Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ المشرق مرحلتان. وحكى الروياني عن بعض قدماء الشافعية أن المكان الذي يقال له: قرن موضعان: أحدهما: في هبوط وهو الذي يقال له: قرن المنازل، والآخر: في صعود وهو الذي يقال له: قرن الثعالب، والمعروف الأول. وفي ((أخبار مكة)) للفاكهي: إن قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل منى بينه وبين مسجد منى ألف وخمسمائة ذراع، وقيل له: قرن الثعالب؛ لكثرة ما كان يأوي إليه من الثعالب، فظهر أن قرن الثعالب ليس من المواقيت، وقد وقع ذكره في حديث عائشة في إتيان النبي وَ لّ الطائف يدعوهم إلى الإسلام وردهم عليه، قال: ((فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ... )) الحديث. وذكره ابن إسحاق في ((السيرة النبوية))، ووقع في مرسل عطاء عند الشافعي في ((الأم)) (ج٢: ص ١١٧): ((ولأهل نجد قرنًا ولمن سلك نجدًا من أهل اليمن وغيرهم قرن المنازل))، ووقع في عبارة القاضي حسين في سياقه لحديث ابن عباس هذا: ((وَلِأَهْلِ نَجْدِ الْيَمَنِ وَنَجْدٍ الْحِجَازِ قَرْنَ))، وهذا لا يوجد في شيء من طرق حديث ابن عباس، وإنما يوجد ذلك من مرسل عطاء وهو المعتمد، فإن لأهل اليمن إذا قصدوا مكة طريقين: إحداهما: طريق أهل الجبال وهم يصلون إلى قرن أو يحاوذنه وهو ميقاتهم كما هو ميقات أهل المشرق، والأخرى طريق أهل تهامة، فيمرون بيلملم أو يحاوذنه وهو ميقاتهم لا يشاركهم فيه إلا من أتى عليه من غيرهم كذا في ((الفتح)). وقال المحب الطبري: قرن المنازل وقرن الثعالب واحد: وهو تلقاء ذات عرق على مرحلتين من مكة وهو ميقات أهل النجدين: نجد الحجاز ونجد تهامة واليمن. وقال ابن حزم: قرن شرقي من مكة ومنها إلى مكة اثنان وأربعون ميلًا. وقال صاحب ((التيسير)): وقرن لها معان؛ أحدها: أعلى الجبل ويسمى هذا المحرم الآن السير الكبير ويبعد عن مكة بالمراحل (٢) وبالفراسخ (١٦) وبالأميال (٤٨) وبالكيلوات (٨٠) ويحرم منه أهل الطائف وأهل نجد: نجد اليمن، ونجد الحجاز، وأهل الكويت. فائدة: قال ابن جاسر في ((مفيد الأنام)): إذا ركب إنسان طائرة من نجد قاصدًا مكة لأداء نسكه، فميقاته الشرعي (قَرْنَ) المعروف بالسيل، وحيث أنه لا يتمكن من النزول ٣٨١ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ بالطائرة في الميقات المذكور وقصد جدة؛ لينزل في مطارها، فإن الواجب عليه - والحالة ما ذكر - نية الإحرام في الطائرة إذا أتى على الميقات - قرن - المذكور أو على ما يحاذيه، فإذا نزل بجدة محرمًا قصد مكة لأداء نسكه، ولا يجوز له ترك الإحرام إذا أتى على الميقات، أو حاذاه بقصد الإحرام من جدة؛ لأن الإحرام من المیقات أو ما يحاذیه واجب، وتجاوزه بغیر إحرام محرم، وفيه دم، ومثله إذا ركب طائرة من المدينة ونحوها قاصدًا مكة. والله أعلم. انتهى. (وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ) إذا مروا بطريق تهامة ومن سلك طريق سفرهم ومر على ميقاتهم. قال في ((المواهب اللطيفة)): أراد به بعض أهل اليمن ممن يسكن تهامة، فإن اليمن يشمل نجدًا وتهامة، وقوله فيما تقدم لأهل نجد عام يشمل نجد الحجاز ونجد اليمن. وقال الولي العراقي: قال أصحابنا وغيرهم: المراد بكون يلملم ميقات أهل اليمن بعض اليمن وهو تهامة، فأمَّا نجد، فإن ميقاته قرن؛ وذلك لأن اليمن يشمل نجدًا وتهامة فأطلق اليمن وأريد بعضه، وهو تهامة منه خاصة، وقوله فيما تقدم: ((نَجْدٍ)) تناول نجد الحجاز ونجد اليمن وكلاهما ميقات أهله قرن. (يَلَمْلَمَ) بفتح التحتانية واللام وسكون الميم بعدها لام مفتوحة ثم ميم، وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة. وقال ابن حزم: هو جنوب من مكة، ومنه إلى مكة ثلاثون ميلًا. وفي ((شرح المهذب)) يصرف ولا يصرف. قال العيني: إن أريد الجبل فمنصرف، وإن أريد البقعة فغير منصرف البتة بخلاف قرن، فإنه على تقدير إرادة البقعة يجوز صرفه؛ لأجل سكون وسطه. ويقال فيه: ألملم، بالهمزة وهو الأصل والياء تسهيل لها، وحكى ابن سيده فيه: يرمرم، براءين بدل اللامين. قال العيني: ووزن يلملم فعمعل كصمحمح، وليس هو من لملمت؛ لأن ذوات الأربعة لا يلحقها الزيادة في أولها إلا في الأسماء الجارية على أفعالها نحو مدحرج، قال: فلأجل هذا حكمنا بأن الميم الأولى واللام الثانية زائدتان، ولهذا قال الجوهري في باب الميم وفصل الباء: يلم ثم قال: ((يَلَمْلَمَ)) لغة في ألملم وهو ميقات أهل اليمن. انتهى. وقال صاحب ((التيسير)): وتبعد عن مكة بالمراحل (٢) وبالفراسخ (١٦) وبالأميال (٤٨) وبالكيلوات (٨٠) ويحرم منه أهل اليمن وأهل جاوه وأهل الهند ٣٨٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ * والصين. انتهى. قلت: قد جرى عمل حجاج الهند والباكستان الذين يسافرون للحج من طريق البحر أنهم إذا وصلت باخرتهم قريبًا من بعض سواحل اليمن، وكانوا على يوم وليلة أو أكثر من ميناء جدة يحرمون هناك في البحر بناء على زعمهم أنهم يحاذون؛ إذ ذاك جبل (يَلَمْلَمَ) الذي هو ميقات أهل اليمن ومن سلك طريقهم في البر إلى الحرم المكي، والذي هو على مرحلتين من مكة، أي: على بعد ثمان وأربعين ميلًا منها، وعندي: عملهم هذا محل نظر وبحث، بل الصواب عندي: أنه لا يجب عليهم الإحرام في البحر في أيِّ محل كانوا، أي: قبل وصولهم إلى جدة، بل لهم أن يؤخروا الإحرام حتى ينزلوا في ميناء جدة فيحرموا منها، وهذا يحتاج إلى شيء من البسط والتوضيح، فاعلم أن الأرض حول مكة في جهاتها الأربع قد جعلت حرمًا وحدث لذلك حدود عينها إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأمر الله تعالى، ثم قررها نبينا وََّ، فحرم مكة ما أحاط وأطاف بها من جوانبها الأربع، ومسافة تلك الحدود من الكعبة المشرفة والمسجد الحرام ليست متساوية بل متفاوتة، فهي تنتهي على بعد عشرة أميال في جهة الحديبية وجدة وكذا في جهة الطائف، وتسعة في أخرى، أي: الجعرانة، وسبعة في ناحية، أي: في جهة عرفات والعراق، وكذا في جهة اليمن، وثلاثة فقط في أخرى، أي: في جهة التنعيم. وقد نصبت علامات لانتهاء الحرم في الجهات المذكورة، وإذا