أخبرتني أمُّ عثمان بنت
أبي سفيان أن ابنَ عباسٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَلّهِ ... إلخ. ثم قال أبو داود: حدثنا
أبو يعقوب البغدادي ثقة، ثنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج عن عبد الحميد بن
جبير بن شيبة عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني أمُّ عثمان بنت أبي سفيان أن ابن
عباس قال ... إلخ.
(وَالدَّارِمِيُّ) قال: أخبرنا علي بن عبد الله المديني، ثنا هشام بن يوسف، ثنا ابن
جريج، أخبرني عبد الحميد بن جبير، عن صفية ... إلخ. والحديثُ قد سَكَتَ عنه
(٢٦٧٨) أَبُو دَاوُد (١٩٨٥) فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

٣٠٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْحَلْق
أَبُو دَاوُد والمُنْذِري، وقال النووي في ((شرح المهذب)): رواه أبُو دَاوُد بإسناد حسن.
وقال الحافظ في ((التلخيص)): حديث ((لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ وَإِنَّمَا يُقَصِّرْنَ)) رواه
أبُو دَاوُد والدار قطني والطَّرَاني من حديث ابن عباس وإسناده حسن، وقوَّاه أبو
حاتمٍ في ((العلل)) والبخاري في ((التاريخ))، وأعلَّهُ ابنُ القطان، ورد عليه ابن
المواق. فأصاب. انتھی.
قلت: قال الزيلعي في ((نصب الراية)) بعد ذكر هَذَا الحديث من رواية أبي داود:
قال ابن القطان في ((كتابه)): هَذَا ضعيف ومنقطع، أما الأول: فانقطاعه من جهةِ ابن
جريج قال: بلغني عن صفية، فلم يعلم مَن حدَّثه به، وأما الثاني: فقول أبي داود:
حدثنا رجل ثقة يكنى أبا يعقوب وهذا غير كاف، وإن قيل: إنه أبو يعقوب إسحاق
ابن إبراهيم أبي إسرائيل، فذاك رجل تركه الناس، لسوء رأيه، وأما ضعفه: فإن أم
عثمان بنت أبي سفيان لا يعرف حالها. انتهى ما في ((نصب الراية)).
قلت: حديث ابن عباس أقل درجاته الحسن، فقول النووي: إنه حديث رواه أبُو
دَاوُد بإسناد حسن، وكذا قول من وافقه في تحسين إسناد الحديث وتقويته أصوب
مما نقله الزيلعي عن ابن القطان وسكت عليه، فقول ابن جريج في رواية أبي داود:
((بلغني عن صفية بنت شيبة)). تفسِّرُه الروايةُ التي بين فيها ابن جريج أن من بلغه عن
صفية المذكورة هو عبد الحميد بن جبير بن شيبة، وهو ثقة معروف، وقد صرَّح في
رواية الدارمي والدار قطني والْبَيْهَقِي بما يدلُّ على سماعه عن عبد الحميد بن جُبير،
وأما قولُ ابنِ القطان: ((إن أمَّ عثمان بنت أبي سفيان لا يُعرف حالها))، ففيه قصور
ظاهر جدًّا؛ لأنَّ أمَّ عثمان المذكورة من الصحابيات المبايعات، قد روت عن
الَِّي ◌َّهِ وَعَنِ ابْن عَبَّاسٍ كما في ((الاستيعاب)) و((الإصابة)) و((أسد الغابة))، فدعوى
أنها لا يعرف حالها ظاهرة السقوط.
وأما قول ابن القطان: أن توثيق أبي داود لأبي يعقوب غير كاف، وأن أبا يعقوب
المذكور إن قيل: إنه إسحاق بن إبراهيم أبي إسرائيل، فذاك رجل تركه الناس؛
لسوء رأيه، فجوابه: أن أبا يعقوب المذكور هو إسحاق بن أبي إسرائيل، واسم أبي
إسرائيل: إبراهيم بن كامجرا المروزي نزيل بغداد، وقد وثقه أبو داود، وأثنى عليه
غير واحد من أجلاء العُلَمَاء بالرِّجَال.

٣٠٦
#1
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال فيه الذهبي في ((الميزان)) (ج١: ص ٨٥): حافظٌ شهيرٌ، قال: ووثَّقَهُ يحيى
ابن معين والدار قطني. وقال صالح جزرة: صدوقٌ إلا أنه كان يقف في القُرْآنِ ولا
يقولُ غير مخلوق، بل يقولُ: كلام الله، ويسكت. وقال فيه الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)) (ج١: ص ٢٢٣): قال ابن معين: ثقة، وقال أيضًا: من ثقات المسلمين
ما كتب حديثًا قط عن أحد من الناس إلا ما خطه هو في ألواحه أو كتابه. وقال
أيضًا: ثقة مأمون أثبت من القواريري وأكيس، والقواريري ثقة صدوق، وليس هو
مثل إسحاق، وذكر غير هَذَا من ثناء ابن معين عليه وتفضيله على بعض الثقات
المعروفين، ثم قال: وقال الدارقطني: ثقة. وقال البغوي: كان ثقة مأمونًا إلا أنه
كان قليل العقل، وثناء أئمة الرجال عليه في الحفظ والعدالة كثير مشهور، وإنما
نقموا عليه أنه كان يقول: ((القُرْآن كلام الله))، ويسكت عندها ولا يقول: غير
مخلوق، ومن هنا جعلوه واقفيًّا، وتكلّمُوا في حديثهِ، كما قال فيه صالح جزرة:
صَدُوق في الحديث إلا أنه يقول: ((القُرْآن كلام الله))، ويقف. وقال الساجي:
تركوه لموضع الوقف وكان صدوقًا. وقال أحمد: إسحاق بن إسرائيل واقفي
مشئوم إلا أنه صاحِب حديث كَيِّسٌ. وقال السراج: سمعْتُهُ يقولُ: هؤلاء الصبيان
يقولون: كلام الله غير مخلوق، ألا قالوا: كلام اللَّه وسكتوا، وقال عثمان بن
سعيد الدارمي: سألتُ يحيى بن معين عنه، فقال: ثقة. قال عثمان: لم يكن أظهر
الوقف حين سألت يحيى عنه، ويوم كتبنا عنه كان مستورًا. وقال عبدوس
النيسابوري: كان حافظًا جدًّا، ولم يكن مثله في الحفظِ والورعِ، وكان لقي
المشائخ، فقيل: كان يتهم بالوقف؟ قال: نعم اتهم وليس بمُتَّهَم، وقال مصعب
الزبيري: ناظرته فقال: لم أقل على الشك ولكني أسكت، كما سكت القوم قبلي،
