Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
وقد أجيب: بأنه اختلف في الوقت الذي فرض فيه الحج على أقوال، ومن
جملتها أنه فرض سنة تسع حكاه النووي في ((الروضة)) وصححه القاضي عياض
والقرطبي، ومنها: أنه تأخر نزوله إلى أواخر تسع أو إلى سنة عشر حكاه العيني عن
إمام الحرمين، وبه جزم ابن القيم في ((الهدي)) (ج١ ص ١٨٠)، وعلى هذا، فلا
تأخير؛ لأنه لما فرض الحج بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]
في أواخر السنة التاسعة وهي سنة الوفود أو في العاشرة بادر النبي ◌َّ إلى الحج من
غير تأخير.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَتِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ فإنه وإن نزل سنة ست عام
الحديبية، فليس فيه فريضة الحج، وإنما فيه الأمر بإتمامه وإتمام العمرة بعد
الشروع فيها، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء ولو سلم أنه فرض من قبل العاشرة
سنة خمس لما وقع في قصة ضمام بن ثعلبة من ذكر الأمر بالحج، وكان قدومه
على ما ذكر الواقدي ومحمد بن حبيب سنة خمس، أو فرض سنة ست كما هو
المشهور عند الجمهور بناء على أنها نزل فيها قوله تعالى: ﴿وَأَنِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾
وأن المراد بالإتمام: ابتداء الفرض لما ورد في قراءة علقمة ومسروق وإبراهيم
النخعي بلفظ: ﴿وَأَقِيمُواْ﴾ أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم فكان
تراخيه وَاللّه؛ لعذر مع علمه ببقاء حياته ليكمل التبليغ وسيأتي بيان العذر في
ذلك. والإشكال إنما هو في التراخي مع عدم العذر.
قال ابن الهمام: إن تأخيره عليه الصلاة والسلام ليس يتحقق فيه تعريض الفوات
وهو الموجب للفور؛ لأنه كان يعلم أنه يعيش حتى يحج ويعلم الناس مناسكهم؛
تكميلًا للتبليغ. قال القاري: والأظهر أنه عليه الصلاة والسلام أخره عن سنة خمس
أو ست لعدم فتح مكة، وأمَّا تأخيره عن سنة ثمان؛ فلأجل النسيء، وأمَّا تأخيره عن
سنة تسع، فلما ذكرنا في رسالة مسماة ((بالتحقق في موقف الصديق)). وقال ابن
رشد في ((مقدماته)): أمَّا قول من قال: إن حجة أبي بكر كانت تطوعًا؛ لأنه حج في
ذي القعدة قبل وقت الحج على النسيء، وإنه وّ إنما أخر إلى عام عشر ليوقعه في
وقته فليس ذلك عندي بصحیح، بل حج أبي بكر في ذي القعدة هو وقته حينئذٍ شرعًا
ودينًا قبل أن ينسخ النسيء، ثم حج النبي في ذي الحجة من العام المقبل وأنزل
الله: ﴿إِنَّمَا النَّسِّءُ زِيَادَةٌ فِ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، فنسخ ذلك النسيء، ولو كان في

٣٠١
se
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
الحج فرض في ذي الحجة ونسخ النسيء عند فرض الحج قبل حج أبي بكر لما حج
أبو بكر في ذلك العام إلا في ذي الحجة، ولأمكن رسول اللّه وَ ليل ذلك في ذلك
العام لو شاء فيه، فالصحيح: أنه إنما أخر الحج في ذلك العام للعراة الذين كانوا
يطوفون بالبيت من المشركين حتى يعهد إليهم في ذلك ما جاء في الحديث لا
ليوقعه في ذي الحجة، إذ كان قادرًا على أن يوقعه في ذلك العام في ذي الحجة.
انتھی .
وقال التوربشتي في ((شرح المصابيح)): قد ذهب قوم إلى أن تأخير الحج بعد
الفتح، إنما كان للنسيء المذكور في كتاب الله وهو تأخير الأشهر عن مواضعها
حتى عاد الحساب في الأشهر إلى أصله الموضع الذي بدأ الله به في أمر الزمان يوم
خلق السماوات والأرض، وإليه أشار النبي وَلّه بقوله: ((إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَھَيْئَتِهِ
يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ))، وهذا التأويل في سنة عتاب بن أسيد - أي: في سنة
ثمان بعد الفتح - محتمل، وفي العام الذي بعث أبا بكر أميرًا على أهل الموسم غير
المحتمل؛ لأن النبي ◌ُّليّ لم يكن ليأمر بالحج في غير وقته المعلوم، وقد ذكر بعض
أهل العلم بالسير أن الحج عام الفتح وقع في ذي القعدة على الحساب الذي
ابتدعوه، وكانوا ينسؤون في كل عامين من شهر إلى شهر، وكان الحج عام حجة
أبي بكر الصديق رَوَّهُ في ذي الحجة على الحساب القويم، وإنما وجه استينائه
بالحج إلى السنة العاشرة والله أعلم هو أن لم يرض أن يحضر الموسم وأهل الشرك
حضور هناك؛ لأنه لو تركهم على ما يتدينون به من هديهم المخالف لدين الحق
لكان ذلك وهنًّا في الدين، ولو منعهم لأفضى ذلك إلى التشاغل إلى ما أرادوه من
النسك بالقتال، ثم إلى استحلال حرمة الحرم، وقد كان أخبر يوم الفتح أن حرمتها
عادت إلى ما كانت عليه، وأنه لم يحل له إلا ساعة من النهار، فرأى أن يبعث الناس
إلى الحج، وينادي في أهل الموسم أن لا يحج بعد العام مشرك؛ ليكون حجه خاليًا
عن العوارض التي ذكرناها، وقد ذكرنا لذلك وجوهًا غيرها في كتاب المناسك
واكتفينا ها هنا بالقول الوجيز؛ إيثارًا للاختيار. انتهى.
قال الأبي المالكي في ((شرح صحيح مسلم)): والقول بالتراخي إنما هو ما لم
يخف الفوات وخوفه يكون بعلو السن وخوف تعاهد الأمراض، وعلو السن حده
ابن رشد بالستين. والله أعلم. واختلف في أن الحج كان واجبًا على الأمم قبلنا أم

