Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤٠
ENNE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والقسم الثاني من الآيات: يدل على توبيخ من لم يبادر وتخويفه من أن يدركه
الموت قبل أن يمتثل؛ لأنه قد يكون اقترب أجله وهو لا يدري، فقد أمر الله تعالى
خلقه أن ينظروا في غرائب صنعه وعجائبه كخلقه السماوات والأرض ونحو ذلك
في آيات من كتابه، كقوله: ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [يونس: ١٠١].
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوَاْ إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا﴾ الآية [ق: ٦]. ثم ذكر في آية
أخرى ما يدل على أن ذلك النظر مع لزومه يجب معه النظر في اقتراب الأجل، فقد
يقرب أجله ويضيع عليه أجر الامتثال بمعاجلة الموت، وذلك في قوله تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِىِ مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ أَقْنَبَ
أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٤] إذًا المعنى: أو لم ينظروا في أنه عسى أن يكون قد اقترب
أجلهم، فيضيع عليهم الأجر بعدم المبادرة قبل الموت.
وفي الآية: دليل واضح على أن الإنسان يجب عليه أن يبادر إلى امتثال الأمر؛
خشية أن يعاجله الموت قبل ذلك، ومنها: أحاديث جاءت دالة على وجوب الحج
على الفور، كحديث ابن عباس الذي نحن في شرحه وهو حديث حسن، وسيأتي
تخريجه، وكحديث ابن عباس مرفوعًا: ((تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ - يعني: الفريضة -
فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَّهُ))، أخرجه أحمد (ج١: ص٣١٤) بسند ضعيف
ووجه الدلالة من هذين الحديثين على وجوب الحج على الفور ظاهر. وكحديث
عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول اللّه وَ له يقول: ((مَنْ
كُسِرَ أَوْ عُرِجَ، فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ)) .
قال عكرمة: سألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك، فقالا: صدق. أخرجه
أحمد وأصحاب السنن وابن خزيمة والحاكم والبيهقي. وسيأتي في باب الإحصار
وفوت الحج. ومحل الشاهد من هذا الحديث قوله وَ له : (وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلِ))؛
لأنه لو كان على التراخي لم يعين العام القابل، وهو دليل على أن الوجوب على
الفور، ومن الأحاديث الدالة على ذلك أيضًا ما تقدم من حديث علي وأبي أمامة
وأبي هريرة وعمر بن الخطاب، وقد سبق بيان وجه الدلالة من هذه الأحاديث في
شرح حديث علي.
ومنها: أن اللَّه أمر به وأن جماعة من أهل الأصول قالوا: إن الشرع واللغة
والعقل كلها دال على اقتضاء الأمر الفور، أما الشرع، فقد قدمنا الآيات القرآنية
٤٤١
1955
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
الدالة على المبادرة فورًا لامتثال أوامر الله كقوله: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن
رَّبِّكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٣]، وكقوله: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية [الحديد:
(٢]. وأمَّا اللغة: فإن أهل اللسان العربي مطبقون على أن السيد لو قال لعبده:
اسقني ماء، فلم يفعل فأدبه، فليس للعبد أن يقول له: صيغة ((افعل)) في قولك:
اسقني ماء، تدل على التراخي، وكنت سأمتثل بعد زمن متراخ عن الأمر، بل
يقولون: إن الصيغة ألزمتك فورًا، ولكنك عصيت أمر سيدك بالتَّواني والتراخي.
وأمَّا العقل: فإنا لو قلنا: إن وجوب الحج على التراخي، فلا يخلو من أحد أمرين:
إمّا أن يكون ذلك التراخي له غاية معينة ينتهي عندها وإما لا، والقسم الأول
ممنوع؛ لأن الحج لم يعين له زمن يتحتم فيه دون غيره من الأزمنة، بل العمر كله
تستوي أجزاؤه بالنسبة إليه، إن قلنا: إنه ليس على الفور، والحاصل: أنه ليس
لأحد تعيين غاية له لم يعينها الشرع.
والقسم الثاني: هو أن تراخيه ليس له غاية يقتضي عدم وجوبه؛ لأن ما جاز تركه
جوازًا لم تعين له غاية ينتهي إليها، فإن تركه جائز إلى غير غاية، وهذا يقتضي عدم
وجوبه، والمفروض وجوبه. فإن قيل: غايته الوقت الذي يغلب على الظن بقاؤه
إليه. فالجواب: أن البقاء إلى زمن متأخر ليس لأحد أن يظنه؛ لأن الموت يأتي
بغتة، فكم من إنسان يظن أنه يبقى سنين، فيخترمه الموت فجاءة، وقد قدمنا قوله
تعالى في ذلك: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ أَقْتَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٤]، ولا ينتهي إلى حالة
يتيقن الموت فيها إلا عند عجزه عن العبادات، ولاسيَّما العبادات الشاقة كالحج،
والإنسان طويل الأمل يهرم ويشب أمله. وتحديد وجوبه بستين سنة تحديد لا دليل
عليه، فهذه جملة أدلة القائلين بأن وجوب الحج على الفور، ومنعوا أدلة
المخالفين.
قالوا: إن قولكم: إن الحج فرض سنة خمس بدليل قصة ضمام بن ثعلبة
المتقدمة، فإن قدومه سنة خمس، وقد ذكر له النبي ◌َّ وجوب الحج، وأن قوله
تعالى: ﴿وَتِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]. نزلت عام ست في عمرة الحديبية،
فدلت على أن الحج مفروض عام ست وأنه ◌ّ أخره بعد فرضه إلى عام عشر، كل
ذلك مردود، بل الحج إنما فرض عام تسع، قالوا: والصحيح أن قدوم ضمام بن
ثعلبة السعدي كان سنة تسع.
٤٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الحافظ في ((الإصابة)) في ترجمة ضمام بن ثعلبة المذكور ما نصه: وزعم
الواقدي أن قدومه كان سنة خمس، وفيه نظر. وذكر ابن هشام عن أبي عبيد أن
قدومه كان سنة تسع، وهذا عندي أرجح ... إلخ. وانظر ترجيح الحافظ لكون
قدومه عام تسع. وذكر ابن كثير قدوم ضمام المذكور في حوادث سنة تسع مع أنه
ذكر قول من قال: إن قدومه كان قبل عام خمس، هذا وجه ردهم للاحتجاج بقصة
ضمام، وأمَّا وجه ردهم للاحتجاج بآية ﴿ وَأَيِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ فهو أنها لم يذكر فيها
إلا وجوب الإتمام بعد الشروع، فلا دليل فيها على ابتداء الوجوب، وقد أجمع أهل
العلم على من أحرم بحج أو عمرة وجب عليه الإتمام، ووجوب الإتمام بعد
الشروع لا يستلزم ابتداء الوجوب.
قال ابن القيم في ((زاد المعاد)) نصه: وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾،
فإنها وإن نزلت سنة ست عام الحديبية، فليس فيها فريضة الحج، وإنما فيها الأمر
بإتمامه وبإتمام العمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء.
