Indexed OCR Text
Pages 641-660
٦٤٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ بأنه وَّ نحر ثلاثين ثم أمر عليًّا أنَّ ينحر فنحر سبعًا وثلاثين، ثم نحَرَ وََّ ثلاثًا وثلاثين، قال: فإنْ ساغ هذا وإلا فما في الصحيح أصح، أي: مع مشاركة عليٍّ لیلتئم مع حدیث غرفة وإن لم يذكره. وقال عياض: الظاهر أنه وَّ نحر البدن التي جاءت معه من المدينة وكانت ثلاثًا وستين، كما رواه الترمذي، وأعطى عليًّا البدن التي جاءت معه من اليمن وهي تمام المائة. وقال الطبري بعد ذكر حديث غرفة: يجوز أن يكون هذا في غير المائة المذكورة أو يكون في الثلاث وستين منها، وأَضِيف الفعل إليه وَّله؛ لأنَّ من مسك بأعلى الحربة كان هو المتمكن من النحر دون الآخر. والله أعلم. وقد روى أنس أن النبي ◌ُّ نحر في حجته سبع بدنات. أخرجه البخاري. وذكره ابنُ حزم وقالَ في الجمعِ بينَ الأحاديثِ: يخرج هذا على وجوهٍ؛ أحدها: أنه ◌َّ لم ينحرَ بيده أكثر من هذَه السبع، وأمر مَن نحر ما بعد ذلك إلى ثلاث وستين بحضرته، ثم غاب وأمر عليًّا بنحر ما بقي: إما بنفسه، أو بالإشراف على ذلك. الثاني: أن يكون أنس لم يشاهد إلا نحره وَلاو سبعًا فقط بيده، وشاهد جابر تمام نحره وَّ الباقي، فأخبر كل منهما بما رأى. الثالث: أنه نحر بيده منفردًا سبع بدن، ثم أخذ هو وعليّ الحربة، فنحرا كذلك تمام ثلاث وستين، كما قال غرفة بن الحارث الكندي، ثم انفرد عليٌّ بنحر الباقي من المائة، كما قال جابر. قال ابنُ القيم: فإن قيل: فكيف تصنعون بالحديث الذي رواه أحمد وأبو داود عن عليٍّ قال: لَّما نحر رسول اللّه وَ لّلي بدنه، فنحر ثلاثين بيده، وأمرني فنحرت سائرها؟ قلنا: هذا غلط، انقلب على الراوي، فإن الذي نحر ثلاثين هو علي والنبي ◌َّ نحر سبعًا بيده لم يشاهده علي ولا جابر، ثم نحر ثلاثًا وستين أخرى، فبقى من المائة ثلاثون، فنحرها عليٌّ فانقلب على الراوي عدد ما نحره علي بما نحره النبي وَّ، فإن قيل: فما تصنعون بحديث عبد الله بن قرط؟ قال: قرب لرسول اللّه ◌َ ل بدنات خمس، فطفقن يزدلفن إليه بأيهن يبدأ. الحديث أخرجه أبو داود وغيره، قيل: نقبله ونصدقه، فإن المائة لم تقرب إليه جملة، وإنما كانت تقرب إليه أرسالًا فقرب منهن إليه خمس بدنات رَسَلًا، وكان ذلك الرَّسَل يبادرن ويتقربن إليه؛ ليبدأ بكلِّ واحدة منهن. انتهى. ٦٤١ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاع وقال الطبري بعد ذكر وجوه الجمع المذكورة عن ابن حزم: ليس في واحد من هذه الوجوه الثلاثة جمع بين الأحاديث الثلاثة، فإنَّ الأول والثاني يخرج منهما حديث غرفة، والثالث يخرج منه حديث جابر، والأولى أن يقال: نحر سبعًا منفردًا، ثم تمام الثلاث والستين هو وعلي، ونسب الفعل إليه مَّ لما ذكرناه، ثم أمر عليًّا بنحر ما بقي من المائة. والله أعلم. (ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ)، أي: من المائة. (بِبَضْعَةٍ) بفتح الباء الثانية أي: بقطعة من لحمها. قال النووي: البَضعة بفتح الباء لا غير: وهي القطعة من اللحم. وقال الجوهري: هذه بالفتح وأخواتها بالكسر مثل القطعة والفلذة والفدرة والكسفة والخرقة، وفي العدد تكسر وتفتح مذكرًا كان أو مؤنثًا. (فَجُعِلَتْ)، أي: القطع. (فِي قِدْرٍ) بكسر القاف. (فَأَكَّلَا مِنْ لَحْمِهَا) قال المظهري: الضمير المؤنث يعود إلى القدر؛ لأنها مؤنث سماعي. قال الطيبي: ويحتمل أن يعود إلى الهدايا. قال النووي: قال العلماء: لما كان الأكل من كل واحدة سنة، وفي الأكل من كل واحدة من المائة منفردة، كلفة؛ جعلت في قدر، أي: جمعت في قدر واحدة؛ ليكون تناوله من مرق الجميع كالأكل من جميعها. ويأكل من اللحم المجتمع في المرق ما تيسر. وفيه: استحبابُ الأكل من الهدي والأضحية. وأجمع العلماءُ على أن الأكل من الهدي والأضحية سُنة ليس بواجب، وقد استدلَّ به على جوازِ الأكل من هدي المتعة والقران على القول بأنه كان متمتعًا أو قارنًا، وقد تقدَّم أنَّ الأصحَّ عند المحققين من الشافعية أنه ◌ّ ﴿ كان قارنًا في آخره، فيرد عليهم أنه كيف أكل من هداياه، وكان فيها دم القران أيضًا، فلم يكن إذًا كلها هدايا تطوع وأضحية، ولا يجوزُ الأكل من الهدي الواجب، كهدي التمتع والقران والنذر في مذهب الشافعي؟ قال الطبري: ولا حُجة في هذا الحديث عليهم؛ إذ الواجب عليه سبع بدنة ويكون الأكل من حصة التطوع. انتهى. ولا يخفى ما فيه من التعسُفٍ. (فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ)، أي: أسرع إلى بيت اللَّه؛ ليطوف به طواف الإفاضة، ويسمى أيضًا طواف الزيارة وطواف الفرض والركن. قال الطبري: الإفاضة: الدفع في السير. وقال ابنُ عرفة: أفاض من المكان؛ إذا أسرع منه لمكان آخر. وقال غيرُهُ: أصل الإفاضة: الصب فاستعير للدفع في السير، وأصله أفاض نفسه أو راحلته، فرفضوا ذكر المفعول حتى أشبه غير المتعدي. وطواف الإفاضة: هو ٦٤٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الذي يكون إثر الإفاضة من منى إلى مكة، ويقال له أيضًا: طواف الزيارة وطواف الفرض. قال النووي: طواف الإفاضة ركن من أركان الحج بإجماع المسلمين، وأول وقته عندنا من نصف ليلة، النحر وأفضله بعد رمي جمرة العقبة وذبح الهدي والحلق، ويكون ذلك ضحوة يوم النحرِ، ويجوزُ في جميع يوم النحر بلا كراهة، ويكره تأخيره عنه بلا عذرٍ، وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة، ولا يحرمُ تأخيره سنين متطاولة ولا آخر لوقته، بل يصحُّ ما دام الإنسان حيًّا وشرطه أن يكون بعد الوقوف بعرفاتٍ، حتى لو طاف للإفاضة بعد نصف ليلة النحر قبل الوقوف، ثم أسرع إلى عرفات؛ فوقف قبل الفجر لم يصح طوافه؛ لأنه قدمه على الوقوف. انتھی . وعند الحنفية أول وقت طواف الإفاضة بعد طلوع الفجر يوم النحر وهو في يوم النحر الأول أفضل، ويمتد وقته إلى آخر العمر، فإن أخره عن أيام النحرِ كره تحريمًا ووجب لترك الواجب، وهذا عند الإمكان كذا في ((الدر المختار)). وقال المحب الطبري: قد دلَّت الأحاديث على استحبابٍ وقوع طواف الإفاضة في يوم النحر وأن يكون ضحوة النهار، وأول وقته عندنا الشافعية نصف الليل من ليلة النحر بدليل حديث أم سلمة أنها رمت الجمرة قبل الفجر ليلة النحر ، ثم مضت إلى مكة فأفاضت. وقال أبو حنيفة: أول وقته من طلوع الفجر ولا حد لآخر وقته عندنا ولا يجب بتأخيره عن أيام التشريق دم، وبه قال أحمد. وقال مالك: إن تطاول الزمان؛ فعليه دم، وقال مرة: لا شيء عليه. وقال أبو حنيفة: إن أخره إلى اليوم الثالث من أيام التشريق؛ وجب عليه الدم، وهو خلاف قول الكافة. انتهى. قال القاري: وأكثر العلماء ومنهم أبو حنيفة لا يُجَوِّزُ طواف الإفاضة بنية غيره خلافًا للشافعي حيث قال: لو نوى غيره - كنذر أو وداع أو تطوع أو قدوم - وقع عن الإفاضة. انتهى. واتفق العلماء على أنه لا يشرع في طواف الإفاضة رمل ولا اضطباع إذا كان قد رمل واضطبع في طواف القدوم. (فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظَّهْرَ) قال النووي: فيه محذوف تقديره: فأفاض فطاف بالبيت طواف الإفاضة ثم صلى الظهر، فحذف ذكر الطواف؛ لدلالة الكلام عليه. انتهى. واخْتُلِف أينَ صلَّى النبيِوَّ الظهر يوم النحر؟ ففي رواية جابرٍ هذه أنه صلَّى بمكة، وكذا قالت عائشة عند أبي داود وغيره، ولفظه عند أبي داود قالت: أَفَاضَ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ ٦٤٣ BASE رَسُولُ اللَّهِوَّهِ مِنْ آخِرٍ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنَّى، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ... الحديث، وسيأتي في الفصل الثاني من بابٍ خُطبة يوم النحر ورمي أيام التشريق. وفي حديث ابن عمر في (الصحيحين)): أَنَّه وَّ أفاضَ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظَّهْرَ بِمِنَّى. وقد ذكره المصنف في باب الحلق، فهذا تعارض فرجَّح ابنُ حزم في كتاب ((حجة الوداع)) له قول عائشة وجابر وتبعه على ذلك جماعة بأربعة أوجه: أحدها: أنهما اثنان وهما أولى من الواحد. وثانيها: أنَّ عائشةَ أخص الناس به ولها من القرب والاختصاص ما ليس لغيرها. وثالثها: أنَّ سياقَ جابر لحجته وَّ من أولها إلى آخرها أتم سياق وهو أحفظ للقصة، وضبطها حتى ضبط جزئياتها، حتى أقرَّ منها ما لا يتعلَّق بالمناسك وهو نزوله في الطريق، فبال عند الشّعب وتوضأ وضوءًا خفيفًا، فمن ضبط هذا القدر، فهو يضبط صلاته الظهر يوم النحر أولى. ورابعها: أن حجة الوداع كانت في آذار - وهو الشهر السادس في السنة - يونيو أو حزيران - من الشهور الرومية الشمسية على ما قال صاحب ((القاموس)): يستوي فيه الليل والنهار ولا يكون النهار أطول من الليل، أو هو الشهر الثالث - مارس - بين شباط - فبرائر - ونيسان - أبريل - من الشهورِ الرومية الشمسية على ما قالَ غيرُهُ، ويكون فيه الليل أطول من النهار - قد دفعَ من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى، وخطبَ بها الناس، ونحر بها بدنه المائة وقسمها وطبخ له من لحمها وأكل منه ورمى الجمرة وحلق رأسه وتطيب، ثم أفاض وشرب من ماء زمزم ووقف عليهم وهم يسقون، وهذه أعمال يظهر منها أنها لا تنقضي في مقدار يمكن معه الرجوع إلى منى بحيث يدرك وقت الظهر في فصل آذار، ورجحت طائفة أخرى قول ابن عمر بأمور أربعة: أحدها: أنه لا يحفظ عنه في حجته وَالّ أنه صلَّى أنه صلى الفرض بجوفٍ مكة، بل إنما كان يصلي بمنزله بالمسلمين مدة مقامه، فكان يصلي بهم أين نزلوا لا يصلي في مكان آخر غير المنزل العام. والثاني: أن حديث ابن عمر مُتَّفَقَ عَلَيه، أي: رواه الشيخان، وحديث جابر من أفراد مسلم التي انفرد بها عن البخاري، فحديثُ ابنِ عمر أصحُّ، فإن رواته أحفظ وأشهر، ولاتفاق الشیخین علیه. والثالث: أنَّ حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه، فروي عنها أنه طاف ٦٤٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ * نهارًا، وفي رواية لأحمد وأبي داود والترمذي عنها: أنه وَّ أَخَّرَ الطواف إلى الليلِ كما سيأتي وفي رواية عند أبي داود عنها: أنَّهُ أفاضَ - أي: طاف طواف الإفاضة - مِنْ آخِرٍ يَوْمِهِ. كما تقدم. والجمع وإن أمكن بين روايتها الثلاث بأن قولها: إلَى اللَّيْلِ، أي: إلى قربه بدليل قولها في الرواية الثانية من آخر يومه، وذلك بالنهار، وهو الرواية الأولى، فلم تضبط فيه وقت الإفاضة ولا مكان الصلاة، فتقدم رواية من ضبط . والرابع: أنَّ حديثَ ابن عمر أصح منه بلا نزاع؛ حديث، عائشة من رواية، محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم ولم يصرح بالسماع، بل عنعن الحديث فلا يقدم على حديث عبد الله بن عمر؛ لأن رواته ثقات حفاظ مشاهير، وجمع النووي بين حديثي جابر وابن عمر بأنه وَ لّ طاف للإفاضةِ قبلَ الزوال، ثُم صلى الظهر بمكّة أولَ الوقتِ، ثم رجَعَ إلى منى، فصلَّى بها الظهر مرةً أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك، فيكون متنفلاً بالظهر الثانية التي بمنى. قال: وما ورد عن عائشة وغيرها أنه أخّر الزيارة يومَ النحر إلى الليل، فمحمول على أنه عادَ للزيارة مع نسائه لا لطواف الإفاضة، كذا في ((المواهب)) و(شرحه)) للزرقاني. وقد بسط ابنُ القيمِ الكلام في ذلك في ((الهدي)) بأكثر من هذا، من شاء فليراجعه. تنبيه: حديث ابن عمر المذكور كما عزاه الزرقاني إلى ((الصحيحين)) عزاه أيضًا إليهما المجد ابن تيمية والجزري والمنذري والمحب الطبري وهو وهمٌّ منهم، فإن حديث ابن عمر، هذا من أفراد مسلم لم يخرجه البخاري في ((صحيحه))، نعم قال في باب الزيارة يوم النحر: وقالَ لنا أبو نعيمٍ: ثنا سفيان عن عبيد الله عن نافع عن ابنِ عُمر: أنه طافَ طوافًا واحدًا، ثم يقيل ثُم يأتي منى يعني: يوم النحر. وهذا كما ترى موقوف على ابن عمر مِن فعله، وليس فيه ذكر صلاة الظهر، ثم قال البخاري: ورفعه عبد الرزاق قال: حدثنا. فعلَّقه ولم يذكر لفظه، قال العيني: وصل هذا التعليق مسلم: أنبأنا محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن عبيد اللّه عن نافع عن ابنٍ عُمر: أنَّ النبيَّ وََّ أفاضَ يوم النحر، ثم رجعَ فصلَّى الظهر بمنى، وهَكَّذا عزى حديثَ ابنِ عُمر هذا إلى مسلمٍ فقط الزيلعيُّ في ((نصبِ الرايةِ))، والبيهقيُّ في ٦٤٥ كِتَابُ المُنَاسِكِ Backx=x بَابُ قِضَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ ((معرفة السنن)) و((السنن الكبرى))، والنابلسيُّ في ((ذخائر المواريث))، وكلُّ ذلك دليل على أن حديث ابن عمر من أفراد مسلمٍ مثل حديث جابر، وعلى هذا، فلا يصح ترجيح حديث ابن عمر على حديث جابر بأنه اتفق عليه الشيخان، وهو الوجه الثاني من وجوه ترجيح حديث ابن