وصلت هذه العلامات بخطوط مستقيمة بينها تحدث من ذلك خارطة تشبه شكلًا مخمسًا، ويكون طول الحرم حول مكة سبعة وثلاثين ميلًا وهي التي تدور بأنصاب الحرم المبنية في جميع جوانبه، وقد جعل الله تعالى هذه المنطقة المحاطة بالخطوط حرمًا يجب تكريمه واحترامه، وشرع له أحكامًا تختص به، فمثلًا: لا يقتل صيدها ولا يختلى خلاه ولا يعضد شجرها وغير ذلك من الأحكام، وحرمة هذه القطعة من الأرض ليست إلا؛ لأن لها علاقة ونسبة ببيت الله الحرام وهو في الحقيقة تكريم للكعبة وإجلال للبيت. ثم إن خارج تلك الحدود على بعد عشرات من الأميال قد وقتت خمس أماكن للقادمين إلى مكة للحج والعمرة يقال لها: المواقيت جمع الميقات، وهي خمسة: ذو الحليفة، الجحفة، قرن المنازل، يلملم، ذات عرق. قد عين النبي رَّيل هذه الأمكنة ميقاتًا للحجاج القادمين من طرفها. وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز لأحد يمر على واحد من هذه المواقيت ٣٨٣ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ الخمسة المنصوصة وهو يريد الحج أو العمرة أن يتجاوزه بدون الإحرام، فإن جاوزه غير محرم، فقد أساء الأدب ببيت الله الحرام وعليه دم عند الجمهور، وإن سلك أحد طريقًا لا يقع فيها أي واحد من هذه المواقيت، فإنه لا بد أن يمر بمحاذاته في محل ما، فعليه أن يحرم قبل أن يتجاوز محل محاذاته، فإن لم يستطع أن يعرف محل المحاذاة، فعليه أن يحرم قبل مرحلتين من مكة المكرمة. وبعد هذا فاعلم أن في الزمن القديم حينما كان السفر في البحر بالسفن الشراعية كان الحجاج القادمون من الهند والبلاد الشرقية ينزلون على واحدة من موانئ اليمن مثل الحديدة أو غيرها ثم يسافرون منها إلى مكة المكرمة في البر من طريق اليمن، ولذا كان الواجب عليهم أن يحرموا من يلملم؛ لأن ميقات أهل اليمن ومن أتى من طريقهم يلملم، ولكن في زمننا هذا لا ترسي بواخر حجاج الهند والباكستان في موانئ اليمن بل تقطع طريقها في البحر رأسًا إلى جدة وترسي في مينائها، ولذا لا تقع يلملم في طريقهم ولا يمرون على خط محاذاتها أيضًا، فليس هناك وجه معقول لإيجاب الإحرام عليهم في البحر قبل وصول باخرتهم إلى جدة، ولكن قد جرى العمل على أن ربان باخرة الحجاج القادمة من الهند أو الباكستان يعلن قبل الوصول إلى جدة بيوم وليلة أو أكثر بأن الباخرة ستمر قريبًا من جبل يلملم في الوقت الفلاني، فعلى الحجاج أن يتأهبوا ويحرموا قبل ذلك، فالحجاج يحرمون في ذاك المحل من البحر؛ عملًا بهذا الإعلان، فإن كان معناه أن جبل يلملم يرى بالتلسكوب - المنظار - وأمثالها من الآلات من ذلك المحل الذي يبعد منه أكثر من خمسين ميلاً يقينًا، فلا علاقة لهذه الرؤية بمسألة المحاذاة المعتبرة. وإن كان معناه: أنه يمكن أن يُخط خط مستقيم إلى جبل يلملم من ذلك المحل، فهذا الإمكان متحقق من كل محل ولا يختص بمحل دون آخر، وعلى كل حال، فإن المسألة ما زالت غير واضحة لي مع أني وافقتهم في الإحرام في ذاك المحل سنة ٧٥، وسنة ٨٢ من الهجرة، فأحرمت حيثما أحرموا؛ وذلك لأنه لا شبهة في جواز الإحرام قبل الميقات عند الجمهور، وبما أنه لا يقع أي ميقات في طريق بواخر الحجاج القادمة من الهند أو الباكستان، ولا يحاذي أي واحد منها بل تقطع طريقها في البحر في حدود الآفاق، أي: إلى غير جهة الحرم بعيدة عن يلملم الذي هو جبل من جبال تهامة وقريب من مكة المكرمة، فلا يمكن لأية باخرة أو سفينة أن تتجاوزه، أو تتجاوز خط محاذاته إلى جهة الحرم قبل وصولها إلى جدة، ولو ٣٨٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ كانت تجري على الساحل، وقد ذكرنا فيما سبق أن الحدود التي حدها رسول الله وَلة للحرم إذا أحطناها بالخطوط الممتدة من حد إلى حد تحدث منه صور مخمسة، ثم إنه قد وقتت خمس أماكن مواقيت للحج والعمرة على بعد عشرات من الميل - بل على نحو أكثر من مائتي ميل إلى جهة المدينة - وقد مر تفصيله فيما سبق، وإذا أحطنا تلك المواقيت الخمسة بالخطوط تظهر منها أيضًا صورة مخمسة ممتدة الأطراف. وإذا اتضح لك هذا فاعلم: أن المنطقة الواقعة ما بين خارج حدود الحرم، أي: خارج الخطوط المحيطة بحدود الحرم إلى المواقيت يقال لها: الحل الصغير؛ لأنه يحل فيها الصيد لكن يحرم المرور والدخول فيها بغير إحرام لمن يسكن وراء الميقات، مثلًا: المنطقة الواقعة ما بين مكة والتنعيم في جهة المدينة حرم، ومنها إلى ذي الحليفة حل صغير وسائر الأرض خارج حدود المواقيت الخمسة يقال لها : الآفاق أو الحل الكبير، فالذين يسكنون خارج حدود الحرم دون حدود المواقيت - أي: في الحل الصغير - يجب عليهم الإحرام قبل دخولهم حدود الحرم إذا أرادوا الحج والعمرة، مثلًا: الذين يسكنون في شمال مكة بين التنعيم وذي الحليفة يجب عليهم أن يحرموا من التنعيم قبل الدخول في حدود الحرم، والذين يسكنون في الآفاق خارج المواقيت يجب عليهم الإحرام من مواقيتهم قبل أن يتجاوزوا حدود الميقات - أي: قبل دخولهم في الحل الصغير -، فالذي يمر على أحد هذه المواقيت الخمسة حكمه واضح أنه يحرم من ذلك الميقات قبل أن يتجاوزه إلى الحل الصغير أو إلى جهة الحرم. أمَّا الذي لا يمر على واحد من هذه المواقيت، فيجب عليه الإحرام قبل تجاوزه الخط الذي يمتد من ميقات إلى آخر، ويكون حدًّا فاصلاً بين الحل الصغير والآفاق، أي: الحل الكبير، وإن هذا الخط في الأصل هو خط محاذاة الميقات، فالحاج ما دام خارج الخط المذكور؛ فهو في الآفاق، وإذا جاوز هذا الخط؛ فقد دخل حدود الحل الصغير، ولا يجوز لآفاقي أن يدخل الحل الصغير بدون الإحرام وقد ذكرنا فيما سبق أنه إن جاء أحد من طريق لا يقع أي ميقات فيه، ولا يمكن له معرفة حد الحل الصغير بالضبط، أعني: خط محاذاة الميقات، فعليه أن يحرم قبل مرحلتين من مكة. فإذا كانت باخرة الحجاج القادمين من البلاد الشرقية - الهند أو الباكستان ٣٨٥ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ *** EarcEx وغيرهما - لا تمر في البحر بيلملم أو بمحاذاتها، بل تقطع طريقها في الآفاق، أي : في الحل الكبير إلى غير جهة الحرم متوجهة إلى جدة وترسي في مينائها