٣٠٢
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وجوبه مختص بنا؟ قال القاري: الأظهر الثاني، واختار ابن حجر الأول مستدلا
بقوله: ((مَا مِنْ نَبِيِّ إِلَّا وَحَجَّ))، فهو من الشرائع القديمة، وجاء أن آدم الَّلا حج
أربعين سنة من الهند ماشيًا.
قال القاري: وهذا كما ترى لا دلالة فيه على إثباته ولا على نفيه وإنما يدل على
أنه مشروع فيما بين الأنبياء، ولا يلزم من كونه مشروعًا أن يكون واجبًا مع أن
الكلام إنما هو في الأمم قبلنا، ولا يبعد أن يكون واجبًا على الأنبياء دون أممهم،
وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام لما بلغ عسفان في حجة الوداع قال: لقد مر به
هود وصالح على بكرين أحمرين ... خطمهما الليف وأزرهم العباء وأرديتهم
النمار يلبون يحجون البيت العتيق رواه أحمد. انتهى. وأمّا فضل الحج فمشهور قد
وردت فيه النصوص الحديثية الكثيرة الصحيحة وسيأتي بعضها في الكتاب، وأمَّا
حكمه وأسراره وفوائده ومصالحه المرعية فيه فهي أكثر من أن تحصى، ولا يوفيها
بيانًا إلا التصانيف المستقلة وقد نوه بها حكماء الإسلام وأشادوا بها في مؤلفاتهم،
ولنلم بنبذة منها ليقف القارئ على قُلّ من كُثر من أسرار شريعته الرشيدة وأهدافها
الحميدة، فیری أن له دينًا يهدف بعبادته إلى صلاح الدين والدنيا.
قال صاحب ((تيسير العلام شرح عمدة الأحكام)): هذا المؤتمر الإسلامي العظيم
وهذا الاجتماع الحاشد فيه من المنافع الدينية والدنيوية والثقافية والاجتماعية
والسياسية ما يفوت الحصر والعد، أما الدينية فما يقوم به الحاج من هذه العبادة
الجليلة التي تشتمل على أنواع من التذلل والخضوع بين يدي الله تعالى فمنها
تقحم الأسفار وإنفاق الأموال والخروج من ملاذ الحياة بخلع الثياب، واستبدالها
بإزار ورداء حاسر الرأس وترك الطيب والنساء، وترك الترفه بأخذ الشعور والأظفار
ثم التنقل بين هذه المشاعر. كل هذا بقلوب خاشعة وأعين دامعة، وألسنة مكبرة
ملبية قد حدا بهم الشوق إلى بيت ربهم ناسين في سبيل ذلك الأهل والأوطان
والأموال والنفس والنفيس .
وأمَّا الثقافية فقد أمر الله بالسير في الأرض؛ للاستبصار والاعتبار، ففيه من
معرفة أحوال الناس والاتصال بهم، والتعرف على شئون الوفود التي تمثل أصقاع
العالم كله ما يزيد الإنسان بصيرة وعلمًا إذا تحاك بعلمائهم، واتصل بنبهائهم فيجد

٣٠٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
لكل علم وفن طائفة تمثله. وأمَّا الاجتماعية والسياسية، فإن الحج مؤتمر عظيم
يضم وفودًا متنوعة العلوم مختلفة الثقافات متباينة الاتجاهات والنزعات، فإذا كل
حزب بحزبه وطائفة بشبيهتها ومثلوا - لجان الحكومة الواحدة - ودرسوا وضعهم
الغابر والحاضر والمستقبل. ورأوا ما الذي أخرهم وما الذي يقدمهم؟ وما هي
أسباب الفرقة بينهم؟ وما أسباب الائتلاف والاجتماع وتوحيد الكلمة؟ وبحثوا
شئونهم الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية على أساس المحبة والوئام،
وبروح الوحدة والالتئام وأصبحوا يدًا واحدة ضد عدوهم وقوة مرهوبة في وجه
المعتدي عليهم، وبهذا يصير لهم كيان مستقل خاص له مميزاته وأهدافه ومقاصده
يسمع صوته، ويصغى إلى كلمته ويحسب له ألف حساب، وبهذا يعود للمسلمين
عزهم، ويرجع إليهم سؤددهم ويبنون دولة إسلامية دستورها كتاب الله وسنة
رسوله وشعارها العدل والمساواة، وهدفها الصالح العام وغايتها الأمن والسلام
حينئذٍ تتجه إليهم أنظار الدنيا وتسلم الزمام بأيديهم، فيقوضون مجالس بنيت على
الظلم والبغي ويبنون على أنقاضها العدل والإحسان، وبهذا يقر السلام ويستتب
الأمن وتتجه المصانع النهوج التي تصنع للموت الذريع أسلحة الدمار والخراب
إلى أن تخترع المعدات التي تساعد على التثمير والتصنيع، وإخراج خيرات
الأرض، فتحقق حكمة الله بخلقه حيث يحل الخصب والرخاء والأمن والسلام،
مكان الجدب والغلاء والخوف والدماء، وإذا علم المسلم المؤمن ثمرات هذه
الاجتماعيات الإسلامية؛ فهم جيدًا أن له دينًا عظيمًا جليل القدر يقصد منها بعد
عبادة اللَّه صلاح الكون واتساقه؛ لأن الاجتماع هو أعظم وسيلة لجمع الأمة
وتوحيد الكلمة؛ ولذا فإنه عني بالاجتماعات عناية عظيمة؛ تحقيقًا للمقاصد
الكريمة، ففرض على أهل المحلة الاجتماع في مسجدهم كل يوم خمس مرات،
وفرض على أهل البلد عامة الاجتماع للجمعة في كل أسبوع، وفرض على
المسلمين الاجتماع في كل عام. انتهى.
وقال الشيخ مصطفى السقاء في ((مقدمته على القرى لقاصد أم القرى)): الفريضة
الحج من الفضائل النفسية والاجتماعية ما لا يخفى على المتأمل، فمن أول تلك
الفضائل تعظيم ذلك البيت المقدس وعمارته، إذ هو الرمز الباقي لقيام ديانة
التوحيد في الأرض، وخلاص الإنسان من فوضى الوثنية والنحل الزائغة الضالة

٣٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدِّى لِلْعَلَمِينَ (١٦)﴾ [آل عمران: ٩٦]، ومن ذلك
تعمير الأرض المقدسة التي حضنت ذلك الدين الجديد دين التوحيد إلى أن ترعرع
وقوي، ونما وانتشر وقضى على الأوثان والأصنام في جزيرة العرب أولًا، فلولا
هذه البيئة البعيدة عن معترك الحياة الصاخبة بتيارات المدنيات وغطرسة الملوك
والجبابرة لم يتح لهذا الدين أن ينمو ويذيع، وحسبنا دليلًا على هذا ما لقيه إبراهيم
من اضطهاد بين قومه وعشيرته حتى اضطرو إلى الهجرة بدينه من بلاده، والآية
الكريمة ﴿رَبَّنَآ إٍِّ أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّقِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّمَ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ
الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
[إبراهيم: ٣٧] مفصحة بهذا المعنى، أي: إفصاح. ثم بسط في ذكر المنافع السياسية
والاجتماعية بنحو ما تقدم.
ثم قال: أمَّا الفائدة التهذيبية التي يجنيها الحاج من رحلته، فهي رياضة النفس
وتذليلها، فإن أعمال الحج منذ يشرع الحاج في توجيه النية والنطق بالتلبية تدخل
في نفسه شعورًا قلبيًّا بالقرب من الله، ولا يزال هذا الشعور ينمو ويزيد كلما اقترب
من الأماكن المقدسة، حتى إذا حل تلك الرحاب النضرة والساحات المطهرة
وانغمس في أداء الأعمال شعر بسمو روحي وفيض إلهي يدب في نفسه وينتقل به
من حال إلى حال حتى ينتهي إلى احتقار سلطان المادة وتأثيره في النفس، وهذا
الفيض الشعوري تمتزج فيه العناصر الروحية بعضها ببعض وتتجاوب في النفس،
وتتبين آثارها في الإرادة والعمل من تعظيم للدين وحب شديد الرسول الأكرم وَل
والسلف الصالح من الأمة وغيرة على المجتمع الإسلامي ورغبة في إسعاده، ومن
ندم على ما سبق من التفريط في جنب الله ورغبة في استدراك ما فات في أزمان
الغفلة، وغرة الشباب من الطاعات والقربات، وهذه الرياضة النفسية هي ثمرة
الحج الكبرى حتى إذا انتهت أعماله، وعاد الحاج إلى وطنه وأهله لم يفارقه ذلك
الشعور الرباني، ولا ريب أن كثيرًا ممن حجوا مخلصين لله تتأثر حياتهم بذلك
الشعور الفياض الذي كسبوه في أثناء ارتحالهم في الأراضي المقدسة، وتلمح في
أخلاقهم الاستقامة والإقلاع عن كثير من المساوي التي كانت تشوب حياتهم قبل
الحج، ومثل هذا يسمى الحج المبرور الذي يتقبله الله ويعظم الثواب عليه، كما
جاء في الحديث. ثم ذكر ما يحصل في هذا السفر الطويل الشاق من فائدة تعويد