والحاصلُ أنهم متَّفِقُون على ثقته وأمانته بالنسبة إلى الحديث إلا أنهم كانوا يتهمونه
بالوقف. وقد رأيت قولَ مَن نفى عنه التهمة وقول مَن ناظره أنه قال له: لم أقل على
الشِك، ولكني سكتُّ، كما سَكَتَ القومُ قبلي. ومعنى كلامه أنه لا يشك في أن
القُرْآن غير مخلوق، ولكنه يقتدي بمن لم يخض في ذلك، ولما حكى الذهبي في
((الميزان)) قول الساجي: إنهم تركوا الأخذ عنه لمكان الوقف، قال بعده قلت: قَالَّ
مَن ترك الأخذ عنه. انتهى. وهو تصريح منه بأن الأكثرين على قبول: فحديثه لا
يقل عن درجة الحسن، وروايته عند أبي داود تعتضد بالرواية المذكورة قبلها،

٣٠٧
بَابُ الْحَلْق
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
وكذا تعتضد بما رواه الدارقطني عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز إملاء عن
إسحاق بن أبي إسرائيل، وبما روى الدار قطني أيضًا عن أبي محمد بن صاعد عن
إبراهيم بن يوسف الصيرفي عن أبي بكر بن عياش عن يعقوب بن عطاء عن صفية
بنت شيبة، وبما رواه الدارمي والْبَيْهَقِي من طريق عبد الله بن علي المديني عن
هشام بن يوسف.
قال الزيلعي بعد ذكرِه كلام ابن القطان المتقدم ما نصه: وأخرَجَهُ الدار قطني في
(سُننه)) (ص ٢٧٧) والطِّبَرَاني في ((مُعْجَمِه)) عن أبي بكر بن عياشٍ، عن يعقوب بن
عطاء، عن صفية بنت شيبة به. وأخرجه الدار قطني أيضًا والبزار في ((مسندِهِ)) عن
حجاج بن محمد عن ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير عن صفية به. وقال البزار:
لا نعلمه يُروى عَنِ ابْن عَبَّاسٍ إلا من هَذَا الوجه. انتهى. فتبيَّن من جميع ما ذكر أن
حديث ابن عباس في أن على النساء المحرمات إذا أردن قضاء التفث؛ التقصير لا
الحلق، أنه لا يقلّ عن درجةِ الحسنِ كما جَزَم النوويُّ بأنَّ إسناده عند أبي داود
حسن، وقد رأيت اعتضاده بما ذكرنا من الروايات المتابعة له عند الدارمي
والْبَيْهَقِي والطََّرَاني والدار قطني والبزار.
(وهذا الباب خال عن الفصل الثالثِ) كذا وقعَ في بعضِ النُّسَخِ، ولا يحتاجُ إلى
الاعتذارِ؛ ولعلَّه لدفع وهم الإسقاطِ .

٣٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
Heese
٩ - بَابُ
(بَابٌ) قال القاري: بالتنوينِ والسكونِ، وفي نسخةٍ: («بَابُ جَوَازِ التَّقْدِيمِ
وَالتَّأْخِيرِ فِي بَعْضٍ أُمُورِ الْحَجِّ)).
الفصل الأول
٢٦٧٩ - [١] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَه
وَقَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنَّى لِلنَّاسِ، يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ،
فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: ((اذْبَحْ، وَلَا حَرَجَ))، فَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ،
فَتَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَقَالَ: ((ارْم وَلَا حَرَجَ))، فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ◌َّهَ عَنْ شَيْءٍ
قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّ قَالَ: ((افْعَلْ وَلَاَ حَرَجَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
- وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ((ارْمِ
وَلَا حَرَجَ))، وَأَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: أَفَضْتُ إِلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ((ارْمِ وَلَاَ
حَرَجٌ))(*).
الشرح
٢٦٧٩ - قوله: (وَقَفَ) أي: على ناقته، كما في روايةٍ صالحِ بنِ كيسان عند
البخاري ومَعمر عند مسلم وَابْن الجارود، ورواية يونس عند مسلم، ومعمر أيضا
عند أحمد والنَّسَائِي بلفظ: ((وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ)). كلهم عن ابنِ شهابِ الزهري عن
(٢٦٧٩) البخاريُّ (١٧٣٦)، ومُسْلِم (١٣٠٦)، وأبُو دَاوُدَ (٢١٠٤)، والتِّرْ مِذِي (٩١٦)، وَابْنُ ماجَهْ
(٣٠٥١)، والنَّسَائي في الكُبرى (٤١٠٨) فِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرٍو.
(*) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٢٤)، ومُسْلم (١٣٠٦/ ٣٣٣) فِيهِ أَيْضًا.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
٣٠٩
بَابٌ في التَّحَلَّلِ وَنَقْلِهِم بَعَض الأَعْمَالِ عَلَى بَعْضٍ
BEEN
عيسى بن طلحة عن عبد الله بن عمرو، فرواية يحيى القطان عن مالك عن الزهري :
((أنَّه جلسَ في حجَّةِ الوَدَاعِ فَقَامَ رَجُلٌ)). محمولة على أنه رَكَب ناقته وجلس عليها .
(بِمِنَّى لِلنَّاسِ) أي: لأجلهم ولم يعيِّن مكانَ الوقوفِ بمنى ولا اليوم، ووقع في
رواية عبد العزيز بن أبي سلمة عن الزهري عند البخاري في العلم: ((عِنْدَ الْجَمْرَةِ)).
وهو أولُ منى، وفي رواية ابن جريج عن الزهري عند الشيخين وَابْن الجارود:
((يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ)). وفي رواية محمد بن أبي حفصة عن الزهري عند مسلم
وأحمد: ((أَتَاهُ رَجُلٌ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ وَاقِفٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ)).