فإن قيل: فمن أين لكم تأخر نزول فرضه إلى التاسعة أو العاشرة؟ قيل: لأن
صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه: قدم وفد نجران على رسول اللّه وَلّ.
وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع، وفيها نزل
صدر سورة آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد والمباهلة، ويدل
عليه أن أهل مكة وجدوا في نفوسهم على ما فاتهم من التجارة من المشركين لما
أنزل الله تعالى: ﴿يَتَأَّتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ
الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] فأعاضهم الله تعالى من ذلك الجزية، ونزل هذه
الآيات والمناداة بها إنما كان عام تسع، وبعث الصديق رَّهُ بذلك في مكة في
موسم الحج، وأردفه بعلي رَضِوُلَهُ، وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السف،
والله أعلم. انتهى ((من زاد المعاد)).
فتحصل: أن آية ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾، لم تدل على وجوب الحج ابتداء، وإنما
دلت على وجوب إتمامه بعد الشروع فيه كما هو ظاهر اللفظ، ولو كان يتعين كونه
يدل على ابتداء الوجوب لما حصل خلاف بين أهل العلم في وجوب العمرة،
والخلاف في وجوبها معروف، وسيأتي إن شاء الله إيضاحه، بل الذي أجمعوا عليه
٤٤٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
KEY
وهو وجوب إتمامها بعد الشروع فيها، كما هو ظاهر الآية، وأن قصة ضمام بن
ثعلبة كانت عام تسع، كما رجحه الحافظ وغيره، فظهر سقوط الاستدلال بها
وبالآية الكريمة، وأن الحج إنما فرض عام تسع كما أوضحه ابن القيم في كلامه
المذكور آنفًا؛ لأن آية ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل عمران: ٩٧]،
هي الآية التي فرض بها الحج، وهي من صدر سورة آل عمران، وقد نزل عام
الوفود وفيه قدم وفد نجران، وصالحهم النبي ◌َّ على أداء الجزية، والجزية إنما
نزلت عام تبوك سنة تسع كما تقدم قريبًا، وعلى كون الحج إنما فرض عام تسع غير
واحد من العلماء، وهو الصواب إن شاء الله تعالى. وبه تعلم أنه لا حجة في تأخير
النبي ◌َّ الحج عام فتح مكة؛ لأنه انصرف من مكة والحج قريب ولم يحج؛ لأنه
لم یفرض .
فإن قيل: سلمنا تسليمًا جدليًّا أن سبب تأخيره الحج عام فتح مكة مع تمكنه منه،
وقدرته عليه أن الحج لم يكن مفروضًا في ذلك الوقت، وقد اعترفتم بأن الحج
فرض عام تسع، وهو رَّ لم يحج عام تسع، بل أخر حجه إلى عام عشر، وهذا
يكفينا في الدلالة على أن وجوبه على التراخي؛ إذ لو كان على الفور لما أخره وَالـ
بعد فرضه إلى عام عشر.
فالجواب والله تعالى أعلم: أن عام تسع لم يتمكن فيه النبي وأصحابه من منع
المشركين من الطواف بالبيت، وهم عراة، وقد بين اللّه تعالى في كتابه أن منعهم
من قربان المسجد الحرام إنما هو بعد ذلك العام الذي هو عام تسع، وذلك في قوله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ
عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] وعامهم هذا هو عام تسع، فدل على أنه لم يمكن منعهم عام
تسع؛ ولذا أرسل عليًّا رَوَّهُ بعد أبي بكر ينادي ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك
ولا عريان، فلو بادر ◌َّل إلى الحج عام تسع لأدَّى ذلك إلى رؤيته المشركين
يطوفون بالبيت، وهم عراة، وهو لا يمكنه أن يحضر ذلك، ولاسيَّما في حجّة
الوداع التي يريد أن يبين للناس فيها مناسك حجهم، فأول وقت أمكنه فيه الحج
صافيًا من الموانع والعوائق بعد وجوبه عام عشر، وقد بادر بالحج فيه.
وأجابوا عن قولهم: إنه لو أخره من سنة إلى أخرى أو إلى سنين، ثم فعله بعد
٤٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ذلك، فإنه يسمى مؤديًا لا قاضيًا بالإجماع، ولو حرم التأخير لكان قضاء بأن القضاء
لا يكون إلا في العبادة المؤقتة بوقت معين، ثم خرج ذلك الوقت المعين لها، كما
هو مقرر في الأصول، والحج لم يؤقت بزمن معين، والعمر كله وقت له، وذلك
لا ينافي وجوب بالمبادرة، خوفًا من طروِّ العوائق أو نزول الموت قبل الأداء كما
تقدم إيضاحه.
وأجابوا عن قولهم: إن من تمكن من أداء الحج، ثم أخره ثم فعله لا ترد شهادته
فيما بين فعله وتأخيره ولو كان التأخير حرامًا لردت شهادته؛ لارتكابه ما لا يجوز
بأنه ما كل من ارتكب ما لا يجوز ترد شهادته بل لا ترد إلا بما يؤدي إلى الفسق وهنا
قد يمنع من الحكم بتفسيقه مراعاة الخلاف. وقول من قال: إنه لم يرتكب حرامًا
وشبهت الأدلة التي أقاموها على ذلك. وأجاب القائلون: بالتراخي عن الاحتجاج
بأن الأمر يقتضي الفور من وجهين:
أحدهما: أن أكثر الشافعية قالوا: إن الأمر المطلق المجرد عن القرائن لا
يقتضي الفور، بل هو على التراخي، هذا هو المعروف في كتب الشافعية في
الأصول، ونقله القاضي أبو الطيب في ((تعليقه)) في هذه المسألة عن أكثر الشافعية.
والثاني: أنه يقتضي الفور، وهنا قرينة ودليل يصرفه إلى التراخي، وهو ما تقدم
من فعل رسول اللَّه ◌َليل وأكثر أصحابه أنهم أخروا الحج إلى عام عشر، وأمَّا
حديث: ((مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْیَتعجّلْ))، فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنه حجة لنا؛ لأنه فوض فعله إلى إرادته واختياره، ولو كان على الفور
لم يفوض تعجيله إلى اختياره.
والثاني: أنه ندب جمعًا بين الروايتين.
قال المحب الطبري: الأمر في حديث ابن عباس: (تَعَجَّلُوا الْحَجَّ))، وفي
حديث أبي هريرة ((حُجُوا قَبْلَ أَنْ لَا تَحُجُّوا)) أخرجه الدار قطني، محمول على
الندب، ويؤيد ذلك قوله: ((مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ؛ فَلْيَتَعَجَّلْ))، فقوله: ((فَلْيَتَعَجَّلْ)) محمول
على الندب لا محالة، ولا يجوز حمله على الوجوب؛ لأن الخطاب لا يخلو إما أن
يكون لمن وجب عليه الحج أو لمن لم يجب عليه، فإن كان الثاني، فظاهر ما
ذكرناه، وإن كان الأول وهو الأظهر بدليل الحديث الآخر، يعني : الفريضة كان فيه
٤٤٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
١*
دلالة على أن الخطاب الأول ما اقتضى الفورية، وإلا لزم التكرار لا لفائدة مع قبحه
من حيث ربطه بالإرادة، فإن من قال لعبده: افعل كذا الساعة على وجه الإلزام، ثم
قال: إن أردت أن تفعل كذا، فافعله الساعة. عد هذا مناقضًا للأول، وكل من
قال: إنه على التراخي؛ حمل هذا على الاستحباب ولا يلزم على ذلك تناقض، فإن
من قال لعبده: افعل كذا في جميع النهار. ثم قال: إن أردت فعل هذا الواجب
عليك على وجه الأولوية، فافعله الساعة. كان هذا الكلام جاريًا على نهج
الاستقامة ولا يعد مناقضًا للأول، فكان حمل الكلام الفصيح عليه أولى. انتهى.