عمر الأربعة المذكورة. هذا؛ وقد تعقب القاري على ما جمع به النووي بين حديثي جابر وابن عمر بأنَّه لا يحملُ فعله وَ له على القولِ المختلف في جوازه، فيأول بأنه وَلّ صلَّى بمكة ركعتي الطواف وقت الظهر ورجع إلى منى فصلى الظهر بأصحابه، أو يقال: الروايتان حيث تعارضتا فقد تساقطتا فتترجح صلاته بمكة؛ لكونها فيها أفضل، ثم قال متعقبًا على التأويل الذي أول النووي به حديث عائشة أنه أخر الزيارة إلى الليل: بأنه لا دلالة على التأويل المذكور لا لفظًا ولا معنىً، ولا حقيقة ولا مجازًّا مع الغرابة في عرض كلامه إلى أنه عاد للزيارة، فالأحسن أن يقال: معناه: جوز تأخير الزيارة مطلقًا إلى الليل أو أمر بتأخير زيارة نسائه إلى الليل. انتهى. وأجيبَ أيضًا: عن حديث عائشة في تأخير طواف الزيارة: إلى الليلِ بأن أحاديث طواف الإفاضة يوم النحر نهارًا أصح وأثبت، فإنها مروية في ((الصحيحين)) فترجح على ما يخالفها، وبأن تحمل الأحاديث الدالة على الطواف نهارًا على الطواف يوم النحر، وحديث عائشة على الطواف في بقية أيام النحر، وبما قال ابن حبان: من أنه وَّ رمى جمرة العقبة ونحر، ثم تطيب للزيارة، ثم أفاض فطاف بالبيت طواف الزيارة، ثم رجع إلى منى، فصلى الظهر بها والعصر والمغرب والعشاء، ورقد رقدةً بها، ثُم ركب إلى البيت ثانيًا، وطاف به طوافًا آخر بالليلِ، فعلى هذا ما رواه أحمد عن عائشة: أنَّ رسولَ اللّهِ وَ لَ زارَ ليلًا، إما أن يكون المراد به طواف الوادع أو طواف تطوع وزيارة محضة نافلة، وقد روى البيهقي: أنَّ رسولَ اللَّه ◌ِ لّكان يزورُ البيت كل ليلة من ليالي منى، وروى الطبراني أيضًا نحوه وسيأتي مزيد الكلام في حديث عائشة في بابٍ خطبة يوم النحر ورمي أيام التشريق حيث ذكره المصنف من رواية عائشة وابن عباس رضيها، وقيل: أي في وجه الجمع بين حديثي جابر وابن عمر: يحتملُ أنَّه وَسَلِّ صلَّى بمنَّى أيضًا مقتديًا خلفَ رجلٍ من أصحابه. ECON ٦٤٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وقال المحبُّ الطبري: الجمعُ بين الروايات كلها ممكن؛ إذ يحتمل أن يكون صلَّى منفردًا في أحد الموضعين، ثُمَّ مع جماعة في الآخر أو صلَّى بأصحابهِ بمنى، ثم أفاضَ فوجدَ قومًا لم يصلوا فصلّى بهم، ثم لما رَجَعَ؛ وجد قومًا آخرين لم يصلوا فصلى بهم؛ لأنه وَّ لا يتقدمه أحد في الصلاة، أو كرَّر الصلاة بمكة ومنى؛ ليبين جواز الأمرين في هذا اليوم؛ توسعة على الأمة، ويجوز أن يكون أذن في الصلاة في أحد الموضعين فنسب إليه وله نظائر. انتهى. والراجح عندنا في الجمع بين حديثيهما: هو ما ذكره النووي بأنه وَّل طاف طواف الإفاضة قبل الزوال، ثم صلَّى الظهر بمكة في أول وقتها، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك، فيكونُ متنفلًا بالظهر الثانية التي بمنى، وسيأتي شيء من الكلام في ذلك في شرح حديث ابن عمر في بابٍ الحلق . (فَأَتَّى)، أي: بعد فراغه من طواف الإفاضة. (عَلَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) هم أولاد العباس وجماعته؛ لأن سقاية الحاج كانت وظيفته. (يَسْقَوْنَ)، أي: مرَّ عليهم وهم ينزعون الماء من بئر زمزم ويسقون الناس. (عَلَى زَمْزَمَ) قال النووي: معنى قوله (يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ)، أي: يغرفون بالدلاء ويصبونه في الحياض ونحوها ويسبلونه للناس، وأما ((زَمْزَمَ)) فهي البئر المشهورة في المسجدِ الحرام بينها وبين الكعبة ثمان وثلاثون ذراعًا، قيل: سميت زمزم لكثرة مائها، يقال: ماء زمزوم وزمزم وزمازم إذا كان كثيرًا. وقيل: لضم هاجر ظَّا لمائها حين انفجرت وزمها إياه، وقيل: لزمزمة جبريل ◌َالثّ وكلامه عند فجره إياها. وقيل: إنها غير مشتقة ولها أسماء أخر ذكرتها في ((تهذيب اللغات)) مع نفائس أخرى تتعلَّق بها، منها: أنَّ عليًّا رَوِفْتَهُ قال: خيرُ بئرٍ في الأرضِ زمزمُ، وشرُّ بئرٍ في الأرض برهوت. قلتُ: أخرج الطبراني في ((الكبير)) من حديث ابن عباس قال: قال رسول اللَّه وَله: ((خَيْرُ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الأرْضِ مَاءُ زَمْزَمَ، فِيهِ طَعَامُ الطَّعْمِ وَشِفَاءُ السُقْمِ، وَشَرُّ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مَاءٌ بِوَادِي بَرَهُوتٍ بِقُبَّةِ حَضْرَمَوْتَ كَرِجْلَ الْجَرَادِ مِنَ الْهَوَامِّ تُصْبِحُ تَتَدَفَّقُ وَتُمْسِيَ لا بَلالَ فِيهَا)). قال الهيثمي بعد عزوه للطبراني: ورجالُهُ ثقاتٌ، وصحَّحه ابن حبان. وبَرهُوت - بفتح الباء الموحدة والراء المهملة وضم الهاء وآخره تاء مثناة - بئر عتيقة بحضر موت لا يستطاع النزول إلى قعرِها، ويقال: بُرْهوت، بضم الباء وسكون الراء. ٦٤٧ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاع (انْزِعُوا) بكسر الزاي من النزع. وهو الاستقاء. قال النووي: معناه: استقوا بالدلاء وانزعوها بالرشاء. (بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ) يعني: العباس ومتعلقيه بحذف حرف النداء. وفي حديث ابن عباس عند الشيخين: أتَى زَمْزَم وَهُمْ يَسْقُونَ عَلَيْهَا فَقَالَ: ((اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلِ صَالِحٍ)). (فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ) قال النووي: معناه: لولا خوفي أن يعتقدَ الناس ذلك من مناسك الحجّ ويزدحمون عليه بحیث یغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستقاء. انتهى. وقيل: قال ذلك؛ شفقة على أمته من الحرج والمشقة، والأول أظهر، وفيه بقاء هذه التكرمة لبني العباس كبقاء الحجابة لبني شيبة. (فَنَاوَلُوهُ)، أي: أعطوه. (فَشَرِبَ مِنْهُ)، أي: من الدلو أو من الماء. وفيه: دليل على استحباب الشرب للناسك من ماء زمزم والإكثار منه. وذكر الواقديُّ: أنه لما شرب صب على رأسه، وذكر أبو ذرٍّ في ((منسكه)) عن عليٍّ أنَّ النبيَّ ◌َِّ لما أفاضَ دعا بسجلٍ مِن زمزم فتوضَّأ. وأخرجه أحمد أيضًا، وقال: فدعا بسجلٍ من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ. وأخرجه أيضًا من حديث ابن عباس وفي رواية عنده: أنهم لما نزعوا الدلو؛ غسل منه وجهه وتمضمض فيه، ثم أعادوه فيها، وكذلك أخرجَهُ سعيد بن منصور. قيل: ويستحبُّ أن يشرب قائمًا، واستدلَّ لذلك بما روى البخاري من طريق عاصم عن الشعبي أن ابن عباس حدَّثهم قال: سقيت