قال عياضٌ: جَمَع بعضُهم بين هذه الروايات بأنه موقفٌ واحدٌ على أنَّ معنى
((خطب))، أي: علّم الناس، لا أنها من خطب الحج المشروعة، قال: ويحتملُ أنْ
يَكُون ذلك في موطنين: أحدهما: على راحلته عند الجمرة ولم يقل في هذا:
((خطب)). وإنما فيه: ((وقف وسُئِل)). والثاني: يوم النحر بعد صلاة الظهر، وذلك
وقت الخطبة المشروعة من خطبٍ الحجِّ يعلِّم الإمام الناس ما بقي عليهم من
مناسكهم. قال النووي: هَذَا الاحتمال الثاني هو الصواب.
قال الحافظ: فإن قيل: لا منافاة بين هَذَا الَّذِي صوَّبه وبين الَّذِي قبله، فإنه ليسَ
في شيءٍ من طرق الحديثين حديث عبد الله بن عباس - الآتي بعد ذلك - وحديث
عبد الله بن عمرو بيان الوقت الَّذِي خطب فيه من النهار.
قلتُ: نعم لم يقعِ التصريحُ بذلك لكن في رواية ابنٍ عباس - عند البخاري - أن
بعضَ السائلين قال: رميت بعد ما أمسيت، وهذا يدلّ على أنَّ هذه القصة كانت
بعد الزوال؛ لأنَّ المساء يطلق على ما بعد الزوال، وكأن السائل علم أن السنة
للحاج أن يرمي الجمرة أول ما يقدم ضحى، فلما أخرها إلى بعدَ الزوالِ سألَ عن
ذلك، على أنَّ حديث عبد الله بن عمرو من مخرج واحد، لا يعرف له طريق إلا
طريق الزهري، عن عيسى عنه، والاختلاف من أصحابِ الزهري، وغايته أن
بعضهم ذكر ما لم يذكر الآخر واجتمع من مرويهم ورواية ابن عباس أن ذلك كان
يوم النحر بعد الزوال وهو على راحلته يخطب عند الجمرة، وإذا تقرَّر أن ذلك كان
بعد الزوال يوم النحر؛ تعيَّن أنها الخطبةُ التي شُرعت لتعليم بقية المناسك، فليس
قوله: ((خطب)). مجازًا عن مجرَّدٍ التعليم، بل حقيقة، ولا يلزمُ من وقوفه عند

٣١٠
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الجمرةِ أنْ يَكُون حينئذ رماها، ففي حَدِيث ابنِ عُمَر عند البخاري في آخِر بابٍ
الخُطْبَة أيَّام منى: أنه وَّهِ وقفَ يومَ النحر بينَ الجمرات، فذكر خُطبته فلعلَّ ذلك
وقع بعد أن أفاض ورجع إلى منى. انتهى.
قلت: ولا يشكل عليه ما في حديث عبد الله بن عمرو أنه وقف بمنى للناس
يسألونه، بناء على أن المتبادر منه أن وقوفه كان لتعليم الناس وسؤالهم لا للخطبة،
فإنه لا منافاة بين الأمرين، فكان أصل وقوفه للخطبة، وكان وقت سؤال أيضًا،
فسأله في ذلك الوقت السائل عما فاته من حجه، وعما أدرك وعما قدم وأخر،
وسأله قوم عن المستقبل، فعلمهم دينهم وأفتى وأجاب عن مسائلهم، وذكر ابن
حزم في صفة حجة الوداع أن هذه الأسئلة عن التقديم والتأخير كانت بعد عوده إلى
منى من إفاضته يوم النحر. انتهى.
نعم يشكل على ما قال الحافظُ من كون الخطبةِ يوم النحر بعد الزوال ما وقع في
رواية رافع بن عمرو المزني الآتي في الفصل الثاني من باب خطبة يوم النحر بلفظ:
رأيتُ رسولَ اللهِ وَّه يخطبُ الناسَ بمنَّى حينَ ارتفعَ الضحى ... الحديث. فإنها
تدلُّ على أن هذه الخطبة كانت وقت الضحى من يوم النحر - يعني: قبل طواف
الإفاضة - ومشى على ذلك ابنُ القيم في ((الهدي))، ولم أقف على دليل صريح من
الأحاديث في كون هذه الخطبة بعد الظهر بمنى بعد طواف الإفاضة، كما ذهب إليه
القائلون بمشروعية الخطبة يوم النحر، ويمكنُ أن يجاب عن ذلك بالحمل على
التعدُّدِ، كما تقدَّم عن عياضٍ أنه حكاه احتمالًا .
وقال المحب الطبري بعد ذكر قول ابن حزم المتقدم: قلت: ويحتمل أن الأسئلة
تكررت قبله، أي: قبل الزوال وبعده وفي الليل. والله أعلم.
(يَسْأَلُونَهُ) هو في محلِّ النصبِ على الحالِ من الضميرِ الَّذِي في وقف أو من
الناس، أي: وقف لهم حال كونهم سائلين عنه، أو هو استئناف؛ بيانًا لسبب
الوقوف، ويؤيد الأخير رواية: ((وَقَفَ عَلَى راحَلِتِهِ فَطَفِقَ ناسٌ يَسْأَلُونَهُ)). وفي
رواية: ((وقفَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ فجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ)). (فَجَاءَهُ) عطف على قوله:
((وقف)). (رَجُلٌ) قال الحافظ: لَمَ أعرف اسم هَذَا السائل، ولا الَّذِي بعده في قَوْلِهِ:
((فجاء آخر))، والظاهر أن الصحابي لم يسم أحدًا؛ لكثرة من سأل؛ إذ ذاك، وقال

٣١١
كِتّابُ الْمُنَاسِكِ
بَابٌ في التَّحَلَّلِ وَنَقْلِهِم بَعَض الأَعْمَالِ عَلَى بَعْضٍ
في موضع آخر: لم أقف على اسم هَذَا السائل بعد البحث الشديد ولا على اسم
أحد ممن سأل في هذه القصة وكانوا جماعة، لكن في حديث أسامة بن شريك عند
الطحاوي وغيره: كانَ الأعرابُ يسألونَهُ. فكان هَذَا هو السبب في عدم ضبط
أسمائهم. انتهى. ويدل على كون السائلين جماعة متفرِّقِين اختلاف أسئلتهم عن
التقديم والتأخير. كما سيأتي بيانها .
