Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
EX
وقد سبقَ بهذا الجمع الخطابي كما تقدَّم وزادَ، وقد يحتملُ ذلك وجهًا آخر،
وهو أن يكون بعضهم سمعه يقولُ: لبيك بحجٌّ، فحَكَى أنه أفردها، وخفي عليه
قوله: ((وعمرة)) فلم يحك إلا ما سمع وهو عائشة، ووعى غيره الزيادة، فرواها وهو
أنس حين قال: سمعتُ النبي ◌َّ يقول: ((لبيك بحجة وعمرة))، ولا تنكر الزيادات
في الأخبارِ كما لا تنكر في الشهاداتِ، وإنما كان يختلف ويتناقض لو كان الزائد
نافيًا لقول صاحبهِ، وأما إذا كان مثبتًا له وزائدًا عليه، فليسَ فيه تناقض ولا تدافع .
انتھی .
وجمع الحنفية كابنِ الهمام، وابن نجيم وغيرهما بين هذه الروايات بأن سبب
رواية الإفراد سماع من رأى تلبيته بالحجّ وحده، ورواية التمتع سماع من سمعه
يلبي بالعمرة وحدها، ورواية القران سماع من سمعه يلبي بهما، وهذا لأنه لا مانع
من إفراد ذكر نسك في التلبية وعدم ذكر شيء أصلًا وجمعه أخرى بنية القران.
انتھی .
وقال الأبي في ((الإكمالِ)): اختلفت الرواة في صفة حجه وَلّ وطعن بعض
الملحدة بذلك في الوثوق بنقل الصحابة، قال: لأن القضية واحدة واختلفوا في
نقلها اختلافًا متضادًا، وذلك يؤدي إلى الخلف في خبرهم، وعدم الوثوق بنقلهم،
وقد أكثر الناس من الكلام على هذه الأحاديث وأوسعهم في ذلك نفسًا الطحاوي،
والمتحصل من جواباتهم ثلاثة: الأول: أن الكذب إنما يدخل فيما طريقه النقل لا
فيما طريقة النظر والاستدلال، وإنما استدلوا بما ظهر من فعله يعني أن التكاذب
فيما طريقه النقل، ولم يقولوا: إنَّ النبيَّ ◌َّ قال لهم إني فعلت كذا، وإنما استدلوا
على نيته وقصده بما ظهر من أفعاله، وهذا موضع تأويل يجوز فيه الغلط والخطأ،
فإذا إنما وقع فيما طريقه النظر والاستدلال لا النقل.
الثاني: يصِحُّ أن يكون أمر بعض أصحابه بالإفراد وبعضهم بالقران وبعضهم
بالتمتع؛ ليدلَّ على جواز الجميع، فأضافَ النقلة ذلك إلى فعله كما يقال: قطع
الأمير اللص.
والثالث: يصحُّ أن يكونَ قارنًا إلا أنه فرق بين زمن إحرامه بالعمرة وبين زمانه
بالحج، فسمعت طائفة قوله الأول، وطائفة الثاني، وطائفة القولين، فروت كل

٥٦١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِخْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
واحدة بما سمعت. انتهى مختصرًا.
(فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ) لما وصلَ مكة وأتى بأعمالها وهي الطواف والسعي
والحلق أو التقصير، وهذا مجمع عليه في حقِّ مَن لم يسق معه هديًا، أما من أحرم
بعمرة وساق معه الهدي فقال مالك والشافعي وجماعة هو كذلك، قال النووي في
((مناسكه)): المتمتع هو الذي يحرم بالعمرة من ميقات بلده ويفرغُ منها، ثم ينشئ
الحج من مكة، سمي متمتعًا؛ لاستمتاعه بمحظورات الإحرام بين الحج والعمرة،
فإنه يحل له جميع المحظورات إذا فرغ من العمرة سواء كان ساق هديًا أو لم يسق.
انتھی .
وقال الأبي في ((الإكمال)): إن المعتمر إذا فرغَ من عُمرته حل، ثم ينشئ الحج
من عامه، وإن كان معه الهدي، فكذلك عند مالك، والشافعي قياسًا على مَن ليس
معه هدي. انتهى. وقال أبو حنيفة، وأحمد وجماعة: لا يحلَّ من عمرته حتى ينحر
هديه يوم النحر. قال صاحب ((الهداية)) في المتمتع الذي ساق الهدي: إذا دخلَ
مكة؛ طافَ وسعى، وهذا للعمرة على ما بينا في متمتع لا يسوق الهدي إلا أنه لا
يتحلل حتى يحرم بالحج يوم التورية، لقولهِ،فَلَّا: ((لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا
اسْتَدْبَرْتُ لَمَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً وَتَحَلَّلْتُ مِنْهَا)). وهذا ينفي التحلل عند
سوق الهدي. انتهى .
قال الحافظ في ((الدراية)): رواه مسلمٌ في حديثٍ جابر الطويل، وفي
((الصحيحين)) عن أنسٍ: ((لَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ)). انتهى. وقال ابن قدامة في
((المغني)) (ج٣: ٣٩١): أما من معه هدي - أي: المتمتعُ الذي ساق الهدي -،
فليسَ له أن يتحلل لكن يقيم على إحرامهِ ويدخل الحج على العمرة، ثم لا يحل
حتى يحل منهما جميعًا، نص عليه أحمد وهو قول أبي حنيفة، وقال مالك
والشافعي: له التحلل ونحر هديه، ويستحبُّ نحره عند المروة. ولنا حديث ابن
عمر قال: تمتع الناس مع رسول اللَّه ◌َ له، فلما قدم مكة؛ قال للناس: ((مَنْ كَانَ مَعَهُ
هَدْيٌ، فَإِنَّهُ لَا يَجِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْتٌ،
فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ)). وروت عائشة قالت: خرجنا
مع رسول اللّه ◌َ له في حجة الوداع، الحديث. وفيه قوله ◌َلَّ: ((مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ،