قالوا: وأما الجواب عن حديث: ((فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا)) فمن أوجه:
أحدها: أنه ضعيف. والثاني: أن الذم لمن أخره إلى الموت. ونحن نوافق على
تحريم تأخيره إلى الموت، والذي نقول بجوازه هو التأخير بحيث يفعل قبل
الموت. الثالث: أنه محمول على من تركه معتقدًا عدم وجوبه مع الاستطاعة،
فهذا كافر، ويؤيد هذا التأويل أنه قال: ((فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا))،
وظاهره أنه يموت كافر، ولا يكون ذلك إلا إذا اعتقد عدم وجوبه مع الاستدامة،
وإلَّ فقد أجمعت الأمة: على أن من تمكن من الحج، فلم يحج ومات لا يحكم
بكفره، بل هو عَاصٍ، فوجب تأويل الحديث لو صحَّ، هكذا ذكر الشنقيطي في
((أضواء البيان)) أدلة الفريقين وأجوبتهم.
والراجح عندنا هو: ما ذهب إليه أحمد ومن وافقه؛ لقوة أدلته. قال الشنقيطي:
أظهر القولين عندي وألقيهما بعظمة خالق السماوات والأرض، وهو أن وجوب
أوامره جل وعلا كالحج على الفور على التراخي؛ لما قدمنا من النصوص الدالة
على الأمر بالمبادرة، وللخوف من مباغتة الموت، كقوله: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن
رَّبِّكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٣]، وما قدمنا معها من الآيات، وكقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِىِ
مَلَكُوتِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ أَقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف:
١٨٥] ولما قدمنا من أن الشرع واللغة والعقل كلها يدل على أن أوامر الله تجب على
الفور، وقد بينا أوجه الجواب عن كونه وّ لم يحج حجة الإسلام إلا سنة عشر،
والعلم عند الله تعالى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ)، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٢٢٥)، والحاكم
٤٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
(ج١: ص٤٤٨)، والبيهقي (ج ٤: ص٣٣٩، ٣٤٠)، والدولابي في الكنى (ج٢:
ص١٢) كلهم من طريق أبي معاوية عن الحسن بن عمرو الفقيمي عن مهران أبي
صفوان عن ابن عباس، وهذا إسناد جيد قد سكت عنه أبو داود.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي،
وأخرج أيضًا أحمد (ج١: ص٢١٤: ٣٢٣، ٣٥٥)، وابن ماجه، والطحاوي،
والبيهقي (ج ٤: ص ٣٤٠) من طريق أبي إسرائيل الملائي عن فضيل بن عمرو عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس، أو عن الفضل بن عباس، أو عن أحدهما عن صاحبه
بلفظ: ((مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ، فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ،
وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ))، وفي رواية لأحمد (ج١: ص٣١٤) عن ابن عباس: ((تَعَجَّلُوا
إِلَى الْحَجِّ - يعني: الفريضة -، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَّهُ))، وهذا إسناد
ضعيف؛ لضعف أبي إسرائيل الملائي، وهو إسماعيل الكوفي، وللتردد بين ابن
عباس وأخيه الفضل، فإن سعيد بن جبير سمع عبد الله بن عباس، ولكنه لم يدرك
الفضل.
٢٥٤٨ - [٢٠] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((تَابِعُوا
بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ
الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٥٤٨ - قوله: (تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ)، أي: أوقعوا المتابعة بينهما بأن
تجعلوا كُلَّ منهما تابعًا للآخر. قال السندي: أي: اجعلوا أحدهما تابعًا للآخر
واقعًا على عقبه، أي: إذا حججتم فاعتمروا، وإذا اعتمرتم فحجوا، فإنهما
متتابعان. وقال الحفني: أي: ائتوا بهما متتابعين من غير طول فصل جدًّا، وليس
المراد بالمتابعة تعاقبهما من غير فاصل؛ بل المراد كون الثاني بعد الأول بدون
(٢٥٤٨) التِّرْمِذِي (٨١٠)، وَالنَّسَائِي (١١٥/٥، ١١٦) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيهِ.
٤٤٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
2X392
فاصل كبير، بحيث ينسب للأول عرفًا .
وقال المحب الطبري: يجوز أن يراد به التتابع المشار إليه في قوله تعالى:
﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ﴾ [النساء: ٩٣] فيأتي بكل واحد من النسكين عقيب الآخر،
بحيث لا يتخلل بينهما زمان يصح إيقاع الثاني فيه يعني يأتي بكل منهما عقب الآخر
بلا فصل، وهو الظاهر من لفظ المتابعة، ويحتمل أن يراد به إتباع أحدهما الآخر
ولو تخلل بينهما زمان بحيث يظهر مع ذلك الاهتمام بهما، ويطلق عليه عرفًا أنه
ردفه وتبعه، وهذا الاحتمال أظهر؛ إذ القصد الاهتمام بهما وعدم الإهمال وذلك
يحصل بما ذكرناه، وسواء تقدمت العمرة أو تأخرت؛ لأن اللفظ يصدق على
الحالین. انتهى.
(فَإِنَّهُمَا)، أي: الحج والاعتمار. (يَنْفِيَانِ)، أي: كل منهما. (الْفَقْرَ)، أي:
يزيلانه، وهو يحتمل الفقر الظاهر بحصول غنى اليد والفقر الباطن بحصول غنى
القلب. (وَالذّنُوبَ)، أي: يمحوانها، وفي حديثٍ عامر بن ربيعة عند أحمد (ج ٣ :
ص ٤٤٦) : ((فَإِنَّ مُتَابَعَةً بَيْنَهُمَا تَنْفِي الْفَقْرَ وَالذَّنُوبَ))، وفي أخرى له (ج٣:
ص ٤٤٧) والطبراني في ((الكبير)): ((فَإِنَّ مُتَابَعَةً بَيْنَهُمَا تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ وَالرِّزْقِ وَتَنْفِيَانِ
الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ))، وحديث عامر يدل على أن الله - تعالى - أعَلَمَ نبيَّهُ بأنه يترتب
على تتابعهما ذلك لأمر علمه الشارع، فذلك خصوصية للتتابع لا تحصل بدونه،
قيل: المراد بالذنوب: الصغائر ولكن يأباه قوله: (كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ) بكسر الكاف :
وهو ما ينفخ فيه الحداد من الزق لاشتعال النار للتصفية، وأمَّا الموضع الذي يوقد
فيه الفحم من حانوت الحداد، فهو الكُور، بضم الكاف، وقيل: بالعكس، وقيل:
لا فرق بينهما .
(خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وْالْفِضَّةِ)، أي: وسخها، والخبث بفتحتين: الوسخ
والرديء: الخبيث، مثل متابعتهما في إزالة الذنوب بإزالة النار الخبث؛ لأن
الإنسان مركوز في جبلته القوة الشهوية والغضبية محتاج لرياضة تزيلها، والحج
جامع لأنواع الرياضات من إنفاق المال وجهد النفس بالجوع والظمأ والسهر
واقتحام المهالك، ومفارقة الوطن ومهاجرة الإخوان والخلان وغير ذلك.
والحديث قد استدل به على وجوب العمرة، فإن ظاهره التسوية بين أصل الحج
٤٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والعمرة، وفيه أن هذا استدلال بمجرد الاقتران، ومجرد اقتران العمرة بالحج لا
يكون دليلًا على وجوبها؛ لما تقرر في الأصول من ضعف دلالة الاقتران، لاسيّما
وقد عارضها ما ورد من الأدلة القاضية بعدم الوجوب، وأمَّا الأمر بالمتابعة، فهو
مصروف عن معناه الحقيقي بما سلف، وسيأتي الكلام في هذه المسألة في شرح
حديث أبي رزين العقيلي.
(وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ)، قيل: المراد بها الحج المقبول المقابل بالبر، وهو
الثواب. ومن علامات القبول أن يرجع خيرًا مما كان ولا يعاود المعاصي. وقيل:
هي التي لا يخالطها شيء من الإثم، مأخوذ من البر وهو الطاعة، ورجحه النووي.
وقيل: هي التي لا رياء فيها. وقيل: هي التي لا يعقبها معصية، وهما داخلان فيما
قبلهما .
وقال القرطبي: الأقوال في تفسير الحج المبرور متقاربة المعنى وحاصلها أنه
الحج الذي وفيت أحكامه، فوقع موافقًا لما طلب من المكلف على الوجه
الأكمل. (ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةَ) بالرفع والنصب، أي: لا يقتصر لصاحبها من الجزاء
على تكفير ذنوبه، بل لا بد أن يدخل الجنة مع السابقين، وقوله: (إِلَّا الْجَنَّةَ) هو
للترمذي فقط، وفي ((السنن)) للنسائي: ((دُونَ الْجَنَّةِ))، وكذا وقع في ((المسند))
و((صحيح ابن حبان)) كما في ((الموارد)).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. (وَالنَّسَائِيُّ) وأخرجه
أيضًا أحمد (ج١: ص٣٨٧)، وابن خزيمة وابن حبان في (صحيحيهما)).
٢٥٤٩ - [٢١] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُمَرَ إِلَى قَوْلِهِ: ((خَبَثَ
الْحَدِيدِ)).
الشرح
٢٥٤٩ - قوله: (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج١: ص٢٥، وج٣: ص ٤٤٧). (وَابْنُ مَاجَهْ
(٢٥٤٩) ابْن مَاجَه (٢٨٨٧) وَأَحْمَد (١٦٧).
٤٤٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
CAME
عَنْ عُمَرَ ... ) إلخ. وأخرجه أيضًا ابن أبي خثيمة في ((تاريخه))، وابن الجوزي في
((مثير الغرام الساكن))، وهو: حديث ضعيف؛ لأن مداره على عاصم بن عبيد الله،
وهو ضعيف، لكن المتن صحيح من حديث عبد الله بن مسعود، وفي الباب عن
عامر بن ربيعة، أخرجه أحمد والطبراني في ((الكبير))، وفيه أيضًا: عاصم بن عبيد
الله، وعن ابن عمر عند الطبراني في ((الكبير))، والدارقطني في ((الأفراد))، ورمز
السيوطي لضعفه.
وقال الهيثمي بعد عزوه للطبراني: وفيه: حجاج بن نصير، وثقه ابن حبان
وغيره، وضعفه النسائي وغيره، وعن جابر عند البزار، وعن ابن عباس عند
الطبراني في ((الأوسط))، ذكرهما الهيثمي مع الكلام فيهما.
٢٥٥٠ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الشَّيِّ ◌َ، فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ! مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: ((الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ]
الشرح
٢٥٥٠ - قوله: (مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟)، أي: ما شرط وجوب الحج؟ (قَالَ:
((الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ)))، يعني: أن الحج واجب على من وجدهما ذهابًا وإيابًا. واقتصر
من بين سائر الشروط عليه؛ لأنه الأصل والأهم المقدم؛ قاله القاري.
اعلم: أن الحج إنما يجب بخمسة شروط: الإسلام، والعقل، والبلوغ،
والحرية، والاستطاعة، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم. فأمَّا الكافر، فإنه غير
مخاطب بفروع الدين خطابًا يلزمه أداء ولا يوجب قضاء، وأمَّا الصبي والمجنون،
فليسا بمكلفين بدليل قوله ◌َ له: ((رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ
الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ، وَعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ))، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه،
وقال الترمذي: حديث حسن.
(٢٥٥٠) التِّرْمِذِي (٨١٣)، وَابن مَاجَهْ (٢٨٩٦) فِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الخُوزِيُّ، وَهُوَ
ضَعِيفٌ.
٤٥٠
Be
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وأمَّا العبد، فلا يجب عليه؛ لأنه عبادة تطول مدتها وتتعلق بقطع مسافة وتشترط
لها الاستطاعة بالزاد والراحلة، فتضيع حقوق سيده المتعلقة به، فلم يجب عليه
كالجهاد، ولما روى ابن عباس مرفوعًا: ((أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ؛ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ
الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ عُتِقَ؛ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَام))، أخرجه ابن خزيمة،
والإسماعيلي في مسند الأعمش والحاكم والبيهقي وابنَ حزم وصححه والخطيب
في ((التاريخ)). رواه بعضهم موقوفًا على ابن عباس ولا يضر ذلك، فإن رواية
المرفوع قوية، فالحديث لا يقل عن درجة الاحتجاج. ووجه الدلالة منه: على أن
الحرية شرط في وجوب الحج أنه لو حج وهو مملوك، ثم أعتق بعد ذلك؛ لزمته
حجة الإسلام، فلو كان واجبًا عليه في حال كونه مملوكًا؛ أجزأه عن حجة الإسلام
كما هو ظاهر وأما غير المستطيع، فإنه لا يجب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ
نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ الآية [آل عمران: ٩٧] فخص المستطيع بالوجوب، فيدل على نفيه عن
غيره. قال ابن قدامة: وهذه الشروط الخمسة تنقسم أقسامًا ثلاثة:
منها: ما هو شرط للوجوب والصحة وهو: الإسلام، والعقل. فلم يجب على
كافر ولا مجنون ولا تصح منهما؛ لأنهما ليسا من أهل العبادات، ومنها: ما هو
شرط للوجوب والإجزاء. وهو: البلوغ، والحرية. وليس بشرط للصحة، فلو حج
الصبي والعبد؛ صح حجهما ولم يجزئهما عن حجة الإسلام، ومنها: ما هو شرط
للوجوب فقط وهو الاستطاعة، فلو تجشم غير المستطيع المشقة وسار بغير زاد
وراحلة، فحج؛ كان حجه صحيحًا مجزئًا، كما لو تكلف القيام في الصلاة
والصيام من يسقط عنه؛ أجزأه. قال: واختلفت الرواية أي: عن أحمد في
شرطين: وهما تخلية الطريق وهو: أن لا يكون في الطريق مانع من: عدو ونحوه،
وإمكان المسير، وهو: أن تكمل فيه هذه الشرائط، والوقت متسع يمكنه الخروج
إليه، فَرُوِيَ أنهما من شرائط الوجوب، فلا يجب الحج بدونهما؛ لأن الله تعالى
إنما فرض الحج على المستطيع، وهذا غير مستطيع؛ ولأن هذا يتعذر معه فعل
الحج؛ فكان شرطًا كالزاد والراحلة، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، وروي
أنهما ليسا من شرائط الوجوب وإنما يشترطان للزوم السعي، فلو كملت هذه
الشروط الخمسة، ثم مات قبل وجود هذين الشرطين؛ حج عنه بعد موته، وإن
أعسر قبل وجودهما؛ بقى في ذمته، وهذا ظاهر كلام الخرقي، فإنه لم يذكرهما،
٤٥١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
وذلك؛ لأن النبي وَّ لما سئل ما يوجب الحج؟ قال: ((الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ))، قال
الترمذي: هذا حديث حسن. انتهى.