(لَمْ أَشْعُرْ) بضم العين من باب نصر أي: لم أفطُنْ، يقال: شعرت بالشيء
شعورًا؛ إذا فطنت له، قيل: وعلى هَذَا يكون مؤدى الاعتذار النسيان، قال الباجي :
يحتملُ أن يريد به نسيت، فقدمت الحلاق. انتهى، وقيل: الشعور: العلم وعلى
هَذَا المعنى لم أعلم المسألة قبل هذا، ويؤيده لفظ يونس عند مسلم: ((لَمْ أشعُرْ أنَّ
الرَّمْيَ قبلَ النَّحْرِ فَتَحَرْتُ قبلَ أنْ أَرْمِي)). وقال آخر: ((لمْ أشعُرْ أنَّ النحرَ قبلَ الحَلْقِ
فحَلَقْتُ قبلَ أَنْ أَنْحَرَ؟)). فبين يونس متعلق الشعور، أي: العلم ولم يفصحه مالك
في روايته، وإلى الاحتمالين معًا أشار البخاري في ((صَحِيحِه))؛ إذ ترجم على
حديث ابن عباس: ((باب إذا رمى بعدَ مَا أَمْسَى أو حَلَقَ قبلَ أنْ يَذْبَحَ نَاسيًّا أو
جَاهلاً)). قال العَيْنِي: فإن قلت: قيد في الترجمة كونه ناسيًّا أو جاهلًا وليس في
الحديث ذلك، قلتُ: جاءَ في حديث عبد الله بن عمرو ذلك وهو قوله: ((لمْ أشعرْ
فَحَلَقْت قبلَ أنْ أَذْبَح ... )) الحديث. فإن عدم الشعور أعم من أنْ يَكُون بجهل أو
نسيان، فكأنه أشار إلى ذلك؛ لأن أصلَ الحديث واحد وإن كان المخرج متعددًا .
انتهى. وبالاحتمالين معًا فسَّره القاري حيث قال: ((لم أشعر))، أي: ما عرفت
تقديم بعض المناسك وتأخيرها، فيكون جاهلًا؛ لقرب وجوب الحج، أو فعلت ما
ذكرت من غير شعور؛ لكثرة الاشتغال، فيكون مخطئًا.
(فَحَلَقْتُ) أي: شعر رأسي. (قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ) أي: الهدي وفي روايةٍ: ((قَبْلَ أَنْ
أَنْحَرَ)) والفاءُ سببيةٌ جعل الحلق مسببًا عن عدم الشعور، كأنه يعتذرُ لتقصيره.
(اذْبَحْ) وفي رواية ((انْحَرْ)) أي: الآن. (وَلَا حَرَجَ) أي: لا ضيق عليك، ثم من قال
بعدم الفدية بمخالفة الترتيب في وظائف يوم النحر؛ حمل نفي الحرج على نفي
الإثم والفدية معًا. قال عياض: قوله: ((اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ)) ليس أمرًا بالإعادة، وإنما
هو إباحة لما فعل؛ لأنه سأل عن أمر فرغ منه، فالمعنى: افعل ذلك متى شئت،
ونفي الحرج بين في رفع الفدية عن العامد والساهي وفي رفع الإثم عن الساهي،

EIDENE
٣١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
these
وأما العامد فالأصلُ أن تارك السنة عمدًا لا يأثم إلا أن يتهاون، فيأثم للتهاون لا
للترك. انتهى.
ومن ذهب إلى وجوبِ الدم حمله على نفي الإِثم فقط، قال الباجي: يحتملُ أن
يريدَ لا إثم عليك؛ لأنَّ الحرج الإثم، ومعظم سؤال السائل إنما كان ذلك خوفًا من
أنْ يَكُون قد أثم، فأعلمه النبيُّ ◌ٍَّ أن لا حرجَ؛ إذ لم يقصد المخالفة، وإنما أتى
ذلك عن غير علمٍ ولا قصدٍ مع خفّةِ الأمرِ. انتهى.
وقال السندي الحنفي في ((حاشية ابن ماجه)): معناه عندَ الجمهورِ أنَّه لا إثم ولا
دم، ومن أوجبَ الدم؛ حمله على دفع الإثم وهو بعيد؛ إذ الظاهر عموم النفي
الحرج الدنيا وحرج الآخرة، وأيضًا لو كان دم لبينه التَّبِي وَّر؛ إذ ترك البيان أو
تأخيره عن وقت الحاجة لا يجوزُ في حقِّهِ وٍَّ .
(فَجَاءَ) رجل. (آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ) أي: لم أفطن أو لم أعلم أن الرمي قبل
النحر. (فَتَحَرْتُ) الهدي. (قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ) أي: الجمرة. (فَقَالَ: ارْمُ) أي: الآن.
(وَلَا حَرَجَ) وفي رواية ابنٍ جريج عن الزهري عند البخاري: فقام إليه رجلٌ، فقال:
كنتُ أحسبُ أن كذا قبل كذا؛ ثم قام آخر فقال: كنتُ أحسب أن كذا قبل كذا،
حلقت قبل أن أنحرَ، ونحرتُ قبل أن أرمي؛ وأشباه ذلك، فقال النبيُّ وَّةٍ: ((افْعَلْ
وَلَا حَرَجَ))، لهن كلهن، فما سُئل يومئذ عن شيء إلا قال: ((افْعَلْ وَلَا حَرَجَ)). وفي
رواية محمد بن أبي حفصة عن الزهري عند مسلم كما سيأتي ((حلقت قبل أن
أرمي))، وقال آخر : ((أفضتُ إلى البيتِ قبلَ أنْ أرمي))، وفي حديث مَعمر عند أحمد
زيادة الحلق قبل الرمي أيضًا، فحاصل ما في حديث عبد الله بن عمرو السؤال عن
أربعة أشياء، الحلق قبل الذبح، والحلق قبل الرمي، والنحر قبل الرمي، والإفاضة
قبل الرمي، والأولان في حديث ابن عباس أيضًا في الصحيح وللدار قطني من
حديثه أيضًا السؤال عن الحلق قبل الرمي، وكذا في حديث جابر، وفي حديث أبي
سعيد عند الطحاوي، وفي حديث علي عند أحمد السؤال عن الإفاضة قبل الحلق،
وفي حديثه عند الطحاوي السؤال عن الرمي والإفاضة معًا قبل الحلق، وفي حَدِيث
جَابِرِ الَّذِي علَّقَهُ البخاريُّ ووصله ابن حبان وغيره السؤال عن الإفاضة قبل الذبح،
وفي حديثٍ أُسامة بن شريك الآتي في الفصل الثالث السؤال عن السعي قبل

٣١٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابٌ فِي التَّحَلَّلِ وَنَقْلِهِم بَعَض الأَعْمَالِ عَلَى بَعْض
** EX
الطواف، وقد تقدَّم في مسألةِ اشتراطِ الطهارةِ للسعي في شرح حديث عائشة في
باب قصَّة حجّة الوداع: أنَّ الجمهورَ القائلين بعدم إجزاء السعي قبل الطواف
حملوا حديث أسامة على من سعى بعدَ طواف القدوم قبلَ طواف الإفاضة، فإنه
يصدقُ عليه أنَّه سعى قبل الطواف، أي: طواف الركن، قيل: ولا إشكال في
الحديثِ على مذهب الحنفية، فإنهم يحملونه كسائر الأحاديث الواردة في الباب
على نفي الحرج بمعني نفي الإثم؛ لعذر الجهل أو النسيان.
(فَمَا سُئِلَ) بصيغة المجهول. (النَّبِيُّ ◌ِّهِ) زاد في رواية: ((يَوْمَئِذٍ)). (عَنْ شَيْءٍ
قُدِّمَ) بصيغةِ المجهولِ من التفعيل فيه وفي: ((أُخِّر)). أي: وحقُّه التأخير. (وَلَا أُخِّرَ)
أي: ولا عن شيء أُخِّرَ وحقه التقديم. (إِلَّا قَالَ) وَّهِ فِي جوابه: (افْعَلْ) الآن ما بقي
وقد أجزأك فيما فعلت. (وَلَا حَرَجَ) عليك في التقديم والتأخير. وفي روايةٍ يونس
عند مسلمٍ: فَما سَمِعْتُهُ سُئِل يومئذٍ عن أمرٍ مما يَنْسى المرءُ أو يجهلُ من تقديمِ بعضٍ
الأمورِ قبّلَ بعضٍ وأشباهها إلا قالَ: ((افْعَلُوا ذَلِكَ وَلَا حَرَجَ)).
قال الباجي: لا يقتضي هَذَا رفع الحرج في تقديم شيء ولا تأخيره غير المسألتين
المنصوص عليهما؛ لأننا لا ندري عن أي شيء غيرهما سُئل في ذلك اليوم، وجوابه
إنما كان عن سؤال السائل، فلا يدخل فيه غيره، كما لا يدخل في قَوْلِه: «انْحَرْ وَلَا
حَرَجَ))، ((ارْمٍ وَلَا حَرَجَ)) غير ذلك مما لم يُسأل عنه. انتهى. وكذا قال ابنُ التينِ: أن
هَذَا الحديثَ لا يقتضي رفع الحرج في غير المسألتين المنصوص عليهما، يعني
المذكورتين في روايةٍ مالِكِ؛ لأنَّهُ خرِجَ جوابًا للسؤال، ولا يدخل فيه غيره.
انتھی .
وتعقبَّهُ الحافظُ، فقالَ: كأنه غفل عن قوله في بقية الحديث: ((فَما سُئل عن شيءٍ
قُدِّم ولَا أُخِّرَ)). وكأنه حمل ما أبهم فيه على ما ذكر، لكن قوله في رواية ابن
جريج: ((وَأَشْبَاهَ ذَلِك)). يرد عليه، وقد تقدَّم فيما حرَّرناه من مجموع الأحاديث عدة
صور وبقيت عدة صور لم تذكرها الرواة: إما اختصارًا، وإما لكونها لم تقع،
وبلغت بالتقسيم أربعًا وعشرين صورة، منها: صورة الترتيب المُتفق عَلَيْها وهي
رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف
الإفاضة، وهي وظائف يوم النحر بالاتفاق، وقد أجمع العُلَمَاء على مطلوبية هَذَا

٣١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
الترتيب إلا أن ابن الجهم من المالكية استثني القارن، فقال: لا يجوزُ له الحلقُ قبلَ
الطوافٍ، وكأنه لاحظ أنه في عمل العمرة، والعمرة يتأخّر فيها الحلق عن
الطوافٍ، يعني: أنه رأى أن القارن عمرته وحجه قد تداخلا، فالعمرة قائمة في حقه
والعمرة لا يجوز الحلق فيها قبل الطواف، ورد عليه النووي بنصوص الأحاديث
والإِجماع المتقدم عليه، ونازعه ابنُ دقيق العيد في ذلك، حيثُ قال: وكأنه يريدُ
بنصوص الأحاديث ما ثبت عنده: أنَّ النبيَّ وَ لِّ كان قارنًا في آخر الأمر، وقد حلق
قبلَ الطوافٍ -، وهذا إنما ثبتَ بأمرٍ استدلاليٍّ لا نصي، أعني: كونه مَلَُّ قارنًا،
وَابْن الجهم بنى على مذهب مالك والشافعي، ومن قال بأن الَّبِي وََّ كان مُفْرِدًا،
وأما الإجماع؛ فبعيد الثبوت إن أراد به الإجماع النقلي القولي، وإن أراد
السكوتي؛ ففيه نظر، وقد ينازع فيه أيضًا. انتهى.
قال الحافظ: واختلفَ العلماءُ في جوازٍ تقديم بعضها على بعض، فأجمعوا على
الإجزاء في ذلك، أي: في التقديم والتأخير، كما قاله ابنُ قدامة في ((المغني)) إلا
أنهم اختلفوا في وجوبِ الدم في بعضِ المواضعِ. قال القرطبي: روي عَنِ ابْن
عَبَّاسٍ أنَّ مَن قدم شيئًا على شيءٍ، فعليه دمٌّ. وبه قال سعيد بن جبير وقتادة والحسن
والنخعي وأصحاب الرأي. انتهى. وفي نسبة ذلك إلى النخعيِّ وأصحابِ الرأي
نظر؛ فإنهم لا يقولون بذلك إلا في بعض المواضع، كما سيأتي، قال: وذهبَ
الشافعيُّ وجمهورُ السلفِ والعلماء وفقهاء أصحاب الحديث إلى الجواز وعدم
وجوب الدم؛ لقوله للسائل: ((لَا حَرَجَ)). فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معًا؛ لأن
إثم الضيق يشملهما. انتهى.