٥٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا)) وعن حفصةً أنها قالتْ:
يا رسولَ الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل من عمرتك؟ قال: «إِنِّي
لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْبِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
والأحاديث كثيرة، أي: في هذا المعنى - وقال الحافظ: الأحاديث بذلك
متظافرة - وذكر ابنُ قدامة روايتين أخريين لأحمد ثم قال: والرواية الأولى أولى؛
لما فيها من الحديث الصحيح الصريح. انتهى.
وفي ((الروض المربع)): ثم إن كان متمتعًا لا هدي معه قصر من شعره وتحلل؛
لأنه تمت عمرته، وإن كان معه هدي لم يقصر وحل إذا حجَّ، فيدخل الحج على
العمرةٍ، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك في بابٍ
قصة حجة الوداع.
(وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ)، أي: مفردًا وأهدى. (أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) قارنًا.
(فَلَمْ يَحِلُّوا) بفتح الياء وضمها وكسر الحاء، يقال: حل المحرم، وأحل بمعنى
واحد أي لم يخرجوا من الإِحرام. (حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ)، أي: فحلوا. قال
القاري: ففي يوم النحر برميهم جمرة العقبة والحلق؛ حل لهم كل المحظورات إلا
مباشرة النساء، فحل لهم ذلك بطواف الركن. انتهى. وما ذكرَ في الحديثِ من أن
من أهل بالحجِّ مفردًا إنما حل يوم النحر، وهو محمول على من أهل بالحجِّ
وأهدى، وإلا فمن كان أهل بالحج ولم يهد؛ أمره رسول اللَّه وَ ل أن يفسخه إلى
العمرة. ففي رواية الأسود عن عائشة عند البخاري قالت: خرجنا مع النبي ◌َّ ولا
نَرى إلا أنه الحج، فلما قدمنا - أي: مكة - تطوَّفنا بالبيتِ، فأمرَ النبيُّ ◌َّه من لم
يكنْ ساق الهدي أن يحل، فحلَّ مَن لم يكن ساق الهدى - الحديث. قال الحافظُ :
قوله: ((أَنْ يُحِلَّ))، أي: من الحج بعمل العمرة، وهو فسخ الحج. انتهى.
وعلى هذا يحملُ ما وقعَ في رواية عقيل عن الزهري في ((الصحيحين)): فقال
رسولُ اللهِ وَلِّ: (مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ، فَلْيُحْلِلْ، وَمَنْ أَخْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى، فَلَا
يَحِلَّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٌّ - أي: وأهدى - فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ))، وإنما حملنا
الحديثَ على ذَلِك؛ لأنَّ ظاهره مخالف لأحاديث فسخ الحج، وعلى هذا لا يحتاج
إلى تغليط الرواية وإسقاطها، كما ذهب إليه ابن القيم فتأمل. وقال الشنقيطى في
((أضواء البيان)): دعوى مَن ادعى أنه لم يحل بعمرة من أصحاب النبي وقّ في حجة

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٦٣
الوداع إلا من أحرم بالعمرة وحدها، وأن من أحل بحجِّ أو جمع الحج والعمرة لم
يحل أحد منهم حتى كان يوم النحر، دعوى باطلة؛ لأن الروايات الصحيحة التي لا
مطعن فيها عن جماعة من أصحاب النبي وَ لّ متظاهرة بكلِّ الوضوح والصراحةِ أنَّ
النبي ◌َّ أمر كل من لم يكن معه هدي أن يحل بعمرة سواء كان مفردًا أو قارنًا،
ومستند من ادعى تلك الدعوى الباطلة هو ما أخرجه مسلم في ((صحيحه)) فذكر
حديث عائشة الذي نحن في شرحه، ثم قال: لأنَّ الذين لم يحلوا من القارنين
والمفردين في هذا الحديث ونحوه من الأحاديث يجبُ حملهم على أن معهم
الهدي لأجل الروايات الصحيحة المصرحة بذلك وبأن من لم يكن معه هدي
فسخوا حجهم في عمرة بأمرِ النبيِّ ◌َّ، انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا مالك وأبو داود والبيهقي (ج٥: ص١٠٩، ١١٠).
٢٥٧٠ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَمَثَّعَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لّهِ فِي حَجَّةٍ
الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، بَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ. [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٥٧٠ - قوله: (تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ بِ لِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ)،
أي: استمتع بالعمرةِ منضمة إلى الحجّ وانتفع بها. قال القارَي: قوله: ((إِلَى الْحَجِّ)
حالٍ من ((الْعُمْرَةِ))، أي: تمتع بها منضمة إلى الحج. (بَدأ)، أي: ابتدأ النسك.
(فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ) بيان لقوله: ((تمتع))، وظاهره: أنه أدخلَ الحج على
العمرة. وقال السندي: إن التمتع عند الصحابة كان شاملًا للقران أيضًا، وإطلاقه
على ما يقابل القران اصطلاح حادث، وقد جاء أن النبي وَّ كان قارنًا، فالوجه أن
يراد بالتمتع ها هنا في شأنه ◌َ ل ◌ّ القران؛ توفيقًا بين الأحاديث، والمعنى: انتفع
بالعمرة إلى أن حجَّ مع الجمع بينهما في الإحرام، ومعنى قوله: ((بدأ بالعمرة)) أنه
قدم العمرة ذكرًا في التلبية فقال: ((لبيك عمرة وحجًا)). انتهى. وقال القاضي:
قوله: ((تمتع رسول الله وَثير ... )) إلخ، هو محمول على التمتع اللغوي وهو القرآن
(٢٥٧٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٦٩١)، ومُسْلِم (١٧٤ / ١٢٢٧) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ.

٥٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ese
آخرًا، ومعناه: أنه وَّ أحرم أولًا بالحج مفردًا، ثم أحرم بالعمرة، فصار قارنًا في
آخر أمره. والقارن: هو متمتع من حيث اللغة ومن حيث المعنى؛ لأنه ترفه باتحاد
الميقات والإحرام والفعل، ويتعين هذا التأويل هنا للجمع بين الأحاديث في ذلك،
قلت: الحديث مشكل على من ذهب إلى أنه وقوّ كان مفردًا أولا وآخرًا ولم يكنِ
متمتعًا ولا قارنًا، فقال المهلب لدفع هذا الإشكال: إن قوله: ((تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ
وَالر ... )) إلخ، معناه: أمر بذلك؛ لأنه كان ينكر على أنس قوله: ((إنه قرن))
ويقول: إنه كان مفردًا، وأما قوله: ((بدأَ فأهلَّ بالعمْرةِ)). فمعناه: أمرهم بالتمتع
وهو أن يهلوا بالعمرة أولًا ويقدموها قبل الحج، قال: ولا بد من هذا التأويل؛
لدِفع التناقض عن ابنِ عُمر. وقال ابن المنير: إن حمل قوله: ((تَمَثَّعَ)) على معنى:
((أَمَرَ))، من أبعد التأويلات والاستشهاد عليه بقوله: ((رَجَم)). وإنما أمرَ بالرجمِ من
أوهن الاستشهادات؛ لأنَّ الرجم وظيفة الإمام؛ والذي يتولاه إنما يتولاه نيابة عنه،
وأما أعمال الحج من إفراد وقران وتمتع، فإنه وظيفة كل أحد عن نفسه، ثم أجازَ
تأويلاً آخرٍ، وهو: أن الراوي عهد أن الناس لا يفعلون إلا كفعله، لا سيما مع
قوله: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ))، فلما تحقق أن الناس تمتعوا ظنَّ أنه رَّ تمتع فأطلق
ذلك. قال الحافظ: ولا يتعين هذا أيضًا، بل يحتمل أن يكون معنى قوله: ((تَمَتَّعَ))
محمولًا على مدلوله اللغوي وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة والخروج إلى
ميقاتها وغيره.
قال النووي: إن هذا هو المتعين. قال: وقوله: ((بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ)»، أي:
بإدخال العمرة على الحجّ. انتهى. والحديث مشكل أيضًا على من قال: إنه وَّ
كان مفردًا في أول الأمر، ثم أدخل العمرة على الحجّ، فصار قارنًا.
قال الحافظ: وإنما المشكل هنا قوله: ((فبدأ بالعمرة ثم أهل بالحج))؛ لأن
الجمع بين الأحاديث الكثيرة في هذا الباب استقر كما تقدَّم على أنه بدأ أولًا بالحج
ثم أدخل عليه العمرة وهذا بالعكس، وأجيب عنه بأن المراد به صورة الإهلال،
أي: لما أدخل العمرة على الحج لبى بهما، فقال: لبيك بعمرة وحجة معًا. وهذا
مطابق لحديث أنس المتقدم، لكن قد أنكر ابن عمر ذلك على أنس، فيحتمل أن
يحمل إنكار ابن عمر عليه كونه أطلق أنه بُّر جمع بينهما، أي: في ابتداء الأمر،
ويعين هذا التأويل قوله في نفس الحديث: ((وَتَمَّتَّعَ النَّاسُ .... )) إلخ. فإنَّ الذين
تمتعوا إنما بدؤوا بالحجِّ، ولكن فسخوا حجهم إلى العمرة، حتى حلوا بعد ذلك