يجوز للحجاج المسافرين في تلك البواخر أن يؤخروا الإحرام إلى جدة ويحرموا منها؛ لأنها على مرحلتين من مكة، والمسافة بين مكة ويلملم أيضًا مثله كما قال الهيتمي في (تحفة المحتاج بشرح المنهاج)) (ج ٤ ص ٤٥): وخرج بقولنا: إلى جهة الحرم، ما لو جاوزه يمنة أو يسرة؛ فله أن يؤخر إحرامه لكن بشرط أن يحرم من محل مسافته إلى مكة مثل مسافة ذلك الميقات، كما قاله الماوردي وجزم به غيره، وبه يعلم أن الجائي من اليمن في البحر له أن يؤخر إحرامه من محاذاة يلملم إلى جدة؛ لأن مسافتها إلى مكة، كمسافة يلملم، كما صرحوا به بخلاف الجائي فيه من مصر ليس له أن يؤخر إحرامه عن محاذاة الجحفة؛ لأن كل محل من البحر بعد الجحفة أقرب إلى مكة منها فتنبه لذلك، هذا بالنسبة للحجاج المسافرين بالباخرة، أمَّا الحجاج المسافرون بالطائرة، فإن طائراتهم تقطع طريقها في أجواء البر، وتمر على قرن المنازل عمومًا، وتدخل أول الحل مارة على واحد من الميقاتين: قرن المنازل أو ذات عرق، ثم تصل جدة وتنزل بها؛ ولذا يجب عليهم الإحرام قبل مرورهم على قرن المنازل، وبما أنه يتعذر علم الساعة التي تمر فيها الطائرة على الميقات بالضبط؛ فالأحوط لهم أن يحرموا عند ركوبهم الطائرة؛ لأنهم إن جاوزوا الميقات بدون الإحرام ووصلوا جدة غير محرمين يأثمون، ويجب عليهم الدم عند الجمهور، وسيأتي مزيد الكلام في هذا في شرح حديث جابر في المواقيت. تنبيه: قال النووي: أقرب المواقيت إلى مكة قرن المنازل ميقات أهل نجد وفي ذلك نظر؛ لأن ابن حزم ذكر كما تقدم أن بين قرن ومكة اثنين وأربعين ميلًا، وأن بين يلملم ومكة ثلاثين ميلًا، فتكون يلملم حينئذ أقرب المواقيت إلى مكة وعلى ما ذكر صاحب ((التيسير)) يكون قرن ويلملم على حد سواء من مكة. قال الحافظ: أبعد المواقيت من مكة ذو الحليفة ميقات أهل المدينة، فقيل: الحكمة في ذلك أن تعظم أجور أهل المدينة. وقيل: رفقًا بأهل الآفاق؛ لأن أهل المدينة أقرب الآفاق إلى مكة، أي: ممن له ميقات معين. انتهى. ٣٨٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وقال في ((حجة اللَّه البالغة)): لما كان الإتيان إلى مكة شعثًا تفلًا تاركًا لغلواء نفسه مطلوبًا، وكان في تكليف الإنسان أن يحرم من بلده حرج ظاهر، فإن منهم من يكون قطره على مسيرة شهر وشهرين وأكثر؛ وجب أن يخص أمكنة معلومة حول مكة يحرمون منها ولا يؤخرون الإحرام بعدها، واختار لأهل المدينة أبعد المواقيت؛ لأنها مهبط الوحي ومأرز الإيمان ودار الهجرة وأول قرية آمنت بالله ورسوله، فأهلها أحق أن يبالغوا في إعلاء كلمة الله، وأن يخصوا بزيادة تعظيم الله، وأيضًا فهي أقرب الأقطار التي آمنت في زمان رسول اللّه وَل. انتهى. قلت: لبيت الله الحرام من التكريم والتعظيم والتقديس والإجلال ما لا يخفى على مسلم، ومن آثار ذلك أن جعل له حمى وحدودًا لا يتجاوزها قاصده بحج أو عمرة إلا وقد أحرم وأتى في حال خشوع وخضوع وتقديس وإجلال عبادة لله واحترامًا لهذا البيت المطهر، ومن رحمة الله بخلقه أنه لم يجعل لهم ميقاتًا واحدًا في إحدى جهاته، بل جعل لكل جهة محرمًا وميقاتًا يكون في طريق سالكه إلى مكة، سواء كان من أهل تلك الجهة أو لا؛ وذلك لئلا تلحقهم المشقة بقصدهم ميقاتًا ليس في طريقهم، حتى جعل ميقات من داره دون المواقيت مكانه الذي هو فيه، حتى أهل مكة يحرمون بالحج من مكة، فلا يلزمهم الخروج إلى الحل. وفي تقدير النبي وَل هذه المواقيت وتحديدها معجزة من معجزاته الدالة على صدق نبوته، فقد حددها ووقتها وأهلها لم يسلموا غير أهل المدينة؛ إشعارًا منه بأن أهل تلك الجهات سيسلمون ويحجون ويحرمون منها، وقد كان ولله الحمد والمنة. (فَهُنَّ)، أي: المواقيت المذكورة. (لَهُنَّ) بضمير المؤنثات، وكان مقتضى الظاهر أن يكون (لَهُمْ)) بضمير المذكرين، فأجاب ابن مالك: بأنه عدل إلى ضمير المؤنثات؛ لقصد التشاكل، وكأنه يقول: ناب ضمير عن ضمير بالقرينة؛ لطلب التشاكل، وأجاب غيره: بأنه على حذف مضاف، أي: هن لأهلهن، أي: هذه المواقيت لأهل هذه البلدان بدليل قوله الآتي: ((وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» فصرح بالأهل ثانیًا . قال النووي: الضمير في ((لَهُنَّ» عائد على المواضع والأقطار المذكورة وهي المدينة، والشام، واليمن ونجد، أي: هذه المواقيت لهذه الأقطار، والمراد: لأهلها، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وفي رواية للبخاري: ((هُنَّ ٣٨٧ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ لَهُمْ)) بضمير المذكرين، وهو واضح. قال الحافظ: أي: المواقيت المذكورة لأهل البلاد المذكورة. ووقع في رواية أخرى، أي: للبخاري في باب دخول مكة بغير إحرام بلفظ: ((هُنَّ لَهُنَّ))، أي: المواقيت للجماعات المذكورة، أو لأهلهن على حذف المضاف، والأول أي: ((لَهُمْ)) بضمير المذكرين هو الأصل، ووقع في باب مهل أهل اليمن بلفظ: ((هُنَّ لِأَهْلِهِنَّ)) وقوله: ((هُنَّ)) ضمير جماعة المؤنث، وأصله لمن يعقل، وقد استعمل فيما لا يعقل لكن فيما دون العشرة. انتهى. وقال القرطبي: أما جمعه من لا يعقل بالهاء والنون في قوله: ((فَهُنَّ لَهُمْ)) فمستعملة عند العرب وأكثر ذلك في العشرة فما دونها، فإذا جاوزها قالوا بهاء المؤنث لا غير كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] ثم قال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، أي: من الاثنى عشر، ثم قال: ﴿فَلَا تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]، أي: في هذه الأربعة وقد قيل في الجميع وهو ضعيف شاذ، انتهى. (وَلِمَنْ أَتَى)، أي: مر. (عَلَيْهِنَّ)، أي: على المواقيت. (مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ)، أي: من غير أهل البلاد المذكورة، وهذا يقتضي أن المواقيت المذكورة مواقيت أيضًا لمن أتى عليها، وإن لم يكن من أهل تلك المواقيت المعينة، فإنه يلزمه الإحرام منها إذا أتى عليها قاصدًا لإتيان مكة لأحد النسكين، فيدخل في ذلك ما إذا ورد الشامي مثلًا: إلى ذي الحليفة، فإنه يجب عليه الإحرام منها ولا يتركه حتى يصل الجحفة، فإن أخر؛ أساء