وقال ابن دقيق العيد (ج٣: ص ٤٨، ٤٩): إذا ثبتَ أن الوظائف في يوم النحر
أربع، فقد اختلفوا فيما لو تقدم بعضها على بعض، فاختار الشافعي جواز التقديم
وجعل الترتيب مستحبًّا، ومالك وأبو حنيفة يمنعان تقديم الحلق على الرمي؛ لأنَّهُ
يكون حينئذ حلقًا قبل وجود التحللين، وللشافعي قول مثله، وقد بنى القولان له
على أنَّ الحلق نسك أو استباحة محظورٍ، فإن قلنا: إنه نسك؛ جاز تقديمه على
الرمي وغيره؛ لأنَّهُ يكون من أسبابِ التحلَّل، وإن قلنا: إنه استباحة محظور لم يجز
لما ذكرناه من وقوع الحلق قبل التحللين.

٣١٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابْ في التَّحَلَّلِ وَنَقْلِهِم بَعَض الأَعْمَالِ عَلَى بَعْضٍ
قال: وفي هَذَا البناء نظرٌ؛ لأنَّهُ لا يلزمُ من كون الشيء نسكًا أنْ يَكُون من أسباب
التحللِ، وهذا مالك يرى أن الحلق نسك، ويرى مع ذلك أنه لا يقدم على الرمي؛
إذ معنى كون الشيء نسكًا أنه مطلوب مثاب عليه، ولا يلزم من ذلك أنْ يَكُون سببًا
للتحلل. انتهى.
وقال الأوزاعي: إن أفاض قبل الرمي؛ أهراق دمًا. وقال عياض: اختلف عن
مالك في تقديم الطواف على الرمي، روى ابن عبد الحكم عن مالك، أنه يجبُ
عليه إعادة الطواف، فإن توجه إلى بلده بلا إعادة؛ وجب عليه دم.
قال ابنُ بطالٍ: هَذَا يخالف حديث ابن عباس، وكأنه لم يبلغه. قال الحافظُ :
وكذا هو في رواية ابن أبي حفصة عن الزهري في حديث عبد الله بن عمرو، وكأنَّ
مالكًا لم يحفظْ ذلك عن الزهري. انتهى. وقال الأبي: أما الإفاضة، فاختلفَ قول
مالك إذا قدمها قبل الرمي، فقيل: يجزئه ويهدي، وقيل: لا يجزئه ويعيدها بعد
الرمي، وهو كمن لم يفض، وكذلك اختلف قَوْلُه إذا قدمها على الحلق فرمى ثم
أفاض ثم حلق، فقال مرة: يجزئه وقال مرة: يعيدها بعد الحلق، وقال في
((الموطأ)) في باب التقصير: أحب إليَّ أن يريق دمًا، وكذلك اختلف قول مالك في
النحر قبل الحلق، وقال في آخر باب ما جاءَ في الحلاقِ، من ((الموطأ)»: الأمر الَّذِي
لا اختلاف فيه عندنا أن أحدًا لا يحلق رأسه ولا يأخذ من شعره حتى ينحر هديًا إن
كان معه، وقال في باب العمل في النحر: لا يجوزُ لأحدٍ أن يحلق رأسه حتى ينحر
هديه، وارجع لشرح هذه الأقوال إلى ((المنتقى)) للباجي.
وقال ابن قدامة (ج٣: ص ٤٤٦): وفي يوم النحر أربعة أشياء: الرمي، ثم
النحر، ثم الحلق ثم الطواف، والسنة ترتيبها هكذا، فإن التَّبِيِّهرِتَّبها، كذلك
وصفه جابر في حجِّ النبِّ وََّ، وروى أنس: أنَّ النبيَّ وََّ رمى ثم نحَرَ ثم حَلَق.
رواه أبو داود. فإن أخلَّ بترتيبها ناسيًّا أو جاهلاً بالسنة فيها؛ فلا شيء عليه في قول
كثير من أهل العلم، منهم: الحسن وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء
والشافعي وإسحاق وأبو ثور وداود ومحمد بن جرير الطبري. وقال أبو حنيفة: إن
قدم الحلق على الرمي أو على النحر؛ فعليه دم، فإن كان قارنًا؛ فعليه دمان، وقال
زفر: عليه ثلاثة دماء؛ لأنَّهُ لم يوجد التحلل الأول؛ فلزمه الدم، كما لو حلق قبل

٣١٦
BESMEN
#
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يوم النحر، ولنا ما روى عبد الله بن عمرو قال: قال رجل: يا رسول اللَّه حلقت قبل
أن أذبحَ؟ قال: ((اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ)). فقال آخر: ذبحت قبل أن أرمي؟ قال: ((ارْم وَلَا
حَرَجَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وفي لفظ: قال: فجاء رجلٌ فقال: يا رسولَ اللهِ لم أَشْعر
فحلقتُ قبلَ أنْ أذبحَ - وذكر الحديث - قال: فما سمعته يُسأل يومئذ عن أمر مما
ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور على بعضها وأشباهها إلا قال: ((افعلوا
ولا حرج عليكم)). رواه مسلم. وعَنِ ابْن عَبَّاسٍ عن النبيِّ ◌َّه: أنه قيلَ له يوم النحر
وهو بمنى في النحر والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: ((لا حرج)). مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عيسى بن طلحة عن عبد الله بن
عمرو، وفيه: فحلقتُ قبل أن أرمي. وتابعه على ذلك محمد بن أبي حفصة عن
الزهري عن عيسى عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَلَه، وأتاه
رجل، فقال: يا رسولَ اللهِ إني حلقتُ قبلَ أنْ أرميَ؟ قال: ((ارْم وَلَا حَرَجَ)). قالٍ:
وأتاه آخر فقال: إني أفضتُ قبل أنْ أرمي، قال: ((ارْمِ وَلَا حَرَجَ))، وسُنة رسول الله
وَّ أحق أن تتبع. على أنَّه لا يلزمُ من سقوطِ الدم بفقَدِ الشيء في وقتهِ سقوطه قبل
وقته. فإنه لو حلقَ في العمرةِ بعدَ السعي لا شيء عليه، وإن كان الحل ما حصلَ
قبله، وكذلك في مسألتنا إذا قلنا: إن الحل يحصل بالحلق، فقد حلق قبلَ التحلل
ولا دم عليه، فأما إن فعله عمدًا عالمًا بمخالفة السنة في ذلك؛ ففيه روايتان:
إحداهما: لا دم عليه، وهو قول عطاء وإسحاق لإطلاق حديث ابن عباس،
وكذلك حديث عبد الله بن عمرو، من رواية سفيان بن عيينة.