رسول اللّه وَ ل من زمزم فشرب وهو قائم. قال عاصم: فحلف عكرمة ما كان يومئذ إلا على بعيرٍ. وفي الاستدلال بذلك على استحبابٍ شرب ماء زمزم قائمًا نظر؛ لأنه يجوز أن يكون الأمر فيه على ما حلف عليه عكرمة، وهو أنه شرب وهو على الراحلةِ، ويطلق عليه: قائم، ويكون ذلك مراد ابن عباس من قوله: ((قائمًا)). فلا يكون بينه وبين النهى عن الشرب قائمًا تضاد، ويجوزُ أن يحمل على ظاهره ويكون دليلاً على إباحة الشرب قائمًا، يعني: أنه عليه الصلاة والسلام شربه قائمًا لبيانِ الجوازِ. وقيل: أو لعذر به في ذلك المقام من الطين أو الازدحام. والله أعلم. فوائد: الأولى: أخرجَ أحمدُ وابنُ ماجه من حديث جابرٍ مرفوعًا: ((مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ ٦٤٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ لَّهُ)). وأخرجَهُ الدار قطني وزاد: ((إِنْ شَرِبْتَهُ تَسْتَشْفِي بِهِ، شَفَاكَ اللهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِيُشْبِعَكَ؛ أَشْبَعَكَ اللهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِقَطْعِ ظَمَتِكَ، قَطَعَهُ اللهُ، وَهِي هَزْمَةُ حِبْرِيلَ وَسُقْيَا اللَّهِ إِسْمَاعِيلَ)). وروى أبو داود الطيالسي من حديث أبي ذر مرفوعًا: ((إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّها طَعَامُ طُعْمٍ وَشِفَاءُ سُقْمٍ)). وقد شربه جماعةٌ من العلماءِ لمآرب فوجدوها ونالوها. الثانية: رُوي عن عائشة ﴿ّا: أنَّها كانت تحمل من ماء زمزم وتخبرُ عن النبي ◌ّول أنه كان يحمله، وأخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، والبيهقي والحاكم وصحَّحه، قال الشوكاني: فيه دليلٌ على استحبابٍ حمل ماء زمزم إلى المواطن الخارجة عن مكّة. وأخرج الأزرقي عن ابن أبي حسين قال: بعثَ رسولُ اللَّهِ وَلِّل إلى سُهيل بن عمرو يستهديه من ماء زمزم فبعث إليه براويتين وجعل عليهما كرًّا غوطيًّا، قيل: الكر جنس من الثيابِ الغلاظِ، وعن ابن عباس : أَنَّ النبيَّ ◌َّةِ استهدى سهيل بن عمرو من ماء زمزم. ذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، وفيه عبد الله بن المؤمل المخزومي وثَّقْه ابن سعد وابن حبان وقال: يخطئ، وضعفه جماعة. الثالثة: عن ابن عباس أنه قال: إذا شربت من ماء زمزم فاستقبل القبلة، واذكر اسم الله تعالى، وتنفَّس وتضلَّع مِنها، فإذا فرغت فاحمد الله، فإنَّ رسول اللّه وَل قال: ((إِنَّ بَيْتَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ - أي: المنافقين - أنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ)). وعن عكرمة قال: كان ابنُ عباس إذا شرب من زمزم قال: اللَّهُمَّ إني أسالك علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا وشفاءً من كل داءٍ. أخرجهما الدار قطني وابن ماجه. والتضلَّع: الامتلاء حتى تمتد أضلاعه. وفي هذين الأثرين بيان آداب شرب ماء زمزم. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، أي: بطوله، وأخرجه أيضًا أبو نعيم في ((المستخرج على صحيح)) مسلم وأبو داود والدارمي وابن ماجه وابن الجارود في ((المنتقى)). (رقم ٤٦٥ : ٤٦٩) والبيهقي (ج ٥: ص ٧ - ٩) كلهم من طريق جعفر بن محمد الصادق عن أبيه محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبي جعفر الباقر، قال: دخلنا على جابر بن عبد الله، فسأل عن القوم حتى انتهى إليَّ، فقلتُ: أنا محمد بن علي بن حسین، فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى ثم نزع زري الأسفل، ثم وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذ غلام شاب، فقال: مرحبًا بك يا بن أخي، سَل عمَّ شئت ٦٤٩ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِضَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ فسألته وهو أعمى وحضر وقت الصلاة فقام في نساجة متحفًّا بها، كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المشجب، فصلَّى بنا فقلتُ: أخبرني عن حجة رسول اللَّه بَل فقال بيده فعقد تسعًا، فقال: إن رسول اللّه وَلّ مكثَ تسع سنين لم يحج ... الحديث. وأخرج القسم الأكبر منه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) (رقم ١٦٦٨)، وأحمد (ج ٣: ص٣٢٠ - ٣٢١) وعبد بن حميد وابن أبي شيبة والبزار. وروى قطعًا متفرقة منه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي والدارمي وابن ماجه، ومالك في (موطئهٍ))، ومن طريقه محمد في موطئه، والشافعي والطحاوي في ((شرحِ المعاني)) وفي ((مشكل الآثار))، والطبراني في ((الصغير))، والدارقطني في ((سُننه))، والحاكم في ((المستدركِ))، والبيهقي، وأحمد في ((مسندهِ))، وابن سعد في ((الطبقاتِ))، وأبو نعيمٍ في ((الحلية)) . ٦٥٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٢٥٨٠ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ ﴿َّا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ وَِّّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيَحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا وَفِي رِوَايَةِ: فَلَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْبِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٌّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ)). قَالَتْ: فَحِضْتُ وَلَمْ أَطْفٍْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمْ أَزَّلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةٍ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ◌َ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي، وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِالْحَجِ وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ، حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي، بَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ اِبْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي مِنَ التَّنْعِيمِ، قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًّا بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنَّى وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا طَاقُوا طَوَافًا وَاحِدًا. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشرح ٢٥٨٠ - قوله. (وَعَن عَائِشَة قَالَتْ: خَرَجْنَا)، أي: معاشر الصحابة. (مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) وفي مسلم: مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ. والذي في ((المشكاةٍ)) موافق لما ذكره الجزري في ((جامع الأصول)). (فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ)، أي: مفردة، والمعني: أحرم بها أو لبى بها مَقَرونة بالنية. (وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ)، أي: مفرد أو مقرون بعمرة. (فَلَمَّا قَدِمْنَا)، أي: كلنا. (مَكَّةَ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ). وفي ((صحيح مسلم)): حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ فَقَالَ رَسُولُ بَّهِ. وكان قدومهم مكة صبيحة الأحد رابع ذي الحجة. (مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ) من الإهداء، أي: لم يكن معه هدي. (فَلْيَحْلِلْ) بفتح الياء وكسر اللام، أي: فليخرج من الإِحِرام بحلقٍ أو تقصيرٍ. (وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى)، أي: كان معه هدي. (فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ) الَّتي أحرم بها، (٢٥٨٠) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٥٥٦)، ومُسْلِم (١٢١١) فِيهِ عَنْهَا. ٦٥١ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاع والمعنى: لا يحل من عمرته، بل يدخل الحج في العمرة؛ ليكون قارنًا ففيه: جواز إدخال الحج على العمرة. (ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا) يعني: لا يخرجُ من الإحرام ولا يحل له شيء من المحظورات حتى يتمَّ العمرةَ والحجَّ جميعًا. قال الولي العراقي في شرح رواية عروة عن عائشة عند مسلم: فقال رسول اللّه ◌َخّ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ الهَدْيِ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا)). قال المالكية والشافعية: هذه الرواية دالَّة على أنَّ السببَ في بقاء من ساق الهدي على إحرامه حتى يحلَّ من الحجِّ كونه أدخل الحج على العمرةٍ، وأنه ليسَ السبب في ذَلِك مجرَّد سوق الهدي، فما يقوله أبو حنيفة وأحمد ومن وافقهما: إن المعتمر المتمتع إذا كان معه هدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. وهم تمسكوا بقوله في رواية عقيل عن الزهري في ((الصحيحين)): فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِّل : ((مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيُحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَأَهْدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ ... )) الحديث. وهي ظاهرة في الدلالةِ لمذهبهم، لكن تأولها أصحابنا على أنَّ معناها: ومن أحرم بعمرة وأهدى، فليهل بالحج ولا يحل حتى ینحر هديه. واستدلُّوا على صحّة هذا التأويل برواية عروة عن عائشة المتقدمة، وقالوا: هذا التأويل متعين؛ لأنَّ القضية واحدة والراوي واحد، فيتعين الجمع بين الروايتين. انتهى. وذكر نحو ذلك الزرقاني في ((شرح الموطأ)) في شرح باب دخول الحائض مکة . وقال المحب الطبري (ص ٨٥): في شرح حديث ابن عمر عند الشيخين بلفظ: فلمَّا قدمَ النبيُّ ◌َ له مكّة؛ قال للنَّاسِ: ((مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإِنَّهُ لَا يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّتَهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدٍ ... )) الحديث. قال الطبري: قد تعلَّق أبو حنيفة بهذا الحديث واستدل له على ما ذهب إليه من أن المعتمر في أشهر الحجّ، المريد للحج إذا كان معه الهدي، فلا يحل من عمرته ويبقى على إحرامه حتى يحج، ولا دلالة فيه؛ إذ يكون المراد به من جمع بين الحج والعمرة، ويدلَّ عليه ما سيأتي في الفصل بعده. انتهى. يشيرُ بذلك إلى ما رُوِيَ عن عائشة قالت: وأما من ساق الهدي منهم فأدخل الحج على عُمرته ولم يحل، أخرجه ابنُ حبان. وقال الشوكاني: استدل بما في البخاريِّ من حديث عائشة: ((مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ ٦٥٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ فَأَهْدَی ،فَلَا يَحِلَّ حَتَّى يُنْحَرَ)) على أنَّ من اعتمرَ فساقَ هدیًا لا یتحلل من عُمر ته حتى ينحرَ هديه يوم النحر، وتأوَّل ذلك المالكية والشافعية على أنَّ معناه: من أحرم بعمرة فأهدى فأهل بالحج فلا يحل له حتى ينحر هديه. ولا يخفى ما فيه من التعسف : انتهى. (وَفِي رِوَايَةٍ)، أي: بدل قوله: (ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا). (فَلَا يَحِلُّ) بالنفي، ويحتمل النهي. (حَتَّى يُحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ)، أي: يوم النحر، فإنَّه لا يجوزُ له نحر الهدي قبله، وقوله: ((حَتَّى يُحِلَّ بِنَحْرِ هَدْبِهِ)) كذا في ((المشكاة)) و((المصابيح))، وفي مسلم: ((حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ)). وفي ((جامع الأصولِ)): (حَتَّى يحلَّ نَحْرِ هَدْيِهِ). اعلم: أن ها هنا روايتين أوردهما مسلم في ((صحيحهِ))؛ الأولى: روايةُ عقيل عن ابنِ شهاب الزهري عن عُروة عن عائشة قالت: خرجنا مع رسولِ الله وَل حجة الوداع، فَمنّا من أهلَّ بعمرةٍ، ومنَّا من أهل بحجٍّ حتى قدمنا مكَّة فقالَ رسول الله وَّه : ((مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيُحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ)). قالت عائشة: فحضتُ ... إلخ. والرواية الثانية: من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: خرجنا مع النبيِّ وَّ عام حجة الوداع فأهللتُ بعمرةٍ ولم أكن سُقت الهدي فقال النبيُّ تَّ : ((مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا)). قالت: فحضتُ ... إلخ. وقد ظهر بهذا ما وقع في سياق ((المشكاة)) تبعًا للبغوي من الخللِ. قال الطيبي: قوله: ((وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى)) مع قوله: وَفِي رِوَايَةٍ: ((حَتَّى يُحِلَّ بِنَحْرِ هَدْبِهِ)) دلَّ على أن مَن أحرمَ بعمرة وأهدى لا يحل حتى يحل بنحر هديه وبه قال أبو حنيفة وأحمد وقال مالك والشافعي: يحل إذا طاف وسعى وحلق. والرواية الأولى: أعني: قوله: ((فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ) دلَّت على أنَّه أمرَ المعتمر بأن يقرن الحج بالعمرة فلا يحل إلا بنحر هذا الهدي، فوجبَ حمل هذه الرواية الثانية على الأخرى؛ لأنَّ القصة واحدة، انتهى. وقال النووي: قوله - أي: في رواية عقيل عن الزهري عن عروة -: ((مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ)): هذا الحديث ظاهر في الدلالة لمذهب أبي حنيفة وأحمد وموافقيهما في أن المعتمر المتمتع إذا کان معه هدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، ومذهب مالك والشافعي وموافقيهما: أنه إذا طاف وسعى وحلق حل من عمرته ٦٥٣ بَابُ قِصَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ وحل له كل شيء في الحال سواء كان ساق هديًا أم لا. واحتجوا بالقياس على من لم يسق الهدي، وبأنه تحلّل مِن نسكه فوجبَ أن يحل له كل شيء كما لو تحلل المحرم بالحجِّ، وأجابُوا عن هذه الرواية: بأنها مختصرة من الرواياتِ التي ذكرها مسلم بعدها والتي ذكرها قبلها عن عائشة قالت: ((خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّه عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ) ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ له: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا)). فهذهِ الرواية مفسَّرة للمحذوف من الرواية التي احتجَّ بها أبو حنيفة وتقديرها: ومَن أحرمَ بعمرةٍ وأهدى فليهلل بالحجِّ ولا يحل حتى ينحر هديه. ولا بدَّ من هذا التأويل؛ لأن القضية واحدة، والراوي أي: المخرج وهو عائشة واحد، فيتعيَّن الجمع بين الروايتين على ما ذكرناه، والله أعلم، انتهى. وقد اتضح بهذا وبما ذكرنا قبل ذلك من كلام الولي العراقي أن السبب في بقاء المعتمر الذي ساق الهدي على إحرامه عند الشافعية والمالكية هو إدخال الحجّ على العمرةٍ لا مجرد سوق الهدي، واستدلوا لذلك برواية معمر، ومن وافقه عن الزهري عن عروة عن عائشة، وعند الحنفية والحنابلة مدار الحكم هو مجرد سوق الهدي ومستندهم رواية عقيل عن الزهري، والراجح عندنا: هو قول الحنابلة ومن وافقهم لتظافر الروايات الصحيحة الصريحة بذلك، والله أعلم. (وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ) هذا بظاهره يقتضي أنه ما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة مع أن الصحيح الثابت برواية أربعة عشر من الصحابة هو أنَّه أمرَ لمن لم يسق الهدي بفسخ الحجِّ، وجعله عمرة فحينئذٍ لا بدَّ من حمل هذا الحديث على مَن ساق الهدي، والأمرُ بالفسخ لمن لم يسق الهدي فلا منافاة، قاله السندي في حاشيةِ مسلمٍ. وقد ذكرنا في شرح حديث عائشة المتقدم في بابِ الإحرام والتلبية أن قوله: ((مَّنْ أَهَلَّ بِحَجّ)) معناه: أي وأهدى فليتم حجه لئلا يخالف هذا الحديث لأحاديث فسخ الحج إلى العمرة. (قَالَتْ: فَحِضْتُ)، أي: بسرف قبل دخول مكة كما صحَّ عنها، واتفقوا على أن ابتداء حيضها كان بسرف وذلك يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجة، واختلفوا في موضع طهرها، وسيأتي بيان الاختلاف فيه. (وَلَمْ أَطَفْ بِالْبَيْتِ)، أي: للعمرة؛ ٦٥٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ لأنَّ الطهارة شرط للطواف أو واجب، ولأن الطواف في المسجدِ والحائضِ ممنوع من الدخول فيه. (وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ)، أي: ولم أسعْ بينهما. قال الطيبي: قولها: ((وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ)) عطف على المنفي قبله على تقدير: ولم أسع. نحو: عَلَقْتُهَا تَبْنَا وَمَاءَ بَارِدًا. ويجوز أن يقدر: ولم أطف. على المجازِ لما في الحديث: وطافَ بين الصفا والمروة سبعة أشواطٍ. وإنما ذهبَ إلى التقديرِ دون الانسحاب لئلا يلزم استعمال اللفظ الواحد حقيقة ومجازًا في حالة واحدة، انتهى. أي؛ لأنَّ حقيقةَ الطواف الشرعي لم توجد؛ لأنها الطواف بالبيتِ، وأجيبَ أيضًا: بأنه سمى السعي طوافًا على حقيقته اللغوية، فالطوافُ لغة: المشي قاله الزرقاني. وإنما لم تسع عائشة بين الصفا والمروة؛ لأنه لا يصح السعي إلا بعد الطواف وإلا فالحيض لا يمنعُ السعي. قال ابن قدامة في ((المغني)) (ج٢: ص٣٩٤): أكثرُ أهل العلم يرون أن لا تشترط الطهارة للسعي بين الصفا والمروة، وممن قال ذلك عطاء ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وكان الحسن يقول: إن ذكر قبل أن يحل فليعد الطواف، وإن ذكر بعد ما حل فلا شيء عليه. ولنا قول النبي وَلّ لعائشة حينٍ حاضت: ((اقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت)). ولأنَّ ذلك عبادة لا تتعلَّق بالبيتِ فأشبهت الوقوف. قال أبو داود: سمعتُ أحمد يقولُ: إذا طافت المرأة بالبيت ثم حاضت سعت بين الصفا والمروة ثم نفرت. ورُوِيَ عن عائشة وأم سلمة أنهما قالتا: إذا طافتِ المرأةُ بالبيتِ وصلَّتْ ركعتَيْن ثُمَّ حاضت فلتطف بالصَّفا والمروةِ. رواه الأثرم. والمستحبُّ مع ذلك لمن قدر على الطهارةِ أن لا يسعى إلا متطهرًا، وكذلك يستحبُّ أنْ يكونَ طاهرًا في جميع مناسكِهِ. ولا يشترطُ أيضًا الطهارة من النجاسةِ والستارة للسعي؛ لأنَّه إذا لم تشترطِ الطهارة من الحدثِ وهي آكد فغيرُهُ أولى. وقد ذكر بعضُ أصحابنا رواية عن أحمد: أنَّ الطهارةَ في السعي كالطهارةِ في الطوافٍ، ولا يعول عليه، انتهى. قال الباجي: إن السعي إنما يكون بأثر الطواف بالبيت، فإذا لم يمكن الحائض الطواف بالبيت لم يمكنها السعي بين الصفا والمروة، وإن لم تكن من شرطِهِ الطهارة؛ لأنه عبادة لا تعلق لها بالبيت ولو طرأ على المرأةِ الحيض بعدَ كمال الطواف يصحُّ سعيها، انتهى. وقال ابنُ قدامة: السعي تبع للطواف لا يصح إلا أن ٦٥٥ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةٍ حِجَّةِ الْوَدَاعِ يتقدمه طواف، فإن سعى قبله لم يصح. وبذلك قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي. وقال عطاء: يجزئه، وعن أحمد يجزئه إن كان ناسيًا، وإن عمدًا لم يجزئه سعيه؛ لأن النبي وَّ لما سُئل عن التقديم والتأخير في حال الجهل والنسيان قال: (لَا حَرَجَ)). ووجه الأول: أنَّ النبي ◌َّ إنَّما سعى بعد طوافِهِ وقدْ قالَ: ((لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)). فعلى هذا إن سعى بعد طوافه ثم علم أنه طاف بغير طهارة لم يعتد بسعيه ذلك، انتهى. وقال الحافظ: حكى ابنُ المنذر عن عطاء قولين فيمن بدأ بالسعي قبل الطواف بالبيتِ، وبالإجزاء قال بعض أهل الحديث، واحتجَّ بحديث أسامة بن شريك الآتي في الباب الذي بعد باب الحلق أنَّ رجلًا سألَ النبيَّ وَلَه فقال: سعيتُ قبلَ أنْ أطوفَ؟ قال: ((طُفْ وَلا حَرَجَ)). وقال الجمهور: لا يجزئه، وأوَّلُوا حديثَ أسامة على مَن سعى بعد طواف القدوم وقبل طواف الإفاضة انتهى. وقال ابن القيم: قوله: سَعَيْتُ قَبْلَ أنْ أَطُوافَ. في هذا الحديثِ ليس بمحفوظٍ، والمحفوظ تقديم الرمي والنحر والحلق بعضها على بعض. وفي ((التمهيد)): اختلف العلماء فيمن قدم السعي على الطواف، فقال عطاء بن أبي رباح: يجزيه ولا يعيد السعي ولا شيء عليه، وكذلك قال الأوزاعي وطائفة من أهل الحديث. واختلف في ذلك عن الثوري فرُوي عنه مثل قول الأوزاعي وعطاء، ورُوي عنه أنه يعيد السعي. وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم: لا يجزيه وعليه أن يعيد إلا أن مالكًا قال: يعيد الطواف والسعي جميعًا. وقال الشافعي: يعيد السعي وحده لیکون بعد الطواف ولا شيء عليه، انتھی مختصرًا. (فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ) اختلف في موضع طهرها بعد الاتفاق على أنها حاضت بسرف. قال الزرقاني: وفي مسلمٍ عن مجاهد عنها أنها تطهرت بعرفةَ، وعن القاسم عنها: وطهرْتُ صَبِيحةَ لَيْلةً عَرَفة حِين قَدِمْنَا مِنَّى. وله عنه أيضًا: فَخَرَجْتُ فِي حَجَّتِي حَتَّى نَزَلْنَا مِنَّى فَتَطَهَّرْتُ، ثُمَّ طُفْنَا بِالْبَيْتِ. فاتفقت الروايات كلّها على أنَّها طافت طواف الإفاضة يومَ النحرِ، وجمع بين رواية مجاهد والقاسم: بأنه انقطع الدم عنها بعرفة وما رأت الطهر إلا بعد أن نزلت منى. وقول ابن حزم: حاضت يوم السبت لثلاث خلون من ذي الحجة وطهرت يوم السبت عاشره. إنما أخذه من روايات مسلمٍ المذكورة، انتهى. ٦٥٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وقال ابن القيم في ((الهدي)): أما موضع حيضها فهو بسرف بلا ريب وموضع طهرها قد اختلف فيه فقيل: بعرفة، هكذا روى مجاهد عنها، وروى عُروة عنها أنها أظلها يوم عرفة وهي حائض، ولا تنافي بينهما، والحديثان صحيحان، وقد حملهما ابنُ حزم على معنيين فطهر عرفة هو الاغتسال للوقوف عنده. قال: لأنها قالت: تطهرتَ بعرفة. والتطهر غير الطهر. قال: وقد ذكر القاسم يوم طهرها أنه يوم النحر، وحديثه في ((صحيح مسلمٍ)). قال: وقد اتفق القاسم وعروة على أنها كانت يوم عرفة حائضًا وهما أقرب الناس منها. وقد روى أبو داود: حدثنا محمدُ بن إسماعيل، ثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها: خرجنا مع رسولِ اللهِ وَ﴿ هُوَافين هِلَال ذِي الحجةِ، فذكرت الحديث وفيه: فلمَّا كانتْ ليلَةُ البطحاءِ طَهرت عائشةُ. وهذا إسناد صحيح لكن قال ابن حزم: إنه حديثٌ منكرٌ مخالف لما روى هؤلاء كلهم عنها وهو قوله: إنها طهرت ليلةَ البطحاء. وليلة البطحاء كانت بعد يوم النحر بأربع ليالٍ، وهذا محال إلا أننا لما تدبرنا وجدنا هذه اللفظة ليست من كلام عائشة فسقط التعلق بها؛ لأنها هي مما دون عائشة وهي أعلم بنفسها. قال: وقد روى حديث حماد بن سلمة هذا وهيب بن خالد وحماد بن زيد فلم يذكرا هذا اللفظة. قلت: يتعين تقديم حديث حماد بن زيد ومن معه على حديث حماد بن سلمة لوجوه: أحدها: أنه أحفظ وأثبت من حماد بن سلمة. الثاني: أن حدثيهم فيه إخبارها عن نفسها، وحديثه فيه الإخبار عنها. الثالث: أن الزهري روى عن عُروة عنها الحديث، وفيه: فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ . وهذه الغاية هي التي بينها مجاهد والقاسم عنها لكن قال عنها: فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةً . والقاسم قال: يَوْمَ النَّحْرِ. انتهى كلام ابنِ القيِّمِ. (وَلَمْ أُهْلِلْ)، أي: لم أحرم أولًا. (إِلَّا بِعُمْرَةٍ) هذا نص في أن عائشة لم تحرم إلا بعمرة وأنها كانت معتمرة ابتداء. (فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ ◌َّهِ أَنْ أَنْقُضَ) بضم القاف. (رَأْسِي)، أي: أحل ضفر شعره. (وَامْتَشِطَ)، أي: أسرحه بالمشط وقيل: أو بالأصابع. (أُهِلَّ بِالْحَجّ)، أي: أمرني أن أحرم بالحج. (وَأَتْرَُكَ الْعُمْرَةَ) وفي رواية: فَقَالَ: ((انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ)) وفي رواية: ((أَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِك)) وفي أخرى: ((ارْفُضِي عُمْرَتَكِ)). قال الحنفيةً: معنى الحديثِ: أمرني أن أخرج من إحرام العمرة وأتركها باستباحة المحظورات من ٦٥٧ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بَابُ قِصَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ التمشيط وغيره لعدم القدرة على الإتيان بأفعالها بسبب الحيض. واستدلُّوا بذلك عَلى أنَّ المرأةَ إذا أهلَّت بالعمرة متمتعة فحاضت قبل أن تطوف، واستمرَّ حيضُهَا حتى جاءً يوم عرفة تركت العمرة وأهلت بالحجِّ مفردة، فإذا فرغت من الحجّ أحرمت بالعمرة قضاء، ويلزمها دم لرفض العمرةِ. وقال الجمهور في معنى الحديث: أي: أمرني أن أترك العمل للعمرة من الطوافٍ والسعي، وتقصير شعر الرأس وأرفض إتمام أفعالها، وأمرني أن أدخل الحج على العمرة فأكون قارنة، فليسَ المراد هنا بترك العمرة إسقاطها جملة، أي: إبطالها، وإنما المراد ترك أفعالها وإرداف الحج عليها حتى تصيرَ قارنة وتتدرج أفعالها في أفعال الحج. قال ابنُ قُدامة: المتمتعة إذا حاضت قبل الطواف للعمرة لم يكن لها أن تطوف بالبيت؛ لأنها ممنوعة من دخول المسجد ولا يمكنها أن تحل من عمرتها ما لم تطف بالبيتِ، فإن خشيت فوات الحج أحرمت بالحجِّ مع عمرتها وتصير قارنة، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي وكثير من أهل العلم. وقال أبو حنفية: ترفض العمرة وتهلل بالحج. قال أحمد: ما قال هذا أحد غير أبي حنفية، واحتج بما روى عروة عن عائشة قالت: أَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ ... الحديث. وفيه: فَقَالَ: ((انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِّلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ)) قَالَتْ: فَفَعَلْتُ، فلمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَلَه مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إلى