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِخْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٦٥
BASE
بمكة، ثم حجوا من عامهم. انتهى.
وقال القاضي: قوله: ((بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه ... )) إلخ. محمول على التلبية في
أثناء الإحرام، وليس المراد أنه أحرم في أول أمره بعمرة ثم أحرم بحج؛ لأنَّه يفضي
إلى مخالفة الأحاديث، فوجب تأويل هذا على موافقها ويؤيد هذا التأويل قوله:
(وَتَمَتَّعَ النَّاسُ ... )) إلخ. ومعلوم أن كثيرًا منهم أو أكثرهم أحرموا بالحجِّ أولًا
مفردًا، وإنما فسخوه إلى العمرة آخرًا فصاروا متمتعين، فقوله: ((تَمَتَّعَ النَّاسُ))
يعني: في آخر الأمر، وسيأتي مزيد الكلام في ذلك في شرح حديث ابن عمر في
باب قصة حجة الوداع إن شاء الله تعالى.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي والبيهقي (ج٥ : ص١٧).
الفصل الثاني
٢٥٧١ - [٨] عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ وَلِهِ تَجَرَّدَ لِهْلَالِهِ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْدَارِمِيُّ]
وَاغْتَسَلَ.
الشرح
٢٥٧١ - قوله: (تَجَرَّدَ)، أي: عن المخيطِ، ولبس إزارًا ورداءً؛ قاله القاري.
(لإِهْلَالِهِ)، أي: لِإحرامهِ. قال الراغب: الإهلال: رفع الصوت عند رؤية الهلال،
ثم استعمل لكلِّ صوتٍ وبه شبه إهلال الصبي، ومنه الإهلال بالحج. وقال
الحافظ: أصله رفع الصوت؛ لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبيةِ عند الإحرام،
ثم أطلقَ على نفس الإحرام اتساعًا. (وَاغْتَسَلَ)، أي: للإحرام. قال الشوكاني:
الحديث يدلّ على استحبابِ الغسل عند الإحرام وإلى ذلك ذهب الأكثر، وقال
الناصر: إنه واجب. وقال الحسنُ البصري ومالك: محتمل. انتهى. قيل:
(٢٥٧١) التِّرْمِذِي (٨٣٠) وَحَسَّنَهُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِیهِ.

٥٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
والحكمة في الاغتسال عند الإحرام هي: التنظيف وقطع الرائحة الكريهة ودفع
أذاها عن الناس، وقيل: الحكمة فيه أنه لإزالة التفث الذي يكون على الإنسان حتى
يأتي تفل الحج مفردًا عما كان قبله، فتفل الحاج كخلوف فم الصائم.
قال ابن قدامة في ((المغني)) (ج٣: ص٢٧١): مَن أرادَ الإحرام استحبَّ له أن
يغتسل قبله في قول أكثر أهل العلم منهم: طاوس والنخعي ومالك والثوري
والشافعي وأصحاب الرأي، لما روى خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه: أنه رأى
النبيِ وَّ تجرَّد لإهلالهِ واغتسلَ. رواه الترمذيُّ، وقال: حديث حسن غريب،
وثبت أن النبي ◌ّ أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء: أن تغتسل عند الإحرام، وأمر
عائشة أن تغتسل عند الإهلال بالحجِّ وهي حائض، ولأنَّ هذه العبادة يجتمعُ لها
الناس، فسنَّ لها الاغتسال كالجمعةِ، وليس ذلك واجبًا في قول عامة أهل العلم.
قال ابنُ المنذرِ: أجمعَ أهل العلم على أن الإحرام جائز بغير اغتسال، وأنه غير
واجب وحكي عن الحسن أنه قال: إذا نسى الغسل يغتسل إذا ذكر. قال الأثرم:
سمعتُ أبا عبد اللّه قيل له عن بعض أهل المدينة: من ترك الغسل عند الإحرام،
فعليه دمٌ؛ لقولِ النبيِّ وََّ لأسماء وهي نفساء: ((اغْتَسِلِي)) فكيفَ الطاهر؟ فأظهر
التعجب من هذا القول، وكان ابن عمر يغتسل أحيانًا ويتوضأ أحيانًا، وأي ذلك
فعل؛ أجزأه ولا يجب الاغتسال ولا نقل الأمر به إلا لحائض أو نفساء، ولو كان
واجبًا لأمر به غيرهما، ولأنه لأمر مستقبل فأشبه غسل الجمعة. انتهى.
وقال الأبي في ((الإكمال)): في الحجِّ ثلاث اغتسالات: للإحرام، ولدخول
مكة، وللوقوف بعرفة، كما روي عن ابن عمر: أنه كان يغتسلُ لإحرامه قبل أن
يحرم، ولدخوله مكّة، ولوقوفه عشية عرفة، وأطلق مالك على جميعها الاستحباب
وهي عندنا سُنة مؤكدة، وآكدها عندنا وعن الشافعي ما للإحرام لأمره وَّ به .
انتھی.
وقال الزرقاني: الغسل للإحرام سنة مؤكدة عند مالك وأصحابه لا يرخص في
تركه إلا لعذرٍ، وهو آكد اغتسالات الحج. وقال ابن خويز منداد: إنه آكد من غسل
الجمعة، وأوجبه أهل الظاهر والحسن، وعطاء في أحد قوليه على مريد الإحرام
طاهرًا أم لا . انتهى.