٣٠٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
المسافر خلال تلك الرحلة احتمال كثير من المشقات بالتنقل المستمر لأداء
المناسك، ونقل الأمتعة والأزواد ونصب الخيام، أو تقويضها وإعداد الرواحل أو
السيارات وغير ذلك من الأعمال الشاقة.
ثم قال: وبعض الحجاج يلتمسون مع أداء فريضة الحج في هذا الموسم ضروبًا
من النفع المادي فينقلون المتاجر من شتى البلاد إلى الحجاز ويبيعونها هناك،
ويتزودون لبلادهم وأهليهم من طرائف الحجاز، ومما يحمله إليه الناس من سائر
البقاع والأصقاع، وليس هذا العمل محرمًا في الدين تقول الآية الكريمة: ﴿لَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وتقول آية أخرى:
﴿ وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِن كُلِّ فَجْ عَمِيقٍ
لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٧، ٢٨]، ومن هذه المنافع التجارة التي يقوم عليها الموسم
ويمكن أن تجعل البلاد المقدسة سوقًا إسلامية للتجارة - بدل أن تكون سوقًا
تجارية لمصنوعات: أوربا، وروسيا، وأمريكا،، واليابان، والصين، وغير ذلك
من بلاد الشرق والغرب - كما كانت في القرون الإسلامية الأولى سوقًا من أعظم
الأسواق بين الممالك الإسلامية الشرقية والغربية، ومن أعظم الأسباب لنشر
الحضارة والثقافة في أحقاب طويلة، فقد كان التجار يتحينون موسم الحج لينقلوا
حاصلات بلادهم وثمرات اجتهادهم إلى مكة والمدينة، حيث يجتمع العديد
الأكبر فيقبل الناس على اقتناء الطرف والنفائس من الثياب والحلي والطنافس
والأواني النحاسية وأنواع الطيب، ونحو ذلك، ويتخذون منها الهدايا للأهل
والأصحاب.
وكان العلماء وأصحاب الفنون يلتقون في الموسم، فيأخذ بعضهم عن بعض،
ويتبادلون الكتب والآثار العلمية والفنية، وخاصة علماء الحديث الذين يجدون في
هذا الموسم أحسن الفرص للرواية والإجازة، وكان هذا التبادل التجاري والثقافي
في جميع مظاهره من أحسن الوسائل لتعميم الحضارة وبعث روح التنافس الجدي
بين المسلمين في الممالك والأقطار المختلفة. انتهى. وقال الشاه ولي الله
الدهلوي في ((حجة الله البالغة)) (ج٢: ص٤٢): المصالح المرعية في الحج أمور
منها تعظيم البيت فإنه من شعائر الله وتعظيمه هو تعظيم الله تعالى ومنها تحقيق
معنى العرضة، فإن لكل دولة أو ملة اجتماعًا يتوارده الأقاصي والأداني ليعرف فيه

٣٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بعضهم بعضًا ويستفيدوا أحكام الملة ويعظموا شعائرها، والحج عرضة المسلمين
وظهور شوكتهم واجتماع جنودهم وتنويه ملتهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ
مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] ومنها: موافقة ما توارث الناس عن سيدنا إبراهيم
وإسماعيل عليهما السلام، فإنهما إماما الملة الحنيفية ومشرعاها للعرب والنبي وقَال
بعث لتظهر به الملة الحنيفية وتعلو به كلمتها وهو قوله تعالى: ﴿قِلَّةَ أَبِكُمْ
إِزَهِيمٌ﴾ [الحج: ٧٨]، فمن الواجب المحافظة على ما استفاض عن إماميها كخصال
الفطرة ومناسك الحج، وهو قوله ◌َّه: ((قِفُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ
إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ))، ومنها: الاصطلاح على حال يتحقق بها الرفق لعامتهم،
وخاصتهم كنزول منى والمبيت بمزدلفة، فإنه لو لم يصطلح على مثل هذا لشق
عليهم ولو لم يسجل عليه لم تجتمع كلمتهم عليه مع كثرتهم وانتشارهم.
ومنها: الأعمال التي تعلن بأن صاحبها موحد تابع للحق متدين بالملة الحنيفية
شاكر لله على ما أنعم على أوائل هذه الملة كالسعي بين الصفا والمروة، ومنها: أن
أهل الجاهلية كانوا يحجون وكان الحج أصل دينهم ولكنهم خلطوا أعمالًا ما هي
مأثورة عن إبراهيم ◌َارةَ، وإنما هي اختلاق منهم، وفيها إشراك لغير اللَّه كتعظيم
إساف ونائلة، وكالإهلال لمناة الطاغية وكقولهم في التلبية: ((لا شريك لك إلا
شريكًا هو لك))، ومن حق هذه الأعمال أن ينهي عنها ويؤكد في ذلك، وأعمالًا
انتحلوها فخرًا وعجبًا، كقول حمس: نحن قطان اللَّه، فلا نخرج من حرم الله
فنزل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، ومنها: أنهم ابتدعوا
قياسات فاسدة هي من باب التعمق في الدين، وفيها حرج للناس ومن حقها أن
تنسخ وتهجر كقولهم: يجتنب المحرم دخول البيوت من أبوابها، وكانوا يتسورون
من ظهورها ظنًّا منهم أن الدخول من الباب ارتفاق ينافي هيئة الإحرام فنزل:
﴿وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] وككراهيتهم في التجارة
موسم الحج ظنا منهم، أنها تخل بإخلاص العمل لله فنزل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ
جُنَاعُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] وكاستحبابهم أن يحجوا بلا زاد
ويقولون: نحن المتوكلون، وكانوا يضيقون على الناس ويعتدون فنزل:
﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] انتهى باختصار يسير.
قلت: شرع الحج لجميع هذه الفوائد والمصالح المذكورة وغيرها مما نعلم

