Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وقال ابن دقيق العيد في ((شرح العُمدةِ)): لما حمل أصحابُ الشافعي ومالك أمره علَّ بترك العمرة على ترك المضي في أعمالها لا على رفضها بالخروج منها، وأنها أهلت بالحج مع بقاء العمرة وكانت قارنة اقتضى ذلك أن يكونَ قد حصل لها عمرة، وأشكل حينئذٍ قولها: ينطلقونَ بحجّ وعمرٍ، وأنطلقُ بحجّ. إذ هي أيضًا قد حصل لها حج وعمرة لما تقرر من كونها صارت قارنة فاحتاجوا إلى تأويل هذا اللفظ فأولوا قولها: ينطلقونَ بحجٍّ وعمرةٍ، وأنطلقُ بحجٍّ. على أن المراد ينطلقون بحج مفرد عن عمرة وعمرة مفردة عن حجٍّ وأنطلقُ بحجِّ غير مفرد عن عمرة، فأمرها النبيُّ وََّ بالعمرةِ؛ ليحصل لها قصدها في عمرة مفردة عن حجٍّ. هذا حاصل ما قيل في هذا مع أن الظاهر خلافه بالنسبة إلى هذا الحديث، لكن الجمع بين الروايات ألجأهم إلى مثل هذا، انتهى. وإنما أعمرها من التنعيم تطييبًا لقلبها لكونها لم تطف بالبيت لما دخلت معتمرة وقد وقع في رواية لمسلم من حديث جابرٍ وكان النبيُّ ◌َّه رجلًا سهلًا إذا هويت الشيء تابعها عليه، وأما ما قاله ◌َّ لها بعد ما اعتمرت من التنعيم فقال: ((هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِك))، فمعناه العمرة المنفردة التي حصل لغيرها التحلل منها بمكة ثم أنشأوا الحج منفردًا، فعلى هذا فقد حصل لعائشة عمرتان. قال النووي: قوله وَالخلال: ((يَسَعُكِ طَوَافُك لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِك)). تصريح بأن عمرتها باقية صحيحة مجزية وأنها لم تلغها ولم تخرج منها، فيتعين تأويل ((ارْفُضِي عُمْرَتَك)). و((دَعِي عُمْرَتَكِ)) على ما ذكرناه من رفض العمل فيها وإتمام أفعالها والله أعلم. وأما قوله ◌َّلّ في الرواية الأخرى لما مضت مع أخيها عبد الرحمن ليعمرها من التنعيم: ((هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِك)) فمعناه: أنها أرادت أن يكون لها عمرة منفردة عن الحجِّ، كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فَسَخُوا الحج إلى العمرةٍ وأتموا العمرة وتحللوا منها قبل يوم التروية، ثم أحرموا بالحجِّ من مكة يوم التروية، فحصل لهم عمرة منفردة وحجة منفردة، وأما عائشة فإنما حصل لها عمرة مندرجة في حجةٍ بالقرانِ، فقال لها النبي ◌َّله يوم النفر: ((يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِك))، أي: وقد تمَّا وحُسِبا لك جميعًا فأبت وأرادت عمرة منفردة كما حصل لباقي الناس، فلما اعتمرت عمرة منفردة قال لها النبي ◌َّ: (هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِك))، أي: التي كنت تريدين حصولها منفردة غير مندرجة فمنعك ٦٦١ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ الحيض من ذلك، وهكذا يقال في قولها: يرجعُ الناسُ بحَجٌّ وعمرٍ، وأرجعُ بحجٌّ. أي: يرجعون بحجٌّ منفردٍ وعمرة منفردة وأرجع أنا وليس لي عمرة منفردة، وإنما حرصت على ذلك لتكثير أفعالها، انتهى. (فَفَعِلْتُ) بسكون اللام على صيغةِ المتكلّمِ، أي: ما أمرها النبيُّ وَّه من النقض والامتشاط وترك العمرة والإهلال بالحج. (حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي)، أي: أديته وأتممته فالقضاء بمعنى الأداء. (بَعَثَ مَعِي) قيل: جملة استئنافية ذكره الطيبي. وفي مسلم: قَالَتْ: ففعلتُ ذَلِكَ حتَّى إِذَا قضيتُ حَجِّي بَعَثَ ... إلخ. وكان إرسالها مع أخيها عبد الرحمن ليلة البطحاء أو الحصبة وهي ليلة الأربعاء رابع عشرة ذي الحجة . (عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَ) الصديق القرشي التيمي، يكنى: أبا عبد الله، وقيل: بل يكنى: أبا محمدٍ، وقيل: أبا عثمان، أمه أم رومان والدة عائشة فهو شقيقها، وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، وقيل: عبد العزى، فغيَّرَهُ النبيُّمِّه، وتأخَّر إسلامه إلى أيام الهدنة، فأسلم وحسن إسلامه. وقيل: إنما أسلم يوم الفتح هو ومعاوية في وقت واحد. ويقال: إنه شهد بدرًا مع المشركين ودعا إلى البراز فقام إليه أبوه ليبارزه، فذكر أن رسول اللَّه وَ لَه قال له: ((متعْنَا بِنَفْسِك))، ثم أسلمَ وحَسُنَ إسلامُهُ، وصَحِب النبي ◌ََّ في هدنة الحديبية، وكان أسن ولد أبي بكرٍ. قال الزبير ابن بكار: كان رجلاً صالحًا وكانت فيه دُعابة. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب في حديث ذكره أن عبد الرحمن بن أبي بكر لم يجرب عليه كذبة قط. وقال ابن عبد البر: كانَ من أشجع رجال قريش وأرماهم بسهمِ، وحضر اليمامة مع خالد بن الوليد فقتلَ سبعةً من كبارهم منهم محكم اليمامة ابن طفيل، رماه بسهمٍ في نحرِهِ فقتلَهُ. وأخرج الزبير عن عبد الله بن نافع قال: خطبَ معاويةُ فدعا الناس إلى بيعة يزيد فكلمه الحسين بن عليٍّ وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكرٍ، فقال له عبد الرحمن: أهرقلية كلما ماتَ قيصر كان قيصرُ مكانَهُ؟ لا نفعل واللَّه أبدًا. وبعثَ إليه معاوية بعد ذلك بمائة ألف درهم فردَّها؛ وقال: لا أبيعُ دِيني بدُنياي. وخرج إلى مكة فماتَ بها قبل أن تتمَّ البيعة ليزيد، وكان موته فجأة من نومة نامها بمكان على عشرة أميال من مكة. وقيل: توفي بحبشى، وهو على اثني عشر ميلاً من مكة فحمل إلى مكة فدُفِن بها. ولما ٦٦٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ بلغَ عائشةَ خبرُهُ خرجتْ حاجة فوقفت على قبرهٍ وأنشدت أبيات متمم بن نويرة في أخيهِ مالك : مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ: لَنْ يَتَصَدَّعَا وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً لِطُولِ اجْتِمَاعِ، لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا فَلَمَّا تَفرَّقْنا كَأَنِّي وَمَالِكًا ثم قالت: لو حضرتُك دفنتُكَ حيثُ متَّ. روى عبد الرحمن عن النبي وَل أحاديث منها في الصحيح، وعن أبيه وروى عنه ابنه عبد الله وحفصة وابن أخيه القاسم بن محمد وغيرهم. قال الخزرجي: له ثمانية أحاديث اتفقا على ثلاثة، مات سنة ثلاث وخمسين، قاله ابنُ سعدٍ. وقيل: بعد ذلك. (وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي)، أي: بدلها، نصب على المصدر. قاله ابن الملك. أي: عُمرتي التي تركتها. (مِنْ التَّنْعِيمِ) متعلَّق بأعتمرُ، وزاد في رواية عند الشيخين وغيرهما: فَاعْتَمَرْتُ فَقَالَ: ((هَذِهِ - أي: العمرة - مَكَانَ عُمْرَتِك)). قال الزرقاني: بالرفع على الخبرية وبالنصبٍ على الظرفية وعامله محذوف، وهو الخبر أي: كائنة أو مجعولة مكان عمرتك. قال عياض: والرفعُ أوجه عندي إذ لم يرد به الظرف، إنما أراد عوض عمرتك. فمن قال: كانت قارنة، قال: مكان عمرتك التي أردت أن تأتي بها مفردة، وحينئذٍ فتكون عمرتها منَ التنعيمِ تطوُّعًا لا عن فرض لكنَّه أرادَ تطييب نفسها بذلك. ومن قال: كانت مفردة قال: مكان عمرتك التي فسخت الحج إليها. ولم تتمكني من الإتيان بها للحيض. وقال السهيلي: الوجهُ النصبُ على الظرفِ؛ لأنَّ العمرة ليست بمكان العمرة أخرى لكن إن جعلت مكان بمعنى عوض أو بدل مجازًا أي هذه بدل عمرتك جاز الرفع حينئذٍ، انتهى. والتَّنْعِيم تفعيل بفتح المثناة الفوقية وسكون النون وكسر العين المهملة: موضع على ثلاثة أميال أو أربعة من مكة أقرب الحل إلى البيتٍ، سمي به؛ لأنَّ على يمينهِ جبل نُعيم - بضم النون -، وعلى يساره جبل ناعم، والوادي اسمه نَعمان - بفتح النون - قاله في ((القاموس)). قال المحبُّ الطبري: هو أمام أدنى الحل وليس بطرفِ الحلِّ، ومن فسَّره بذلك فقد تجوز وأطلق اسم الشيء على ما قُرب منه، ذكره القسطلاني. وقال الحافظُ : مكان خارج مكة على أربعة أميال منها إلى جهة المدينة كما نقله الفاكهي. وقال ٦٦٣ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِضَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ المحب الطبري: التنعيم أبعد من أدنى الحل إلى مكة بقليل وليس بطرف الحل بل بينهما نحو ميلٍ، ومن أطلق عليه طرف الحل فهو تجوزُ. قال الحافظ: وأراد بالنسبة إلى بقية الجهات، واختلفَ في موضع إحرام عائشة فروى الأزرقي عن ابن جريج قال: رأيت عطاء يصف الموضع الذي أحرمت منه عائشة، فأشارَ إلى الموضّع الذي وراء الأكمة وهو المسجد الخَرِب - بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء المهملةَ - ونقلَ الفاكهي عن ابن جريج وغيره، أن ثم مسجدين يزعم أهل مكة أنَّ الخرب الأدنى من الحرم، هو الذي أحرمت منه عائشة، وقيل: هو المسجد الأبعد عن الأكمة الحمراء، ورجَّحه المحب الطبري (ص ٥٧٦). وقال الفاكهي: لا أعلمُ ذلك إلا أني سمعت ابن أبي عمير يذكر عن أشياخه أن الأول هو الصحيح عندهم. والحديثُ يدلَّ على أنَّ إعمارها من التنعيمِ كان بأمرٍ النبي ◌َّ وأصرح منه ما أخرجَهُ أبو داود من طريق حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيها: أنَّ رسولَ اللَّهِوَ ◌ّه قال: ((يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَرْدِفَ أُخْتَكَ عَائِشَةَ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيم ... )) الحديث. ونحوه رواية الأسود عن عائشةً عند البخاريِّ قالَ: (فَاذْهَبِي مَعَّ أَخِيِكِ إِلَى التَّنْعِيم)). وفي رواية عن الأسود والقاسم جميعًا عنها بلفظ: (فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ)) وهو صَريحٌ بأن ذلك كان عن أمرِ النبيِّ ◌َ، وكلُّ ذلك يفسّر قوله في رواية القاسَم عنها بلفظ: ((اخْرُجْ بِأَخْتِكَ مِنْ الْحَرَم))، وأما ما رواه أحمد من طريق ابن أبي مليكة عنها في هذا الحديثِ قَالَ: ثُم أرسَلَ إِلى عبد الرحمن بن أبي بكرٍ فقالَ: ((إِحْمِلْهَا خَلْفَكَ حَتَّى تَخْرُجَ مِنَ الْحَرَمِ))، فَوَاللَّه مَا قَال: فتخرجها إلى الجعرانة ولا إلى التنعيم. فهي رواية ضعيفة لضعَف أبي عامر الخراز الراوي له عن ابن أبي مليكة، ويحتمل أن يكون قوله: فوالله ... إلخ من كلام من دون عائشة، قاله متمسكًا لإطلاق قوله: ((فَأَخْرِجْهَا مِنَ الْحَرَم)) لكن الروايات المقيدة بالتنعيم مقدمة على المطلقة فهو أولى، ولا سيما مع صَحَّة أسانيدها، كذا في ((الفتح))، وعقد البخاري في (صحيحه)) لحديث عبد الرحمن بن أبي بكر في أمره وَّة إياه إعمارها من التنعيم: باب عمرة التنعيم. قال الحافظ: يعني هل تتعين لمن كان بمكة أم لا؟ وإذا لم تتعين هل لها فضل على الاعتمار من غيرها من جهات الحل أو لا؟ قال صاحب ((الهدي)): لم ينقل أنه وَّل اعتمر مدة إقامته بمكة قبل الهجرة ولا اعتمر بعد الهجرة إلا داخلًا إلى مكة، ولم يعتمر قط خارجًا من مكة ٦٦٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ إلى الحل، ثُم يدخل مكة بعمرة كما يفعل الناس اليوم، ولا ثبت عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك في حياته إلا عائشة وحدها. قال الحافظ: وبعد أن فعلته عائشة بأمره دلَّ على مشروعيته. واختلفَ السلفُ في جواز الاعتمار في السنة أكثر من مرة فكرهه مالك، وخالفه مطرف وطائفة من أتباعه وهو قول الجمهور. واستثنى أبو حنيفة يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، ووافقه أبو يوسف إلا في يوم عرفة، واستثنى الشافعي البائت بمنى لرمي أيام التشريق، وفيه وجه اختاره بعض الشافعية فقال بالجواز مطلقًا كقول الجمهور. والله أعلم. وقد تقدَّم شيء من الكلام في ذلك في شرح حديث أبي هريرة: ((الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا)). قالَ الحافظُ: واختلفوا أيضًا هل يتعيِّنُ التنعيم لمن اعتمر من مكّة؟ وتقدَّمِ الكلامُ فيه أيضًا في شرح حديث ابن عباس في المواقيت. قال الحافظ: واستدلّ بحديثٍ عبد الرحمن بن أبي بكر فيٍ إِعمار عائشة من التنعيم على تعين الخروج إلى الحلِّ لمن أراد العمرة ممن كان بمكّة، وهو أحد قولي العلماء. والثاني: تصح العمرة ويجبُ عليه دمٌ لترك الميقات. وليس في حديث الباب ما يدفع ذلك. واستدل به أيضًا على أن أفضل جهات الحل التنعيم. وتعقّب: بأنَّ إحرام عائشة من التنعيم، إنما وقع لكونه أقرب جهة الحل إلى الحرم لا أنه الأفضل. وقال في باب أجر العمرة على قدر التعب، بعد ذكر ما روى الدار قطني والحاكم من حديث عائشة: أنَّ النبيَّ بِّ قال لها في عُمرتها: ((إِنَّمَا أَجْرُكِ فِي عُمْرَتِكِ عَلَى قَدْرٍ نَفَقَتِك)). استدلَّ به على أن الاعتمار لمن كان بمكة من جهة الحل القريبة أقل أجرًا من الاعتمار من جهة الحل البعيدة، وهو ظاهر هذا الحديث. وقال الشافعي في الإملاء: أفضل بقاع الحل للاعتمار الجعرانة؛ لأن النبي أحرم منها، ثم التنعيم لأنه أذن لعائشة منها. قال: وإذا تنخَّى عن هذين الموضعين فأين أبعد حتى يكون أكثر لسفره كان أحب إليَّ. وحكى الموفق في ((المغني)) عن أحمد: أنَّ المكي كلما تباعد في العمرة كان أعظم لأجره. وقال الحنفية: أفضل بقاع الحل للاعتمار التنعيم، ووافقهم بعض الشافعية والحنابلة. ووجهه