والثانية: عليه دمٌ، رُوي نحو ذلك عن سعيد بن جبير وجابر بن زيد وقتادة
والنخعي؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَّ بَلُغَ الْهَدْىُ مِلٌَّ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولأنَّ
النبيَّ نَ ◌ّهَ رتَّب وقال: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)). والحديثُ المطلقُ قد جاءَ مقيدًا،
فيحملُ المطلق على المقيد.
قال الأثرم: سمعتُ أبا عبد الله يسألُ عن رجلٍ حَلَق قبلَ أنْ يذبحَ؟ فقال: إن كان
جاهلاً فليس عليه، فأما التعمد فلا؛ لأن النَّبِي ◌َّ سأله رجل، فقال: لم أشعر،
قيل لأبي عبد اللَّه سفيان بن عيينة لا يقول: لم أشعر، فقال: نعم ولكن مالكًا
والناس عن الزهري: لم أشعر. وهو في الحديث.

٣١٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
SE
بَابٌ في التَّحَلَّلِ وَنَقْلِهِم بَعَض الأعْمَالِ عَلى بَعْضٍ
وقال مالك: إن قدم الحلق على الرمي؛ فعليه دمٌ، وإن قدمه على النحرِ أو النحر
على الرمي؛ فلا شيء عليه؛ لأنَّه بالإجماع ممنوع من حلق شعره قبل التحلل
الأول، ولا يحصل إلا برمي الجمرة، فأما النحرُ قبلِ الرمي فجائز؛ لأنَّ الهدي قد
بلغَ محله، ولنا الحديثُ، فإنه لم يفرِّق بينهما، فإنَّ النبيَّ ◌َِّ قِيلَ له في الحلق
والنحر والتقديم والتأخير، فقال: ((لَا حَرَجَ))، ولا نعلمُ خلافًا بينهم في أنَّ مخالفةً
الترتيب لا تخرج هذه الأفعال عن الإِجزاء ولا يمنع وقوعها موقعها، وإنما اختلفوا
في وجوب الدم على ما ذكرنا. والله أعلم.
فإن قدم الإفاضة على الرمي؛ أجزأه طوافه، وبهذا قالَ الشافعيُّ، وقال مالك:
لا تجزئه الإفاضة فليرم ثم لينحر ثم ليفض، ولنا ما روى عطاء: أنَّ النبيَّ وَّه قال له
رجلٌ: أفضتُ قبلُ أنْ أرمي؟ قال: ((ارْمٍ وَلَا حَرَجَ)). وعنه: أن النَّبِيِنَّه قال: ((مَنْ
قَدَّمَ شَيْئًا قَبْلَ شَيْءٍ، فَلَا حَرَجَ)). رواهما سعيدُ في ((سُنته))، وروي عن عبد الله بن
عمرو بن العاص: أن النَّبِي ◌َّ أتاه آخر، فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن
أرمي؟ فقال: ((ارْم وَلَا حَرَجَ))، فما سُئل رسولُ الله ◌ِ له عن شيءٍ قُدِّم أو أُخِّر إلا
قال: (افْعَلْ وَلَا خَرَّجَ)). رواه أبُو دَاوُد والنَّسَائي والترمذي. انتهى. وقد ظهر بما
ذكرنا من كلام القرطبي وَابْن دقيق العيد وَابْن قدامة والحافظ أنه لم يقل بظاهر
أحاديث الباب وعمومها أحد من الأئمة، بل خالفتها المالكية والحنفية في بعض
الأمور، كما سيأتي، نعم عمل بعمومها الشافعية والحنابلة، كما سيأتي أيضًا.
قال الدردير: يفعلُ في يوم النحر أربعة أمور مرتبة الرمي، فالنحر، فالحلق،
فالإفاضة، فتقديم الرمي على الحلق والإفاضة واجب وما عداه مندوب. انتهى.
وحاصلُهُ: أن تقديم الرمي على الحلق والإفاضة واجب يجبر بالدم وأما تقديمه
على النحر أو تقديم النحر على كل واحد من الحلق والإفاضة أو تقديم الحلق على
الإفاضة، فمستحب، فالمراتبُ ستة: الوجوب في اثنين، والندب في أربعة،
ومذهب الحنفية على ما قال ابنُ عابدين هو أن الطواف لا يجبُ ترتيبه على شيءٍ من
الثلاثة، وإنما يجبُ ترتيب الثلاثة: الرمي، ثم الذبح، ثم الحلق. لكن المفرد لا
ذبح عليه، فيجب عليه الترتيب بين الرمي والحلق فقط. وحاصله: أنه لا يجبُ
الدم بتقديم الطواف على الثلاثة، والمفرد ليس عليه الذبح، فيجب عليه الترتيب

٣١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في الرمي والحلق دون الذبح، فلا شيء عليه في تقديم الذبح على الرمي ولا
بتقديم الحلق على الذبح، وإنما يجب الترتيب في الثلاثة على القارن والمتمتع،
فإن قدم المفرد الحلق على الرمي، فعليه دم ولو حلق القارن أو المتمتع دون المفرد
قبل الذبح أو ذبح قبل الرمي؛ فعليه دمان. دم للقران، أو التمتع. ودم لهذه
الجناية، سواء كان عامدًا أو جاهلاً أو ناسيًا.