ولزمه دم، هذا عند الجمهور. وقالت المالكية والحنفية: يجوز له التأخير إلى ميقاته، وإن كان الأفضل له أن يحرم من ميقات المدينة، أي: من ذي الحليفة. قال الحافظ: الشامي إذا أراد الحج فدخل المدينة فميقاته ذو الحليفة؛ لاجتيازه عليها ولا يؤخره حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصلي، فإن أخر؛ أساء ولزمه دم عند الجمهور، وأطلق النووي الاتفاق ونفى الخلاف في ((شرحيه لمسلم والمهذب)) في هذه المسألة، فلعله أراد في مذهب الشافعي، وإلا فالمعروف عند المالكية أن الشامي مثلًا: إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى ميقاته الأصلي وهو الجحفة؛ جاز له ذلك، وإن كان الأفضل خلافه. وبه قال الحنفية وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية، وقال ٣٨٨ get مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الأبي المالكي بعد ذكر قول النووي: وهذا لا خلاف فيه، لعله يعني عندهم، وأمَّا عندنا، فإنما ذلك لمن ليس ميقاته بين يديه كاليمني والعراقي والنجدي يمر أحدهم بذي الحليفة، فإنه يحرم منها ولا يؤخره؛ لأن ميقاته ليس بين يديه، وأما الشامي يمر بها، فإنه يؤخر إلى الجحفة؛ لأنها ميقاته وهي بین یدیه، نعم الأفضل له ذو الحليفة. قلت: فلا يصح الاعتذار الذي ذكره الحافظ والأبي مع وجود قول أبي ثور، وابن المنذر من الشافعية موافقًا للحنفية والمالكية. وقال ابن دقيق العيد: قوله: ((وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ)) عام فيمن أتى، يدخل تحته من ميقاته بين يدي هذه المواقيت التي مر بها ومن ليس ميقاته بين يديها. وقوله: (وَلأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ) عام بالنسبة إلى من يمر بميقات آخر أولًا ، فإذا قلنا بالعموم الأول؛ دخلَ تحته هذا الشامي الذي مر بذي الحليفة، فيكون له التجاوز إليها، فلكل واحد منهما عموم من وجه - لاجتماعهما فيمن مر وهو من أهلها وافتراقهما في شامي مر بميقاته لا غير، فأحرم منه ولم يأت غيره، وفي شامي مثلًا: أتى ميقات أهل المدينة ولم يأت غيره - فكما يحتمل أن يقال: (وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ) مخصوص بمن ليس ميقاته بين يديه يحتمل أن يقال: ((وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ))، مخصوص بمن لم يمر بشيء من هذه المواقيت. انتهى. وقال الحافظ: قال ابن دقيق العيد: قوله: ((وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ)) يشمل من مر من أهل الشام بذي الحليفة ومن لم يمر، وقوله: ((وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ)» يشمل الشامي إذا مر بذي الحليفة وغيره. فها هنا عمومان قد تعارضا. انتهى ملخصًا. ثم أجاب الحافظ عن هذا التعارض فقال: ويحصل الانفكاك عنه بأن قوله: ((هُنَّ لَهُنَّ)) مفسر لقوله مثلًا: ((وَقَّتَ لِأَهْلَ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ))، وأن المراد بأهل المدينة: ساكنوها ومن سلك طريق سفرهم، فمر على ميقاتهم، ويؤيده: عراقي خرج من المدينة، فليس له مجاوزة ميقات أهل المدينة غير محرم ويترجح بهذا قول الجمهور وينتفي التعارض. وقال الولي العراقي بعد ذكر كلام ابن دقيق العيد: لو سلك - أي: ابن دقيق العيد - ما ذكرته أولًا: من أن المراد بأهل المدينة: من سلك طريق سفرهم ومر على ميقاتهم، لم يرد هذا الإشكال ولم يتعارض هنا دليلان، ومن المعلوم أن من ٣٨٩ year كِتَابُ الْمُنَاسِكِ ليس بين يديه ميقات لأهل بلدته التي هي محل سكنه، كاليمني يحج من المدينة ليس له مجاوزة ميقات أهل المدينة غير محرم، وذلك يدل على ما ذكرناه أنه ليس المراد بأهل المدينة سكانها، وإنما المراد بأهلها: من حج منها وسلك طريق أهلها، ولو حملناه على سكانها لوردت هذه الصورة وحصل الاضطراب في هذا، فنفرق في الغريب الطارئ على المدينة مثلًا بين أن يكون بين يديه ميقات لأهل بلده أم لا، فنحمل أهل المدينة تارة سكانها وتارة على سكانها، والواردين عليها، ويصير هذا تفريقًا بغير دليل، وإذا حملنا أهل المدينة على ما ذكرناه لم يحصل في ذلك اضطراب ومشى اللفظ على مدلول واحد في الأحوال كلها، والله أعلم. انتهى كلام الولي العراقي، فتأمل. وقال الأمير اليماني: إن صح ما قد روي من حديث عروة أنه وَلّ وقت لأهل المدينة ومن مر بهم ذا الحليفة؛ تبين أن الجحفة إنما هي ميقات للشامي إذا لم يأت المدينة، ولأن هذه المواقيت محيطة بالبيت كإحاطة جوانب الحرم، فكل من مر بجانب من جوانبه؛ لزمه تعظيم حرمته، وإن كان بعض جوانبه أبعد من بعض، انتهى. ووقع في رواية: (هُنَّ لَهُنَّ وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ»، قال السندي: أي: لكل مار مر عليهن من غير أهلهن الذين قررت لأجلهم، قيل: هذا يقتضي أن الشامي إذا مر بذي الحليفة فميقاته ذو الحليفة، وعموم ((وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ» يقتضي أن ميقاته الجحفة، فهما عمومان متعارضان. قلت: إنه لا تعارض؛ إذ حاصل العمومين أن الشامي المار بذي الحليفة له ميقاتان أصلي وميقات بواسطة المرور بذي الحليفة، وقد قرروا أن الميقات ما يحرم مجاوزته بلا إحرام، لا ما لا يجوز تقديم الإحرام عليه، فيجوز أن يقال: ذلك الشامي ليس له مجاوزة شيء منهما بلا إحرام، فيجب عليه أن يحرم من أولهما، ولا يجوز التأخير إلى آخرهما، فإنه إذا أحرم من أولهما؛ لم يجاوز شيئًا منهما بلا إحرام، وإذا أخر إلى آخرهما، فقد جاوز الأول منهما بلا إحرام وذلك غير جائز له، وعلى هذا، فإذا جاوزهما بلا إحرام؛ فقد ارتكب حرامين، بخلاف صاحب ميقات واحد، فإنه إذا جاوزه بلا إحرام؛ فقد ارتكب حرامًا واحدًا. والحاصل: أنه لا تعارض في ثبوت ميقاتين لواحد، نعم لو كان معنى الميقات ٣٩٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ما لا يجوز تقديم الإحرام عليه لحصل التعارض، انتهى. وقد علم مما ذكرنا أن ها هنا ثلاثة صور أو ثلاثة مسائل: إحداها: أن يمر من ليس ميقاته بين يديه كاليمني والعراقي والنجدي، يمر أحدهم بذي الحليفة، وهذا لا خلاف فيه بين الأئمة أنه يلزمه الإحرام من ذي الحليفة، ولا يجوز له المجاوزة عنها بغير إحرام؛ لأنه ليس ميقاته بين يديه وعليه حملت المالكية: ((وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ)). والثانية: أن يمر من ميقاته بين يديه كالشامي مثلًا: بذي الحليفة، واختلفوا فيه : فقالت الشافعية والحنابلة وإسحاق: يلزمه الإحرام من ذي الحليفة ولا يجوز له التأخير إلى ميقاته، أي: الجحفة لظاهر الحديث، خلافًا للمالكية والحنفية وأبي ثور وابن المنذر من الشافعية. والثالثة: أن المدني إذا جاوز عن ميقاته إلى الجحفة فهل يجوز له ذلك أم لا؟ وبالأول قالت الحنفية، كما في كتب فروعهم، وبالثاني قال الجمهور، وهو القول الراجحِ المعول عليه عندنا، قلت: واستدل الحنفية بما روى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر أَهَلَّ من الفرع، قال محمد في ((موطئه)): أما إحرام عبد الله بن عمر من الفرع وهو دون ذي الحليفة إلى مكة، فإن أمامها وقت آخر وهو الجحفة، وقد رخص لأهل المدينة أن يحرموا من الجحفة؛ لأنها وقت من المواقيت، يعني: أن الواجب أن لا يتجاوز عن مطلق الميقات لا عن الميقات الأول، ثم روى محمد عن أبي يوسف عن إسحاق بن راشد، عن محمد بن علي، عن النبي وَّل أنه قال: ((مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِشِيَابِهِ إِلَى الْجُحْفَةِ فَلْيَفْعَلْ))، انتهى. قال القاري في ((شرح النقاية)): لو لم يحرم المدني ومن بمعناه من ذي الحليفة وأحرم من الجحفة فلا شيء عليه، وكره وفاقًا، وعن أبي حنيفة: يلزمه دم، وبه قال الشافعي، لكن الظاهر هو الأول؛ لما روي في الحديث من قوله وَّه: ((هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ)) فمن جاوز إلى الميقات الثاني صار ميقاتًّا له انتهى. وقال ابن الهمام: المدني إذا جاوز إلى الجحفة فأحرم بها فلا بأس، والأفضل أن يحرم من ذي الحليفة، ومقتضى كون فائدة التوقيت المنع من التأخير أن لا يجوز التأخير عن ذي الحليفة، ولذا روي عن أبي حنيفة أن عليه دمًا لكن ٣٩١ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ الظاهر عنه هو الأول لما روي من تمام الحديث من قوله بَ ثله: «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَّى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ))، فمن جاوز إلى الميقات الثاني صار من أهله، وروي عن عائشة أنها كانت إذا أرادت أن تحج أحرمت من ذي الحليفة، وإذا أرادت أن تعتمر أحرمت من الجحفة، ومعلوم أن لا فرق في الميقات بين الحج والعمرة، فلو لم تكن الجحفة ميقاتًا لهما لما أحرمت بالعمرة منها، فبفعلها يعلم أن المنع من التأخير مقيد بالميقات الأخير، انتهى. وقال ابن نجيم: قوله - أي: الماتن - إن هذه المواقيت لأهلها ولمن مر بها قد أفاد أنه لا يجوز مجاوزة الجميع إلا محرمًا، فلا يجب على المدني أن يحرم من ميقاته، وإن كان هو الأفضل، وإنما يجب عليه أن يحرم من آخرها عندنا، انتهى. قلت: فعل ابن عمر رضيّ مخالف لتوقيت النبي وَلّ لأهل المدينة ذا الحليفة، فلا بد من تأويله، ولذا قال ابن عبد البر: محمله عند العلماء أنه مر بميقات لا يريد إحرامًا، ثم بدا له فأهل منه أو جاء إلى الفرع من مكة أو غيرها ثم بدا له في الإحرام كما قاله الشافعي وغيره، وقد روى حديث الميقات ومحال أن يتعداه مع علمه به فيوجب على نفسه دمًا، وهذا لا يظنه عالم، انتهى. وقال الباجي: يجوز أن يكون عبد الله بن عمر ترك ظاهره، أي: الأمر بالمواقيت لرأي رآه أو تأويل تأوله. قال: وفي كتاب محمد: قال مالك: كان خروج عبد الله بن عمر إلى الفرع لحاجة ثم بدا له فأحرم منها، انتهى. ويمكن أن يأول أن ابن عمر لم يمر في طريقه على ذي الحليفة بل ذهب إلى الفرع من طريق آخر. قال ابن قدامة في ((المغني)) (ج٣: ص٢٦٤): فإن مر من غير طريق ذي الحليفة فميقاته الحجفة، سواء كان شاميًّا أو مدنيًّا لما روى أبو الزبير، أنه سمع جابرًا يسأل عن المهل فقال: سمعته - أحسبه رفعه إلى النبي وَ له- يقول: ((مُهَلَّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، والطَّرِيقُ الآخَرُ مِنَ الجُحْفَةِ))، رواه مسلم؛ ولأنه مر على أحد المواقيت دون غيره فلم يلزمه الإحرام قبله كسائر المواقيت، ويمكن حمل حديث عائشة في تأخيرها إحرام العمرة إلى الجحفة على هذا، وأنها لا تمر في طريقها إلى ذي الحليفة؛ لئلا يكون فعلها مخالفًا لقول رسول اللّه وَله ولسائر أهل العلم، ٣٩٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ انتهى. وأمَّا الحديث المرفوع الذي ذكره محمد في ((موطئه)) فهو مرسل، ولا حجة في المرسل عند الجمهور لا سيَّما وهو معارض لأحاديث التوقيت الموصولة الصحيحة. (لِمَنْ كَانَ) بدل مما قبله بإعادة الجار، وفي رواية: ((مَنْ كَانَ)). (يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) الواو بمعنى ((أو))، أو المراد: إرادتهما معًا على جهة القران. وفيه: دلالة على أنه لا يلزم الإحرام إلا من أراد دخول مكة لأحد النسكين، فلو لم يرد ذلك جاز له دخولها من غير إحرام وعليه بوب البخاري قال : باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام، ودخل ابن عمر حلالاً، وإنما أمر النبي وَّه بالإهلال لمن أراد الحج والعمرة. قلت: استدل البخاري بمفهوم قوله في حديث الباب لمن كان يريد الحج والعمرة على أن الإحرام يختص بمن أراد الحج والعمرة، فمفهومه أن المتردد إلى مكة بغير قصد الحج والعمرة لا يلزمه الإحرام، وقد اختلف العلماء في هذا: قال العيني: مذهب الزهري والحسن البصري والشافعي في قولٍ، ومالك في رواية، وابن وهب وداود بن علي وأصحابه الظاهرية: أنه لا بأس بدخول الحرم بغير إحرام، ومذهب عطاء بن أبي رباح والليث بن سعد والثوري وأبي حنيفة وأصحابه ومالك في رواية وهي قوله الصحيح والشافعي في المشهور عنه وأحمد وأبي ثور والحسن بن حيي: لا يصلح لأحد كان منزله من وراء الميقات إلى الأمصار أن يدخل مكة إلا بالإحرام، فإن لم يفعل أساء ولا شيء عليه عند الشافعي وأبي ثور وعند أبي حنيفة عليه حجة أو عمرة. وقال أبو عمر: لا