وقال الشنقيطي بعد ذكر الشرائط الخمسة: أمَّا العقل، فكونه شرطًا في وجوب
كل تكليف واضح؛ لأن غير العاقل لا يصح تكليفه بحال، وأمَّا اشتراط البلوغ
فواضح؛ لأن الصبي مرفوع عنه القلم حتى يحتلم، فالبلوغ والعقل كلاهما شرط
وجوب .
وأمَّا الإسلام، فالظاهر أنه على القول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، فهو
شرط صحة لا شرط وجوب، وعلى أنهم غير مخاطبين بها، فهو شرط وجوب،
والأصح خطاب الكفار بفروع الشريعة كما أوضحنا أدلته في غير هذا الموضع
فيكون الإسلام شرط صحة في حقهم، ومعلوم أنه على أنه شرط وجوب، فهو
شرط صحة أيضًا؛ لأن بعض شرط الوجوب يكون شرطًا في الصحة أيضًا،
كالوقت للصلاة، فإنه شرط لوجوبها وصحتها أيضًا، وقد يكون شرط الوجوب
ليس شرطًا في الصحة، كالبلوغ والحرية، فإن الصبي لا يجب عليه الحج مع أنه
يصح منه لو فعله، وكذلك العبد إلا أنه لا يجزئ عن حجة الإسلام إلا إذا كان بعد
البلوغ وبعد الحرية. وأمَّا الحرية فهي شرط وجوب، فلا يجب الحج على العبد،
واستدل العلماء على عدم وجوب الحج على العبد بأمرين :
الأول: إجماع أهل العلم على ذلك؛ ولكنه إذا حج؛ صح حجه ولم يجزئه عن
حجة الإسلام، فإن عتق بعد ذلك، فعليه حجة الإسلام. قال النووي في ((شرح
المهذب)): أجمعت الأمة على أن العبد لا يلزمه الحج؛ لأن منافعه مستحقة
لسیده، فليس هو مستطیعًا ويصح منه الحج بإذن سیده وبغير إذنه بلا خلاف عندنا .
قال القاضي أبو الطيب: وبه قال الفقهاء كافة. وقال داود: لا يصح بغير إذنه .
والأمر الثاني: حديث ابن عباس عن النبي ◌َّ أنه قال: ((أيما صبي حج ثم بلغ،
فعليه حجة الإسلام، وأيما عبد حج ثم عتق، فعليه حجة الإسلام))، ثم ذكر تخريجه
عن ((التلخيص)) للحافظ وبسط الكلام في تقويته، ثم قال: وأمَّا الاستطاعة، فقد
نص تعالى على اشتراطها في قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ
ج
سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] ومعنى الاستطاعة في اللغة العربية معروف، وتفسير الاستطاعة
٤٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في الآية اختلف فيه العلماء، فالاستطاعة في مشهور مذهب مالك الذي به الفتوى :
هي إمكان الوصول بلا مشقة عظيمة زائدة على مشقة السفر العادية، مع الأمن
على النفس والمال، ولا يشترط عندهم الزاد والراحلة، بل يجب الحج عندهم
على القادر على المشي إن كانت له صنعة يحصل منها قوته في الطريق: كالجمال،
والخراز، والنجار، ومن أشبههم. واشترط بعض المالكية في الصنعة المذكورة
أن لا تكون مرزية به. واعلم: أن المالكية اختلفوا في الفقير الذي عادته سؤال
الناس في بلده وعادة الناس إعطاؤه، وذلك السؤال هو الذي منه عيشته إذا علم أنه
إن خرج حاجًّا وسأل أعطاه الناس ما يعيش به كما كانوا يعطونه في بلده، هل سؤاله
الناس وإعطاؤهم إياه يكون بسببه مستطيعًا لقدرته على الزاد بذلك، فيجب عليه
الحج بذلك أو لا يجب عليه بذلك؟ فذهب بعضهم إلى أن ذلك لا يجب عليه به
الحج ولا يعد استطاعة.
وذهب أكثر المالكية: إلى أن الفقير الذي عادته السؤال في بلده وعادة الناس
إعطاؤه إذا كانت عادتهم إعطاؤه في سفر الحج، كما كانوا يعطونه في بلده أنه يعد
بذلك مستطيعًا، وأنَّ تحصيله زاده بذلك السؤال يعد استطاعة. قال الشنقيطي:
والذي يظهر لي رجحانه بالدليل من هذين القولين في هذه المسألة هو: القول
الأول، وهو أن الحج لا يجب على من يعيش في طريقه بتكفف الناس، وأن سؤال
الناس لا يعد استطاعة. ومن الأدلة الدالة على ذلك عموم قوله جل وعلا: ﴿وَلَا عَلَى
الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُفِقُونَ حَرَجُ﴾ الآية [التوبة: ٩١]. وقد قدمنا مرارًا أن العبرة
بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، فقد صرح تعالى في هذه الآية برفع الحرج
عن الذين لا يجدون ما ينفقون، ولا شك أن الذي يتكفف الناس لشدة فقره داخل
في عموم ﴿الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩١]، وقد صرح تعالى بنفي
الحرج عنهم، فيلزم من ذلك نفي الحرج عنه في وجوب الحج وهو واضح، ولكن
كثيرًا من متأخري علماء المالكية خصصوا هذه الآية بمن ليس عادته السؤال في
بلده قالوا: فلم تتناول محل النزاع.
قال الشنقيطي: ظاهر الآية العموم في جميع ﴿ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا
يُنفِقُونَ﴾، فتخصيصها بمن ليس عادته السؤال بدون دليل من كتاب أو سنة لا
يصح ولا يعول عليه، وقد تقرر في الأصول أنه لا يمكن تخصيص العام إلا بدليل
٤٥٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
يجب الرجوع إليه، سواء كان من المخصصات المتصلة أو المنفصلة، ومما يؤيد
هذا في الجملة ما رواه البخاري في (صحيحه)) عن ابن عباس، قال: كان أهل
اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا المدينة سألوا
الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] .