٣٠٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
منها الكثير ونجهل منها الكثير، وربما كان ما نجهله ونتمتع به أكثر مما نعرفه، فقد
قال الله تعالى: ﴿لِّشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] فأطلق المنافع ونكرها وأبهمها،
ودلَّ هذا التعبير البليغ على كثرتها وتنوعها وتجددها في كل زمان، وأنها أكثر من
أن يأتي عليها الإحصاء والاستقصاء، ويحيطها المحيطون ولكن من أوضح ملامح
الحج والروح المسيطرة على جميع أعماله ومناسكه هو الحب والهيام والوله
والتفاني وإعطاء زمام الجسم والفكر للقلب والعاطفة، وتقليد العشاق والمحبين،
إمامهم وزعيمهم إبراهيم الخليل فحينًا طواف الحب والهيام حول البيت الحرام،
وحينًا تقبيل الحجر الأسود والاستلام، وحينًا سعى بين غايتين، وتقليد ومحاكاة
للأم الحنون حتى في تؤدتها ووقارها وفي جريها وهرولتها. ثم قصد لمنى في يوم
معين هو يوم التروية، ثم قصد إلى عرفات ووقوف بساحتها ودعاء وابتهال ثم بيتوتة
في المزدلفة، وعودة إلى منى، فرمي ونحر وحلق؛ اقتداء بسنة إبراهيم ومحمد
صلى الله عليهما وسلم.
قلت: وزعم بعض المتنورين أن الحج مؤتمر سياسي ثقافي فحسب وليس
كذلك، فإنه لو كانت هذه هي الحكمة التي شرع لها الحج استقرار وساده جو من
الهدوء يساعد على ذلك، ولكنه اضطراب وانتقال من مكان إلى مكان ومن نسك
إلى نسك، ولكانت دعوة مقصورة على العلماء والزعماء والأذكياء والنبهاء وعلى
الخاصة من المسلمين، إنها لا شك ثمرة من ثمرات الحج ولكن ليست هي الغاية
التي شرعت لها هذه الفريضة العظيمة وفرضت على المسلمين؛ فقال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى
النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] .
وقال رسول اللَّه ◌َله: ((مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلَّغُهُ إِلَى بِيْتِ اللهِ وَلَمْ يَحُجَّ؛ فَلَا عَلَيْهِ
أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا)»، ولكان له وضع غير هذا الوضع ومكان غير هذا
المكان القاحل النائي، إنه عبادة ونسك وطاعة وانقياد وحب وهيام واتصال
بمؤسس هذه الملة وتجديد العهد بالمركز الروحي والمنبع الأصيل وتقليد
للمحبين، وتمثيل لما جرى لهم، وتذكير للرحيل من دار الفناء إلى دار القرار
والبقاء ويتبع ذلك فوائد وحكم وأسرار لا يحصيها إلا الله، وقد تقدمت الإشارة
إلى شيء منها.

٣٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الأول
٢٥٢٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ فَقَالَ: ((يَا
أَيُّهَا النَّاسُِ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا))، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَام يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ: ((لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَمَا
اسْتَطَعْتُمْ))، ثُمَّ قَالَ: ((ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ
سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أُمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ ، فَأَتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَّعْتُمْ.
وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ».
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٥٢٩ - قوله: (خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ وََّ)، أي: خطب لنا عام فرض الحج فيه،
أو ذكر لنا أثناء خطبة له. قال الأبي: يمنع أن تكون هذه الخطبة في الحج؛ لأنه وَل
إنما حج في العاشرة وفرض الحج كان سابقًا، قيل: سنة خمس، وقيل: تسع إلا
أن يكون قاله أيضًا في حجة الوداع. (قَدْ فُرِضَ) بصيغة المجهول.
(فَحُجُوا) بضم الحاء المهملة صيغة الأمر. (فَقَالَ رَجُلٌ)، هو الأقرع بن حابس،
كما في حديث ابن عباس أول أحاديث الفصل الثاني. (أَكُلَّ عَام؟) بالنصب
المقدر، أي: أتأمرنا أن نحج كل عام؟ أو أفرض علينا أن نحج كلّ عام؟ وفي
النسائي: فقال رجل: في كل عام؟ أي: هو مفروض على كل إنسان مكلف في كل
سنة أو هو مفروض عليه مرة واحدة؟ قال النووي: واختلف الأصوليون في أن
الأمر هل يقتضي التكرار؟ والصحيح عند أصحابنا: لا يقتضيه، والثاني: يقتضيه،
والثالث: يتوقف فيما زاد علی مرة على البیان، فلا یحکم باقتضائه ولا بمنعه،
وهذا الحديث قد يستدل به من يقول بالتوقف؛ لأنه سأل فقال: أكل عام؟ ولو كان
مطلقه يقتضي التكرار أو عدمه لم يسأل ولقال له النبي وَالر: لا حاجة إلى السؤال بل
مطلقه محمول على كذا، وقد يجيب الآخرون عنه بأنه سأل استظهارًا واحتياطًا،
وقوله: (ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ)، ظاهر في أنه لا يقتضي التكرار.
(٢٥٢٩) مُسْلِم (١٣٣٧/٤١٢)، وَالنَّسَائِي (١١٠/٥) فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَتَهُ.

٣٠٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
*********************** EX
قال المازري: ويحتمل أنه إنما احتمل التكرار عنده من وجه آخر؛ لأن الحج في
اللغة قصد فيه تكرار، فاحتمل عنده التكرار من جهة الاشتقاق لا من مطلق الأمر.
انتهى. قال القاري بعد ذكر هذا الاحتمال بلفظة قيل: والأظهر: أن مبنى السؤال
قياسه على سائر الأعمال من الصلاة والصوم وزكاة الأموال ولم يدر أن تكراره كل
عام بالنسبة إلى جميع المكلفين من جملة المحال كما لا يخفى. (فَسَكَتَ)، أي:
عن جوابه. (حَتَّى قَالَهَا)، أي: قال الرجل السائل الكلمة التي تكلمها. (ثَلَاثًّا)،
قال التوربشتي: إنما سكت زجرًا له عن السؤال الذي كان السكوت عنه أولى؛ لأن
الرسول اله إنما بعث لبيان الشريعة، فلم يكن ليسكت عن بيان أمرٍ علم أن بالأمة
حاجة إلى الكشف عنه، فالسؤال عن مثله تقدم بين يدي رسول اللّه وقل له وقد نهوا
عنه، والإقدام عليه ضرب من الجهل وشر فيه احتمال أن يعاقبوا بزيادة التكليف،
وإليه أشار ◌َّله بقوله: (لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ)، قال القاري: ثم لما رآه ◌َّو لا
ينزجر، ولا يقنع إلا بالجواب الصريح صرح به.
(فَقَالَ: لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ)، أي: فرضًا وتقديرًا، ولا يبعد أن يكون سكوته عليه
الصلاة والسلام؛ انتظارًا للوحي أو الإلهام. وقال السندي: وهذا بظاهره يقتضي
أن أمر افتراض الحج كل عامٍ كان مفوضًا إليه حتى لو قال: نعم لحصل وليس
بمستبعد؛ إذ يجوز أن يأمر الله تعالى بالإطلاق، ويفوض أمر التقييد إلى الذي
فوض إليه البيان، فهو إن أراد أن يبقيه على الإطلاق يبقيه عليه، وإن أراد أن يقيده
بكل عام يقيده به، ثم فيه إشارة: إلى كراهة السؤال في النصوص المطلقة
والتفتيش عن قيودها، بل ينبغي العمل على إطلاقها حتى يظهر فيها قيد، وقد جاء
القرآن موافقًا لهذه الكراهة. انتهى.
وقال الحافظ: استدل به على أن النبي وَلّ كان له أن يجتهد في الأحكام لقوله:
((لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ))، ولا يشترط في حكمه أن يكون بوحي، وأجاب من منع
باحتمال أن يكون أوحي إليه ذلك في الحال. ((لَوَجَبَتْ))، أي: هذه العبادة أو
فريضة الحج المدلول عليها بقوله فرض، أو الحجة كل عام أو حجج كثيرة على
كل أحد.
(وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ)، أي: وما قدرتم كلكم إتيان الحج في كل عام ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ

٣١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ese nces *
نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ١٨٦]. (ذَرُونِي)، وفي رواية البخاري: ((دَعُونِي))، قال
السندي: أي: اتركوني من السؤال عن القيود في المطلقات. قال في ((القاموس)):
ذره، أي: دعه، يذره تركًا ولا تقل وذرًا وأصله وذره يذره كوسعه يسعه لكن ما
نطقوا بماضيه ولا بمصدره ولا باسم الفاعل، أو قيل: وذرته شاذًّا. (مَا تَرَكْتُكُمْ)،
أي: لأني مبعوث لبيان الشرائع وتبليغ الأحكام، فما كان مشروعًا أبينه لكم لا
محالة ولا حاجة إلى السؤال.
قال السندي: ((ما)) مصدرية ظرفية، أي: مدة تركي إياكم عن التكليف بالقيود
فيها، وليس المراد: لا تطلبوا مني العلم ما دام لا أبين لكم بنفسي. انتهى. وقال
الحافظ: قوله: ((مَا تَرَكْتُكُمْ))، أي: مدة تركي إياكم بغير أمر بشيء ولا نهي عن
شيء، وإنما غاير بين اللفظين؛ لأنهم أماتوا الماضي واسم الفاعل منهما واسم
مفعولهما وأثبتوا الفعل المضارع وهو يذر، وفعل الأمر وهو ذر ومثله دع ويدع
ولكن سمع ((ودع)) كما قرئ به في الشاذ في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى
[الضحى: ٣]. وقال الشاعر:
٣
فَرَائِسَ أَطْرَافِ الْمُقَّفَةِ السُّمْرِ
وَنَحْنُ وَدْعْنَا آلَ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ
ويحتمل أن يكون ذكر ذلك على سبيل التفنن في العبارة وإلا لقال: اتركوني.
قال: والمراد بهذا الأمر: ترك السؤال عن شيء لم يقع خشية أن ينزل به وجوبه أو
تحريمه، وعن كثرة السؤال لما فيه غالبًا من التعنت وخشية أن تقع الإجابة بأمر
يستثقل، فقد يؤدي لترك الامتثال فتقع المخالفة. قال ابن فرج: معنى قوله:
(ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ): لا تكثروا من الاستفسار عن المواضع التي تكون مفيدة لوجه
ما ظهر ولو كانت صالحة لغيره، كما أن قوله: (حُجُّوا)، وإن كان صالحًا للتكرار،
فينبغي أن يكتفي بما يصدق عليه اللفظ وهو المرة، فإن الأصل عدم الزيادة ولا
تكثروا التنقيب عن ذلك؛ لأنه قد يفضي إلى مثل ما وقع لبني إسرائيل؛ إذ أمروا أن
يذبحوا البقرة فلو ذبحوا أي بقرة كانت لا متثلوا ولكنهم شددوا فشدد عليهم وبهذا
تظهر مناسبة قوله: ((فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ))، بقوله: ((ذَرُونِي مَا
تَرَكْتُكُمْ)).
قال النووي: وهو دليل على أن لا حكم قبل ورود الشرع، وأن الأصل في

٣١١
كِتَابُ المُنَاسِكِ
الأشياء عدم الوجوب، وهذا هو الصحيح عند محققي الأصوليين. (فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ
كَانَ قَبْلَكُمْ)، أي: من اليهود والنصارى. (بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ) كسؤال الرؤية والكلام
وقضية البقرة. قال الأبي: وفيه: مرجوحية كثرة السؤال، ومنه ما اتفق لأسد بن
الفرات مع مالك حين أكثر السؤال بقوله: فإن كان كذا، فإن كان كذا؟ فقال له
مالك: هذه سلسلة بنت أخرى، إن أردت هذا فعليك بأهل العراق، إلا أن يقال: لا
يلزم من المنع هنا المنع في غيره لما أشار إليه ◌َّله من أنه في مقام التشريع فخاف
الافتراض فيما يشق ولا يقدر عليه. انتهى.
وقال الحافظ: استدل به على النهي عن كثرة المسائل والتعمق في ذلك. قال
البغوي في ((شرح السنة)): المسائل على وجهين:
أحدهما: ما كان على وجه التعليم لما يحتاج إليه من أمر الدين، فهو جائز بل
مأمور به لقوله تعالى: ﴿فَسْئَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ الآية [النحل: ٢١] و[والأنبياء: ٦]، وعلى ذلك
تنزل أسئلة الصحابة عن الأنفال والكلالة وغيرهما .
ثانيهما: ما كان على وجه التعنت والتكلف، وهو المراد في هذا الحديث والله
أعلم. ويؤيده ورود الزجر في الحديث عن ذلك وذم السلف، فعند أحمد من
حديث معاوية: أن النبي وّل نهى عن الأغلوطات. قال الأوزاعي: هي شداد
المسائل، وقال الأوزاعي أيضًا: إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على
لسانه المغاليط، فلقد رأيتهم أقل الناس علمًا. وقال ابن وهب: سمعت مالكًا
يقول: المراء في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل. وقال ابن العربي: كان
النهي عن السؤال في العهد النبوي خشية أن ينزل ما يشق عليهم، فأما بعد، فقد
أمن ذلك لكن أكثر النقل عن السلف بكراهة الكلام في المسائل التي لم تقع. قال:
وإنه لمكروه إن لم يكن حرامًا إلا للعلماء، فإنهم فرعوا ومهدوا، فنفع الله من
بعدهم بذلك ولا سيما مع ذهاب العلماء ودروس العلم. انتهى ملخصًا. وينبغي أن
يكون محل الكراهة للعالم إذا شغله ذلك عما هو أهم منه وكان ينبغي تلخيص ما
يكثر وقوعه مجردًا عما يندر، ولا سيَّما في المختصرات ليسهل تناوله، والله
المستعان. انتهى كلام الحافظ .
(وَاخْتِلَافِهِمْ) عطف على كثرة السؤال لا السؤال؛ إذ الاختلاف وإن قل يؤدي