التنعيم فاعتمرت معه، فَقَالَ: ((هَذِهِ عُمْرَةٌ مَكَانُ عُمْرَتِك)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وهذا يَدلَّ على أنَّها رفضت عمرتها وأحرمت بحج من وجوهٍ ثلاثة: أحدها: قوله: ((دَعِي عُمْرَتَكِ)) والثاني: قوله (وَامْتَشِطِي)) والثالث: قوله: ((هَذِهِ عُمْرَةٌ مَكَانُ عُمْرَتِك)) ولنا ما روى جابر قال: أَقْبَلَتْ عَائشةُ بِعُمرةٍ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِسَرِفَ عَرَكَتْ .. الحديث. وفيه قال: (فَاغْتَسِلِي ثُمَّ أَهِلِّي بِالْحَجِ)). فَفَعَلَتْ ووقفت المواقف كلها ثم قال: ((قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِك)). وروى طاوس عن عائشة أنها قالت: أهللتُ بعمرةٍ فقدمتُ ولم أطفْ حتَّى حِضتُ، ونَسَكتُ المناسكَ كلَّها وقد أهللْتُ بالحجِّ، فقال لها النبي وَّ يوم النفر: (يَسَعُكِ طَوَافُّك لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِك)). رواهما مسلمٌ. وهما يدلان على ما يدلان على ما ذكرنا جميعه، ولأن إدخال الحج على العمرة جائز بالإجماع من غير خشية الفوات فمع خشية الفوات أولى. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لمن أهل بعمرة أن ٦٥٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ea يدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطواف بالبيت، وقد أمرَ النبيُّ ◌َله من كان معه هدي في حجة الوداع أن يهلِ بالحجِّ مع العمرةٍ، ومع إمكان الحج مع بقاء العمرة لا يجوزُ رفضُهَا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَنِعُواْ الْحَجَّ وَالْعُهْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولأنها متمكنة من إتمام عمرتها بلا ضرر، فلم يجز رِفضُها كغيرِ الحائض. ثم أجابُ ابنُ قدامة عن رواية عروة بأن قوله: ((انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَدَعِي الْعُمْرَةَ)) قد انفردَ به عروة وخالف به سائر من روى عن عائشة حين حاضت، وقد روى طاوس والقاسم والأسود وعمرة عن عائشة ولم يذكروا ذلك. وحديث جابر وطاوس مخالفان لهذه الزيادة ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف. ثم قال ابن قدامة: ويحتمل أن قوله: ((دَعِي الْعُمْرَةَ))، أي: دعيها بحالها وأهلي بالحج معها، أو دعي أفعال العمرة فإنها تدخل في أفعال الحج، انتهى. وقال الخطابي: استشكلَ بعضُ أهل العلم أمره لها بنقض رأسها ثم بالامتشاطِ. وكان الشافعيُّ يتأوَّلُه على أنه أمرها أن تَدَع العمل للعمرة وتدخل عليها الحج فتصير قارنة، قال: وهذا لا يشاكل القصة. وقيل: إن مذهبها أن المعتمر إذا دخل مكة استباح ما يستبيحه الحاج إذا رمى الجمرة. قال: وهذا لا يعلم وجهه. وقيل: كانت مضطرة إلى ذلك. قال: ويحتملُ أن يكون نقض رأسها كان لأجل الغسل لتهل بالحجِّ لا سيما إن كانت ملبدة فتحتاج إلى نقض الضفر، وأما الامتشاط فلعلَّ المراد به تسريحها شعرها بأصابعها برفقٍ حتى لا يسقط منه شيء، ثُم تضفره كما كان ذكره الحافظ . وقال ابن القيم بعد ذكر مسلك الجمهور وتقويته: أما قوله: ((وانقضي رأسك وامشطي)). فهذا مما أعضل على الناس ولهم فيها أربعة مسالك : أحدها: أنه دليل على رفض العمرة كما قالت الحنفية. المسلك الثاني: أنه دليل على أنه يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع على منعه من ذلك ولا تحريمه، وهذا قول ابن حزم وغيره. المسلك الثالث: تعليل هذه اللفظة وردها بأن عروة انفرد بها وخالف بها سائر الرواة، وقد روى حديثها طاوس والقاسم والأسود وغيرهم فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة. المسلك الرابع: أن قوله: ((دَعِي الْعُمْرَةَ)). أي: دعيها بحالها لا تخرجي منها، وليس المرادُ تركها. قالوا: ويدلَّ عليه وجهان: أحدهما: قوله: ((يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِك)) الثاني: قوله: ٦٥٩ بَابُ قِصَّةِ حِجَّةِ الْوَدَاعِ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ ((كُونِي فِي عُمْرَتِك)). قالوا: وهَذا أولى من حمله على رفضها لسلامته من التناقض، انتهى. وقال الزرقاني: وأجابَ جماعة منهم الشافعي باحتمال أن معنى ((دَعِي عُمْرَتَك)) اتركي التحلل منها، وأدخلي عليها الحج فتصير قارنة، ويؤيده قوله في رواية مسلم: ((وَأَمْسِكِي عَنْ الْعُمْرَةِ))، أي: عن أعمالها، وإنما قالت: وَأَرْجِعُ بِحَجَّةٍ. لاعتقادها أن إفراد العمرة بالعمل أفضل كما وقع لغيرها من أمهات المؤمنين . قال الحافظ: واستبعد هذا التأويل لقولها في رواية عطاء عنها: وأرجع أنا بحجة ليس معها عمرة. أخرجه أحمد. وهذا يقوي قول الكوفيين أن عائشة تركت العمرة وحجت مفردة، لكن في رواية عطاء عنها ضعف. وأجاب الحنفية عن ذلك بأن ضعف رواية عطاء منجبر برواية البخاري: يصدرون بنُسكين وأصدر بنسك. وفي رواية: قالتْ: يا رسولَ اللهِ اعتمرتمْ ولم أعتمر. قال الحافظُ: والرافعُ للإشكال في ذلك ما رواه مسلمٌ من حديث جابرٍ: أنَّ عائشةَ أهلَّت بعمرةٍ حتى إذا كَانَتْ بِسَرِفَ حاضتْ، فقال لها النبيِ وَِّ: (َ أَهِلِّي بِالْحَجِّ)) حتَّى إذَا طهرتْ طافتْ بالكعبةِ وسَعَت فقال: ((قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِك)). ولمسلم من طريق طاوس عنها: فقالَ بَّهُ: ((طَوَافُكِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ)). فهذا صَّرِيحٌ في أنها كانت قارنة. قال الزرقاني: وتعقب بأن قوله: ((انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي)) ظاهر في إبطال العمرةِ؛ لأنَّ المحرم لا يفعل مثل ذلك لتأديته إلى نتف الشعر، وأجيب: بجوازهما للمحرم حيث لا يؤدي إلى نتف الشعر مع الكراهة بغير عذر أو كان ذلك لأذى برأسها فأباح لها ذلك كما أباح لكعب بن عجرة الحلاق لأذى برأسه، أو نقض رأسها لأجل الغسل لتهل بالحج، ولا سيما إن كانت تلبدت فتحتاج إلى نقض الضفر، ولعل المراد بالامتشاط تسريح شعرها بأصابعها برفق حتى لا يسقط منه شيء، ثم تضفره كما كان، أو أعادت الشكوى بعد رمي جمرة العقبة فأباح لها الامتشاط حينئذٍ . قال المازري: هو تعسُّف بعيد من لفظ الحديثِ، أو كان مذهبها أن المعتمر إذا دخل مكة استباح ما يستبيحه الحاج إذا رمى الجمرة. قال الخطابي: وهذا لا يعلم وجهه، انتهى.