وقال النووي: الأعمال المشروعة يوم النحر أربعة: الرمي ثم الذبح ثم الحلق
ثم الطواف، وهي على هَذَا الترتيب مُستحبة، فلو خالف، فقدم بعضها على
بعض؛ جاز وفاته الفضيلة. وقال أيضًا: السنة ترتيبها هكذا، فلو خالف وقدم
بعضها على بعض؛ جاز ولا فدية عليه؛ لهذه الأحاديث، وبهذا قال جماعة من
السلف، وهو مذهبنا. انتهى، وفي ((كشاف القناعِ)) من فروع الحنابلةِ: وإن قدم
الحلق على الرمي أو على النحر أو طاف للزيارة قبلَ رميه أو نحَر قبل رميه جاهلاً أو
ناسيًّا؛ فلا شيء عليه، وكذا لو كان عالمًا، لكن يكره ذلك للعالم، وإن قدم طواف
الإفاضة على الرمي؛ أجزأه. انتهى. وكذا في ((منتهى الإرادات)) و((الروض
المربع)).
هذا؛ وقد احتجَّ لما روى الأثرمُ عن أحمد من تخصيصِ الرخصة بالناسي
والجاهل دون العامد بقوله في رواية مالك: ((لم أشعر))، كما تقدَّم، وبقوله في
رواية يونس: فما سمعته سُئل يومئذٍ عن أمرٍ مما ينسى المرءُ أو يجهل من تقديم
بعضِ الأمورِ على بعضٍ أو أشباهها إلا قالَ: ((افعلوا ولا حرج)).
وأجابَ بعضُ الشافعيَّةِ: بأنَّ الترتيبَ لو كان واجبًا لما سقط بالسهوِ، كالترتيب
بين السعي والطواف، فإنه لو سعى قبل أن يطوف؛ وجب إعادة السعي، قال: وأما
ما وقعَ في حديث أسامة بن شريك - الآتي في الفصل الثالث - فمحمولٌ على مَن
سعى بعدَ طواف القدوم، ثم طاف طواف الإفاضة، فإنه يصدقُ عليه أنَّه سعى قبلَ
الطوافٍ - أي: طواف الركن.
قال الحافظُ: ولم يقل بظاهرٍ حديث أسامة إلا أحمد وعطاء، فقالا: لو لم يطف
للقدوم ولا لغيره وقدم السعي قبل طواف الإفاضة؛ أجزأه. أخرجَهُ عبدُالرزاق عن
ابن جريج عنه. انتهى.

٣١٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابٌ في التَّخَلَّلِ وَنَقْلِهِم بَعَض الأَعْمَالِ عَلَى بَعْضٍ
وقال الخطابي في ((المعالم)) (ج٢: ص ٤٣٣): أما قوله: ((سعيتُ قبلَ أنْ
أطوفَ))، فيشبه أنْ يَكُون هَذَا السائل لما طاف طواف القدوم؛ قرن به السعي، فلما
طافَ طواف الإفاضة؛ لم يعد السعي، فأفتاه بأنْ لَا حرجَ؛ لأنَّ السعي الأول الَّذِي
قرنه بالطواف الأول قد أجزأه، فأما إذا لم يكن سعى إلى أن أفاض، فالواجبُ عليه
أن يؤخر السعي عن الطواف، لا يجزئه غير ذلك في قولِ عامة أهلِ العلمِ، إلا في
قول عطاء وحده، فإنه قال: يجزئه، وهو قول كالشاذ لا اعتبار له. انتهى.
قلتُ: وقد ذهبَ إليه ابنُ حزم أيضًا ورد على مَن فرَّق بين تقديم السعي وسائر ما
قدَّم وأخَّر، وأما تأويل الخطابيَّ وغيره، فلا يخفى ما فيه من التعسُّف. وقال ابن
دقيق العيد (ج ٣: ص ٧٩) بعد حكاية قول الإمام أحمد المذكور: وهذا القولُ في
سقوط الدم عن الجاهل والناسي دون العامد قوي من جهة أن الدليل دلَّ على
وجوبِ اتباع أفعال الرسول بَّ في الحج بقوله: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)). وهذه
الأحاديث المرخصة في التقديم لما وقع السؤال عنه إنما قرنت بقول السائل: لم
أشعر. فيختصُّ الحكم بهذه الحالة ويبقى حالة العمد على أصلٍ وجوب اتباع
الرسول في الحجِّ، وأيضًا الحكم إذا رتَّب على وصف يمكن أنْ يَكُون معتبرًا لم
يجز إطراحه وإلحاق غيره مما لا يساويه، ولا شك أن عدم الشعور وصف مناسب؛
لعدم التكليف والمؤاخذة والحكم علق به، فلا يمكنُ إطراحه وإلحاق العمد به؛ إذ
لا يساويه، فإن تمسك بقول الراوي: فما سُئِل عن شيءٍ قُدِّم ولا أُخِّر إلّا قال:
((افْعَلْ وَلَا حَرَجَ)) فإنه قد يشعرُ بأنَّ الترتيبَ مطلقًا غير مراعى في الوجوبٍ، فجوابُهُ
أن الراوي لم يحك لفظًا عامًّا عن الرسول وَيُّه يقتضي جواز التقديم والتأخير
مطلقًا، وإنما أخبر عن قوله بَّه: (لَا حَرَجَ)). بالنسبة إلى كُلِّ ما سُئل عنه من
التقديم والتأخير حينئذ، وهذا الإخبار من الراوي إنما تعلق بما وقع السؤال عنه.
وذلك مطلق بالنسبة إلى حال السؤال وكونه وقع عن العمد أو عدمه، والمطلق لا
يدلُّ على أحدِ الخاصين بعينه، فلا يبقى حجة في حال العمد، والله أعلم. انتهى.
وتعقبه الشنقيطي بأنه لا يتضح حمل الأحاديث على من قدم الحق جاهلاً أو
ناسيًّا، وإن كان سياق حديث عبد الله بن عمرو المُتفق عَلَيْهِ يدلَّ على أن السائل
جاهل؛ لأنَّ بعضَ تلك الأحاديث ليس فيها ذكر النسيان ولا الجهل، فيجبُ
استصحاب عمومها، حتى يدلَّ دليلٌ على التخصيص في النسيان والجهل. وقد