٣١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
إلى الهلاك، ويحتمل أنه عطف على سؤالهم هو إخبار عمن تقدم بأنه كثر اختلافهم
في الواقع، فأداهم إلى الهلاك وهو لا ينافي أن القليل من الاختلاف مؤد إلى
الفساد، قاله السندي. (عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ)، يعني: إذا أمرهم الأنبياء بعد السؤال، أو
قبله اختلفوا عليهم، فهلكوا واستحقوا الإهلاك. قال الأبي: قوله: (وَاخْتِلَافِهِمْ
عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ)، هو زيادة على ما وقع، فإن الذي وقع إنما هو إلحاح في السؤال لا
الاختلاف .
(فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ)، أي: من الفرائض، وفي رواية: ((بِأَمْرِ))، (فَأَتُوا مِنْهُ مَا
اسْتَطَعْتُمْ)، أي: افعلوا قدر استطاعتكم. قال السندي: يريد أن الأمر المطلق لا
يقتضي دوام الفعل، وإنما يقتضي جنس المأمور به وأنه طاعة مطلوبة ينبغي أن يأتي
كل إنسان منه على قدر طاقته، وأمَّا النهي فيقتضي دوام الترك. انتهى. وقال في
((اللمعات)): قوله: (فَأَتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) يجوز أن يكون تأكيدًا ومبالغة في إتيان ما
أمر به وبذل الطاقة فيه، وأن يكون إشارة إلى التيسير ورفع الحرج كما في الصلاة
وأركانها وشرائطها إذا عجز عن بعضها أتى بما استطاع، وهذا الأمر، وأمَّا في
النهي، فينبغي أن يحتاط في تركه ويبذل المجهود بالغًا ما بلغ.
وقال النووي: هذا من قواعد الإسلام المهمة، ومن جوامع الكلم التي أعطيها
وَلّ ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها، فإذا عجز عن بعض
أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو
الغسل غسل الممكن، وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته، أو لغسل
النجاسة فعل الممكن، وأشباه هذا غير منحصرة، وأما قوله: (وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ
شَيْءٍ فَدَعُوهُ)، فهو على إطلاقه، فإن وجد عذر يبيحه كأكل الميتة عند الضرورة،
أو شرب الخمر عند الإكراه، أو التلفظ بكلمة الكفر إذا أكره ونحو ذلك، فهذا ليس
منهيًّا عنه في هذا الحال. قال: وهذا الحديث موافق لقول الله تعالى: ﴿فَنَّقُواْ اللَّهَ مَا
اُسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وأمّا قوله تعالى: ﴿حَقَّ تُقَائِهِ﴾ ففيها مذهبان:
أحدهما: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ .
والثاني: وهو الصحيح أو الصواب، وبه جزم المحققون: أنها ليست منسوخة
بل قوله تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ مفسرة لها ومبينة للمراد بها. قالوا: و﴿حَقَّ

٣١٣
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
تُقَائِهِ﴾ هو امتثال أمره واجتناب نهيه، أي: مع القدرة لا مع العجز، ولم يأمر الله
تعالى إلا بالمستطاع. قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]،
انتھی .
قال الحافظ: في الحديث إشارة إلى الاشتغال بالأهم المحتاج إليه عاجلًا عمَّا لا
يحتاج إليه في الحال، فكأنه قال: عليكم بفعل الأوامر واجتناب النواهي، فاجعلوا
اشتغالكم بها عوضًا عن الاشتغال بالسؤال عمَّا لم يقع، فينبغي للمسلم أن يبحث
عمّا جاء عن الله ورسوله ثم يجتهد في تفهم ذلك والوقوف على المراد به ثم
يتشاغل بالعمل به، فإن كان من العلميات يتشاغل بتصديقه واعتقاد حقيته، وإن
كان من العمليات بذل وسعه في القيام به فعلًا وتركًا، فإن وجد وقتًا زائدًا على
ذلك، فلا بأس أن يصرفه في الاشتغال بتعرف حكم ما سيقع على قصد العمل به إن
لو وقع، فأما إن كانت الهمة مصروفة عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد
تقع وقد لا تقع مع الإعراض عن القيام بمقتضى ما سمع، فإن هذا مما يدخل في
النهي فالتفقه في الدين إنما يحمد إذا كان للعمل لا للمراء والجدل وسيأتي بسط
ذلك قريبًا، أي: في باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه من كتاب
الاعتصام، انتهى.
(وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ)، أي: من المحرمات. (فَدَعُوهُ)، أي: اتركوه كله، قال
الحافظ: استدل بهذا الحديث على أن اعتناء الشرع بالمنهيات فوق اعتنائه
بالمأمورات؛ لأنه أطلق الاجتناب في المنهيات، ولو مع المشقة في الترك، وقيد
في المأمورات بقدر الطاقة، وهذا منقول عن الإِمام أحمد. فإن قيل: إن الاستطاعة
معتبرة في النهي أيضًا إذا لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا، فجوابه أن الاستطاعة تطلق
باعتبارين كذا قيل. والذي يظهر أن التقييد في الأمر بالاستطاعة لا يدل على
المدعي من الاعتناء به بل هو من جهة الكف؛ إذ كل أحد قادر على الكف لولا
داعية الشهوة مثلًا، فلا يتصور عدم الاستطاعة عن الكف، بل كل مكلف قادر على
الترك بخلاف الفعل، فإن العجز عن تعاطيه محسوس، فمن ثم قيد في الأمر
بالاستطاعة دون النهي، وادعى بعضهم أن قوله تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اُسْتَطَعْتُمْ﴾
[التغابن: ١٦] يتناول امتثال المأمور واجتناب المنهي، وقد قيد بالاستطاعة واستويا
فحينئذٍ يكون الحكمة في تقييد الحديث بالاستطاعة في جانب الأمر دون النهي أن
العجز يكثر تصوره في الأمر بخلاف النهي، فإن تصور العجز فيه محصور في

BINt
٣١٤
eser
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
EX
ce
الاضطرار، انتهى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الحج من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة،
وكذا النسائي، وأحمد، وابن حبان، والطبري، والبيهقي (ج٤: ص٣٢٦)،
والدار قطني، وفي الباب عن ابن عباس، وسيأتي في الفصل الثاني، وعن علي عند
الترمذي، وعن أبي أمامة عند الطبري، وعن أنس عند ابن ماجه، والحديث رواه
البخاري من طريق آخر مختصرًا. أي: من غير ذكر السبب في باب الاقتداء بسنن
رسول اللَّه وَ له من كتاب الاعتصام، ومسلم أيضًا في الفضائل، وأحمد (ج٢:
ص٣١٢)، والترمذي في العلم، وابن ماجه في السنة.
٢٥٣٠ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللّهِ وَله: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟
قَالَ: ((إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ))، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)،
قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ((حَجّ مَبْرُورٌ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٥٣٠ - قوله: (سُئِلَ) بالبناء للمفعول، أبهم السائل وهو أبو ذر الغفاري
وحديثه في العتق عند البخاري. (أَيُّ الْعَمَلِ)، وفي رواية: أُّ الأعمال. وهو مبتدأ
خبره. (أَفْضَلُ)، أي: أكثر ثوابًا عند الله تعالى. (قَالَ)، أي: رسول اللَّه وَّ هو.
(إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ) نكر الإيمان ليشعر بالتعظيم والتفخيم، أي: التصديق
المقارن بالإخلاص المستتبع للأعمال الصالحة، قال النووي: فيه: تصريح بأن
العمل يطلق على الإيمان والمراد به والله أعلم: الإيمان الذي يدخل به في ملة
الإسلام وهو التصديق بقلبه والنطق بالشهادتين، فالتصديق عمل القلب والنطق
عمل اللسان، ولا يدخل في الإيمان هنا الأعمال بسائر الجوارح، كالصوم،
والصلاة، والحج، والجهاد وغيرها؛ لكونه جعل قسيمًا للجهاد والحج،
ولقوله ◌ََّ: ((إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ))، ولا يقال هذا في الأعمال، ولا يمنع من تسمية
الأعمال المذكورة إيمانًا فقد قدمنا دلائله. انتهى.
(قِيلَ) القائل هو السائل في الأول. (ثُمَّ مَاذَا؟) كلمة ((ثم)) للعطف مع الترتيب
(٢٥٣٠) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٢٦)، ومُسْلِم (١٣٤٩/٤٣٧) فِي كِتَابِ الإِيمَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