قال الحافظ في ((الفتح)) في الكلام على هذا الحديث: قال المهلب: في هذا
الحديث من الفقه أن ترك السؤال من التقوى، ويؤيده أن الله مدح من لم يسأل
الناس إلحافًا، فإن قوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ أي: تزودوا واتقوا أذى الناس
بسؤالكم إياهم والإثم في ذلك. انتهى. قال الشنقيطي: وفيه دليل ظاهر على حرمة
خروج الإنسان حاجًّا بِلا زاد؛ ليسأل الناس، وظاهرها العموم في كل حاج يسأل
الناس، فقيرًا كان أو غنيًّا، كانت عادته السؤال في بلده أو لا، وحمل النصوص
على ظواهرها يجب إلا بدليل يجب الرجوع إليه، ومما يؤيد هذا أن الذين مدحهم
الله في كتابه بتركهم سؤال الناس كانوا من أفقر الفقراء، كما هو معلوم.
وقد صرح تعالى بأنهم فقراء وأشار لشدة فقرهم وذلك في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ
الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ
الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ﴾ - أي: بظهور آثار الفقر والحاجة
عليهم - ﴿لَا يَسْلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ الآية [البقرة: ٢٧٣]. فصرح بأنهم فقراء،
وأثنى عليهم بالتعفف وعدم السؤال. قال: فالآية الكريمة تدل بمنطوقها على الثناء
على الفقير الصابر المتعفف عن مسألة الناس، وتدل بمفهومها على ذم سؤال
الناس، والأحاديث الواردة في ذم السؤال مطلقًا كثيرة جدًّا، وبذلك كله تعلم أن
سؤال الناس ليس استطاعة على ركن من أركان الإسلام، وأن قول بعض المالكية:
- أنه لا يعد استطاعة - هو الصواب، وهو قول جمهور أهل العلم، وممن ذهب
إليه الشافعي وأحمد وأبو حنيفة، ونقله ابن المنذر عن الحسن البصري، ومجاهد،
وسعيد بن جبير وأحمد وإسحاق، وبه قال بعض أصحاب مالك.
قال البغوي: وهو قول العلماء. انتهى. والاستطاعة عند أبي حنيفة: الزاد
والراحلة. فلو كان يقدر على المشي وعادته سؤال الناس لم يجب عليه الحج
عنده، وحاصل مذهب الحنفية: أن مقدار ما يتعلق به وجوب الحج؛ ملك مال
٤٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يبلغه إلى مكة ذاهبًا وراجعًا، راكبًا في جميع السفر، لا ماشيًا بنفقة متوسطة،
فاضلًا عن: مسكنه وخادمه وفرسه وسلاحه وآلات حرفته وثيابه وأثاثه ونفقة من
عليه نفقته وكسوته، وقضاء ديونه ولو مؤجلة إلى حين عوده، ولا يشترط نفقة لما
بعد إيابه لا سنَةً ولا شهرًا ولا يومًا.
والاستطاعة في مذهب الشافعي: الزاد والراحلة بشرط أن يجدهما بثمن المثل،
فإن لم يجدهما إلا بأكثر من ثمن المثل؛ سقط عنه وجوب الحج.
ويشترط عند الشافعية في الزاد: ما يكفيه لذهابه ورجوعه، فاضلاً عما يحتاج
إليه لنفقة من تلزمه نفقتهم وكسوتهم مدة ذهابه ورٍجوعه، وفاضلًا عن مسكن
وخادم يحتاج إليهما، وعن قضاء دين يكون عليه حالًا كان أو مؤجلاً.
ويشترط عندهم أيضًا: أن يكون صحيحًا لا مريضًا، ولا ينبغي أن يختلف في أن
المرض القوي الذي يشق معه السفر مشقة فاضحة مسقط لوجوب الحج.
ويشترط عندهم أيضًا: أن يكون الطريق آمنًا من غير خفارة، والخفارة مثلثة
الخاء: هي المال الذي يؤخذ على الحاج، ويشترط عندهم أيضًا أن يكون عليه من
الوقت ما يتمكن فيه من السير والأداء، فإن كان بينه وبين مكة مسافة تقصر فيها
الصلاة، وكان قادرًا على المشي على رجليه، ولم يجد راحلة، أو وجدها بأكثر من
ثمن المثل، أو أجرة المثل لم يجب عليه الحج عندهم، ولا يعد قدرته على المشي
استطاعة عندهم لحديث: ((الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ)) في تفسير الاستطاعة، وإن لم يجد ما
يصرفه في الزاد والماء، ولكنه كسوب ذو صنعة يكتسب بصنعته ما يكفيه، ففي
ذلك عندهم تفصيل، وهو أنه إن كان لا يكتسب في اليوم إلا كفاية يوم واحد لم
يجب عليه الحج؛ لأنه ينقطع عن الكسب في أيام الحج، وإن كان يكتسب في اليوم
كفاية أيام؛ لزمه الحج. وقال إمام الحرمين: وفيه: احتمال يعني أنه يحتمل عدم
وجوب الحج بذلك مطلقًا، فإن القدرة على الكسب يوم العيد لا تجعل كملك
الصاع في وجوب الفطرة.
والاستطاعة عند أحمد: هي الزاد والراحلة. قال ابن قدامة في ((المغني)):
والاستطاعة المشترطة ملك الزاد والراحلة، وبه قال الحسن ومجاهد وسعيد بن
جبير والشافعي وإسحاق. قال الترمذي: والعمل عليه عند أهل العلم. وقال
٤٥٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
عكرمة: هي الصحة. قال ابن قدامة: ويختص اشتراط الراحلة بالبعيد الذي بينه
وبين البيت مسافة القصر، فأمَّا القريب الذي يمكنه المشي إلى مكة وبينه وبينها
مسافة دون القصر، فلا يعتبر وجود الراحلة في حقه؛ لأنها مسافة قريبة يمكنه
المشي إليها فلزمه؛ وإن كان ممن لا يمكنه المشي - كشيخ كبير - اعتبر وجود
الحمولة في حقه؛ لأنه عاجز عن المشي؛ فهو كالبعيد، وأمَّا الزاد، فلا بد منه:
قربت المسافة أو بعدت مع الحاجة إليه، فإن لم يجد زادًا ولا قدر على كسبه لم
يلزمه الحج. والزاد الذي تشترط القدرة عليه: هو ما يحتاج إليه في ذهابه ورجوعه
من مأكول ومشروب وكسوة، إلى أن قال: وأمّا الراحلة: فيشترط أن يجد راحلة
تصلح لمثله: إمّا بشراء أو كراء لذهابه ورجوعه، وإن كان ممن لا يقدر على خدمة
نفسه والقيام بأمره؛ اعتبرت القدرة على من يخدمه؛ لأنه من سبيله، ويعتبر أن
يكون هذا فاضلاً عما يحتاج إليه لنفقة عياله الذين تلزمه مئونتهم في مضيه
ورجوعه؛ لأن النفقة متعلقة بحقوق الآدميين وهم أحوج وحقهم آكد.