أعلم خلافًا بين فقهاء الأمصار في الحطابين ومن يدمن الاختلاف إلى مكة ويكثره في اليوم والليلة أنهم لا يؤمرون بذلك لما عليهم فيه من المشقة، انتهى. وقال الحافظ: المشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقًا، وفي قول: يجب مطلقًا. قال: والمشهور عن الأئمة الثلاثة الوجوب وفي رواية عن كل منهم لا يجب، وهو قول ابن عمر والزهري والحسن وأهل الظاهر، وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكررة، واستثنى الحنفية من كان داخل الميقات وزعم ابن عبد البر أن أكثر الصحابة والتابعين على القول بالوجوب، قلت: مذهب الحنفية على ما في ((الدر المختار)) وغيره: أنه يحرم تأخير الإحرام عن المواقيت لآفاقي قصد دخول مكة ولو لحاجة غير الحج كمجرد الرؤية والنزهة أو التجارة، وألحق بالآفاقي في هذا الحكم الحرمي والحلي إذا خرجا إلى الميقات ٣٩٣ كِتّابُ الْمُنَاسِكِ بخلاف ما إذا بقيا في مكانهما فلا يحرم، أمَّا لو قصد الآفاقي موضعًا من الحل كخُلَيْص وجدة قصدًا أوليًّا عند المجاوزة حَلَّ له مجاوزته بلا إحرام، فإذا دخل به التحق بأهله فله دخول مكة بلا إحرام، وحل لأهل داخلها، يعني: لكل من وجد في داخل المواقيت دخول مكة غير محرم ما لم يرد نسكًا للحرج. وقال النووي في (شرح مسلم)): في حديث الباب دليل لمن يقول بجواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد نسكًا، سواء كان دخوله لحاجة تتكرر كالحطاب والحشاش والسقاء والصياد وغيرهم أم لم يتكرر كالتاجر والزائر وغيرهما، وسواء كان آمنًا أو خائفًا وهذا أصح القولين للشافعي، وبه يفتي أصحابه. والقول الثاني: لا يجوز دخولها بغير إحرام إن كانت حاجته لا تتكرر إلا أن يكون مقاتلاً أو خائفًا من قتال أو ظالم. ونقل القاضي نحو هذا عن أكثر العلماء، انتهى. وقال الباجي (ج ٣ ص ٨٠): دخول مكة على ثلاثة أضرب: الضرب الأول: أن يريد دخولها للنسك في حج أو عمرة، فهذا لا يجوز أن يدخلها إلا محرمًا. فإن تجاوز الميقات غير محرم فعليه دم. والضرب الثاني: أن يدخلها غير مريد للنسك وإنما يدخلها لحجة تتكرر كالحطابين وأصحاب الفواكه، فهؤلاء يجوز لهم دخولها غير محرمين؛ لأن الضرورة كانت تلحقهم بالإحرام متى احتاجوا إلى دخولها لتكرر ذلك. والضرب الثالث: أن يدخلها لحاجته وهي مما لا تتكرر، فهذا لا يجوز له أن يدخلها إلا محرمًا؛ لأنه لا ضرر عليه في إحرامه، وإن دخلها غير محرم فهل عليه دم أَوْ لا؟ الظاهر من المذهب: أنه لا شيء عليه، وقد أساء، انتهى. وقال ابن قدامة: من جاوز الميقات مريدًا للنسك غير محرم، فعليه أن يرجع إليه ليحرم منه إن أمكنه سواء تجاوزه عالمًا به أو جاهلاً، علم تحريم ذلك أو جهله، فإن رجع إليه فأحرم منه فلا شيء عليه، لا نعلم في ذلك خلافًا، وإن أحرم من دون الميقات فعليه دم سواء رجع إلى الميقات أو لم يرجع، وبهذا قال مالك وابن المبارك. قال: وأمَّا المجاوز للميقات ممن لا يريد النسك فعلى قسمين: أحدهما: لا يريد دخول الحرم بل يريد حاجة فيما سواه، فهذا لا يلزمه الإحرام بغير خلاف ولا شيء عليه في ترك الإحرام، وقد أتى النبي وال ﴾ وأصحابه بدرًا مرتین ٣٩٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وكانوا يسافرون للجهاد وغيره فيمرون بذي الحليفة فلا يحرمون، ولا يرون بذلك بأسًا ثم متى بدا لهذا الإحرام وتجدد له العزم عليه أحرم من موضعه ولا شيء عليه، هذا ظاهر كلام الخرقي، وبه يقول مالك والثوري والشافعي وصاحبا أبي حنيفة، وحكى ابن المنذر عن أحمد في الرجل يخرج لحاجة وهو لا يريد الحج، فجاوز ذا الحليفة، ثم أراد الحج: يرجع إلى ذي الحليفة فيحرم، وبه قال إسحاق والأول أصح. القسم الثاني: من يريد دخول الحرم إما إلى مكة أو غيرها، فهم على ثلاثة أضرب: أحدها: من يدخلها لقتال مباح أو من خوف أو لحاجة متكررة كالحطاب والحشاش وناقل الميرة والفیح ومن كانت له ضيعة یتکرر دخوله وخروجه إليها فهؤلاء لا إحرام عليهم؛ لأن النبي ◌َّ دخل يوم الفتح مكة حلالًا وعلى رأسه المغفر وكذلك أصحابه، ولم نعلم أحدًا منهم أحرم يومئذٍ ولو أوجبنا الإحرام على كل من يتكرر دخوله أفضى إلى أن يكون جميع زمانه محرمًا فسقط للحرج وبهذا قال الشافعي . وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأحد دخول الحرم بغير إحرام إلا من كان دون الميقات، ولنا ما ذكرناه، وقد روى الترمذي أن النبي ◌َّ- دخل يوم الفتح مكة وعلى رأسه عمامة سوداء، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ومتى أراد هذا النسك بعد مجاوزة الميقات أحرم من موضعه كالقسم الذي قبله، وفيه من الخلاف ما فيه. النوع الثاني: من لا يكلف الحج كالعبد والصبي والكافر، إذا أسلم بعد مجاوزة الميقات أو عتق العبد وبلغ الصبي وأرادوا الإحرام، فإنهم يُحْرِمُونَ من موضعهم ولا دم عليهم، وبهذا قال عطاء ومالك والثوري والأوزاعي وإسحاق وهو قول أصحاب الرأي في الكافر يسلم والصبي يبلغ، وقالوا في العبد: عليه دم. وقال الشافعي في جميعهم: على كل واحد منهم دم، وعن أحمد في الكافر يسلم كقوله، ويتخرج في الصبي والعبد كذلك قياسًا على الكافر يسلم. النوع الثالث: المكلف الذي يدخل لغير قتال ولا حاجة متكررة فلا يجوز له تجاوز الميقات غير محرم. وبه قال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي. وقال بعضهم: لا يجب الإحرام عليه، وعن أحمد ما يدل على ذلك، وقد روي عن ابن عمر أنه دخلها بغير إحرام، ولأنه أحد الحرمين فلم يلزم الإحرام كدخوله ٣٩٥ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ حرم المدينة، ولأن الوجوب من الشرع ولم يرد من الشارع إيجاب ذلك على كل داخل فبقي على الأصل. إذا ثبت هذا فمتى أراد هذا الإحرام بعد تجاوز الميقات رجع فأحرم منه، فإن أحرم من دونه فعليه دم كالمريد للنسك، انتهى كلام ابن قدامة. وقد علم مما تقدم أن الإمام الشافعي ذهب في المشهور عنه إلى جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد الحج أو العمرة وهو مذهب الظاهرية، ونصره ابن حزم في ((المحلى))، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وأبو