٣١٥
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
الذكرى، و(مَا) مبتدأ و(ذَا) خبره والمعنى ثم أُّ شيء أفضل بعد الإيمان بالله
ورسوله؟ (قَالَ: الْجِهَادُ فِي سِبيلِ اللهِ)، أي: قتال الكفار لإعلاء كلمة الله.
(قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟) أفضل. (قَالَ: حَجِّ مَبْرُورٌ)، أي: مقبول من البر وهو القبول
ومن علامات القبول أن يزداد بعده خيرًا، أي: يكون حاله بعد الرجوع خيرًا مما
قبله ولا يعاود المعاصي، وهو مفعول من بر المتعدي يقال: بَرَّ اللّه حجَّه، أي:
قبله ويبنى للمفعول. فيقال: بَرَّ حجَّه فهو مبرور ويستعمل لازمًا. فيقال: برَّ حجه،
ويقال أيضًا: أبرَّ اللَّه حجَّه إبرارًا. قال الجزري: يقال: برَّ حجه وبرَّ حجه، وبرَّ اللَّه
حجه، وأبره بِرًّا بالكسر في الجميع وإبرارًا. وقيل: المبرور المقابل بالبر وهو
الثواب، وقيل: هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة. وقيل: الذي لا يعقبه معصية،
وقيل: هو الذي لا يخالطه شيء من المأثم مأخوذ من البر وهو الطاعة، ومنه برت
يمينه؛ إذا سلم من الحنث، وبر بيعه؛ إذا سلم من الخداع ورجح هذا المعنى
النووي. وقال القرطبي: الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي أنه
الحج الذي وفيت أحكامه فوقع موقعًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل،
ولأحمد والحاكم من حديث جابر قالوا: يا رسول الله ما بر الحج؟ قال: ((إِطْعَامُ
الطَّعَام وَإِفْشَاءُ السَّلام))، قال في ((الفتح)): وفي إسناده ضعف، ولو ثبت كان هو
المتعين دون غيره. انتهى. قلت: حديث جابر هذا قال الحاكم: إنه صحيح الإسناد
ولم يخرجاه؛ لأنه لم يحتجا بأيوب بن سويد لكنه حديث له شواهد كثيرة. وقال
الذهبي في ((تلخيصه)): صحيح. وحسن سنده المنذري في ((الترغيب))، والهيثمي
في ((مجمع الزوائد))، ولفظ الطبراني: ((إِطْعَامُ الطَّعَام وَطِيبُ الْكَلَام))، قيل: المراد
أن هذه الخصال من علامات الحج المبرور وليست علاماته قاصرة على هذه.
والظاهر: أنه ◌َّيّ أجاب السائل بذلك؛ لكونه رأى منه التقصير في هذه
الخصال؛ لأنه وَ لّ كان يجيب كل إنسان على حسب حاله، ثم إنه عرف الجهاد
باللام دون الإيمان والحج؛ لأن المعرف بلام الجنس كالنكرة في المعنى، فيوافق
تنكير قسيميه. وقيل: لأن الإيمان والحج لا يتكرر وجوبهما، فناسبهما التنكير؛
ليدل على الإفراد الشخصي بخلاف الجهاد، فإنه قد يتكرر فعرف والتعريف
للكمال؛ إذ الجهاد لو أتى به مرة مع الاحتياج إلى التكرار لما كان أفضل كذا قيل.
وقد تعقبه الحافظ في ((الفتح)) واعترضه العيني حسب عادته بما لا طائل تحته.

#
٣١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
=*
قال الحافظ: وقع في ((مسند الحارث بن أبي أسامة)): (ثُمَّ جِهَادٌ))، أي:
بالتنكير، فقد ظهر من هذه الرواية أن التنكير والتعريف فيه من تصرف الرواة؛ لأن
مخرجه واحد، فالإطالة في طلب الفرق في مثل هذا غير طائلة، ثم إنه قدم الجهاد
على الحج مع أنه فرض كفاية، والحج فرض عين وذلك لأنه كان أول الإسلام
ومحاربة أعدائه والجد في إظهاره، وقيل: هو محمول على الجهاد في وقت
الزحف الملجئ والنفير العام، فإنه حينئذ يجب الجهاد على الجميع. وإذا كان
هكذا، فالجهاد أولی بالتحريض والتقدیم من الحج؛ لأنه یکون حينئذٍ فرض عین؛
ووقوعه فرض عين إذ ذاك متكرر فكان أهم منه. وقيل: قدم؛ لأن نفع الجهاد متعد
لما فيه من المصلحة العامة للمسلمين مع بذل النفس فيه بخلاف الحج فيهما؛ لأن
نفعه قاصر ولا يكون فيه بذل النفس. وقيل: (ثُمَّ) ها هنا للترتيب في الذكر كقوله
تعالى: ﴿ثُقَ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البلد: ١٧]، فإنه من المعلوم أنه ليس المراد ها هنا
الترتيب في الفعل، وفي الحديث دليل على أن الإيمان بالله ورسوله أفضل من
الجهاد والجهاد أفضل من الحج.
وقد اختلفت الأحاديث المشتملة على بيان فاضل الأعمال من مفضولها، فتارة
تجعل الأفضل الإيمان، كما في الحديث الذي نحن في شرحه، وتارة: الصلاة
لوقتها كما في حديث ابن مسعود، وتارة: إطعام الطعام وقراءة السلام كما في
حديث ابن عمرو، وتارة: السلامة من اليد واللسان كما في حديث أبي موسى،
وتارة: الجهاد كما في حديث أبي سعيد، وتارة: ذكر اللَّه كما في حديث أبي
الدرداء، وتارة: غير ذلك، واستشكلت للمعارضة الظاهرة، أي: تباين الأجوبة
واختلافها مع اتحاد السؤال.
وأجيب: بأنه ◌َّل سئل عن المفاضلة في الأعمال عدة مرات، وكان يجيب على
ذلك بما يناسب المقام والوقت ويصلح لحال السائل والمخاطب، فإن لكل إنسان
عملًا يصلح له ولا ينجح إلا به، فينبغي توقيفه على ما خفى عليه وتوجيهه إليه،
وكذلك الوقت يختلف، فوقت تكون الصدقة أفضل من غيرها كوقت المجاعات
والحاجة، وتارة: يكون الجهاد أفضل من غيره كوقت الزحف الملجئ والنفير
العام، وتارة: يكون طلب العلم الشرعي أنفع للحاجة إليه والانصراف عنه،