٥٦٧
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
وفي ((الشرح الكبير)) للدردير: السنة لمريد الإحرام ولو صبيًّا أو حائضًا أو نفساء
غسل متصل بالإحرام، فلو اغتسل غدوة وأحرم وقت الظهر لم يجزه، ولا يضر
الفصل لشد رحاله وإصلاح جهازه، ولا دم في تركه عمدًا وقد أساء أي: ارتكب
مكروهًا. انتهى. وقال القاري في ((شرح المناسك)): يغتسل - أي: مريد الإحرام -
بسدرٍ ونحوه، أو يتوضأ، والغسل أفضل؛ لأنه سُنة مؤكدة والوضوء يقوم مقامه في
إقامة السنة المستحبة لا السنة المؤكدة، وفيه: إشارة إلى أن التيمم لا يقوم مقام
الغسل مطلقًا. انتهى.
وذكر ابن عابدين الاختلاف فيما بينهم في أن التيمم يجزئ أم لا؟ ومنشؤه
الاختلاف في أن غسل الإحرام للطهارة، فيقوم مقامه، أو للنظافة فلا. قال ابن
قدامة (ج٣: ص٢٧٢): إن لم يجد ماء؛ لم يسن له التيمم. وقال القاضي: يتيمم؛
لأنه غسل مشروع، فناب عنه التيمم كالواجب، ولنا أنه غسل مسنون، فلم يستحب
التيمم عند عدمه كغسل الجمعة ونحوه من الأغسال المسنونة. والفرق بين الغسل
الواجب والمسنون أن الواجبَ يراد لإباحة الصلاة، والتيمم يقوم مقامه في ذلك،
والمسنون يراد للتنظيف وقطع الرائحة، والتيمم لا يحصل هذا، بل يزيد شعثًا
وتغييرًا؛ ولذلك افترقا في الطهارة الصغرى، فلم يشرع تجديد التيمم ولا تكرار
المسح به انتهى.
وفي ((الروض المربع)) من فقه الحنابلة: سُنَّ لمريده غسل ولو حائضًا ونفساء أو
تيمم لعدم الماء أو لنحو مرض. انتهى. وهكذا في ((شرح الإقناع)).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) وقال: هذا حديث حسن غريب. (وَالدَّارِمِيُّ) كلاهما من طريق
عبد الله بن يعقوب المدني عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن
زيد بن ثابت عن أبيه، وعبد الله بن يعقوب. قال الذهبي عنه: لا أعرفه. وقال
الحافظ: مجهول الحال. قال ابن القطان في ((كتابه)): وإنما حسنه الترمذي ولم
يصححه للاختلاف في عبد الرحمن بن أبي الزناد، والراوي عنه عبد الله بن يعقوب
المدني أجهدت نفسي في معرفته، فلم أجد أحدًا ذكره. انتهى. كذا في ((نصبٍ
الراية)). وقال ابنُ الملقن في ((شرح المنهاج)) جوابًا على من أنكر على الترمذي
تحسين الحديث: لعلَّه إنما حسَّنه؛ لأنه عرف عبد الله بن يعقوب المدني في إسناده

٥٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أي: عرف حاله، والحديث رواه أيضًا الدار قطني (ص٢٥٦)، والبيهقي (ج٥ :
ص٣٢)، والطبراني والعقيلي كلهم من طريق محمد بن موسى بن مسكين أبي
غزية عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة عن أبيه، وأعلَّه العقيلي بأبي
غزية وقال: عنده مناكير، ولا يتابع عليه إلا من طريق فيها ضعف. انتهى.
وقال البيهقي: أبو غزية ليس بالقوي. وقال الدارقطني: قال يحيى بن صاعد
شيخ الدار قطني، والراوي عن يحيى بن خالد عن أبي غزية: هذا حديث حسن
غريب ما سمعناه إلا منه. قال البيهقي: وروي عن غير أبي غزية، ثم روى الحديث
من طريق الأسود بن عامر عن ابن أبي الزناد. قال ابن التركماني: مدار الحديث
على عبد الرحمن بن أبي الزناد، وقد ضعَّفه النسائي وغيره، فالصواب أن يعلل به
لا بأبي غزية؛ لأن غيره تابعه عليه، فأخرجه البيهقي من حديث الأسود بن عامر
وهو ثقة عن ابن أبي الزناد، وأخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن يعقوب عنه
أي عن ابن أبي الزناد، وقال: حسن غريب. انتهى.
قلت: ابن أبي الزناد وثقه الترمذي والعجلي ويعقوب بن شيبة، وصحح
الترمذي عدة من أحاديثه، وقال في اللباس: ثقة حافظ. وقال الحافظ في
((التقريب)): صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد. فالظاهر أن حديثه لا ينحط عن درجة
الحسن وللحديث عدة شواهد، منها حديث ابن عباس أخرجه الدارقطني
(ص٢٥٦)، والحاكم (ج١: ص٤٤٧)، والبيهقي (ج ٥: ص٣٣) وفيه: يعقوب بن
عطاء وهو ضعيف، ومنها حديث ابن عمر عند الدار قطني والحاكم والبزار وابن
أبي شيبة والبيهقي، قال: من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم، ومنها: حديثُ
عائشة عند الطبرانيِّ في ((الأوسطِ)) قالت: إنَّ النبيَّ ◌َّ كانَ إذا خرجَ إلى مكّة؛
اغتسل حين يريد أن يحرم. ذكره الزيلعيُّ.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الإِخْرَامِ والتّلْبيَّةِ
٥٦٩
٢٥٧٢ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ لَبَّدَ رَأْسَهُ بِالْغِسْلِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاوِدَ]
الشرح
٢٥٧٢- قوله: (لَبَّدَ رَأْسَهُ بِالْغِسْلِ) بكسرٍ الغين المعجمة وسكون السين
المهملة: ما يضافُ إلى الماء للتنقية والتنظيف من خطمي وأشنان وصابون وغيره.
وقال الجزري: الغِسْل بالكسر: هو ما يغسل به من خطمي وغيره، والحديثُ دليل
على مشروعية تلبيد الشعر للإحرام؛ خلافًا للحنفية، ويؤيدُهُ ما تقدَّم من حديثِ ابنِ
عُمر: سمعتُ رسولَ اللَّه ◌ِلَهيهلُّ ملبدًا، ويؤيده أيضًا ما روي عن حفصة أنَّها
قالت: يا رسولُ اللهِ ما بال الناس حلوا ولم تحل أنت من عُمرتك؟ فقال: ((إِنِّي
لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي)) الحديث. ويؤيده أيضًا ما روي عن عائشة. قالت: كان
رسول اللَّه ◌َله إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمي وأشنان. أخرجه أحمد
والدار قطني، وزاد: ((ودَهنه بزيتٍ غير كثير)). وقد تقدم الكلام في ذلك، وفي
ضبط الغسل ومعناه في شرح ثاني أحاديث الباب، وتقدم هناك تأويل الحنفية
لأحاديث الباب. قال القاري: ليس في حديث ابن عمر دلالة على أنه كان قبل
إحرامه، ولا عبرة بذكر المصنف هنا لابتنائه على فهمه وفقهه.
قلت: ما فهمه المصنف هو موافق لما تقدم من قول ابن عمر: سمعتُ
رسولَ اللَّه ◌َ لّه يهل ملبدًا، وهو الذي فهمه جمهور فقهاء المحدثين كأبي داود،
والحاكم والبيهقي والمحب الطبري والحافظ.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في المناسك وكذا الحاكم. كما قال العيني (ج٩: ص١٥٩)،
والبيهقي (ج٥: ص٣٦) كلهم من طريق ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر، وقد
سكت عنه أبو داود والمنذري. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه
الذهبي (ج١ : ص ٤٥٠).
(٢٥٧٢) أَبُو دَاوُد (١٧٤٨)، وَالحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ.