ما قد مناه أنه لم ينقل أن أحدًا من الصحابة في عهد النبي وَّ خرج من مكة إلى الحلِّ ليحرم بالعمرة غير عائشة، وأما اعتماره وَلّه من الجعرانة، فكان حين رجع مِن الطائف مجتازًا إلى المدينة. ولكن لا يلزمُ من ذلك تعين التنعيم للفضل لما دلَّ عليه هذا الخبر أن الفضل في زيادةِ التعب والنفقة، وإنما يكونُ التنعيم أفضل من جهة أخرى ٦٦٥ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِضَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاع تساويه إلى الحل من جهة أبعد منه، انتهى. (فَطَافَ)، أي: طواف العمرة. (الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ) وحدها يعني الذين أفردوا العمرة عن الحج. (بِالْبَيْتِ) متعلَّق بطاف، أي: عند دخولهم مكة. (وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي: وسعوا بينهما. وقال القاري: الطواف يراد به الدور الذي يشمل السعي فصحَّ العطفُ ولم يحتج إلى تقدير عامل وجعله نظير: علفتها تبنًا وماء باردًا. (ثُمَّ حَلّوا)، أي: خرجوا من العمرة بالحلقِ أو التقصير، ثم أحرموا بالحجِّ من مكة. (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا)، أي: للحجِّ يوم النحر، وهو طواف الإفاضة. (بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنَّى)، أي: إلى مكّة، وقد سقطَ عنهم طواف القدوم إجماعًا؛ لأنهم صاروا في حكم أهل مكة، والمكي لا طواف عليه للقدوم إلا ما حُكي عن الإمام أحمد: أن المتمتع يطوف يوم النحر أولًا للقدوم ثم يطوف طوافًا آخر للحج. قال الخرقي: إن كان متمتعًا فيطوف بالبيت سبعًا وبالصفا والمروة سبعًا كما فعل بالعمرة ثم يعود فيطوف طوافًا ينوي به الزيارة. قال ابن قدامة: أما الطواف الأول الذي ذكره الخرقي ها هنا فهو طواف القدوم؛ لأن المتمتع لم يأت به قبل ذلك والطواف الذي طافه في العمرة كان طوافها. ونص أحمد على أنه مسنون للمتمتع في رواية الأثرم، قال: قلت لأبي عبد اللَّه تَخَّهُ: فإذا رجعَ - أعني المتمتع - كم يطوف ويسعى؟ قال: يطوف ويسعى لحجه ويطوف طوافًا آخر للزيارة، عاودناه في هذا غير مرَّة فثبت عليه. وكذلك الحكم في القارن والمفرد إذا لم يكونا أتيا مكة قبل يوم النحر ولا طافا للقدوم فإنهما يبدآن بطواف القدوم قبل طواف الزيارة نص عليه أحمد أيضًا، واحتجَّ بما روت عائشة قالت: فطافَ الذين أهلُّوا بالعمرةِ بالبيتِ وبين الصفا والمروة، ثم حلوا فطافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منَّى لحَجِّهم. وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا، فحمل أحمدُ قول عائشة على أن طوافهم لحجهم هو طواف القدوم، ولأنه قد ثبت أن طواف القدوم مشروع، فلم يكن تعين طواف الزيارة مسقطًا له كتحية المسجد عندَ دخولِهِ قبلَ التلبس بصلاةِ الفرضِ ولم أعلمُ أحدًا وافق أبا عبد الله على هذا الطواف الذي ذكره الخرقي، بل المشروع طواف واحد للزيارة كمن دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة، فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد، ولأنه لم ينقل عن النبي ◌ّ ولا عن أصحابه الذين تمتعوا معه في حجة الوداع ولا أمرَ به ٦٦٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ النبيُّ ◌َّ أحدًا، وحديث عائشة دليلٌ على هذا فإنها قالت: طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وهذا هو طواف الزيارة، ولم تذكر طوافًا آخر، ولو كان هذا الذي ذكرته طواف القدوم لكانت قد أخلت بذكر طواف الزيارة الذي هو ركن الحج لا يتم الحج إلا به، وذكرت ما يستغنى عنه، وعلى كل حال فما ذكرت إلا طوافًا واحدًا، فمن أين يستدل به على طوافين؟ وأيضًا: فإنها لما حاضت قرنت الحج إلى العمرة بأمر النبي وَّه ولم تكن طافت للقدوم، ولا أمرها به النبي وَّةِ، وقد ذكر الخرقي في موضع آخر في المرأة إذا حاضت فخشيت فوات الحج: أهلت بالحج وكانت قارنة، ولم يكن عليها قضاء طواف القدوم، ولأن طواف القدوم لو لم يسقط بالطواف الواجب لشرع في حقِّ المعتمر طواف للقدومِ مع طوافٍ العمرةٍ؛ لأنه أول قدوم إلى البيت فهو به أولى من المتمتع الذي يعود إلى البيت بعد رويته وطوافه به، وفي الجملةِ إن هذا الطواف المختلف فيه ليس بواجب، وإنما الواجب طواف واحد وهو طواف الزيارة، وهو في حقِّ المتمتع كهو في حق القارن والمفرد في أنه ركن للحج لا يتم إلا به، انتهى كلام ابن قدامة. واختار الشيخُ تقي الدين ابن تيمية ما رجَّحه ابن قدامة وصححه الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب. قال ابن القيم بعد ما حكى كلام ابن قدامة المتقدم: لم يرفع كلام أبي محمد يعني ابن قدامة الإشكال، وإن كان الذي أنكره أي من تكرار الطواف يوم النحر بعد الوقوف للمتمتع هو الحق كما أنكره، والصوابُ في إنكاره فإنَّ أحدًا لم يقل إن الصحابة لما رجعوا من عرفة طافوا للقدوم وسعوا ثم طافوا للإفاضة بعده ولا النبي ◌َّ، هذا لم يقع قطعًا ولكن كان منشأ الإشكال أن أمَّ المؤمنين فرَّقت بين المتمتع والقارن، فأخبرت أن القارنين طافوا طوافًا واحدًا، وأن الذين أهلوا بالعمرة طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منَّى لحجهم، وهذا غير طواف الزيارة قطعًا فإنه يشترك فيه القارن والمتمتع فلا فرق بينهما فيه، ولكن الشيخ أبو محمد لما رأى قولها في المتمتعين: أنَّهم طَافوا طوافًا آخر بعد أنْ رَجَعوا من منى. قال: ليسَ في هذا ما يدلّ على أنهم طافوا طوافين، والذي قاله حق ولكن لم يرفع الإشكال، فقالت طائفة: هذه الزيادة من كلام عروة أو ابنه هشام أدرجت في الحديث، وهذا لا يتبين، ولو كان فغايتُهُ أنه مرسل ولم يرتفع الإشكال عنه بالإرسالِ، فالصوابُ أن الطواف الذي أخبرت به عائشة وفرقت به بين المتمتع ٦٦٧ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ e والقارن هو الطواف بين الصفا والمروة، لا الطواف بالبيتٍ، وزال الإشكال جملة فأخبرت عن القارنين أنهم اكتفوا بطواف واحد بينهما لم يضيفوا إليه طوافًا آخر يوم النحر، وهذا هو الحق. وأخبرت عن المتمتعين أنهم طافوا بينهما طوافًا آخر بعد الرجوع من منى للحجِّ، وذلك الأول كان للعمرة، وهذا هو قول الجمهور، انتھی . (وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ)، أي: ابتداء أو إدخالًا لأحدهما في الآخر. وفي رواية: وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْحَجِّ - أي: مفردًا - أَوْ جَمَعُوا الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ أي: قارنوا. (فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَانًا وَاحِدًا)، أي: بعد الوقوف بعرفة يوم النحر للحج والعمرة جميعًا. قال الزرقاني: لأن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد؛ لأن أفعال العمرة تندرج في أفعال الحج، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور، وقال الحنفية: لا بد للقارن من طوافيين وسعيين، انتهى. وقال العيني: في الحديث - يعني: حديث عائشة - حجة لمن قال: الطواف الواحد والسعي الواحد يكفيان للقارن وهو مذهب عطاء والحسن وطاوس، وبه قال مالك وأحمد والشافعي وإسحاق وأبو ثور وداود إلى آخر ما قال. قلتُ: هكذا صرَّح غير واحد من شراح الحديث من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم بأن الحديث حجة للأئمة الثلاثة في وحدة الطواف للقارن خلافًا للحنفية القائلين بالطوافين له، قيل: والحديثُ بظاهره مُشكل على الجميع؛ لأنه يدلُّ على اكتفائهم بطوافٍ واحدٍ، وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة: أنَّهم طافوا ثلاثة أطوفة: الأول: طواف القدوم، والثاني: طواف الإفاضة، والثالث: طواف الوداع، ولذلك اتَّفق الجميعُ على أنَّ القارن يطوفُ ثلاثة أطوفة، طواف القدوم والركن والوداع، وزادت الحنفية على ذلك طواف العمرة فصارت أربعة . قال ابن قدامة: الأطوفةُ المشروعةُ في الحجِّ ثلاثة: طواف الزيارة، وهو ركن الحج، لا يتمُّ إلا به بغير خلاف، وطواف القدوم، وهو سُنة لا شيء على تاركِهِ، وطواف الوداع واجب ينوب عنه الدم إذا تركه، وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري. وقال مالك: على تارك طواف القدوم دم، ولا شيء على تارك طواف الوداع، وحكي عن الشافعي كقولنا في طواف الوداع، وكقوله في طواف القدوم، انتھی . ٦٦٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وعدَّ النوويُّ في ((مناسكه)) طواف القدوم من السنن والوداع من الواجبات. وصرَّح الدرديرُ بوجوب طواف القدوم، وصرح أتباع الأئمة الثلاثة في فروعهم أن القارن حكمه حكم المفرد خلافًا للحنفية، فالقارن عند أتباع الثلاثة يطوف ثلاثة أطوفة كالمفردِ، الأول: طواف القدوم، والثاني: طواف الإفاضة يومَ النحر، لكنه عندهم للحجِّ والعمرةِ كليهما فإنه دخل عمل العمرة في عمل الحج، والثالث: طواف الصدر، وأما الحنفية فزادوا على ذلك طواف العمرة وقالوا: طواف الإفاضة هو للحجِّ فقط فصارت أطوفة القارن عندهم أربعة. قال في ((الهداية)) في بيان القارن: إذا دخل مكة ابتدأ فطاف بالبيت سبعة أشواط، يرمل في الثلاث الأول منها ويسعى بعدها بين الصفا والمروة، وهذه أفعال العمرة، ثم يبدأ بأفعال الحج فيطوف طواف القدوم ويسعى بعده كما بينا في المفرد، انتهى. وقيل: الأطوفة للقارن عند الحنفية أيضًا ثلاثة كالمفرد، لكن الطواف الأول يوم الورود واللقاء هو للعمرةٍ وتداخل فيه طواف القدوم، والطواف الثاني، أي: يوم النحر هو للحجّ فقط . قال الشيخ محمد أنور الكشميري الحنفي: ويمكن أن يقال: إن الطواف الأول يوم القدوم كان للعمرة وتداخل فيه طواف القدوم. وقال الشيخ ثناء الله الفاني فتى في تفسيره: قلت: وذلك الطواف والسعي كان لعمرته وكفاه عن طواف القدوم لحجه، انتهى. ولكون ظاهر حديث عائشة مخالفًا للأحاديث الدالة على تعدد الطواف للمفرد والقارن احتاج الجميع إلى توجيهه وتأويله، فقال السندي في حاشيته على البخاري: ظاهر الحديث أنهم إنما اقتصروا من الطوافين الذين طافهما السابقون على أحدهما إما الأول وإما الثاني، وليس الأمر كذلك بل هم أيضًا طافوا الطوافين الأول والثاني جميعًا، ذلك مما لا خلافَ فيه، وقد جاءً صريحًا عن ابنٍ عُمر، ففي ((صحيح مسلم)) عنه: وبدأ رسولُ اللَّهِ وَلَ فأهلَّ بالعمرةِ ثُم أهلَّ بالحج، إلى أنْ قال: وطافَ رسولُ اللّهِ وَ لَه حينَ قدم مكَّة، إلى أن قال: ونحر هَدْيه يومَ النحرِ وأفاضَ وطافَ بالبيتٍ وفعلَ مثل ما فعل رسول اللّه وَلَه من أهدى وساق الهدي مِن الناس. ثم ذكر عن عائشة أنها أخبرت بمثل ذلك، وسيجيء هذا الحديث في البخاري أيضًا في باب سوق البدن، فالمراد كما سبق أنهم طافوا للركن طوافًا واحدًا والسابقون طافوا للركن طوافين، وقال أيضًا: ٦٦٩ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ قوله: وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًّا وَاحِدًا، أي: ما طافوا طواف الفرض إلا طوافًا واحدًا هو طواف الإفاضة، والذي طافوا أولًا كان طواف القدوم الذي هو من السنن لا من الفرائض، بخلاف الذين حلَّوا، فإنهم طافوا أولًا فرض العمرة، ثم فرضَ الحج فطافوا طوافين للفرض، ولم يرد أن الذين جمعوا ما طافوا أولًا حين القدوم أو ما طافوا آخرًا بعد الرجوع من منى، كما يفيدُهُ ظاهر الكلام كيف والنبي وَّ كان من الذين جمعوا على التحقيق وعلى مقتضى هذا الحديث؛ لأنه كان معه الهدي ألبتة، وقد ثبت أنه طاف أولًا حين قدم وطاف ثانيًا طواف الإفاضة حين رجع من منى، بل لعلَّه ما ثبتَ أنَّ أحدًا ترك الطواف عند القدوم ولا طواف الإفاضة، فلا فرقَ بين الطائفتين إلا بصفةِ الافتراضٍ، فطواف من حل كان مرتين فرضًا وطواف من لم يحل كان مرة فرضًا، والله تعالى أعلم، والحاصل: أن إحدى الطائفتين طافوا طوافين للنسكين، والثانية طافوا لهما واحدًا، انتهى. وقال الباجي: قولها: أما الذينَ أهلُّوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا. تريد والله أعلم أحدَ وجهين: إما أنهم لم يطوفوا غير طواف واحد للورود وطواف واحد للإفاضة إن كانوا قرنوا قبل دخول مكة، وإن كانوا أردفوا فلم يطوفوا غير طواف واحد وهو طواف الإفاضة، ويحتمل أن يريد بذلك: أنَّهم سعوا لهما سعيًا واحدًا، والسعي يسمى طوافًا. والوجه الثاني: أن طوافهم كان على صفة واحدة لم يزد القارن فيه على طواف المفرد، وذلك أن القارن لم يفرد العمرة بطواف وسعي، بل طافَ لهما كما طافَ المفردُ للحجِّ، وهذا نصٌّ في صحَّةٍ ما ذهبَ إليه مالك، ومن وافقَهُ في أنَّ حكم القارن في ذلك حكم المفردِ، انتهى. ثم قال: وهؤلاء جمعوا الحج والعمرة لا يخلو أن يكونوا أهلوا بهما جميعًا أو أردفوا الحج على العمرة إذ أمرهم النبي وَلة. بذلك، فإنْ كانوا ممن أهلَّ بهما فقد طافوا لهما طواف الورود، وسعوا بأثرِهِ، ثُم طافوا لهما بعد ذلك طواف الإفاضة ولم يسعوا بعده. وأما من أردف الحجَّ على العمرة، فإنَّ كان أردفه قبل الوصول إلى مكة فحكمه حكم من أهلّ بهما، وقد تقدم حكمه. وأما مَن أردفه بعد الوصول إلى مكة وقبل التلبس بالطواف، فإنه لا يطوف بالبيت ولا يسعى بين الصفا والمروة حتى يرجع من منى؛ لأنه محرم بالحجِّ من ٦٧٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ مكَّة، ومن أحرم بالحجِّ من مكة، فليس عليه طواف ورود، فهذا المردف لما أحرم بالحج من مكة لا تأثير لما تقدم من عمرته في الورود ولا في غير ذلك من الأفعال غير وجوب الدم للقران، انتهى. وقال ابن قدامة ما محصله: أن المراد الطواف الواحد للزيارة بعد الرجوع عن منى بخلاف المتمتع فإنه يطوف عند أحمد إذ ذاك طوافين: طواف القدوم وطواف الزيارة؛ لأن المتمتع لم يأت بطواف القدوم قبل ذلك، والطواف الذي طافه قبل الخروج إلى منى كان للعمرةٍ، وعلى هذا معنى قولها: ((طَوَافًا وَاحِدًا))، أي: يوم النحر للزيارة فقط لا للقدوم طوافًا آخر كما يفعله المتمتع عند الحنابلة، وقد تقدَّم كلام ابن قدامة بتمامه. وأجابَ الحنفية عن حديث الباب وأوَّلُوه بوجوه، فقال بعضهم: إن المراد بقولها: ((طَوَاقًا وَاحِدًا))، أي: طاف لكلِّ واحدٍ منهما طوافًا يشبه الطواف الذي للآخر، انتهى. ولا يخفى ما في هذا التأويل من التعسُّف، وقال الطحاوي: إن عائشة أرادت بقولها: وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا لهما طوافًا واحدًا يعني: الذين تمتعوا بالعمرة إلى الحجّ؛ لأن حجتهم كانت مكية، والحجة المكية لا يطاف لها إلا بعد عرفة. قال: والمراد بقولها: جمعُوا بين الحجّ والعمرةٍ، جمع متعة لا جمع قران، انتهى. قال الحافظُ بعد ذكره: وإني لكثير التعجب منه في هذا الموضع كيف ساغ له هذا التأويل، وحديث عائشة مفصل للحالتين، فإنها صرحت بفعل من تمتع ثم من قرن حيث قالت: فطافَ الذين أهلُّوا بالعُمرةِ ثُم حلُّوا طوافًا آخر بعدَ أنْ رَجَعُوا من منَّى. فهؤلاء أهل التمتع، ثم قالت: وأما الذين جمعوا ... إلخ. فهؤلاء أهل القران وهذا أبين من أن يحتاج إلى إيضاح، انتهى. وقال بعضهم: إن مقصود عائشة بهذا الحديث ليس بيان وحدة الطواف وتعدده، بل المراد بيان أنهم طافوا للتحلل عن الحج والعمرة طوافًا واحدًا، يعني: أن القارن يكون مهلًا بإحرامين والطواف يكون محلًا للإحرام فكان مقتضاه أن يكون المحل طوافين للإحرامين كما وقع للمتمتعين، لكن القارن يكفي له للتحلل عن الإحرامين طواف واحد. وهذا التأويل أيضًا بعيد جدًّا، لا يخفى بعده وتعسفه على المنصف، واختار ابنُ القيم وجهًا آخر فقال: الصوابُ أن الطواف الذي أخبرت به عائشة، وفرقت به بين المتمتع والقارن هو الطواف بين الصفا والمروة لا الطواف بالبيت، فأخبرت عن ٦٧١ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ القارنين أنهم اكتفوا بطواف واحد بينهما لم يضيفوا إليه طوافًا آخر يوم النحر وهذا هو الحق، وأخبرت عن المتمتعين أنهم طافوا بينهما طوافًا آخر بعد الرجوع من منى للحج وذلك الأول كان للعمرة وهذا قول الجمهور، وتنزيل الحديث على هذا موافق لحديثها الآخر، وهو قول النبي وَله: ((يَسَعُكِ طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِك)) وكانت قارنة، ويوافق قول الجمهور ولكن يشكل عليه حديث جابر الذيٍ رواه مسلم في ((صحيحه)): لم يطفِ النبيُّ وٍَّ ولا أصحابُهُ بينَ الصفا والمروةَ إلّا طوافًا واحدًا طوافه الأول. هذا يوافق قول من يقولُ: يكفي المتمتع سعيٌّ واحدٌ كما هو إحدى الروايتين عن أحمد نص عليها في رواية ابنه عبد الله وغيره، وعلى هذا فيقال: عائشة أثبتت وجابر نفى، والمثبت مقدم على النافي، أو يقال: مراد جابر من قَرَن من أصحابه مع النبي ◌َّر، وساق الهدى كأبي بكر وعمر وطلحة وعلي ظه وذوي اليسار، فإنهم إنما سعوا سعيًا واحدًا، وليس المراد به عموم الصحابة، أو يعلل حديث عائشة بأن تلك الزيادة فيه مدرجة من قول هشام، وهذه ثلاث طرق للناس في حديثها، والله أعلم، انتهى كلام ابن القيم . قلت: والطريقُ الأخير ضعيف جدًّا بل باطل؛ لأنه ليس في طريق حديث عائشة هذا هشام، فإنه من رواية مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عنها، فهذا إسناد غاية في الصحة، فممن الخطأ والإدراج؟! ويؤيده أن له طريقًا أخرى عنها في ((الموطأ)) في باب دخول الحائض مكة، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنهما، وهذا سندٌ صحيحٌ كالجبلِ ثبوتًّا. وسيجيء الكلام في مسألة السعي بين الصفا والمروة للمتمتع بعد الرجوعِ من منى للحجّ. والراجحُ عندي في معنى الحديث: هو ما قال السندي ومَن وَافقَه، وهو المعروف في توضيح الحديث وتوجيهه عند القائلين بوحدة الطواف للقارن، وما اختاره ابنُ القيم وجيه أيضًا عندي وسيأتي إيضاحُهُ، واعلم: أنه اختلف العلماءُ في طواف القارن والمتمتع إلى ثلاثة مذاهب : الأول: أنَّ على القارنِ طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، وأن ذلك يكفيه لحجه وعمرته، وأنَّ على المتمتع طوافين وسعيين، وهذا مذهب جمهور العلماء، منهم مالك والشافعي وأحمد في أصح الروايتين. الثاني: أن على كل واحد منهما سعيين وطوافين وهذا مذهب أبي حنيفة . ٦٧٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ * الثالث: أنهما معًا يكفيهما طواف واحد وسعي واحد، وهو مروي عن الإمام أحمد كما تقدَّم في كلام ابن القيم. أما الجمهور المفرقون بين القارن والمتمتع القائلون بأن القارن يكفي لحجه وعمرته طواف زيارة واحد وهو طواف الإفاضة، وسعي واحد، فاحتجُوا بأحاديث صحيحة ليس مع مخالفيهم ما يقاومها، منها: حديث عائشة الذي نحن في شرحهِ، فإن قولها: وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًّا وَاحِدًا، نصٌّ صريحٌ دالٌّ على اكتفاءِ القارن بطواف واحد لحجه وعمرته، وقال ابن القيم: إن المراد بالطواف في حديث عائشة هذا هو الطواف بين الصفا والمروة، وله وجه من النظر كما سيأتي، وقد أجابَ الحنفية عن هذا الحديث بوجوهٍ؛ منها: أن روايات عائشة في حجتها وحجته وَّر مضطربة. قال العيني: أحاديث عائشة في هذا الباب مضطربة جدًّا لا يتمُّ بها الاستدلال لأحدٍ من الخصوم، ثم ذكر بعض الاختلاف، قالوا: فيشكل على حديثها المدار في مثل هذه المسألة، قلت: حديث عائشة هذا صحيح ثابت اتفق عليه الشيخان، وهو نص في المسألةٍ، وقد تقدَّم وجه الجمع بين ما يتوهم من الاختلاف في بعض رواياتها فرده بادعاء الاضطراب فيه أمر قبيح جدًّا، ومنها: ما