٣١٧
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
EX2036
وكذلك وظائف اليوم والليلة، فساعة يكون الاستغفار والتوبة والدعاء أولى من
القراءة، وساعة أخرى تكون الصلاة وهكذا.
وقال الشاه ولي اللَّه الدهلوي في ((حجة اللَّه)) (ج٢: ص٤٣): الفضل يختلف
باختلاف الاعتبار والمقصود هنا، أي: في حديث أبي هريرة الذي نحن في شرحه
بيان الفضل باعتبار تنويه دين الله وظهور شعائر الله، وليس بهذا الاعتبار بعد
الإِيمان كالجهاد والحج، انتهى. وقال القفال الشافعي الكبير: إن ذلك اختلاف
جواب جرى على حسب اختلاف الأحوال والأشخاص، فإنه قد يقال : خير الأشياء
كذا. ولا يراد به خير جميع الأشياء من جميع الوجوه والحيثيات والاعتبارات،
وفي جميع الأحوال والأوقات ولجميع الأشخاص والأفراد بل في حال دون حال
ولواحد دون واحد ومن وجه دون وجه، وفي وقت دون وقت.
قال: ويجوز أن يكون المراد: من أفضل الأعمال كذا، أو من خيرها، أو من
خيركم من فعل كذا، فحذفت ((من)) وهي مرادة كما يقال: فلان أعقل الناس
وأفضلهم، ويراد: أنه من أعقلهم وأفضلهم. ومن ذلك قول رسول اللّه وَل:
((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ))، ومعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس مطلقًا .
قال النووي: وعلى هذا الجواب يكون الإيمان أفضلها مطلقًا، والباقيات
متساويات في كونها من أفضل الأعمال والأحوال، ويعرف فضل بعضها على
بعض بدلائل تدل عليها، وتختلف باختلاف الأحوال والأشخاص. انتهى. وقد
تقدم شيء من الكلام في هذا في الفصل الثاني من باب الذكر، وإن شئت مزيد
التفصيل، فارجع إلى ((شرح عمدة الأحكام)) (ج١: ص١٣٢)، و((فتح الملهم شرح
صحیح مسلم)) (ج١ : ص٢١٤، ٢١٥).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) رواه البخاري في الإيمان، والحج، ومسلم في الإيمان، وأخرجه
أيضًا أحمد (ج٢: ص٢٦٤، ٢٦٨، ٢٦٩، ٢٨٧)، والترمذي في فضائل الجهاد،
والنسائي في الحج، والبيهقي (ج٥ : ص ٢٦٢) وأخرج أيضًا بنحوه ابن خزيمة،
وابن حبان في ((صحيحيهما)) والطيالسي.

٣١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٥٣١ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((مَنْ حَجَّ للَّهِ، فَلَمْ يَرْفُتْ
وَلَمْ يَفْسُقْ؛ رَجَعَ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٥٣١ - قوله: (مَنْ حَجَّ للهِ)، أي: لابتغاء وجه الله تعالى، والمراد:
الإِخلاص، وفي رواية للبخاري: ((مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ))، أي: قصد البيت الحرام
لحج أو عمرة، ولمسلم في رواية: ((مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ))، قال الحافظ: وهو أعم من
قوله: (مَنْ حَجَّ)، يعني: أنه يشمل الحج والعمرة، ويجوز حمل لفظ حج على ما
هو أعم من الحج والعمرة، فتساوي رواية: ((مَنْ أَتَى)) من حيث أن الغالب أن إتيانه
إنما هو للحج والعمرة، وللدار قطني (ص٢٨٢) بسند فيه ضعف: ((مَنْ حَجَّ أَوِ
اعْتَمَرَ )) .
(فَلَمْ يَرْفُثْ) بتثليث الفاء والضم المشهور في الرواية واللغة. قال الحافظ: فاء
الرفث مثلثة في الماضي والمضارع، والأفصح الفتح في الماضي والضم في
المستقبل، قال: والرفث: الجماع ويطلق على التعريض به وعلى الفحش من
القول. وقال الأزهري: الرفث: اسم جامع لكل ما يريده الرجل من المرأة، وكان
ابن عمر يخصه بما خوطب به النساء. وقال عياض: هذا من قول الله تعالى: ﴿فَلَ
رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٣]، والجمهور: على أن المراد به في الآية: الجماع.
انتهى. والذي يظهر أن المراد به في الحديث: ما هو أعم من ذلك وإليه نحا
القرطبي وهو المراد بقوله في الصيام: ((فَإِذَا كَانَ صَوْمُ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُتْ))، انتهى.
قلت: روى البغوي في ((شرح السنة)): عن ابن عباس أنه أنشد شعرًا فيه ذكر
الجماع، فقيل: أتقول الرفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما وُوجه، أي:
روجع وخوطب به النساء، فكأنه يرى الرفث المنهي عنه في الآية ما خوطب به
المرأة دون ما يتكلم به من غير أن تسمع المرأة. وقال سعيد بن جبير: في قوله
تعالى: ﴿فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى الْحَجْ﴾ [البقرة: ١٩٣]، الرفث: إتيان النساء،
(٢٥٣١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٥٢١)، ومُسْلِم (٤٣٨/ ١٣٥٠) فِي الحَجِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

٣١٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
والفسوق السباب، والجدال: المراء، يعني: مع الرفقاء والمكارين. (وَلَمْ يَفْسُقْ)
بضم السين، أي: لم يأت بسيئة ولا معصية. وقيل: أي: لم يخرج عن حدود
الشرع وأصله انفسقت الرطبة؛ إذا خرجت فسمي الخارج عن الطاعة فاسقًا.
قال في ((القاموس)): الفسق بالكسر: الترك لأمر الله تعالى، والعصيان
والخروج عن طريق الحق أو الفجور كالفسوق، فسق كنصر وضرب وكرم فسقًا
وفسوقًا. وإنه لفسق خروج عن الحق، وفسق؛ جار، وعن أمر ربه، خرج،
والرطبة عن قشرها؛ خرجت كانفسقت، قيل: ومنه الفاسق لانسلاخه عن الخير
والفويسقة الفارة لخروجها من جحرها على الناس، انتهى. والفاء في قوله: (فَلَمْ)
والواو في قوله: (وَلَمْ) عطف على الشرط في قوله: (مَنْ حَجَّ) وجوابه قوله:
(رَجَعَ)، أي: صار أو رجع من ذنوبه، أو حجته، أو فرغ من أعمال الحج وحمله
على معنى رجع إلى بيته بعيد، وقوله: (كَيَوم وَلَدَتْهُ أَمُّهُ) خبر على الأول وحال على
الوجهين الأخيرين بتأويل مشابهًا في البراءةَ من الذنوب لنفسه في يوم ولدته أمه
فيه؛ إذ لا معنى لتشبيه الشخص باليوم، أو المعنى مشابهًا يومه بيوم ولادته في
خلوه من الذنوب.
وقوله: (كَيَوْم) يحتمل الإعراب، أي: كسر الميم والبناء على الفتح والإضافة
لقوله: (وَلَدَتْهُ أَمَّهُ)، وهو المختار في مثل هذا؛ لأن صدر الجملة المضاف إليها
مبني. وفي رواية للبخاري، ومسلم: ((كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ))، وفي رواية أحمد (ج٢ :
ص٢٢٩)، والدار قطني (ص٢٨٢): ((كَھَيْتَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أَمُّهُ))، وظاهر الحديث:
غفران الصغائر والكبائر والتبعات، وهو من أقوى الشواهد لحديث العباس بن
مرداس الآتي المصرح بذلك وله شاهد من حديث ابن عمر في ((تفسير الطبري))،
وإليه ذهب القرطبي وعياض، لكن قال الطبري: وهو محمول بالنسبة إلى المظالم
على من تاب وعجز عن وفائها .
قال الحافظ: وذكر لنا بعض الناس أن الطيبي أفاد أن الحديث، إنما لم يذكر فيه
الجدال كما ذكر في الآية على طريق الاكتفاء بذكر البعض وترك ما دل عليه ما
ذكر. ويحتمل أن يقال: إن ذلك يختلف بالقصد؛ لأن وجوده لا يؤثر في ترك
مغفرة ذنوب الحاج، إذا كان المراد به: المجادلة في أحكام الحج لما يظهر من