٥٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٥٧٣ - [١٠] وَعَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَلَهُ: ((أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ أَوِ
[رَوَاهُ مَالِكٌ وَالِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ] {صحيح}
الْتَلْبِيَةِ».
الشرح
٢٥٧٣ - قوله: (عَنْ خَلَّادِ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام وإهمال الدال.
(بْنِ السَّائِبِ) بن خلاد بن سويد الأنصاري الخزرجي التابعي، وقد ذكره جماعة في
الصحابة منهم ابن حبان ولم يرفع نسبه وقال: له صحبة. ثم أعاده في التابعين
وشبهتهم في ذلك الحديث الذي رواه عنه عبد الملك بن أبي بكر فقال: عن خلاد
عن أبيه رفعه، وقيل: عن خلاد بن السائب عن النبي وَّ. وقال الترمذي: والسائب
ابن خلاد أصحُّ، ذكره الحافظ في تهذيب التهذيب، وقال في ((التقريب)): خلاد بن
السائب بن خلاد بن سويد الخزرجي، ثقة من الثالثة - أي: من الطبقة الوسطى من
التابعين - ووهم من زعم أنه صحابي.
(عَنْ أَبِيهِ)، أي: السائب بن خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة
الخزرجي أبي سهلة المدني، قال في ((التقريب)): له صحبة، وعمل لعمر على
اليمن، وقال أبو عبيدٍ : شهد بدرًا وولي اليمن لمعاوية، توفي سنة إحدى وسبعين،
وقال ابن عبد البر: لم يرو عنه غير ابنه خلاد فيما علمت، وحديثه في رفع الصوت
بالتلبية مختلف فيه. (فَأَمَرَنِي) عن اللَّه تعالى أمر إيجاب؛ إذ تبليغ الشرائع واجب
عليه. (أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي) أمر ندب عند الجمهور، ووجوب عند الظاهرية.
(بالإِهْلالِ أَو التَّبِيَةِ) إظهارًا لشعار الإحرام وتعليمًا للجاهل ما يستحب في ذلك
المقام، و((أو)) للشك من الراوي، والإهلال: هو رفع الصوت بالتلبيةِ كما تقدَّم،
فالتصريحُ بالرفع معه زيادة بيان؛ قاله الزرقاني. وقال أبو الطيب: المراد بالإهلال
التلبية على طريق التجريد؛ لأن معناه رفع الصوت بالتلبية وكلمة ((أو)) للشك. وزاد
(٢٥٧٣) أَبُو دَاوُد (١٨١٤)، والتِّرْمِذِي (٨٢٩)، والنَّسَائِي (١٦٢/٥)، وابنُ ماجه (٢٩٢٢) فِيهِ مِنْ
حَدِيثِ السَّائِبِ والِدِ خَلَّادٍ، قَالَ التِّرْمِذِي: صَحِيحٌ.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِخْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٧١
مالك وأبو داود وأحمد في رواية: ((يُرِيدُ أَحَدَهُمَا)). يعني: أنه وَّ إنما قال أحد
هذين اللفظين لكن الرواي شك فيما قاله من ذلك فأتى بـ(أو)) التي لأحدٍ الشيئين،
ثم زاد ذلك بيانًا بقوله: ((يُرِيدُ أَحَدَهُمَا)). وفي رواية للنسائي: ((بِالتَّلْبِيَةِ)) بدون
شك، وابن ماجه ((بِالْإِهْلَالِ))، ولأحمد (ج٥: ص١٩٢)، وابن ماجه، والحاكم
(ج١: ص ٤٥٠)، والبيهقي (ج٥: ص٤٢) من حديث زيد بن خالد الجهني
التصريح بالتلبية أيضًا، وقد روي في رفع الصوت بالتلبية أحاديث عن جماعة من
الصحابة منهم: أنس، وهو خامس أحاديث الباب، ومنهم: السائب بن خلاد بن
سويد وهو الذي نحن في شرح حديثه، وزيد بن خالد الجهني، وقد تقدم تخريج
حديثه، وأبو هريرة عند أحمد والحاكم والبيهقي وابن عباس عند أحمد (ج١ :
ص٣٢١)، وجابر عند سعيد بن منصور في سننه من رواية أبي الزبير عنه، وعائشة
عند البيهقي (ج٥: ص٤٣)، وأبو بكر الصديق عند الترمذي، وابن ماجه،
والحاكم والبيهقي، وسهل ابن سعد عند الحاكم، والبيهقي، وأبي ذرٍّ. وروى ابنُ
أبي شيبةٍ بإسناد صحيح من طريق المطلب بن عبد الله قال: كان أصحابُ
رسول اللَّه ◌َ ل يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم، وهذه الأحاديث حجة
لما ذهب إليه الجمهور من استحباب رفع الصوت بالتلبية. وذهب داود إلى أن رفع
الصوت واجب.
قال الشنقيطي: القاعدة المقررة في الأصولِ مع الظاهريةِ، وهي أن الأمر
يقتضي الوجوب إلا لدليل صارف عنه. وقال الشوكاني: وهو ظاهر قوله: ((فَأَمَرَنِي
أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي)) لا سيما وأفعال الحج وأقواله بيان لمجمل واجب هو قول الله
تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وقوله ◌َِّ: ((خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ)).
قال: وخرج بقوله: ((أَصْحَابِي)) النساء، فإن المرأة لا تجهر بها، بل تقتصر على
إسماع نفسها. وقال ابن رشد: أجمع أهل العلم على أن تلبية المرأة فيما حكاه أبو
عمر هو أن تسمع نفسها بالقول. وفي ((الدر المختار)): ولا تلبي جهرًا، بل تسمع
نفسها؛ دفعًا للفتنة، وما قيل: إن صوتها عورة. ضعيف، انتهى.
قال المحب الطبري: رفع الصوت عندنا أي: الشافعية بالتلبية مشروع في
المساجدِ وغيرها، وقال مالك: لا يرفع الصوت بها في مساجد الجماعات بل
يسمع نفسه ومن يليه، إلا في مسجد منى، والمسجد الحرام، فإنه يرفع صوته