البقاء ابن عقيل، قال ابن مفلح في ((الفروع)): وهي ظاهرة، واستدلوا على ذلك بقوله في هذا الحديث لمن كان يريد الحج والعمرة، واستدلوا أيضًا بما روي أنه وي ليه دخل يوم الفتح حلالًا وعلى رأسه المغفر وكذلك أصحابه، وبما روى مالك في ((الموطأ)) عن نافع: أن ابن عمر دخل مكة بغير إحرام، وبأنه قد ثبت بالاتفاق أن الحج والعمرة عند من أوجبها، إنما يجب مرة واحدة، فلو أوجبنا على كل من دخلها أن يحج أو يعتمر لوجب أكثر من مرة، وبأن الوجوب من الشرع ولم يرد من الشارع إيجاب ذلك على كل داخل فبقي على الأصل. واستدل لأبي حنفية ومالك وأحمد بقوله وَ لَه فِي مَكَةَ أَنَّهَا: ((حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَةِ لَمْ تُحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تُحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي إِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ حَرَامًا كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ))، قال الطحاوي وابن الهمام وغيرهما: يعنى: في الدخول بغير إحرام لإجماع المسلمين على حل الدخول بعده للقتال. وأجيب عن ذلك: بأن الحديث ليس له دخل في الإحرام، وإنما هو في تحريم القتال في مكة، قال الشيخ محمد عابد السندي في ((المواهب اللطيفة)): وأما ما زعم الطحاوي بأن ذلك مصداق قوله وقد خير في حديث أبي شريح وغيره: أنها لم تحل له إلا ساعة من نهار، وأن المراد بذلك: جواز دخولها بغير إحرام لا تحريم القتل والقتال فيها؛ لأنهم أجمعوا على أن المشركين لو غلبوا - والعياذ بالله - على مكة حل للمسلمين قتالهم وقتلهم فيها، انتهى. فقد دفعه الشيخ أبو الحسن السندي: بأن ذلك مخالف لصريح الحديث، فإن في حديث أبي شريح عند الشيخين: ((فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِوَِّ فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ تعالى أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ))، فهذا صريح في أن الساعة إنما أبيحت له في القتال لا في دخول مكة بغير إحرام. ٣٩٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ولذلك قال النووي: في حديث أبي شريح دلالة على أن مكة تبقى دار الإسلام إلى يوم القيامة، ونهى المترخص إذا قاتل في رئاسة دنيوية، وفي دعواه الإجماع نظر، فقد حكى القفال والماوردي وغيرهما القول بعدم حل القتال أصلاً في مكة ونقلوا في ذلك عن محققي الشافعية والمالكية، انتهى كلامه. وأشار الطحاوي إلى أن حديث أبي شريح في القتال والدخول بلا إحرام كليهما، فكان الأمران خاصة له في ذلك اليوم، ولا يخفى ما فيه، فإن قوله في الحديث: ((فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ نَّر ... )) إلخ. نص بأنه في تحرم القتال في مكة خاصة واستدل لهم أيضًا بحديث ابن عباس مرفوعًا: ((لَا يُجَاوِزُ أَحَدٌ الْمِيقَاتَ إِلَّا مُحْرِمًا)) أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني، وفي إسناده خصيف بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير، وقد ضعفه أحمد ويحيى بن سعيد وابن خزيمة وأبو أحمد الحاكم والأزدي، ووثقه ابن معين وابن سعد . وقال الحافظ: صدوق الحفظ خلط بآخره. ورواه ابن عدي من وجهين ضعيفين، وروى الشافعي عنه بإسناد صحيح: أنه كان يرد من جاوز الميقات غير محرم. وأجيب عن هذا: بأنه موقوف، وهو أيضًا معارض لما رواه مالك في ((الموطأ)»: أن ابن عمر جاوز الميقات غير محرم، ولا يحتج بما روي عن ابن عباس مرفوعًا لضعف طرقها واستدل لهم أيضًا، بأن الإحرام لتعظيم هذه البقعة الشريفة، فإن الله جعل البيت معظمًا وجعل المسجد الحرام فناء، وجعل مكة فناء للمسجد الحرام، وجعل المواقيت فناء للحرم والشرع ورد بكيفية تعظيمه، وهو الإحرام على هيئة مخصوصة فيستوي فيه الحاج والمعتمر وغيرهما، ولا يجوز تركه لأحد ممن يريد دخول مكة، وفيه أن هذا تعليل في معرض النص، والأصل عدم الخصوصية، وهي لا تثبت إلا بدليل فتأمل وقد أجاب هؤلاء عن حديث الباب بوجوه : منها: أنه استدلال بمفهوم القيد الغالبي وهو ضعيف عند الحنفية ومنطوق حديث ابن عباس المرفوع والموقوف أولى من المفهوم المخالف في قوله: ((لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ». ومنها: أن دخوله وَلّ عام الفتح بغير إحرام حكم مخصوص له ولأصحابه بذلك ٣٩٧ RERE'S كِتَابُ المُنَاسِكِ الوقت. وقد تقدم ما فيه، ومنها: ما ذكره ابن دقيق العيد في ((شرح العمدة)) (ج٣ ص٦)، وقد تركنا ذكره لطول كلامه، من شاء الوقوف عليه رجع إلى ((شرح العمدة)) . ومنها: أن قوله: ((لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ))، يحتمل أن يقدر فيه مضاف، أي: لمن كان يريد مكان الحج والعمرة كما قال القاري. ((يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ))، أي: مكان أحد النسكين وهو الحرم، انتهى. أو يكون كناية عن إرادة دخول مكة والنكتة في اختيار هذا التعبير التنبيه على أنه ليس من شأن المسلم قصد دخول مكة مع تركه فريضة الحج والعمرة. قالوا: ويؤيد لصحة هذا التأويل حديث ابن عباس المتقدم، قلت: حديث الباب نص فيما ذهب إليه الشافعية، وقد اعترف بذلك صاحب ((فيض الباري)) (ج ٣ ص ٦٤)، ولم يقم على إيجاب الإحرام على من أراد مجاوزة الميقات لغير النسكين دليل، وقد كان المسلمون في عصره رَّخلال يختلفون إلى مكة لحوائجهم، ولم ينقل أنه أمر أحدًا منهم بإحرام، فلا حاجة إلى تأويل حديث الباب بما يخالف ظاهره، ويخالف فعل ابن عمر رضيولكنَّهُ. قال صاحب ((تيسير العلام)): ما ذكر من الخلاف في حق غير المتردد إلى الحرم الجلب الفاكهة أو الحطب وغيرهما، أو له بستان في الحل يتردد عليه أو له وظيفة أو عمل في مكة وأهله في جدة أو بالعكس، فهؤلاء ونحوهم لا يجب عليهم الإحرام عند عامة العلماء فيما اطلعت عليه من كلام فقهاء المذاهب إلا ما ذهب إليه أبو حنفية من التحريم على كل داخل إلى مكة من غير إحرام، والعمل على خلافه، انتھی . (فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ)، أي: دون