تقدم عن الطحاوي، وقد تقدم الجواب عنه في كلام الحافظ. ومن الأحاديث التي استدلَّ بها الجمهور: ما رواه مسلم في ((صحيحه)) من طريق طاوس عن عائشة: أنها أهلَّتْ بعمرةٍ فقدمتْ ولَمْ تطفْ بالبيتِ حتَّى حاضت فنسكت المناسك كلها وقد أهلّت بالحجِّ فقال لها النبي نَله: ((يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ ... )) الحديث. ففي هذا الحديث الصحيح التصريح بأنها كانت محرمة أولًا بالعمرة ومنعها الحيض من الطواف فلم يمكنها أن تحل بعمرة فأهلت بالحجِّ مع عمرتها الأولى فصارتْ قارنة، ومع كونها قارنة صرح بأنها يكفيها لهما طواف واحد. وروى مسلم أيضًا من طريق مجاهد عن عائشة: أنها حاضت بسرف فتطهرت بعرفةً فقال لها رسول اللَّه ◌َله: ((يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ))، انتهى. وهذا الحديثُ الصحيحُ صريح في أنَّ القارن يكفيه لحجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد، ومنها: حديث ابن عمر عندَ الشيخين، روى البخاريُّ من طريقٍ أيوب عن نافع أن ابن عمر دخل ابنه عبيدالله بن عبد الله وظهره في الدارِ فقال: إني لا آمنُ أنْ يكون العام بين الناس قتال فيصدوك عن البيتٍ ٦٧٣ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ فلو أقمتَ، فقال: قد خرجَ رسولُ اللَّه ◌َيِِّ فحالَ كُفَّار قُريش بينه وبينَ البيتِ، فإن حيلَ بيني وبينه أفعلُ كما فعلَ رسولُ اللهِ وَلَّهِ ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ثم قال: أشهدُكُم أَني أوجبت مَعَ عُمرتي حجًّا. قال: ثم قدم فطافَ لهما طوافًا واحدًا، انتهى. وفيه: دليل على أنَّ القارن يكفيه طواف واحد لحجته وعمرته وأجابَ بعضُ الحنفية عنه: بأنه ليس بصريح في اكتفاء القارن بطواف واحد، فإنه يحتمل أن يكون المراد: طَوَافًا وَاحِدًا، أي: طاف لكلٍّ منهما طوافًا يشبه الطواف الذي للآخر، وكذا أولوا رواية عائشة المتقدمة كما سبق وفيه أنه يرفع هذا الاحتمال قوله في الرواية الآتية، ورَأَى أنَّه قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، وتأوَّلَهُ بعضُهم: بأنَّ المرادَ أنه طاف للقدوم طوافًا واحدًا، يعني: أنه اكتفى قبل النحر بطوافه للقدوم في العمرةِ، وكانَ هذا الطواف في الأصلِ للعمرةٍ وتداخل فيه طواف القدوم فلم يعده، ثم طافَ يوم النحر طوافًا للحجِّ، وتأوله بعضُهم: بأنَّ المراد أنه طاف طوافًا واحدًا للحلِّ منهما جميعًا حيث لم يتحلل بعد أفعال العمرة، يعني: أنه طافَ للإحلال منهما طوافًا واحدًا هو طواف الإفاضة، ولا يخفى ما في هذين التأويلين من التكلف والتعسف. وروى البخاري من طريق الليث عن نافع أن ابن عمر أراد الحج عام نزل الحجاج بابنٍ الزبيرِ فقيلَ له: إن الناس كائن بينهم قتال، وإنا نخاف إن يصدوك، فقال ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَّةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١) إذًا أصنعُ كما صنعَ رسول اللَّهِ وَلَّه إني أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال: ما شأن الحج والعمرة إلا واحد، أشهدكم أني قد أوجبت حجًّا مع عُمرتي، وأهدى هديًا اشتراه بقديد، ولم يزد على ذلك فلم ينحر ولم يحل من شيء حرم منه، ولم يحلق ولم يقصر حتى كان يوم النحر فنحرَ وحلق ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول. وقال ابنُ عُمر: كذلك فعل رسول اللَّه ◌َّر، انتهى. وفي هذه الرواية التصريح من ابن عمر باكتفاء القارن بطواف واحد، وأن النبي ◌َّ كذلك فعل. قال الكرماني في شرح هذا الحديث: يعني أنه لم يكرر الطواف للقران بل اكتفى بطواف واحد. وقال الحافظ: قوله: بطوافه الأول، أي: الذي طافه يوم النحر للإفاضة، انتهى. وقال السندي في ((حاشيته على البخاري)): قوله: بطوافه الأول، أي: بأول طواف طافه بعد النحر والحلق، فإنه هو ركن ٦٧٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الحج عندهم لا الذي طافه حين القدوم، وإن كان هو المتبادر من اللفظ فإنه للقدوم وليس بركن للحج، والله تعالى أعلم، وأجابَ عنه بعضُ الحنفية بأنَّ المراد به طواف القدوم كما هو المتبادر، وأن هذا الطواف الواحد أجزأ عن طواف القدوم للحج وطواف العمرة جميعًا، ثم طاف طواف الإفاضة يوم النحر ولم يذكره في الرواية، وهو مراد ألبتة وإن تركه الراوي. قالوا: ويدلَّ عليه قوله: وكذلك فعلَ رسولُ اللَّه ◌َّهِ. ورسول اللّه ◌َ لَّ فعل كذلك حيثُ طافَ يوم القدوم، وأجزأ ذلك الطواف الأول عن القدوم والعمرة جميعًا ثم طاف يوم النحر، وفيه: أنه يلزمُ على هذا التأويل أنَّ ابن عمر أو من دونه قد أخل بذكر طواف الزيارة الذي هو ركن الحج لا يتمُّ الحج إلا به، وذكر ما يستغنى عنه، وفيه أيضًا: أنه قد ثبت عنه طواف الإفاضة في رواية سالم عنه عند الشيخين حيث قال: بَدَأَ رسولُ اللهِ بَّهِ فأهَّلَ بالعمرةِ ثُمَّ أَهَلَّ بالحَجِّ. إلى أن قال: وطافَ رسولُ اللهِوَّ حِينَ قَدم مكةً. إلى أنْ قالَ: ونحرَ هَدْيَه يومَ النحرِ وأفاضَ وطافَ بالبيتِ، وفعلَ مثلَ ما فعلَ رسولُ اللهِ وَالثّ من أهدى وساقَ الهدي من الناسِ. ثم ذكر عن عائشة: أنَّها أخبرت بمثل ذلك. قلت: واستدلَّ بظاهرٍ حديثٍ لمالِكِ فيما ذهبَ إليه من إجزاء طواف القدوم عن طواف الإفاضة لمن تركه جاهلاً أو نسيه. قال الحافظُ: وتوهّم بعضُهم أنه أراد طواف القدوم. وقال ابن عبد البرِّ في حجة لمالك في قوله: إن طواف القدوم إذا وصلَ بالسعي يجزئُ عن طواف الإفاضة لمن تركه جاهلًا أو نسيه حتى رجع إلى بلده وعليه الهدي، قال: ولا أعلمُ أحدًا قال به غيره وغير أصحابه، وتعقب: بأنه إن حمل قوله: ((طوافه الأول)) على طواف القدوم وأنه أجزأ عن طواف الإفاضة كان ذلك دالاً على الإجزاء مطلقًا ولو تعمده، لا بقيد الجهل والنسيان، انتهى. قلت: حمله على طواف القدوم والقول بسقوط طواف الإفاضة في تلك الصورة أو مطلقًا باطل بلا شك؛ لأنَّ النبي ◌َّ لم يكتف بطوافه الذي طاف يوم دخل مكة، بل طاف يوم النحر طواف الإفاضة الذي هو ركن الحج بإجماع المسلمين، وثبت ذلك ثبوتًا قطعيًّا، وأما القول بأن ذلك الطواف الأول كان عن القدوم للحج وطواف العمرة جميعًا فادعاء محض ليس عليه أثارة من علم فلا يلتفت إليه، وقال السندي في ((حاشية البخاري)) بعد ذكر التأويل الذي نقلنا عنه ما لفظه: ولا يخفى أن بعض روايات حديث ابن عمر يبعد هذا التأويل ويقتضي أن الطواف الذي يجزئ عنهما ٦٧٥ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ EXODE هو الذي حين القدوم، ففي رواية للبخاري: ثم قدم فطافَ لهما طوافًا واحدًا. وسيجيء في البخاري في باب من اشترى الهدي من الطريق بلفظ: ثُم قدم فطاف لهما طوافًا واحدًا فلم يحل حتى حلَّ منهما جميعًا. وسيجيء في باب الإحصار: وكانَ يقولُ - أي ابن عمر: لا يحل حتى يطوف طوافًا واحدًا يوم يدخل مكة. وفي بعض روايات مسلم: فخرجَ حتى إذا جاءَ البيتَ طافَ به سبعًا وبينَ الصفا والمروة سبعًا لم يزدْ عليه ورأى أنه مجزئ عنه وأهدى. وفي أخرى: ثُم طافَ لهما طوافًا واحدًا بالبيتٍ وبين الصفا والمروة، ثم لم يحل منهما حتَّى حلَّ منهما بحجة يوم النحر. وفي رواية أخرى: ثُم انطلقَ يهل بهما جميعًا حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة، ولم يزد على ذلك ولم ينحر، ولم يحلق حتى كان يوم النحر فنحر وحلق، ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول. والنظر في هذه الروايات يبعد ذلك التأويل، لكن القول بأنه ما كان يرى طواف الإفاضة مطلقًا أو للقارن أيضًا قول بعيد، بل قد ثبت عنه طواف الإفاضة في ((صحيح مسلم)) كما ذكرنا في القول السابق عنه، فإما أنه لا يرى طواف الإفاضة للقارن ركن الحج، بل يرى أن الركن في حقه هو الأول والإفاضة سنة أو نحوها وهذا لا يخلو عن بعدٍ، أو أنه يرى دخول طواف العمرة في طواف القدوم للحج، ويرى أن طواف القدوم من سُنن الحج للمفرد إلا أن القارن يجزئه ذلك عن سنة القدوم للحج وعن فرض العمرة وتكون الإفاضة عنده ركنًا للحجِّ فقط، هذا غاية ما ظهر لي في التوفيق بين روايات حديث ابن عمر ولم أر أحدًا تعرض لذلك مع البسط وجمع الطرق إلا ما قيل: إن المراد بالطواف السعي بين الصفا والمروة ولا يخفى بعده أيضًا، فإن مطلق الطواف ينصرف إلى طواف البيت سيما وهو مقتضى الروايات فلينظر بعده، والله تعالى أعلم، انتهى. قلت: حمله على الطواف بين الصفا والمروة لا بعد فيه، بل هو الظاهر، ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم: لم يطفِ النبيُّ وَّه ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا طوافه الأول، انتهى. قال الشنقيطي: الذي يظهرُ لي والله أعلم أن مراد ابن عمر في قوله: ورَأى أنْ قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول. هو الطواف بين الصفا والمروة، ويدلُّ ٦٧٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ على ذلك أمران الأول: هو ما وقع في بعض روايات مسلم: ثُم طافَ لهما طوافًا واحدًا بالبيتٍ وبين الصفا والمروة، ثم لم يحلل منهما حتى حل منهما بحجة - قال النووي: معناه حتى حل منهما يوم النحر بعمل حجة مفردة ومعلوم أن الحل بحجة لا يمكن بدون طواف الإفاضة، أما السعي في الحجة فيكفي فيه السعي الأول بعد طواف القدوم، فيتعين أن الطواف الأول الذي رأى إجزاءه عن حجه وعمرته هو الطواف بين الصفا والمروة بدليل الرواية الصحيحة بأنه لم يحل منهما إلا بحجة يوم النحر وحجة يوم النحر، أعظم أركانها طواف الإفاضة فبدونه لا تسمى حجة؛ لأنه ركنها الأكبر المنصوص على الأمر به في كتاب اللَّه في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوْ يِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] الأمر الثاني هو: أن ابن عمر قال: كذلك فعل رسول اللَّه وَله وفعل النبي ◌َّر الثابت عنه في الروايات الصحيحة أنه اكتفى بسعيه بين الصفا والمروة بعد طواف القدوم لحجه وعمرته، وأنه بعد إفاضته من عرفات طافَ طواف الإفاضة يومَ النحر على التحقيق، فحديثُ ابنِ عُمر هذا نص صحيح مُتَّفق عَلَيه على أنَّ القارن يعمل كعمل المفرد، وعلى هذا يحمل الطواف الواحد في حديث عائشة المتقدم فيفسر بأنه الطواف بين الصفا والمروة؛ لأنَّ القارن لا يسعى لحجه وعمرته إلا مرة واحدة، انتهى كلام الشنقيطي. وأجابَ بعض الحنفية عن رواية مسلم المذكورة في كلام الشنقيطي: بأنه يحتمل أن هؤلاء الذين لم يطوفوا بين الصفا والمروة بعد طواف الإفاضة لأجل أنهم سعوا بينهما قبل الرواح إلى منى بأن يطوفوا بالبيت طواف النفل لأجل تقديم السعي - جائز بعد أن يكون مسبوقًا بطواف كطواف القدوم أو طواف النفل، فكان الغرضُ أنهم لم يعيدوا السعي مرة أخرى، انتهى. وفيه: أنه لم يثبت عن النبي ◌ُّه ولا عن أصحابه القارنين أنهم طافوا طواف النفل وسعوا بعده بين الصفا والمروة قبل الرواح إلى منى، فحمله على ذلك بعيد جدًّا. قال الشيخ محمد أنور: لم يثبت طواف النفل منه عليه صلوات الله وسلامه إلى العاشر، نعم ثبت بعد العاشر في ليالي منى برواية قوية. وقال بعضهم: إن المراد في حديث جابر المذكور أن السعي الواحد لنسك واحد كافٍ، أي: لا يحتاجُ إلى سعي آخر، وفيه: أنه يَأْبَى هذا التأويل ألفاظ حديث جابر وحديث ابن عمر وعائشة كما لا يخفى ذلك على مَن أمعن النظر فيها، ومن الأحاديث الصحيحة التي استدلّ بها للجمهورِ ما وقع في ٦٧٧ كِتَابُ المُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ حديث جابرٍ عند مسلم من قوله ◌َّ: ((دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ)) مرتين وتصريحه وَ لَه بدخولها فَيَه يدلّ على دخول أعمالها في أعماله حالة القران، قال الحافظ: دلَّ هذا على أنها لا تحتاج أي: العمرة بعد أن دخلت فيه - إلى عمل آخر غير عمله. واستدلَّ للجمهورِ أيضًا بما روى أحمد (ج ٢: ص ٦٧) والترمذي وابن ماجه وسعيد بن منصور من حديث ابن عمر، واللفظ لأحمد قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((مَنْ قَرَنَ بَيْنَّ حَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ أَجْزَأَهُ لَهُمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ)). ولفظ الترمذي: ((مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا)) قال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح. وأعلَّهُ الطحاوي بأن عبد العزيز بن محمد الدراوردي - الراوي عن عبيد الله بن عمر - أخطأ فيه، وأنَّ الصواب أنه موقوف، وتمسك في تخطئته بما رواه أيوب والليث وموسى بن عقبة وغير واحد عن نافع نحو سياق ما تقدم من أن ذلك وقع لابن عمر، وأنه قال: إن النبي وَليّ فعل ذلك، لا أنه روى هذا اللفظ عن النبي وَلّ، انتهى. قال الحافظ: وهو تعليل مردود؛ فالدراوردي صدوق وليس ما رواه مخالفًا لما رواه غيره، فلا مانع من أن يكون الحديث عند نافع على الوجهين، انتهى. والحديث صححه الترمذي كما تقدم ثم أعله بنحو ما أعله به الطحاوي حيث قال: تفرد به الدراوردي على ذلك اللفظ، وقد رواه غير واحد عن عبيد الله بن عمر ولم يرفعوه وهو أصح، انتهى. قلتُ: وهكذا أعلَّهُ ابنُ عبد البرِّ في الاستذكار كما ذكره العيني، والجواب عن ذلك كله أن حديث ابن عمر الذي قدمناه عن البخاري ليس بموقوف؛ لأن ابن عمر لما طاف لهما طوافًا واحدًا أخبر بأن النبي ◌َّيّ فعل ذلك، وهذا عين الرفع فلا وقف ألبتة، ولا يبعد أن يكون قول ابن عمر: هكذا فعلَ رسولُ اللَّه ◌ِّ، أي: أمر من كان قارنًا أن يقتصر على طواف واحد، واستدلَّ لهم أيضًا: بما رواه الترمذي والنسائي عن جابر: أن رسول اللَّه ◌َ لالقرن الحج والعمرة فطاف لهما طوافًا واحدًا. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وفيه الحجاج بن أرطاة. واستدل لهم أيضًا: بما روى عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل قال: حلف طاوس ما طاف أحد من أصحاب رسول اللّه وَل لحجه وعمرته إلا طوافًا وحدًا. قال الحافظ: هذا إسناد صحيح، وفيه بيان ضعف ما رُوي عن علي وابن مسعود من ذلك. وقد روى آل بيت علي عنه مثل الجماعة؛ قال جعفر بن ٦٧٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ EME محمد الصادق عن أبيه: أنه كان يحفظ عن عليٍّ: للقارن طواف واحد. خلاف ما يقول أهل العراق. ومما يضعف ما روي عن عليٍّ من ذلك أن أمثل طرقه عنه رواية عبد الرحمن بن أذينة عنه، وقد ذكر فيها أنه يمتنع على من ابتدأ الإهلال بالحج أن يدخل عليه العمرة، وأن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين. والذين احتجوا بحديثه لا يقولون بامتناع إدخال العمرة على الحجّ، فإن كانت الطريق صحيحة عندهم لزمهم العمل بما دلت عليه، وإلا فلا حجة فيها، انتهى كلام الحافظ . وفي الباب أيضًا عن ابن عباس عند ابنٍ ماجه والدار قطني بنحو حديث جابر عند مسلم، وعن أبي قتادة وأبي سعيد عند الدار قطني أيضًا بإسناد ضعيف. وقد ثبت بما ذكرنا من الأحاديث والآثار الفرق بين القران والتمتع، وأن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد لعمرته وحجته كفعل المفرد. أما أدلة الجمهور على أن المتمتع لا بد له من طوافين وسعيين: طواف وسعي لعمرته وطواف وسعي لحجه، فمنها: ما رواه البخاري في ((صحيحه)) عن ابن عباس أنه سُئل عن متعة الحجِّ فقال: أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي ◌َّليّ في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول اللّه وَّةِ: ((اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ)) فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وقال: ((مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يُحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ))، ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَدْ تَمَّ حَجُنَا وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ ... الحديث، وأخرجه أيضًا الإسماعيلي في ((مستخرجه))، ومن طريقه البيهقي في ((سننه)) (ج ٥: ص ٢٣) وإسناده صحيح، رجاله رجال الصحيح، وهو صريح في سعي المتمتع مرتین . ومنها: حديث عائشة المتقدم فإن قولها: ((فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنَّى لِحَجِّهِمْ، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا)). يدل على الفرق بين القارن والمتمتع، وأنَّ القارن يفعلُ كفعل المفرد والمتمتع يطوف لعمرته ويطوف لحجه، وقال بعض أهل العلم: قول عائشة عن الذين أهلوا بالعمرة: ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنَّى لِحَجِّهِمْ. تعني به: الطواف بين الصفا والمروة على أصحِّ الأقوال في تفسير هذا الحديث، وأما قول من قال: إنها أرادت ٦٧٩ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ axx= * BEcomes ** بَابُ قِصَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ بذلك طواف الإفاضة فليس بصحيح؛ لأن طواف الإفاضة ركن في حق الجميع وقد فعلوه، وإنما المراد بذلك ما يخصّ المتمتع وهو الطواف بين الصفا والمروة مرة ثانية بعد الرجوع من منى. وأما من قال: إن المتمتع كالقارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد وهو رواية عن الإمام أحمد فقد استدلَّ بما رواه مسلمٌ في ((صحيحهِ)) عن جابر: أنَّ النبيَّ ◌ََّ وأصحابَهُ لم يطوفوا بينَ الصفا والمروةِ إلا طَوافًا واحدًا طوافهم الأول. قالوا: فهذا نصٌّ صحيح صرح فيه جابر بأن النبي ◌َّ لم يطف هو ولا أصحابه إلا طوافًا واحدًا، ومعلوم أن أصحابه فيهم القارن، وهو من كان معه الهدي، وفيهم المتمتع، وهو من لم يكن معه هدي، وإذًا ففي هذا الحديث الصحيح الدليل على استواء القارن والمتمتع في لزوم طواف واحد وسعي واحد. وأجابَ المخالفون عن هذا بأجوبة: الأول: هو أن الجمع واجب إن أمكن، قالوا: وهو هاهنا ممكن بحمل حديث جابر هذا على أن المراد بأصحاب النبي وَلِّ لم يطوفوا إلا طوافًا واحدًا للعمرة والحج خصوص القارنين منهم كالنبي بَّ، وهم الذين ساقوا الهدي، فإنهم بقوا على إحرامهم مع النبي ◌َّ، حتى حلّوا من الحج والعمرة جميعًا، والقارن بين الحج والعمرة ليس عليه إلا سعي واحد كما دلَّ عليه حديث جابر وغيره من الأحاديث الصحيحة، وإن حملَ حديث جابرٍ على هذا كان موافقًا لحديث عائشة وحديث ابن عباس المتقدمين، وبذلك يزولُ التعارض ويحصل العمل بالأحاديث كلها. الجواب الثاني: أنَّا لو سلمنا أن الجمع غير ممكن هنا في حديث جابر مع حديث عائشة وحديث ابن عباس كما جاءَ في ما رواه مسلمٌ من طريقٍ زهير عن أبي الزبيرِ عن جابرٍ قال: خرجنا مع رسول اللَّهِ وَلّ مُهلين بالحجِّ معنا النساء والولدان، فلما قدمنا مكةَ طُفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقال لنا رسول اللّه وَّه: ((مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُحْلِلْ)). قال: قلنا: أي الحل؟ قال: ((الْحِلَّ كُلَّهُ)). قال: فأتينا النساء ولبسنا الثياب ومسَسْنَا الطيبَ، فلما كانَ يومَ التروية أهللنا بالحجِّ وكَفَانا الطواف الأول بين الصفا والمروة ... الحديث. ولفظ جابر في هذه الرواية لا يمكنُ حمله على القارنين بحال؛ لأنه صرَّح بأنهم حلوا الحل كله وأتوا النساء، ولبسوا الثياب، ومسوا الطيب، وأنهم أهلوا يوم التروية بحجّ، ومع هذا كله صرح بأنهم كفاهم طوافهم الأول بين الصفا والمروة. ويؤيده ما وقع في حديث جابر عند أحمد