٥٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فيهما، وهو قول قديم للشافعي، وزاد مسجد عرفة؛ لأن هذه المساجد تختص
بالنسك. انتهى .
وقال الباجي: المحرم لا يرفع صوته بالإهلال في غير مسجد منى، والمسجد
الحرام، من مساجد الجماعات، هذا هو المشهور عن مالك، وروى القاضي
أبو الحسن عن ابن نافع عن مالك أنه قال: يرفع صوته في المساجد التي بين مكة
والمدينة. قال أبو الحسن: هذا وفاقًا للشافعي في أحد قوليه وله قول ثان: أنه
يستحب رفع الصوت بالتلبية في سائر المساجد ووجه قول مالك المشهور: أن
المساجد مبنية للصلاة وذكر الله تعالى، وتلاوة القرآن، فلا يصحُّ رفع الصوت
فيها بما ليس من مقصودها؛ لأنه لا تعلق لشيء منها بالحجّ، أما المسجد الحرام،
ومسجد الخيف، فللحج اختصاص بهما من الطواف والصلاة أيام منى ولسبب
الحج بُنيا. انتھی.
وقال ابن قدامة: لا يستحب رفع الصوت في الأمصار ولا في مساجدها إلا بمكة
والمسجد الحرام، وهو قول مالك. وقال الشافعي: يلبي في المساجد كلها. ولنا
ما روي عن ابن عباس أنه سمع رجلًا يلبي بالمدينة فقال: إنه لمجنون، إنما التلبية
إذا برزت، ولأن المساجد إنما بنيت للصلاة وجاءت الكراهة لرفع الصوت فيها
عامًّا، فوجب إبقاؤها على عمومها، فأما مكة فتستحب التلبية فيها؛ لأنها محل
النسك، وكذا المسجد الحرام وسائر مساجد الحرم كمسجد منى وفي عرفات
أيضًا. انتهى.
هذا؛ وقد بسط الشافعي في ((الأمِّ)) (ج ص) في رفع الصوت بها في المساجد
كلها بدون التخصيص بمسجد مكة ومنى، والراجح عندنا هو ما ذهب إليه مالك
وأحمد. والله أعلم.
(رَوَاهُ مَالِك ... ) إلخ. وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص ٥٥، ٥٦) والشافعي (ج٢ :
ص١٣٣)، وابن حبان وابن خزيمة والحاكم (ج١: ص٤٥٠)، والبيهقي
(ج٥: ص٤٢) كلهم من رواية عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام عن
خلاد بن السائب عن أبيه وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم
والبيهقي. قال الترمذي: وروى بعضهم هذا الحديث عن خلاد بن السائب عن زيد

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتّلْبِيَةِ
٥٧٣
ابن خالد عن النبي وَّلّ ولا يصح، والصحيح هو خلاد بن السائب عن أبيه وهو
خلاد بن السائب بن خلاد بن سويد الأنصاري. انتهى. وذكر الحافظ في ((الفتح))
هذا الحديث من رواية خلاد بن السائب عن أبيه، وذكر من خرجه وصحَّحه. ثم
قال: ورجاله ثقات إلا أنه اختلف على التابعي في صحابيه. انتهى.
وقال ابن عبد البر: هذا حديث اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا، وأرجو أن تكون
رواية مالك أصح، فروي هكذا أي عن خلاد بن السائب عن أبيه، وروي عن خلاد
عن زيد بن خالد الجهني، وروي عن خلاد عن أبيه عن زيد بن خالد، كذا ذكره
السيوطي في ((التنوير)) ثم حكى عن المزي تفصيل الاختلاف. وقال الزرقاني بعد
ذكر كلام ابن عبد البر: وهذا الاختلاف لا يضرُّ، أما في الصحابي فلا مانع أن
خلادًا سمعه من أبيه ومن زيد، كما أن أباه قد يكون سمعه من زيد ثم من
المصطفى، فحدث به كل منهما على الوجهين، أو كان السائب يرسله تارة، وأما
رواية الثوري - أي: عن عبد الله بن أبي لبيد عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن
خلاد عن زيد بن خالد عند أحمد وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم والبيهقي -،
فمن الجائز أن يسمعه من خلاد الرجلان - المطلب بن عبد الله، وعبد الملك بن
أبي بكر-؛ ولذا لم يلتفت الترمذي ومن عطف عليه - ابن خزيمة وابن حبان
والحاكم - إلى هذا الاختلاف وصححوه كما مرَّ. انتهى.
وقال الحافظ في ((التلخيص)) بعد ذكر تصحيح الترمذي ونقل كلامه: وقال
البيهقي أيضًا الأول - أي: خلاد بن السائب عن أبيه - هو الصحيح، وأما ابن حبان
فصححهما وتبعه الحاكم، وزاد رواية ثالثة من طريق المطلب بن عبد الله عن أبي
هريرة. انتهى.
قلت: قال الحاكم (ج١: ص٤٥٠) بعد رواية الحديث من طريق عبد الملك
عن خلاد عن أبيه، ومن طريق المطلب بن عبد الله عن خلاد عن زيد، ومن طريق
المطلب بن عبد الله بسماعه عن أبي هريرة ما لفظه: وهذه الأسانيد كلها صحيحة،
وليس يعلل واحد منها الآخر، فإن السلف كان يجتمعُ عندهم الأسانيد لمتنٍ واحدٍ
كما يجتمعُ عندنا الآن. انتهى. وأقرَّهُ الذهبي.

٥٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٥٧٤ - [١١] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (مَا مِنْ
مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ: مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى
[رَوَاهُ التَّْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] {صحيح}
تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا)).
الشرح
٢٥٧٤ - قوله: (إِلَّا لَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ) كلمة ((مَنْ)) بفتح الميم موصولة. (مِنْ
حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ) ((مِن)) بيان ((مَن)) قال الطيبي: لما نسب التلبية إلى هذه
الأشياء؛ عبَّر عنها بما يعبر عن أولي العقل. انتهى. قلت: كذا وقع في رواية
الترمذي بلفظة: ((من))، وهكذا ذكر الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٩:
ص٢٨٣)، وعزا الحديث للترمذي فقط وعند ابن ماجه والحاكم والبيهقي: ((إِلّا
لَّى مَا عَنْ يَمِينِهِ))، والمدر بفتحتين: قِطَع الطين اليابس. (حَتَّى تَنْقَطِعَ)، أي:
تنتهي. (من ها هنا وها هنا) إشارة إلى المشرق والمغرب. والغاية محذوفة أي:
إلى منتهى الأرض، والمعنى: حتى يلبي جميع ما على يمينه وشماله من حجر
الأرض ومدرها وشجرها إلى منتهاها من المشرق إلى المغرب. قال الطيبي: أي :
يوافقه في التلبية جميع ما في الأرض. انتهى.
وفائدة المسلم من تلبية الحجر والشجر والمدر؛ معرفة فضل هذا الذكر وأن له
عند الله شرفًا ومكانة، ولا يبعد أن يكتب له ثواب ذلك، كأنه فعله بنفسه زيادة عن
ذكره الخاص؛ لأنه المتسبب فيه. قال السندي: إن قلت: أي فائدة للمسلم في
تلبية الأحجار وغيرها مع تلبيته، قلت: اتباعهم في هذا الذكر دليل على فضيلته
وشرفه ومكانته عند الله، إذ ليس اتباعهم في هذا الذكر إلا لذلك على أنه يجوز أن
يكتب له أجر هذه الأشياء لما أن هذه الأشياء صدر عنها الذكر تبعًا، فصار المؤمن
بالذكر كأنه دال على الخير. والله أعلم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ) كلاهما من رواية إسماعيل بن عياش عن عمارة بن
غزية - الأنصاري المازني المدني - عن أبي حازم عن سهل ورواه أيضًا الترمذي
(٢٥٧٤) التِّرْ مِذِي (٨٢٨)، وَابن مَاجَهْ (٢٩٢١) فِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِخْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٧٥
من طريق عبيدة بن حميد عن عمارة بن غزيه عن أبي حازم عن سهل، لكن لم يسق
لفظه بل قال نحو حديث إسماعيل بن عياش، ورواه من طريق عبيدة، ابن خزيمة
في (صحيحه)) كما في الترغيب (ج٢: ص٦٦)، والحاكم (ج١: ص٤٥١)
وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي والبيهقي (ج٥: ص ٤٣).
٢٥٧٥ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾﴾ يَرْكَمُ بِذِي
الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدٍ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ
بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَيَقُولُ: ((لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي
يَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ لِمُسْلِم.
ءَ [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٥٧٥ - قوله: (كَانَ رَسُولُ اللّهِ نَّهِ يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنٍ) قيل: أي
ركعتي الإحرام، فقد روى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلًا: أن رسول الله
وَّ كان يصلي بمسجد ذي الحليفة ركعتين، فإذا استوت به راحلته؛ أَهلَّ. قال
الزرقاني: قوله: (رَكْعَتَيْنٍ))، أي: سنة الإحرام، ففيه صلاتهما قبل الإحرام وأنها
نافلة وبه قال الجمهور سلفًا وخلفًا، واستحبَّ الحسنُ البصري الإحرام بعد صلاة
فرض؛ لأنه رُوي أنَّ الركعتين كانتا صلاة الصبح، وأجيب بأن هذا لم يثبت، وقال
الباجي : هذا اللفظُ إذا أطلق في الشرع؛ اقتضى ظاهره في عرف الاستعمال النافلة،
وهو المفهوم من قولهم: صلى فلان ركعتين، وإن كان روي أن صلاة النبي :
بذي الحليفة كانت صلاة الفجر، وقد اختار مالك أن يكون إحرامه بأثر نافلة؛ لأنه
زيادة خیر. انتهى .
وقال النووي: في الحديث استحباب صلاة الركعتين عند الإحرام ويصليهما قبل
الإحرام ويكونان نافلة، هذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافة إلا ما حكاه القاضي
وغيره عن الحسن البصري: أنه استحبَّ كونه بعد صلاة فرض؛ لأنه رُوي أن هاتين
(٢٥٧٥) أَحْمَد (٢/ ٤٢ و١٢٠) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﴿ّ، وَهُوَ عِنْدَ الْبُخَارِي (١٥٤١) بِمَعْنَاهُ.