المواقيت، يعني: من كان بین الميقات ومكة. (فَمُهَلُّهُ) بصيغة المفعول من الإهلال، أي: موضع إحرامه. قال الحافظ: المهل بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام موضع الإهلال، وأصله رفع الصوت؛ لأنهم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية عند الإحرام، ثم أطلق على نفس الإحرام اتساعًا. قال ابن الجوزي: وإنما يقوله بفتح الميم من لا يعرف. وقال أبو البقاء العكبري: هو مصدر بمعني الإهلال كالمدْخل والمخرج بمعنى الإدخال والإخراج. قال البدر الدماميني: جعله هنا مصدرًا يحتاج إلى حذف أو تأويل ولا داعي إليه. (مِنْ أَهْلِهِ)، أي: من محل أهله. ٣٩٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ قال القاري: أي: من بيته ولو كان قريبًا من المواقيت، ولا يلزمه الذهاب إليها. وفي رواية للشيخين: ((وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ))، قال العيني: الفاء جواب الشرط، أي: فمهله من حيث قصد الذهاب إلى مكة، يعني: يهل من ذلك الموضع. وقال الحافظ: أي: فميقاته من حيث أنشأ الإحرام إذا سافر من مكانه إلى مكة، وهذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إلا ما روي عن مجاهد أنه قال: ميقات هؤلاء نفس مكة. قال ابن عبد البر: إنه قول شاذ، وقال السندي: أي: يهل حيث ينشئ السفر من ((أَنْشَأَ))، إذا أحدث، يفيد أنه ليس لمن كان داخل الميقات أن يؤخر الإحرام عن أهله، انتهى. قال الحافظ: ويؤخذ من الحديث: أن من سافر غير قاصد للنسك فجاوز الميقات، ثم بدا له بعد ذلك أنه يحرم من حيث تجدد له القصد، ولا يجب عليه الرجوع إلى الميقات؛ لقوله: ((فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ))، قال القاري: ولم يذكر النبي ◌َّل- حكم أهل المواقيت نفسها، والجمهور: على أن حكمها حكم داخل المواقيت خلافًا للطحاوي، حيث جعل حكمها حكم الآفاقي. (وَكَذَاَ وَكَذَاَ) بإسقاط اللام فيهما، وهي رواية أبي ذر للبخاري، وعند غيره: وكذاك، أي: مرة، يعني وكذا من كان أقرب من هذا الأقرب، وكأنه منزل منزلة قولك: ((وهكذا))، أي: الأقرب فالأقرب. وقال القاري: أي: الأدون فالأدون إلى آخر الحل. (حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ) وغيرهم ممن هو بها. (يُهِلُّونَ)، أي: يحرمون. (مِنْهَا)، أي: من مكة، ولفظ ((أَهْلُ)) بالرفع على أن حتى ابتدائية، وقوله: (أَهْلُ مَكَّةَ) مبتدأ وخبره (يُهِلُّونَ مِنْهَا) والجملة لا محل لها من الإعراب. وذكر الكرماني أنه روي فيه الجر أيضًا. وفي رواية: ((حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ))، قال العيني: يجوز في لفظ ((أَهْلُ)) الجر؛ لأن ((حَتَّى)) تكون حرفًا جارًا بمنزلة إلى، ويجوز فيه الرفع على أنه مبتدأ وخبره محذوف تقديره: حَتَّى أَهْلِ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْ مَكّةَ، كما في قولك جاء القوم حتى المشاة، أي: حتى المشاة جاؤوا. قال الحافظ: قوله: ((أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ))، أي: لا يحتاجون إلى الخروج إلى الميقات للإحرام منه بل يحرمون من مكة كالآفاقي الذي بين الميقات ومكة، فإنه يحرم من مكانه ولا يحتاج إلى الرجوع إلى الميقات ليحرم منه، وهذا خاص بالحج، وأمَّا المعتمر، فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل، يعني: لقضية ٣٩٩ كِتَابُ الْمُنَاسِكِ عائشة رضيها حين أرسلها النبي وَ لهر مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم لتحرم منه، وكذا قال غيره من أصحاب المذاهب الأربعة كالعيني والولي العراقي والمحب الطبري والقسطلاني وابن قدامة والشيخ محمد عابد السندي وغيرهم وادعوا الإجماع على ذلك، قلت: حديث ابن عباس هذا نص في أن هذه المواقيت للحج والعمرة جميعًا لا للحج فقط فيلزم أن تكون مكة ميقاتًا لأهلها للحج والعمرة كليهما لا للحج فقط خلافًا للجمهور، ولهذا بوب البخاري عليه بقوله: باب مهل أهل مكة للحج والعمرة. ففيه: إشعار بأن مكة عنده ميقات لأهلها للعمرة أيضًا. قال الأمير اليماني: اعلم أن قوله: ((حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ)) يدل على أن ميقات عمرة أهل مكة كحجهم، وكذلك القارن منهم ميقاته مكة، ولكن قال المحب الطبري: إنه لا يعلم أحدًا جعل مكة ميقاتًا للعمرة في حق المكي. قال: فعليه أن يخرج من الحرم إلى أدني الحل، يدل عليه أمره وي ير عائشة أن تخرج إلى التنعيم وانتظاره مع جملة الحجيج لها، ثم فعل من جاور بمكة من الصحابة ثم تتابع التابعين وتابعيهم إلى اليوم، وذلك إجماع في كل عصر. قال الأمير اليماني: وجوابه أنه ◌َّل جعلها ميقاتًا لها بهذا الحديث، وأمَّا ما روي عن ابن عباس أنه قال: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، مَنْ أَرَادَ مِنْكُمُ الْعُمْرَةَ فَلْيَجْعَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بَطْنُ مُحَسِّرٍ، يعنى: إذا أحرم بها من ناحية المزدلفة. وقال أيضًا: من أراد من أهل مكة أن يعتمر خرج إلى التنعيم ويجاوز الحرم. فآثار موقوفة لا تقاوم المرفوع، وأما ما ثبت من أمره ◌ّيٍّ لعائشة بالخروج إلى التنعيم لتحرم بعمرة فلم يرد إلا تطبيب قلبها بدخولها إلى مكة معتمرة كصواحباتها؛ لأنها أحرمت بالعمرة معه ثم حاضت فدخلت مكة ولم تطف بالبيت كما طفن كما يدل له قولها: قلت: يا رسول الله، يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك واحد، قال: ((انْتَظِرِي فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيم فَأَهِلَّي مِنْهُ ... ) الحديث. فإنه محتمل أنها إنما أرادت أن تشابه الداخلين من الحل إلى مكة بالعمرة، ولا يدل أنها لا تصح العمرة إلا من الحل لمن صار في مكة، ومع الاحتمال لا يقاوم حديث الباب. قال: وعند أصحاب أحمد، أن المكي إذا أحرم للعمرة من مكة كانت عمرة صحيحة. قالوا: ويلزمه دم لما ترك من الإحرام من الميقات. قال الأمير اليماني: ويأتيك أن إلزامه الدم لا دليل عليه. وقال الشوكاني في السيل الجرار (ج٢ ص ٢١٦): وقع التصريح في حديث ابن عباس رضيًّا في