وقد روى عبد الله بن عمرو عن النبي ◌َّ أنه قال: ((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمَّا أَنْ يُضَبِّعَ مَنْ
يَقُوتُ))، رواه أبو داود. ويعتبر أن يكون فاضلاً عما يحتاج هو وأهله إليه من مسكن
وخادم، وما لا بد منه، وأن يكون فاضلاً عن قضاء دينه؛ لأن قضاء الدين من
حوائجه الأصلية، ويتعلق به حقوق الآدميين، فهو آكد، وسواء كان الدين لآدمي
معين أو من حقوق اللَّه تعالى كزكاة في ذمته أو كفارات ونحوها - وهل يعتبر في
الاستطاعة أن يكون له إذا رجع من حَجِّه ما يقوم بكفايته وكفاية عياله على الدوام،
أو لا يعتبر ذلك؟ بل يكفي لوجوب الحج أن يكون عنده من النفقة ما يقوم بكفايته
وكفاية عياله مدة ذهابه للحج ورجوعه فقط وفاقًا: للحنفية والمالكية والشافعية.
وهما روايتان عند الحنابلة، والمقدم عندهم اعتبارًا هي الرواية الأولى، يعني: أن
يكون فاضلاً عن مئونته ومؤنة عياله على الدوام، حتى بعد رجوعه من عقار أو
بضاعة يتجر فيها أو صناعة، ونحوها.
وقال ابن جاسر في ((مفيد الأنام)): والرواية الثانية أقرب إلى الصواب إن شاء الله
تعالى؛ لأن القول بأن الإنسان لا يكون مستطيعًا للحج إلا إذا كان عنده من النفقة
بعد رجوعه من الحج ما يكفيه ويكفي عياله على الدوام، أي: دوام حياته يقضي بأن
لا يكون غالب الأغنياء مستطيعين للحج؛ لأنه قل من يثق من الأغنياء أن عنده من
٤٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المال ما يكفيه ويكفي عياله على الدوام، هذا ما ظهر لي والله أعلم. قال ابن
قدامة: ومن له عقار يحتاج إليه لسكناه أو سكنى عياله أو يحتاج إلى أجرته لنفقة
نفسه أو عياله، أو بضاعة متى نقصها؛ اختل ربحها فلم يكفيهم، أو سائمة
يحتاجون إليها؛ لم يلزمه الحج، وإن كان من ذلك شيء فاضل عن حاجته وأمكنه
بيعه وشراء ما یکفیه ویفضل قدر ما یحج به؛ لزمه، وإن کانت له کتب يحتاج إليها؛
لم يلزمه بيعها في الحج، وإن كانت مما لا يحتاج إليها أو كان له بكتاب نسختان
يستغني بأحدهما؛ باع ما لا يحتاج إليه، فإن كان له دين على مليء باذل له يكفيه
للحج، لزمه؛ لأنه قادر، وإن كان على معسر أو تعذر استيفاؤه عليه؛ لم يلزمه.
انتهى. وإذا علمت أقوال أهل العلم ففي معنى الاستطاعة المذكورة في قوله
ج
تعالى: ﴿مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وعرفت مذاهبهم في ذلك.
فاعلم: أن الأكثرين الذين فسروا الاستطاعة بالزاد والراحلة احتجوا لذلك بما
ورد عن النبي وَّ من تفسير الاستطاعة في الآية بـ(الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ))، وقد روى عنه
ذلك غير واحد من الصحابة، منهم ابن عمر رضيمفت أخرج حديثه الترمذي وغيره وهو
الذي نحن في شرحه، وهو حديث ضعيف كما ستعرف، ومنهم : ابن عباس رواه
عنه ابن ماجه والدارقطني، وهو حديث صالح للاحتجاج، ومنهم: أنس روى
حديثه الحاكم والدارقطني، وهو حديث صحيح، صححه الحاكم، وأقره
الذهبي. ومنهم: عائشة، رواه الدار قطني، والبيهقي في ((السنن))، والعقيلي في
((الضعفاء)) وأعله بعتاب بن أعين. ومنهم: علي بن أبي طالب وجابر وابن مسعود
وعبد الله بن عمرو بن العاص، أخرج أحاديثهم الدار قطني أيضًا، وكلها ضعيفة
ورواه سعيد بن منصور في ((سننه)) والبيهقي عن الحسن مرسلًا وسنده صحيح، ومن
شاء الوقوف على تفصيل الكلام في هذه الأحاديث؛ رجع إلى ((أَضْواءِ الْبَيَانِ))
للشَّنقيطيِّ، فإنه قد بسط الكلام فيها؛ أخذًا عن ((نَصْبِ الرَّايةِ))، وغيره. ثم قال:
قال غير واحد: إن هذا الحديث لا يثبت مسندًا، وأنه ليس له طريق صحيحة إلا
الطريق التي أرسلها الحسن.
قال الشنقطي: والذي يظهر لي والله أعلم أن حديث ((الزاد والراحلة)) المذكور
ثابت لا يقل عن درجة الاحتجاج؛ لأن الطريقين اللتين أخرجهما به الحاكم في
((المستدرك)) عن أنس قال: كلتاهما صحيحة الإسناد، وأقر تصحيحهما الحافظ
٤٥٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
الذهبي ولم يتعقبه بشيء، والدعوى على سعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة في
روايتهما الحديث عن قتادة عن أنس عن النبي وَلّ أنها غلط، وأن الصحيح عن قتادة
عن الحسن مرسلاً دعوى لا مستند لها، بل هي تغليط وتوهيم للعدول المشهورين
من غير استناد إلى دليل، والصحيح عند المحققين من الأصوليين والمحدثين: أن
الحديث إذا جاء من طريق صحيحة، وجاء من طرق أخرى غير صحيحة؛ فلا تكون
الطرق علة في الصحيحة إذا كان رواتها لم يخالفوا جميع الحفاظ، بل انفراد الثقة
العدل بما لم يخالف فيه غيره مقبول عند المحققين، فرواية سعيد بن أبي عروبة،
وحماد بن سلمة الحديث المذكورة عن قتادة عن أنس مرفوعًا لم يخالفوا فيها
غيرهم، بل حفظوا ما لم يحفظه غيرهم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ،
فادعاء الغلط عليهما بلا دليل غلط .
وقول النووي في ((شرح المهذب)): وروى الحاكم حديث أنس وقال: هو
صحيح، ولكن الحاكم متساهل - والله أعلم - يجاب عنه: بأنا لو سلمنا أن
الحاكم متساهل في التصحيح، لا يلزم من ذلك أنه لا يقبل له تصحيح مطلقًا،
ورب تصحيح للحاكم مطابق للواقع في نفس الأمر، وتصحيحه لحديث أنس
المذكور لم يتساهل فيه ولذا لم يبد النووي وجهًا لتساهله فيه، ولم يتكلم في أحد
من رواته بل هو تصحيح مطابق. فإن قيل: متابعة حماد بن سلمة لسعيد بن أبي
عروبة المذكورة راويها عن حماد هو أبو قتادة عبد الله بن واقد الحراني، وهو
متروك لا يحتج بحديثه، كما جزم به غير واحد من العلماء بالرجال.
وقال فيه ابن حجر في ((التقريب)): متروك فقد تساهل الحاكم في قوله: إن هذه
الطريق على شرط مسلم مع أن في إسنادها أبا قتادة المذكور. فالجواب: أن أبا
قتادة المذكور وإن ضعفه الأكثرون فقد وثقه الإمام أحمد وأثنى عليه وناهيك بتوثيق
الإمام أحمد وثنائه، وذكر ابن حجر والذهبي أن عبد الله بن أحمد قال لأبيه: إن
يعقوب بن إسماعيل بن صبيح ذكر أن أبا قتادة المذكور كان يكذب، فعظم ذلك
عنده جدًّا وأثنى عليه، وقال: إنه يتحرى الصدق. قال: ولقد رأيته يشبه أصحاب
الحدیث .
وقال أحمد في موضع آخر: ما به بأس، رجل صالح، يشبه أهل النسك، ربما
aDex
٤٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أخطأ. وفي إحدى الروايتين عن ابن معين أنه قال: أبو قتادة الحراني ثقة، ذكرها
عنه ابن حجر والذهبي. وقول من قال: لعله كبر فاختلط، تخمين وظن لا يثبت به
اختلاطه، ومعلوم أن المقرر في الأصول وعلوم الحديث: أن الصحيح أن التعديل
يقبل مجملًا، والتجريح لا يقبل إلا مفصلاً، مع أن رواية سعيد بن أبي عروبة عن
أنس ليس في أحد من رواتها كلام. ومما يؤيد ذلك موافقة الحافظ النقادة الذهبي
للحاكم على تصحيح متابعة حماد، مع أن حديث أنس الصحيح المذكور معتضد
بمرسل الحسن، ولاسيَّما على قول من يقول: إن مراسيله صحاح إذا روتها عنه
الثقات كابن المديني وغيره، ويؤيد ذلك أن مشهور مذهب مالك وأبي حنيفة
وأحمد الاحتجاج بالمراسيل ويؤيده أيضًا الأحاديث المتعددة التي ذكرنا، وإن
كانت ضعافًا؛ لأنها تقوي غيرها ولاسيّما حديث ابن عباس، فإنا قد ذكرنا سنده
وبينا أنه لا يقل عن درجة الاحتجاج.
وقال الشوكاني في ((نيل الأوطار)): ولا يخفى أن هذه الطرق يقوي بعضها
بعضًا، فتصلح للاحتجاج، ومما يؤيد الحديث المذكور أن أكثر أهل العلم على
العمل به كما قدمنا عن أبي عيسى الترمذي أنه قال في حديث (الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ»:
والعمل عليه عند أهل العلم، وقد بينا أنه قول الأكثرين منهم الأئمة الثلاثة:
أبو حنيفة والشافعي وأحمد. فالحاصل: أن حديث ((الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ))، لا يقلُّ
بمجموع طرقه عن درجة القبول والاحتجاج.
ثم قال الشنقيطي: الذي يظهر لي - والله أعلم - أن حديث ((الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ))،
وإن كان صالحًا لاحتجاج لا يلزم منه أن القادر على المشي على رجليه بدون مشقة
فادحة لا يلزمه الحج، إن كان عاجزًا عن تحصيل الراحلة، بل يلزمه الحج؛ لأنه لا
يستطيع إليه سبيلاً، كما أن صاحب الصنعة التي يحصل منه قوته في سفر الحج
يجب عليه الحج؛ لأن قدرته على تحصيل الزاد في طريقه كتحصيله بالفعل، فإن
قيل: كيف قلتم بوجوبه على القادر على المشي على رجليه دون الراحلة مع
اعترافكم بقبول تفسير النبي واله السبيل بالزاد والراحلة؟ وذلك يدل على أن المشي
على الرجلين ليس من السبيل المذكور في الآية، فالجواب من وجهين: الأول: أن
الظاهر المتبادر أنه ﴾ فسر الآية بأغلب حالات الاستطاعة؛ لأن الغالب أن أكثر
الحجاج آفاقيون قادمون من بلاد بعيدة، والغالب عجز الإنسان عن المشي على
٤٥٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
KONSes
رجليه في المسافات الطويلة وعدم إمكان سفره بلا زاد، ففسر وَال الآية بالأغلب،
والقاعدة المقررة في الأصول: أن النص إذا كان جاريًا على الأمر الغالب لا يكون له
مفهوم مخالفة، ولأجل هذا منع جماهير العلماء تزويج الرجل ربيبته التي لم تكن
في حجره قائلين: إن قوله تعالى: ﴿الَّتِى فِى حُجُورِكُم﴾ [النساء: ٢٧] جرى على العادة،
فلا مفهوم مخالفة له، فيجب الحج على القادر على المشي على رجليه، إمَّا لعدم
طول المسافة وإمَّا لقوة ذلك الشخص على المشي، وكذلك يجب على ذي الصنعة
التي يحصل منها قوته في سفره؛ لأنه في حكم واجد الزاد في المعنى، والعلم عند
الله تعالی.
والوجه الثاني: أن الله - جل وعلا - سوى في كتابه بين الحاج الراكب والحاج
الماشي على رجليه، وقدم الماشي على الراكب، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّن فِى
WV * [الحج: ٢٨]
النَّاسِ بِالْحَجِ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِن مِن كُلِّ فَّ عَمِيقٍ
انتھی .
وقال ابن تيمية في ((شرح العمدة)) بعد سرده لما ورد في ذلك: فهذه الأحاديث
مسندة من طرق حسان ومرسلة موقوفة تدل على أن مناط الوجوب الزاد والراحلة
مع علم النبي ◌ّ أن كثيرًا من الناس يقدرون على المشي، وأيضًا فإن اللَّه قال في
الحج: ﴿مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، إمّا أن يعني القدرة المعتبرة في جميع
العبادات وهو مطلق المكنة أو قدرًا زائدًا على ذلك، فإن كان المعتبر هو الأول؛ لم
يحتج إلى هذا التقييد كما لم يحتج إليه في آية الصوم والصلاة، فعلم أن المعتبر
قدر زائد في ذلك وليس هو إلا المال، وأيضًا، فإن الحج عبادة مفتقرة إلى مسافة،
فافتقر وجوبها إلى ملك الزاد والراحلة كالجهاد، ودليل الأصل قوله: ﴿وَلَا عَلَى
الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُفِقُونَ حَرَجُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوَّكَ
لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: ٩١، ٩٢] الآية. انتهى. قلت: الراجح عندنا: أن العاجز عن تحصيل
الراحلة أو ما يقوم مقامها القادر على المشي على رجليه لا يلزمه الحج؛ لتفسير
النبي وَلا استطاعة السبيل المذكورة في الآية: بالزاد والراحلة، وهو يدل على
اعتبار الراحلة للزوم الحج.
وأمَّا حمل ذلك على أنه وَلَه فسر الآية بأغلب حالات الاستطاعة، فلا دليل