ace **
٥٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الركعتين كانت صلاة الصبح. والصواب ما قاله الجمهور، وهو ظاهر الحديث.
انتھی .
وفي ((المحلى شرح الموطأ)) للشيخ سلام الله الدهلوي: في الحديث ندب كون
الإحرام بعد الصلاة ويكون نافلة عند أبي حنيفة والشافعي والجمهور. ولو صلى
المكتوبة؛ أجزأته كما يجزئه عن تحية المسجد، كذا ذكره فقهاء الفريقين. وعند
مالك: يحرم الحاج والمعتمر بأثر فريضة أو نافلة كما في ((الرسالة))، وبه قال أحمد
غير أن ظاهر مذهبه كونه بعد الفرض أولى للاتباع. انتهى.
وقال ابن قدامة: المستحب أن يحرم عقيب الصلاة، فإن حضرت مكتوبة؛
أحرم عقيبها، وإلا صلى ركعتين تطوعًا وأحرم عقيبهما. استحبَّ ذلك عطاء
وطاوس ومالك والشافعي والثوري وأبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر،
وروي ذلك عن ابن عمر وابن عباس. انتهى.
وقال الدردير: ثم رابع السنن ركعتان والفرض مجزئ عنهما وفاته الأفضل. قال
الدسوقي: والفرض يجزئ، أي: في أصل السنة. والحاصلُ أن السنة تحصل
بإيقاع الإحرام عقيب صلاة ولو فرضًا لكن إن كانت نفلًا؛ أتى بسنة ومندوب، وإن
أتى بعد فرض؛ أتى بسنة فقط. وفي فروع الحنفية: ندب الركعتين نفلًا وتجزئ
المكتوبة .
قلت: واستدل أيضًا للجمهور بما روى أبو داود والحاكم من طريق ابن إسحاق
عن خصيف بن عبد الرحمن الجزري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : خرجَ
رسولُ اللهِ وَله حاجًّا، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتين أوجب في
مجلسه، فأهل بالحجّ حین فرغ من ر کعتیه، مختصر. وابن إسحاق و خصیف فيهما
مقال .
قلت: ظاهر النصوص أن هاتين الركعتين كانتا لفريضة الظهر لا تحية الإحرام
ولا للفجر، وبه صرح ابن القيم في ((الهدي)) حيث قال: لم ينقل عنه رَّل أنه صلى
للإحرام ركعتين غير فرض الظهر، وقال: المحفوظ أنه إنما أهل بعد صلاة الظهر،
وقال أيضًا: قد قال ابن عمر: ما أهلَّ رسولُ اللَّهُ وَّه إلا من عند الشجرة حين قام به
بعيره. وقد قال أنس: إنه صلى الظهر ثم ركب. والحديثان في الصحيح، فإذا
جمعت أحدهما إلى الآخر تبيَّن أنه إنما أهل بعد صلاة الظهر. انتهى ملخصًا.

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِخْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٧٧
وقال ابن تيمية في ((مناسكه)): يستحب أن يحرم عقيب صلاة إما فرض، وإما
تطوع إن كان وقت تطوع في أحد القولين، وفي الآخر إن كان يصلي فرضًا؛ أحرم
عقيبه، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه، وهذا أرجح.
(أَهلَّ)، أي: رفع صوته. (بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ) يعني: التلبية المشهورة، وقد
تقدمت في الفصل الأول من حديث ابن عمر. (وَيَقُولُ)، أي: يزيد عبد الله بن
عمر أو أبوه عمر بن الخطاب. ففي رواية لمسلم: كان عبد الله بن عمر يقول أي:
بعد رواية التلبية المشهورة: هذه تلبية رسول الله وَل، قال نافع: كان عبد الله بن
عمر، يزيد مع هذا: ((لبيك، لبيك، لبيك وسعديك ... )) إلخ. وفي رواية أخرى
لمسلمٍ - وهي رواية الباب - بعد قوله: ((أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ)): وكان عبد الله بن
عمر يقول: كان عمر بن الخطاب يهلُّ بإهلال رسول اللّه وَليل من هؤلاء الكلمات
ويقول - أي: يزيد: ((لبيك اللَّهُمَّ لبيك، لبيك وسعديك ... )) إلخ. وهكذا ذكر
الجزري في ((جامع الأصول)) (ج٣: ص ٤٤١)، ولأحمد (ج٢: ص١٣١) بعد ذكر
التلبية المشهورة: قال - أي: عبد الله بن عمر: وسمعتُ عُمرَ بنَ الخطاب يُهل
بإهلال رسول اللَّه ◌َ له ويزيد فيها: ((لبيك وسعديك ... )) إلخ. قال الحافظ بعد ذكر
الروايتين: فعرف أن ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق
المسور بن مخرمة: قال: كانت تلبية عمر، فذكر مثل المرفوع وزاد: ((لَبَّيْكَ
مَرْغُوبًا وَمَرْهُوبًّا إِلَيْكَ، ذَا النَّعْمَاءِ وَالفَضْلِ الْحَسَنِ)). انتهى. ورواية ((المصابيح))
انتهت على قوله: ((أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ)) يعني التلبية، وقوله: ((وَيَقُولُ: لَبَّيْكَ
اللَّهُمَّ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ... )) إلخ. هو مما زاده المصنف وقد ذكره بحيث يتبادرُ
منه أن هذه الزيادة أيضًا مرفوعة، وهذا اختصار من المصنف مخل أو زيادة منه
موهمة، فليتنبه لذلك.
(لَيْكَ اللَّهُمَّ، لَئِكَ، لَبَيْكَ) ثلاث مرات مع الفصل بين الأولى والثانية بلفظ:
((اللَّهُمَّ)) كما في المرفوع، وفي رواية ((الموطأ))، وأبي داود وفي رواية لمسلم أيضًا
((ثلاث مرات)) في زيادة ابن عمر لكن بدون الفصل. (وَسَعْدَيْكَ) هو من باب
(لبيك))، فيأتي فيه ما سبق، ومعناه: أسعدني إسعادًا بعد إسعاد، فالمصدر فيه
مضاف للفاعل وإن كان الأصل في معناه: أسعدك بالإجابة إسعادًا بعد إسعاد، على
أن المصدر فيه مضاف للمفعولِ. وقيل: المعنى مساعدة على طاعتك بعد

٥٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
مساعدة، فيكون من المضاف للمنصوب. قال عياض: إعرابها وتثنيتها كما في
((لبيك))، ومعناه مساعدة لطاعتك بعد مساعدة. وقال المازري: وقيل: معناه:
أسعدنا سعادة بعد سعادة وإسعادًا بعد إسعاد، وكذلك قال ابن العربي: إنه سؤال
من الله السعد وتأكيد فيه. وقال إبراهيم الحربي: لم يسمع سعديك مفردًا - أي:
عن لبيك - وهو من المصادر المنصوبة بفعلٍ مضمرٍ .
(وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ) كذا في زيادة عمرٍ عند مسلم وأحمد، وفي زيادة ابنه
عبد الله: ((بِيَدَيْك))، أي: الخير كله بيد اللَّه ومن فضله أي: بقدرته وكرمه. قال
الباجي: الألف واللام لاستغراق الجنس، فكأن الملبي يلبي ربه ويعتقد أن جميع
الخير بيديه. انتهى. وهو من باب الاكتفاء، وإلا فالأمر كله لله والخير والشر كله
بقدره وقضائه، أو هو من إصلاح المخاطبة، أي: من بابٍ حسن الأدب في
الإضافةِ والنسب، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] ومن
ها هنا ورد: (وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ))، أي: لا ينسب إليك أبدًا. (وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ) فيه
ثلاثة أوجه: فتح الراء والمد وهو أشهرها، وضم الراء مع القصر وهو مشهور
أيضًا، وفتح الراء مع القصر مثل ((سكرى)) وهو غريب، حكاه أبو علي الجبائي،
ونظير الوجهين الأولين العلياء والعليا، والنعماء والنعمى، ومعنى اللفظة: الطلب
والمسألة، أي: إنه - تعالى - هو المطلوب المسئول منه، فبيده جميع الأمور، قال
شمر: معنى رغب النفس سعة الأمل وطلب الكثير.
(وَالْعَمَلُ)، أي: إن العمل كله لله تعالى؛ لأنه المستحق للعبادة وحده وفيه
حذف يحتمل أن تقريره كالذي قبله، أي: والعمل إليك، أي: إليك القصد به
والانتهاء به إليك؛ لتجازى عليه، فيكون عطفًا على الرغباء، ويحتمل أن تقريره
والعمل لك. وقال الطيبي: أي وكذلك العمل منته إليك؛ إذ إنك المقصود منه.
قال القاري: والأظهر أن التقدير: والعمل لك، أي: لوجهك ورضاك، أو العمل
بك أي: بأمرك وتوفيقك، أو المعنى أمر العمل راجع إليك في الرد والقبول، هذا
وتقدم الكلام مبسوطًا في وقت التلبية وابتداء الإحرام وفي حكم الزيادة على التلبية
المرفوعة المشهورة.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فيه نظر، فإن الزيادة المذكورة انفرد مسلم عن البخاري بروايتها .

كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ الْإِحْرَامِ والتَّلْبِيَةِ
٥٧٩
(وَلَفْظُهُ لِمُسْلِم) قد تقدم أن المصنف اختصر رواية مسلم اختصارًا مخلًا يتبادر منه
أن الزيادة أيضًا مرفوعة مع أنها موقوفة على عبد الله، وأنه اقتدى في ذلك بأبيه.
والحديث أخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص١٣١) والنسائي والبيهقي (ج٥: ص٤٤)
وغيرهم. وأما الزيادة المذكورة، فأخرجها أحمد ومالك والترمذي وأبو داود
والنسائي وابن ماجه والشافعي والبيهقي. هذا وقد خالف البغوي ها هنا ما
اصطلحه من ذكر أحاديث غير الشيخين في الحسانِ، حيث أورد رواية مسلم فيها .
٢٥٧٦ - [١٣] وَعَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ
النَّبِيِّ وَّرِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ سَأَلَ اللَّه رَضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ، وَاسْتَعْفَاهُ
بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ .
[رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ]
الشرح
٢٥٧٦ - قوله: (عَنْ عُمَارَةَ) بضم أوله والتخفيف وزيادة الهاء في آخره. (بْنِ
خُزَيْمَةَ) بضم الخاء المعجمة، وفتح الزاي. (بْنِ ثَابِتٍ) الأنصاري الأوسي، كنيته
أبو عبد الله، أو أبو محمد المدني، ثقة من الطبقة الوسطى من التابعين مات سنة
خمس ومائة، وهو ابن خمس وسبعين. (عَنْ أَبِيهِ)، أي: خزيمة بن ثابت المعروف
بذي الشهادتين، تقدم ترجمته في (ج٣: ص ١٨٧).
(سَأَلَ اللَّهَ رِضْوَانَهُ) بكسر الراء، أي: رضاه في الدنيا والأخرى، وفي رواية
الدار قطني والبيهقي: سأل الله مغفرته ورضوانه. (وَالْجَنَّةَ)، أي: في العقبى.
(وَاسْتَعْفَاهُ)، أي: طلب عفوه، فهو عطف على (سَأَلَ) وفي الدار قطني، والبيهقي:
(اسْتَعَاذَ) وفي ((الحصنِ)): (اسْتَعْتَقَهُ) ونسبه للطبراني. (بِرَحْمَتِهِ)، أي: بسبب
رحمته - تعالى - لا بكسبٍ نفسه. (مِنَ الثَّارِ)، أي: نار العذاب. والحديث: دليل
على استحباب الدعاء بعد الفراغ من كل تلبية يلبيها المحرم في أي حين بهذا الدعاء
ونحوه بأن يقول: ((اللَّهُمَّ إني أسألك مغفرتك ورضاك والجنة في الآخرة، وأن
تعفو عني وتعيذني وتعتقني برحمتك من النار))، ويحتمل أن المراد بالفراغ منها
(٢٥٧٦) الشَّافِعِي (٢/ ١٥٧) عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ.