Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الفصل الثانى
٢٥١٢ - [٧] عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَدْعُو يَقُولُ: ((رَبِّ
أَعِنِّي ، وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَاَنَّصُزْنِي، وَلَّا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي، وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ،
وَاهْدِنِي وَيَسِّرِّ الْهُدَى لِي، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ
شَاكِرًا، لَكَ ذَاكِرًا، لَكَ رَاهِبًّا، لَكَ مِطْوَاعًا، لَكَ مُخْبِتًا، إِلَّيْكَ أَوَّاهًّا مُنِيبًا، رَبِّ
تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي، وَأَجِبْ دَعْوَتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي،
وَاهْدِ قَلْبِي، وَاسْلُلْ سَخِيْمَةَ صَدْرِي)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ]
الشرح
٢٥١٢ - قوله: (يَقُولُ) بدل، أو حال. (رَبِّ أَعِنِّي) من الإعانة، أي: على
أعدائي في الدين والدنيا من النفس والشيطان، والجن والإنس. (وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ)،
أي: أحدًا منهم. (وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ) أحدًا من خلقك، أي: لا تسلطهم
عليَّ. (وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ) بضم الكاف فيهما، أي: أَعِنِّي على أعدائي بإيقاع
المكر منك عليهم لا عليَّ. قال الطيبي: المكر الخداع، وهو من اللّه إيقاع بلائه
بأعدائه من حيث لا يشعرون، وقد يكون مكر الله باستدارجه بطول العمر وحسن
الصحة وبظاهر النعمة، وقد يكون باستدراج العبد بالطاعات فيتوهم أنها مقبولة،
وهي مردودة بما وقع فيها من الرياء والسمعة.
والحاصل: ألْحِقْ مكرك بأعدائي لا بِيَ. وقال ابن الملك: المكر: الحيلة
والفكر في دفع عدو بحيث لا يشعر به العدو، فالمعنى: اللَّهُمَّ اهدني إلى طريق دفع
أعدائي عني، ولا تَهْدِ عدوِّي إلى طريق دفعه إياي عن نفسه. (وَاهْدِنِي)، أي: دلني
على الخيرات والمبرات. (وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي)، أي: وسهل اتباع الهداية، أو طرق
الدلالة لي حتى لا أستثقل الطاعة، ولا أشتغل عن الطاعة. (وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى
عَلَيَّ)، أي: ظلمني وتعدى عليّ.
(٢٥١٢) أَبُو دَاوُد (١٥١٠) فِي الصلَاةِ، وَالتِّرْمِذِي (٣٥٥١)، وَابن مَاجَهْ (٣٨٣٠) فِي الدَّعَوَاتِ
وَالَّسَائِي في ((الكبرى)) (١٠٤٤٣) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
٢٤١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
(رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَاكِرًا)، أي: لا لغيرك. (لَكَ ذَاكِرًا)، أي: لا لمن سواك.
(لَكَ رَاهِبًا)، أي: خائفًا منك خاصة في السراء والضراء، فتقديم الجار والمجرور
للاهتمام والاختصاص، أو لتحقيق مقام الإخلاص، وهذا لفظ أبي داود.
ولأحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وابن أبي شيبة،
والبغوي: (لَكَ ذَكَّارًا، لَكَ شَكَّارًا، لَكَ رَهَّابًا))، أي: على وزن فَعَّال بصيغة المبالغة
في المواضع الثلاثة، أي: كثير الذكر لك في الأوقات والآناء، كثير الشكر على
النعماء والآلاء، كثير الخوف والرهبة من المعصية ومن الغضب والسخط، أو
جامعًا لشكر القلب وشكر العمل وشكر اللسان، وشكر القلب أن تعلم أن كل نعمة
عليك فهي من الله، وأن تلتذ بكونها من اللَّه، وشكر العمل أن تجعل النعمة في
محلها كما أمر الله، وشكر اللسان التلفظ بحمده بعد هذا والعلم والعمل.
(لَكَ مِطْوَاعًا) بكسر الميم، مفعال للمبالغة، أي: كثير الطوع، وهو الانقياد
والطاعة، يعني: كثير الطاعة لأمرك، والانقياد إلى قبول أوامرك ونواهيك، وفي
رواية ابن ماجه، وابن أبي شيبة: ((مُطِيعًا)) من الإطاعة، أي: منقادًا. (لَكَ مُخْبِتًا)
من الإخبات، وهو الخشوع والتواضع والخضوع، أي: اجعلني لك خاشعًا
خاضعًا متواضعًا، قال في ((القاموس)): أخبت: خشع. وقيل: من الخبت بفتح
فسكون وهو المطمئن من الأرض، يقال: أخبت الرجل قصد الخبت، أو نزله نحو
أسهل، ثم استعمل الخبت استعمال اللين والتواضع، قال الله تعالى: ﴿وَأَخْبَتُواْ إِلَى
رَيِّهِمْ﴾ [هود: ٢٣]، أي: اطمأنوا وسكنت نفوسهم إلى أمره، فالمخبت هو المتواضع
الذي اطمأن قلبه إلى ذكر ربه وأقيم اللام مقام ﴿إِلَى﴾؛ لتفيد الاختصاص، قال
تعالى: ﴿وَبَشْرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية [الحج: ٣٥].
وفي رواية البغوي: ((إِلَيْكَ مُخْبِتًا)).
(إِلَيْك) وللبغوي: (لَكَ)) مكان ((إِلَيْكَ))، (أَوَّاهًا) بتشديد الواو، أي: كثير التأوه
من الذنوب وهو التضرع، وقيل: كثير الدعاء، وقيل: كثير البكاء. وقال القاري:
أي: متضرعًا، فعال للمبالغة من أوه تَأْوِيهًا وتَأَوَّهَ تَأَوُّهًا إذا قال: أوه، أي: قائلًا
لفظ أوه، وهو صوت الحزين، أي: اجعلني حزينًا ومتفجعًا على التفريط، أو هو
قول النادم من معصيته المقصر في طاعته، وقيل: الأواه البَكَّاءُ.
٢٤٢
accit
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مُنِيبًا) من الإنابة، أي: راجعًا إليك في أموري كلها، وقيل: التوبة رجوع من
المعصية إلى الطاعة، والإنابة من الغفلة إلى الذكر والفكرة، والأوبة من الغيبة
إلى الحضور والمشاهدة. قال الطيبي: وإنما اكتفى في قوله: ((أَوَّاهًا مُنِيبًا)) بصلة
واحدة، لكون الإنابة لازمة للتأوه ورديفًا له، فكأنه شيء واحد، ومنه قوله تعالى:
[هود: ٧٥]. (رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي) بجعلها صحيحة
﴿إِنَّ إِبْزَهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَوَّةٌ مُنِيبٌ
بشرائطها واستجماع آدابها، فإنها لا تتخلف عن حيز القبول، قال تعالى: ﴿وَهُوَ
الَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ،﴾ [الشورى: ٢٥].
(وَاغْسِلْ حَوْبَتِي) بفتح الحاء وتضم، أي: امْحُ ذنبي، وأزل خطيئتي وإثمي.
قيل: هي مصدر حبت بكذا، أي: أثمت، تحوب حوبة وحوبًا وحبابة والجواب
بالضم، والحاب الإثم سمي بذلك؛ لكونه مزجورًا عنه؛ إذ الحوب في الأصل
الزجر الإبل، وذكر المصدر دون الإثم وهو الحوب؛ لأن الاستبراء من فعل الذنب
أبلغ منه من نفس الذنب، كذا قيل، ويمكن أن يكون مراعاة للسجع، ثم ذكر
الغسل ليفيد إزالته بالكلية بحيث لا يبقى منه أثر، والتنزة والتفصي عنه كالتنزه عن
القذر الذي يستنكف عن مجاورته.
(وَأَجِبْ دَعْوَتِي)، أي: دعائي. (وَثَبِّتْ حُجَّتِي)، أي: على أعدائك في الدنيا
والعقبى، أو ثبت قولي وتصديقي في الدنيا، وعن جواب الملكين في القبر،
وقيل: أي: قَوِّ إيماني بك وثبتني على الصواب عند السؤال. (وَسَدِّدْ لِسَانِي)، أي:
صوبه وقومه حتى لا ينطق إلا بالصدق، ولا يتكلم إلا بالحق. (وَاهْدِ قَلْبِي)، أي:
إلى الصراط المستقيم، وقيل: أي: إلى معرفة ربي، وقيل: أي: إلى درك الحقائق
الشرعية. (وَاسْلُلْ) بضم اللام الأولى، أي: أخْرِجْ وأَنْزِعْ، من سل السيف إذا
أخرجه من الغمد. (سَخِيمَةَ صَدْرِي)، بضم المهملة وكسر المعجمة، أي: غشه
وغله وحقده. قيل: السخيمة: الضغينة من السخمة وهو السواد، ومنه سخام
القدر، وإنما أضاف السخيمة إلى المصدر إضافة الشيء إلى محله، والمعنى :
أخرج من صدري وانزع عنه ما ينشأ منه ويسكن فيه، ويستولي عليه من مساوئ
الأخلاق، وفي رواية ابن حبان، والبغوي: (قَلْبِي)) بدل: (صَدْرِي)).
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في الدعوات. (وَأَبُو دَاوُدَ) في أواخر الصلاة. (وَابْنُ مَاجَهْ) في
٢٤٣
بَابُ جَامِع الدُّعَاءِ
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٢٢٧)، والبخاري في ((الأدب المفرد))
(ج٢: ص١١٨، ١١٩)، والنسائي في ((اليوم والليلة))، وابن حبان في (صحيحه))،
والحاكم (ج١: ص ٥٢٠)، وابن أبي شيبة، والبغوي (ج٥: ص١٧٥، ١٧٦)،
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وسكت عنه أبو داود، ونقل المنذري
كلام الترمذي وأقره. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
٢٥١٣ - [٨] وَعَنْ أَبِي بَكْرِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ
بَكَى، فَقَالَ: ((سَلُوا اللَّهَ الْعَقْوَ وَالْغَافِيَةَ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا
مِنَ الْعَافِيَةِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ الَتْرمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا] {صحيح}
الشرح
٢٥١٣ - قوله: (ثُمَّ بَکَی)، وفي رواية ابن حبان: ((فخنقته العبرة)» ثلاث
مرات. قيل: إنما بكى؛ لأنه علم وقوع أمته في الفتن، وغلبة الشهوة والحرص
على جمع المال، وتحصيل الجاه، فأمرهم بطلب العفو والعافية ليعصمهم من
الفتن. (سَلُوا اللهَ الْعَفْوَ)، أي: عن الذنوب، قال في ((النهاية)): العفو معناه:
التجاوز عن الذنب، وترك العقاب عليه، وأصله المحو والطمس. (وَالْعَافِيَةَ)، زاد
في رواية لأحمد، والحاكم، والبغوي: ((وَالْيَقِينَ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ))، قيل:
العافية هي السلامة في الدين من الفتنة، وفي البدن من الأسقام والمحنة.
قال في ((الصحاح)): عافاه الله وأعفاه بمعنى واحد، والاسم العافية وهي دفاع
اللَّه تعالى عن العبد، وتوضع موضع المصدر فيقال: عافاه عافية، فقوله: دفاع الله
عن العبد، يفيد أن العافية تشمل جميع ما يدفعه الله عن العبد من البلايا كائنة ما
كانت. وقال في ((النهاية)): العافية: أن تسلم من الأسقام والبلايا، وهذا يفيد
العموم كما أفاده كلام صاحب ((الصحاح))، وقال في ((القاموس)): والعافية دفاع الله
عن العبد، عافاه الله من المكروه معافاة وعافية وهب له العافية من العلل كأعفاه،
انتهى. وهكذا كلام سائر أئمة اللغة، وبهذا علم أن العافية هي دفاع الله عن العبد،
(٢٥١٣) التِّرْمِذِي (٣٥٥٨) فِي الدَّعَوَاتِ عِنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ رَْتَهُ، وَقَالَ: حَسنٌ غَرِيبٌ.
٢٤٤
ges
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وهذا الدفاع المضاف إلى الاسم الشريف يشمل كل نوع من أنواع البلايا والمحن،
فكل ما دفعه اللَّه عن العبد منها فهو عافية؛ ولهذا قال النبي ◌ََّ: (فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ
بَعْدَ الْيَقِينِ)، أي: الإيمان، وفي رواية لأحمد، وابن حبان: ((بَعْدَ كَلِمَةٍ
الإِخْلَاصِ».
(خَيْرًا مِنَ الْعَافِيَةِ)، قال الطيبي: وهي السلامة من الآفات، فيندرج فيها العفو،
انتهى. يعني: ولعموم معنى العافية الشاملة للعفو اكتفى بذكرها عنه، والتنصيص
عليه سابقًا للإيماء إلى أنه أهم أنواعها، قال الشوكاني: أمر النبي وَلّ أن يسأل
الإنسان ربه أن يرزقه العفو الذي هو العمدة في الفوز بدار المعاد، وبأن يرزقه
العافية التي هي العمدة في صلاح أمور الدنيا والسلامة من شرورها ومحنها، فكان
هذا الدعاء من الكلم الجوامع والفوائد النوافع، فعلى العبد أن يكثر من الدعاء
بالعافية، وقد أغنى عن التطويل في ذكر فوائدها ومنافعها ما ذكره رسول اللَّه وَائل.
في هذا الحديث، فإنها إذا كانت بحيث أنه لم يعط أحد بعد اليقين خيرًا منها، فقد
فاقت كل الخصال، وارتفعت درجتها كل خير، وقد ورد في حديث العباس عند.
أحمد، والبخاري في ((الأدب المفرد))، والترمذي، والطبراني ما يدل على أن
العافية تشمل أمور الدنيا والآخرة، وهو الظاهر من كلام أهل اللغة؛ لأن قولهم:
دفاع اللَّه عن العبد، غير مقيد بدفاعه عنه لأمور الدنيا فقط، بل يعم كل دفاع يتعلق
بالدنيا والآخرة.
قال: وفي أمره ◌َليل للعباس بالدعاء بالعافية بعد تكرير العباس سؤاله، بأن يعلمه
شيئًا يسأل الله به - دليلٌ جلي بأن الدعاء بالعافية لا يساويه شيء من الأدعية، وقد
كان رسول اللَّه ◌َله ينزل عمه العباس منزلة أبيه، ويرى له من الحق ما يراه الولد
لوالده، ففي تخصيصه بهذا الدعاء وقصره على مجرد الدعاء بالعافية، تحريك
لهمم الراغبين على ملازمته، وأن يجعلوه من أعظم ما يتوسلون به إلى ربهم،
ويستدفعون به في كل ما يهمهم، ثم كلمه وَّه بقوله: ((سَلِ اللهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ))، فكأن الدعاء من هذه الحیثیة قد صار عدة لدفع کل ضر وجلب كل خير .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٣، ٤،
٥، ٧، ٨، ٩، ١٠)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (ج٢: ص١٨٦)، والنسائي،
وابن حبان، والحاكم (ج١: ص٥٢٩)، والبغوي (ج٥: ص١٧٨)، وأبو بكر
٢٤٥
بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
المروزي في مسند أبي بكر الصديق. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ
إِسْنَادًا) تمييز عن الثاني، فإن الغرابة قد تكون في المتن وأخرى في الإسناد كما هو
مقرر في موضعه، وأمَّا الحسن فلا يكون إلا باعتبار إسناده، فليس فيه إبهام ليحتاج
إلى رفعه بالتمييز، قاله القاري.
قلت: الذي في الترمذي هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه عن أبي بكر،
انتهى. وهذا واضح، وكأن ما في ((المشكاة)) نقل بالمعنى. وقال البغوي بعد
روايته: هذا حديث غريب. والحديث رواه النسائي من طرق وعن جماعة من
الصحابة. قال المنذري: وأحد أسانيده صحيح. وقال الحاكم: حديث صحيح
الإسناد ووافقه الذهبي.
٢٥١٤ - [٩] وَعَنْ أَنَس أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ نَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، أَبُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَّ: ((سَلْ رَبَّكَ الْعَافِيَةَ وَالْمُعَافَةَ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ»، ثُمَّ أَتَاهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟
فَقَال لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَاهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَقَال لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: ((فَإِذَا
أُعْطِيتَ الْعَافِيَةَ وَالْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَاَ وَالْآخِرَةِ فَقَدْ أَفْلَحْتَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا]
الشرح
٢٥١٤ - قوله: (سَلْ رَبَّكَ الْعَافِيَةَ وَالْمُعَافَاةَ)، يعني: أن الدعاء بالعافية أفضل
من غيره من الأدعية؛ لاشتماله على جلب كل نفع ودفع كل ضر، وقد تقدم كلام
صاحب ((الصحاح)) و((صاحب القاموس)) في بيان العافية والمعافاة، وقال الجزري
في ((النهاية)): العافية: أن تسلم من الأسقام والبلايا، وهي الصحة وضد المرض
والمعافاة: هي أن يعافيك اللَّه من الناس ويعافيهم منك، أي: يغنيك عنهم،
ويغنيهم عنك ويصرف أذاهم عنك وأذاك عنهم. وقيل: هي مفاعلة من العفو وهو
(٢٥١٤) التِّرْمِذِي (٣٥١٢)، وَابن مَاجَهْ (٣٨٤٨) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أَنَسٍ، وَقال التِّرْمِذِي: حَسَنٌ
غَرِيبٌ.
٢٤٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أن يعفو عن الناس ويعفو هم عنه، انتهى.
وقال في ((اللمعات)): أراد بالعافية السلامة عن جميع الآفات الظاهرة والباطنة،
ويدخل فيه الإيمان؛ ولذلك سَمَّى هذا الدعاء أفضل، والمعافاة مفاعلة من
العافية، فالمعنى: أن يعافيك اللَّه عن الناس، يصرف عنك أذاهم وأذاك عنهم،
وقيل: مفاعلة من العفو، يعني: عفوك عنهم وعفوهم عنك والمآل واحد. (فَقَالَ لَهُ
مِثْلَ ذَلِك) أي: مثل ذلك القول فنصبه على المصدرية. (فَقَدْ أَفْلَحْتَ)، أي: فزت
بمرادك وظفرت بمقصودك، بين له بذلك عظم ذلك الدعاء، وعموم بركته لمصالح
الدنيا والآخرة، وفي الحديث: التصريح بأن الدعاء بالعافية أفضل الدعاء ولاسيما
بعد تكريره للسائل في ثلاثة أيام حين أن يأتيه للسؤال عن أفضل الدعاء، فأفاد هذا
أن الدعاء بالعافية أفضل من غيره من الأدعية.
ثم في قوله: (فَإِذَا أُعْطِيتَ الْعَافِيَةَ ... ) إلخ. دليل ظاهر واضح بأن الدعاء بالعافية
يشمل أمور الدنيا والآخرة؛ لأنه قال هذه المقالة بعد أن قاله له: ((سَلْ رَبَّكَ الْعَافِيَةَ))
ثلاث مرات، فكان ذلك كالبيان لعموم بركة هذه الدعوة بالعافية لمصالح الدنيا
والآخرة، ثم رتب على ذلك الفلاح الذي هو المقصد الأسنى والمطلب الأكبر.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) في ((الدعاء))، وأخرجه أيضًا أحمد (ج: ص)،
والبخاري في ((الأدب المفرد)) (ج٢: ص٩٣)، وابن أبي الدنيا كلهم من طريق
سلمة بن وردان عن أنس، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه،
إنما نعرفه من حديث سلمة بن وردان، انتهى.
قلت: سلمة هذا ضعيف، والظاهر أن الترمذي حسنه لشواهده.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِع الدَّعَاءِ
se
٢٤٧
٢٥١٥ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عَه
أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: ((اللَّهُمَّ ارْزُقْنِيَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مِّنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ،
اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّ أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَّ مَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا
أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيْمَا تُحِبُّ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢٥١٥ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ) بمثناتين تحتيتين من الزيادة، ابن زيد
ابن حصين الأنصاري الأوسي. (الْخَطْمِيّ) بفتح المعجمة وسكون المهملة نسبة
إلى خطمة بن جشم بن مالك بن الأوس، كان من أفاضل أصحاب النبي وَّةِ، قال
ابن الأثير: يكنى أبا موسى وهو كوفي وله بها دار، شهد الحديبية وهو ابن سبع
عشرة سنة وشهد ما بعدها، واستعمله عبد الله بن الزبير على الكوفة، وكان الشعبي
كاتبه لما كان أميرًا على الكوفة، وشهد مع علي بن أبي طالب الجمل وصفين
والنهروان. قال الدارقطني: له ولأبيه صحبة، شهد بيعة الرضوان وهو صغير،
وشهد أبوه أحدًا وما بعدها، وهلك قبل فتح مكة.
(اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ)، أي: لأنه لا سعادة للقلب، ولا لذّة، ولا نعيم، ولا
صلاح إلا بأن يكون الله أحب إليه مما سواه، فقوله: ((حُبَّكَ))، فيه: إضافة المصدر
إلى مفعوله. (وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُّهُ عِنْدََ) كالملائكة والأنبياء والأصفياء
والأتقياء، والظرف متعلق بـ(يَنْفَعُنِي))، (اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ)، أي: الذي
أعطيتني من الأشياء التي أحبها من صحة البدن وقوته، وأمتعة الدنيا من المال
والجاه والأولاد والفراغ، وسائر النعم.
(فَاجْعَلْهُ قُوَّةً)، أي: عدة. (لِي فِيمَا تُحِبُّ) بأن أصرفه فيما تحبه وترضاه من
الطاعة والعبادة. (اللَّهُمَّ مَا زَوَيْتَ عَنِّي)، في الترمذي: ((اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي))
بزيادة الواو، وهكذا نقله في ((جامع الأصول)) و((الجامع الصغير)) و((جمع الفوائد))
و((الحصن))، أي: ما صرفت ونحيت من الزَّيِّ بمعنى القبض والجمع، يقال: زوى
(٢٥١٥) التِّرْ مِذِي (٣٤٩١) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ.
٢٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فلان المال عن وارثه زيًّا، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((اللَّهُمَّ ازْوٍ لَنَا الْأَرْضَ
وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ))، أي: اطوها كما في رواية أخرى، أي: وما قبضته ونحيته
وصرفته عني بأن منعتني ولم تعطني. (مِمَّا أُحِبُّ)، أي: مما أشتهيه من المال
والجاه والأولاد وأمثال ذلك.
(فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي)، أي: سبب فراغ خاطري. (فِيمَا تُحِبُّ)، أي: من الذكر
والفكر والطاعة والعبادة، قال القاضي: يعني: ما صرفت عني من مَحَائِّي فَنَحِّهِ عن
قلبي، واجعله سببًا لفراغي لطاعتك، ولا تشغل به قلبي فيشغل عن عبادتك. وقال
الطيبي: أي: اجعل ما نحيته عني من محابي عونًا على شغلي بمحابك، وذلك أن
الفراغ خلاف الشغل، فإذا زوى عنه الدنيا ليتفرغ لمحاب ربه كان ذلك الفراغ عونًا
له على الاشتغال بطاعة الله، ذكره القاري.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات، وقال: هذا حديث حسن غريب، قال ابن
القطان: ولم يصححه؛ لأن رواته ثقات إلا سفيان بن وكيع، فَمُتَّهَم بالكذب وترك
الرازيان حديثه بعد ما كتباه. وقيل لأبي زرعة: أكان يكذب؟ قال: نعم. كذا في
((فيض القدير)) (ج٢: ص١٠٢)، قلت: سفيان هذا من شيوخ الترمذي، قال
الحافظ عنه: كان صدوقًا إلا أنه ابتلي بوراقه فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح
فلم يقبل فسقط حديثه .
٢٤٩
بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
٢٥١٦ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَ يَقُومُ مِنْ
مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ: ((اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ
مَا تَحُوَّلُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنِ الْيَقِينِ
مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا،
وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانًا،
وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ]
تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مِنْ لا يَرْحَمُنَا)).
الشرح
٢٥١٦ - قوله: (قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ وَ)، أي: ما كان رسول اللَّهُ وَه،
اتصلت ها هنا حرف ما الكافة الزائدة بـ((قَلَّ)) فكفته عن عمل الرفع، كما في قول
الشاعر :
يُورِثُ المَجْدَ دَاعِيًّا أَوْ مُجِيبًا
قَلَّمَا يَبْرَحُ اللَّبِيبُ إِلَى مَا
قال شيخنا: قد تتصل ((ما)) بـ((قَالَّ))، فيقال: قلما جئت وتكون ((ما)) كافة عن عمل
الرفع فلا اقتضاء للفاعل، وتستعمل قلَّمَا لمعنيين: أحدهما: النفي الصِّرْف،
والثاني: إثبات الشيء القليل. (يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ
لِأَصْحَابِهِ)، وبعض نسخ الترمذي: ((بهذه الكلمات))، وفي رواية ابن السني: كان
ابن عمر إذا جلس مجلسًا لم يقم حتى يدعو لجلسائه بهذه الكلمات. وزعم أن
رسول اللَّه ◌َ ل﴾ كان يدعو بهن لجلسائه.
(اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا)، أي: اجعل لنا قسمًا ونصيبًا. (مِنْ خَشْيَتِكَ)، أي: من
خوفك، والخشية الخوف أو خوف مقترن بالتعظيم. (مَا تَحُولُ بِهِ) من حال يحول
حيلولة، أي: مقدارًا تحجب أنت بسببه. (بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ)، فإنه لا أمْنَعَ لها
من خشية الله تعالى. وقيل: لأن القلب إذا امتلأ من الخوف أحجمت الأعضاء
(٢٥١٦) التِّرْ مِذِي (٣٥٠٢) فِي الدَّعَوَاتِ، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (١٠٢٣٤) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنِ ابْنِ
عُمَرَ، وَقال التِّرْمِذِي: حَسَنٌ غَرِيبٌ.
٢٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
جميعها من ارتكاب المعاصي وبقدر قلة الخوف يكون الهجوم على المعاصي،
فإذا قل الخوف جدًّا واستولت الغفلة كان ذلك من علامة الشقاء، ومن ثَمَّ قالوا:
المعاصي بريد الكفر، كما أن القبلة بريد الجماع، والغناء بريد الزنا، والنظر بريد
العشق، والمرض بريد الموت، وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرة
بالعقل والبدن والدنيا والآخرة ما لا يحصيه إلا اللَّه وقوله: ((مَا تَحُولُ بِهِ»، كذا وقع
في أكثر نسخ ((المشكاة))، وهكذا في ((المصابيح))، و((شرح السنة))، وابن السني،
و((عدة الحصن))، ووقع في بعض نسخ ((المشكاة)): ((مَا يَحُولُ)) بِالتَّحِيَّةِ، أي:
بالتذكير على أن الضمير لـ((ما)) وترك به، وهكذا وقع في الترمذي، أي: اجعل لنا
من خوفك قسما ونصيبًا يحجب ويمنع هو بيننا وبينها، واختلفت نسخ ((الحصن))
في ذلك. (وَمِنْ طَاعَتِكَ)، بإعطاء القدرة عليها والتوفيق لها.
(مَا تُبلِّغُنَا) بتشديد اللام المكسورة، أي: توصلنا أنت. (بِهِ جَنَتَكَ)، أي: مع
شمولنا برحمتك، وليست الطاعة وحدها مبلغة. (وَمِنَ الْيَقِينِ)، أي: بك وبأنه لا
راد لقضائك، وبأنه لا يصيبنا إلا ما كتبت لنا، وبأن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وما
أصابنا لم يكن ليخطئنا وبأن ما قدرته لا يخلو عن حكمه ومصلحة، واستجلاب
منفعة ومثوبة. (مَا تُهَوِّنُ بِهِ)، من التهوين، أي: تسهل به أنت بذلك اليقين.
(مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا)، وفي رواية الحاكم، وابن السني: ((مَصَائِبَ الدُّنْيَا))، أي: من
المرض والغم والجراحة وتلف المال والأولاد، فإن من علم يقينًا أن ما يصيبه من
المصيبات في الدنيا يعطيه الله عوضه في الآخرة الثواب، ويكفر السيئات ويرفع
الدرجات لا يغتم بما أصابه، ولا يحزن بما نابه بل يفرح بذلك غاية حرصه على
تحصيل الثواب. (وَمَتِّعْنَا)، أي: التمتيع، أي: اجعلنا متمتعين منتفعين.
(بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا)، أي: بأن نستعملها في طاعتك، وقال ابن الملك:
التمتيع بالسمع والبصر: إبقاؤهما صحيحين إلى الموت. (مَا أَحْيَيْتَنَا)، أي: مدة
حياتنا، قال الطيبي: وإنما خص السمع والبصر بالتمتيع من الحواس؛ لأن الدلائل
الموصلة إلى معرفة الله وتوحيده إنما تحصل من طريقهما؛ لأن البراهين إنما
تكون مأخوذة من الآيات المنزلة، وذلك بطريق السمع أو من الآيات المنصوبة في
الآفاق والأنفس، وذلك بطريق البصر، فسأل التمتيع بهما حذرًا من الانخراط في
سلك الذين ختم الله عَلَى قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، ولما
٢٥١
بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
BcH
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
حصلت المعرفة بالأولين يترتب عليها العبادة، فسأل القوة ليتمكن بها من عبادة
ربه، انتهى. والمراد بالقوة: قوة سائر الأعضاء والحواس، أو جميعها فيكون
تعميمًا بعد تخصيص. (وَاجْعَلْهُ)، أي: كل واحد منها، أو أي المذكور من
الأسماع والأبصار والقوة، فالضمير راجع لما سبق من الأسماع والأبصار والقوة
وإفراده وتذكيره على تأويلها بالمذكور، أي: اجعل ما متعتنا به. (الْوَارِثَ)، أي:
الباقي. (مِنَّ)، أي: بأن يبقى إلى الموت.
قال البغوي: قوله: ((وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا))، أي: أبقه معي حتى أموت. قيل:
أراد بالسمع وعي ما يسمع والعمل به، وبالبصر الاعتبار بما يرى، وقيل: يجوز أن
يكون أراد بقاء السمع والبصر بعد الكبر وانحلال القوى، فيكون السمع والبصر
وارثي سائر القوى والباقيين بعدها، ورد الهاء إلى الإمتاع، فلذلك وحده فقال:
(وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا))، انتهى.
وقال في ((اللمعات)): الضمير في قوله: ((اجْعَلْهُ)) للمصدر المحذوف الذي هو
الجعل، أي: اجعل الجعل وهو المفعول المطلق، وعلى هذا: ((الوَارِثَ)) مفعول
أول و((مِنَّا)) في محل المفعول الثاني، أي: اجعل الوارث من نسلنا لا كلالة خارجة
منا، والكلالة قرابة ليست من جهة الولادة، وهذا الوجه قد ذكره بعض النحاة في
قولهم: إن المفعول قد يضمر ولكن لا يتبادر إلى الفهم من اللفظ، ولا ينساق
الذهن إليه، كما لا يخفى. وقيل: أن الضمير فيه للمتمتع الذي هو مدلول متعنا،
والمعنى: اجعل تمتعنا بها باقيًا مأثورًا فيمن بعدنا؛ لأن وارث المرء لا يكون إلا
الذي يبقى بعده وهو المفعول الأول والوارث مفعول ثان و((مِنَّا)) صلته، وهذا
المعنى يشبه سؤال خليل الرحمن على نبينا وعليه الصلاة والسلام ﴿ وَأَجْعَل لِّى لِسَانَ
(g@﴾ [الشعراء: ٨٤]، وقيل: معنى ((وراثته)): دوامه إلى يوم الحاجة إليه
صِدْقٍ فِ اُلَخِينَ
يعني: يوم القيامة والأول أوجه؛ لأن الوارث إنما يكون باقيًا في الدنيا. وقيل: إن
الضمير للأسماع والأبصار والقوة بتأويل المذكور، ومثل هذا شائع في العبارات لا
كثير تكلف فيها، وإنما التكليف فيما قيل: إن الضمير راجع إلى أحد المذكورات،
ويدل ذلك على وجود الحكم في الباقي؛ لأن كل شيئين تقاربا في معنييهما فإن
الدلالة على أحدهما دلالة على الآخر، والمعنى بوراثتها لزومها إلى موته؛ لأن
الوارث يلزم إلى موته، انتهى.
٢٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا) بالهمزة بعد المثلثة المفتوحة، أي: إدراك ثأرنا. (عَلَى مَنْ
ظَلَمَنَا)، أي: مقصورًا عليه، ولا تجعلنا ممن تعدى في طلب ثأره فأخذ به غير
الجاني كما كان معهودًا في الجاهلية فنرجع ظالمين بعد أن كنا مظلومين. وأصل
الثأر: الحقد والغضب، ثم غلب استعماله في طلب الدم من القاتل، يقال: ثأرت
القتيل وبالقتيل، أي: قتلت قَاتِلَهُ. (وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا)، أي: ظفرنا عليه
وانتقم منه.
(وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا)، أي: لا تصبنا بما يُنْقِصُ ديننا من اعتقاد السوء،
وأكل الحرام والفَتْرَة في العبادة وغيرها. (وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا)، الهم:
القصد والحزن، أي: لا تجعل طلب المال والجاه أكبر قصدنا أو حزننا، أو لا
تجعل أكبر قصدنا أو حزننا لأجل الدنيا، بل اجعل أكبر قصدنا، أو حزننا مصروفًا
في عمل الآخرة، وفيه: أن قليلاً من الهم فيما لابد منه في أمر المعاش مرخص
فیه، بل مستحب، بل واجب.
(وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا)، أي: غاية علمنا، أي: لا تجعلنا بحيث لا نعلم ولا نتفكر إلا
في أمور الدنيا، بل اجعلنا متفكرين في أحوال الآخرة متفحصين عن العلوم التي
تتعلق باللّه تعالى وبالدار الآخرة، والمبلغ: بفتح الميم واللام بينهما موحدة
ساكنة: الغاية التي يبلغه الماشي والمحاسب فيقف عنده. (وَلَا تُسَلَّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا
يَرْحَمُنَا)، أي: لا تجعلنا مغلوبين للكفار والظلمة، أو لا تجعل الظالمين علينا
حاكمين، فإن الظالم لا يرحم الرعية. وقيل: المراد: ملائكة العذاب في القبر
وفي النار ولا مانع من إرادة معنى الجمع هذا، وقد أطال الشوكاني في شرح هذا
الدعاء وأطاب في بيان فوائده في ((تحفة الذاكرين)) (ص ٣٠٠، ٣٠١) فارجع إليه.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات، وأخرجه أيضًا النسائي، وابن السني (ص١٤٣)،
والحاكم (ج١: ص٥٢٨)، والبغوي (ج٥: ص١٧١). (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
غَرِيبٌ). وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري وأقره الذهبي، وفي إسناده
عبيد الله بن زحر وقد ضعفوه بما يقتضي أن لا يكون حديثه صحيحًا، بل غاية رتبة
هذا الحديث أن يكون حسنًا، كما قال الترمذي. فقد قال أبو زرعة: إنه صدوق .
وقال النسائي: لا بأس به. قال في ((المنار)): فالحديث لأجله حسن لا صحيح.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِع الدَّعَاءِ
٢٥٣
٢٥١٧ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ:
(اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلَّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَزِدْنِي عِلْمًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى
كُلِّ حَالٍ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا]
الشرح
٢٥١٧ - قوله: (اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي)، أي: في الأزمنة السابقة يعني
بالعمل بمقتضاه خالصًا لوجهك. (وَعَلَّمْنِي)، أي: فيما بعد. (مَا يَنْفَعُنِي)، أي:
علمًا ينفعني، فيه: أنه لا يطلب من العلم إلا النافع، والنافع ما يتعلق بأمر الدين
والدنيا فيما يعود فيها على نفع الدين، وإلا فما عدا هذا العلم فإنه ممن قال الله
فيه: ﴿وَيَنَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمَْ﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي: بأمر الدين، فإنه نفى
العلم عن علم السحر لعدم نفعه في الآخرة بل؛ لأنه ضار فيها وقد ينفعهم في الدنيا
لكنه لم يعد نفعًا.
(وَزِدْنِي عِلْمًا) مضافًا إلى ما علمتنيه. وقال السندي: أي: نافعًا بقرينة السياق،
أو هو مبني على تنزيل غير النافع بمنزلة الجهل. قال الطيبي: طلب أولًا النفع بما
رزق من العلم وهو العمل بمقتضاه، ثم توخى علمًا زائدًا عليهِ ليترقى منه إلى عمل
زائد على ذلك، وفيه: إشارة إلى أن من عمل بما علم ورثه الله علم ما لا يعلم، ثم
قال: ((رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)) يشير إلى طلب الزيادة في السير والسلوك إلى أن يوصله إلى
مخدع الوصالِ، فظهر من هذا أن العلم وسيلة إلى العمل وهما متلازمان. ومن ثم
قيل: ما أمر الله ورسوله بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم بقوله تعالى: ﴿وَقُل
رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، وهذا من جامع الدعاء الذي لا مطمع وراءه.
(الْحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ) من أحوال السراء والضراء فيحمده تعالی؛ لكونه لم
ينزل به أشد من هذا البلاء الذي نزل به، وكم يترتب على الضراء من عواقب حميدة
ومواهب كريمة يستحق الحمد عليها: ﴿وَعَسَىّ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}
[البقرة: ٢١٦]. قال في ((الحكم)): من ظن انفكاك لطفه عن قدره فذاك لقصور نظره.
(٢٥١٧) التِّرْ مِذِي (٣٥٩٩)، وَابن مَاجَهْ (٣٨٣٣) فِي الدُّعَاءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقال التِّرْمِذِي: غَرِيبٌ.
٢٥٤
H
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الغزالي: لا شدة إلا وفي جنبها نعم لله، فليلزم الحمد والشكر على تلك
النعم المقترنة بها. وقوله: ((الْحَمْدُ للهِ ... )) إلخ. كذا وقع في الترمذي بغير عطف،
ووقع عند ابن ماجهٍ: ((وَالْحَمْدُ للهِ))، أي: بزيادة الواو. قال السندي: قوله:
(وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ)، أي: زيادة العلم، وقيل: أن يزداد وظاهر العطف
يقتضي أن الجملة إنشائية، فلذلك عطفت على إنشائية. (وَأَعُوذُ بِاللهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ
النَّارِ) من الكفر والفسوق في الدنيا والعذاب والعقاب في العقبى.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في الدعوات. (وَابْنُ مَاجَهْ) في السنة، والدعاء، وأخرجه أيضًا
البغوي (ج٥: ص ١٢٣)، وابن أبي شيبة كما في ((الحصن))، والبزار كما في تفسير
الحافظ بن كثير. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا) في سنده عندهم
موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن ثابت عن أبي هريرة، وموسى ضعفه
النسائي وغيره، ومحمد بن ثابت لم يروه عنه غير موسى. قال الذهبي: مجهول،
ذكره المناوي، وقال الحافظ في ((التقريب)): محمد بن ثابت عن أبي هريرة
مجهول. وقيل: هو محمد بن ثابت بن شرحبيل، وقال فيه: إنه مقبول. وفي الباب
عن أنس أخرجه النسائي، والحاكم (ج١: ص٥١٠).
٢٥١٨ - [١٣] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَوْتَهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَ إِذَا
أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَأَنْزِلَ عَلَّيْهِ يَوْمًا،
فَمَكَثْنَا سَاعَةً، فَسُرِّيَ عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَّالَ: ((اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا
تَنْقُصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وَ آئِّرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وَأَرْضِنَا
وَارْضَ عَنَّا))، ثُمَّ قَالَ: ((أَنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ))، ثُمَّ
قَرَّأَ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ.
[ْرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢٥١٨ - قوله: (سُمِعَ) على بناء الماضي المجهول، وهذا لفظ الترمذي،
وفي ((المسند)): (يسمع))، أي: بلفظ المضارع المجهول، وكذا نقله الشوكاني في
(٢٥١٨) التِّرْ مِذِي (٣١٧٣) فِي التَّفْسِيرِ، وَالنَّسَائِي في الكبرى (١٤٣٩) فِي الصَّلَاةِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ
الخَطَّابِ رَوَّهُ.
٢٥٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِع الدَّعَاءِ
(فتح القدير))، وفي ((المستدرك)) و((شرح السنة)): نسمع، بصيغة المضارع المتكلم
المعلوم، ونقله الذهبي في ((تلخيصه)) بلفظ: ((يسمع))، أي: كرواية ((المسند)).
(عِنْدَ وَجْهِهِ)، أي: عند قرب وجهه بحذف المضاف. (دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ)، كذا
وقع في أكثر نسخ ((المشكاة))، وهكذا في ((المسند)) ووقع في بعض نسخ
((المشكاة): ((سمع عند وجهه كدويِّ النحل)). أي: بإسقاط ((دَوْيٌّ))، وهكذا عند
الترمذي والبغوي، وكذا نقله المناوي في ((فيض القدير)) والشوكاني في ((تحفة
الذاكرين)) و((فتح القدير)). والدويُّ بفتح الدال و کسر الواو وتشديد الياء وهو
صوت لا يفهم منه شيء، وهذا هو صوت جبريل فعليّلا يبلغ إلى رسول اللَّه وَال
الوحي، ولا يفهم الحاضرون من صوته شيئًا. وقال الطيبي: أي: سمع من جانب
وجهه وجهته صوت خفي، كأن الوحي يؤثر فيهم وينكشف لهم انكشافًا غير تام،
فصاروا کمن یسمع دويّ صوت ولا يفهمه؛ لما سمعوه من غطيطه وشدة تنفسه عند
نزول الوحي، انتهى. وقال في ((اللمعات)): وهذا الدويُّ إما صوت الوحي يسمعها
الصحابة، ولا ينكشف لهم انكشافًا تامًّا، أو ما كانوا يسمعونه من النبي وَلّ من
شدة تنفسه من ثقل الوحي، والأول أظهر؛ لأنه قد وصف الوحي بأنه كان تارة مثل
صلصة الجرس، انتهى.
(فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ يَوْمًا)، أي: نهارًا أو وقتًا. (فَمَكَثْنَا) بفتح الكاف وضمها، أي:
لبثنا. (سَاعَةً)، أي: زمنًا يسيرًا ننتظر الكشف عنه. (فَسُرِّيَ عَنْهُ) بصيغة المجهول
من التسرية، وهو الكشف والإزالة، أي: كشف عنه وأزيل ما اعتراه من برحاء
الوحي وشدته. (اللَّهُمَّ زِدْنَا) أمر من الزيادة، أي: من الخير والترقي أو كثرنا.
(وَلَا تَنْقُصْنَا) بفتح حرف المضارعة وضم القاف من نقص المتعدى، أي: لا تنقص
خیرنا ومرتبتنا وعددنا.
قال القاضي والطيبي: عطفت هذه النواهي على الأوامر للمبالغة والتأكيد،
وحذف ثواني المفعولات في بعض الألفاظ للتعميم والمبالغة، كقولك: فلان
يعطي ويمنع. (وَأَكْرِمْنَا) بقضاء مآربنا في الدنيا ورفع منازلنا في العقبى. (وَلَا تُهِنَّا)
بضم تاء وكسرها وتشديد نون على أنه نهى من الإهانة وأصله ولا تَهْوِنَنَا، نقلت
كسرة الواو إلى الهاء فالتقت ساكنة مع النون الأولى الساكنة، فحذفت وأدغمت
النون الأولى في الثانية، أي: لا تذلنا.
٢٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَأَعْطِنَا) من الإعطاء. (وَلَا تَحْرِمْنَا) بفتح التاء وكسر الراء. وفي ((القاموس)):
حَرَمَهُ الشيء كضربه وعلمه حِر مانًا بالكسر: منعه حقه وأحر مه لُغَيَّةٌ، أي: لا تمنعنا
ولا تجعلنا محرومين. (وَآثِرْنَا) بالمد وكسر المثلثة أمر من الإيثار، أي: اخترنا
برحمتك وإكرامك وعنايتك. (وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا)، أي: غيرنا بلطفك وحمايتك،
وقيل: لا تغلب علينا أعداءنا. (وَأَرْضِنَا) أمر من الإرضاء، أي: أرضنا عنك
بمعنى: اجعلنا راضين بما قضيت لنا أو علينا بإعطاء الصبر وتوفيق الشكر، وتحمل
الطاعة والتقنع بما قسمت لنا. (وَارْضَ عَنَّ) بهمزة وصل وفتح ضاد أمر من
الرضاء، أي: كن راضيًا عنا بالطاعة اليسيرة الحقيرة التي في جهدنا ولا تؤاخذنا
بسوء أعمالنا. (ثُمَّ قَالَ: أَنْزِلَ عَلَيَّ)، أي: آنفًّا. (مَنْ أَقَامَهُنَّ)، أي: حافظ وداوم
عليهن وعمل بهن. (دَخَلَ الْجَنَّةَ)، أي: دخولًا أوليًّا، هذا وارجع للبسط في شرح
الحديث إلى ((فيض القدير)) (ج٢ ص١٠٧، ١٠٨)، و((تحفة الذاكرين)) (ص
٢٩٨).
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج١ ص٣٤) عن عبد الرزاق عن يونس بن سليم قال: أملى عليّ
يونس بن يزيد الأبلي عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد
القاري عن عمر بن الخطاب. ومن هذا الطريق أخرجه البغوي (ج٥، ١٧٧).
(وَالتِّرْ مِذِيُّ) في الدعوات من طريق عبد الرزاق عن يونس بن سليم عن الزهري. ثم
رواه الترمذي من طريق عبد الرزاق أيضًا عن يونس بن سليم عن يونس بن يزيد عن
الزهري. ثم قال: هذا أصح من الحديث الأول، سمعت إسحاق بن منصور يقول:
روى أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن
يونس بن سليم عن يونس بن يزيد عن الزهري هذا الحديث.
قال أبو عيسى: ومن سمع من عبد الرزاق قديمًا فإنهم إنما يذكرون فيه عن
يونس بن یزید، وبعضهم لا یذکر فیه عن يونس بن یزید. ومن ذکر فیه عن یونس
ابن يزيد فهو أصح، وكان عبد الرزاق ربما ذكر في هذا الحديث يونس بن يزيد
وربما لم يذكره، وإذا لم يذكر فيه يونس فهو مرسل، انتهى. وذكر نحو هذا الكلام
البغوي في ((شرح السنة)). والحديث نسبه السيوطي في ((الدر المنثور)) (ج٥ ص٢)
والشوكاني في ((فتح القدير)) (ج٣ ص٤٦٠) لعبد الرزاق وعبد بن حميد،
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِع الدَّعَاءِ
٢٥٧
والنسائي، وابن المنذر، والعقيلي، والحاكم، والبيهقي في ((الدلائل))، والضياء
في ((المختارة)) وفي سنده عندهم جميعًا يونس بن سليم الصنعاني. قال الحافظ في
(التقریب)»: مجهول.
وقال الذهبي في ((الميزان)) في ترجمته: حدث عنه عبد الرزاق وتكلم فيه ولم
يعتمده في الرواية ومشاه غيره. وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه ولا يعرف إلا
به، انتهى. وقال في ((تهذيب التهذيب)): قال النسائي: هذا حديث منكر لا نعلم
أحدًا رواه غير يونس، ويونس لا نعرفه، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، انتهى.
ورواه الحاكم (ج١ ص٥٣٥) بإسنادين أحدهما من طريق المسند، وصححه
ووافقه الذهبي فهذا موافقة من الحاكم والذهبي على توثيق يونس بن سليم، وهو
يدل على أن توثيق ابن حبان ليونس بن سليم صحيح، ولذا حسن هذا الحديث
البغوي في ((شرح السنة)) وصححه الشيخ أحمد شاكر في شرح المسند.
٢٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٢٥١٩ - [١٤] عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَّى
النَّبِيِّ نَِّ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي، فَقَالَ: ((إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ
صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ). قَالَ: فَادْعُهُ، قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ،
وَيَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ، وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ
الرَّحْمَةِ، إِنِّي تَوَجَّهْتُ بَِكَ إِلَى رَبِّي لِيَقْضِيَ لِي فِي حَاجَتِي هَذِهِ، اللَّهُمَّ فَشَفِّعُه
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ] {صحيح}
فِيَّ)).
الشرح
٢٥١٩ - قوله: (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ) بالحاء المهملة والنون مصغرًا ابن
واهب الأنصاري الأوسي المدني، صحابي شهير، شهد أحدًا والمشاهد بعدها،
واستعمله عمر على مساحة سواد العراق، واستعمله عليٍّ على البصرة، فبقي عليها
إلى أن قَدِمَهَا طلحة والزبير مع عائشة رضيَّ في نوبة وقعة الجمل، فأخرجوه منها،
ثم قدم عليٌّ إليها، فكانت وقعة الجمل، فلما ظفر بهم عليٌّ استعمل على البصرة
عبد الله بن عباس وسكن عثمان بن حنيف الكوفة. روى عنه ابن أخيه أبو أمامة بن
سهل بن حنيف، وعمارة بن خزيمة بن ثابت، وهانئ بن معاوية الصدفي وغيرهم،
مات في خلافة معاوية.
(إِنَّ رَجُلًّا ضَرِيرَ الْبَصَرِ)، أي: ضعيف النظر أو أعمى، قاله القاري. قلت: في
رواية النسائي: إن أعمى أتى النبي وَلّ. وفي رواية لأحمد: ((إن رجلا أتى النبي وَل
قد ذهب بصره)). وللطبراني، وابن السني: ((أتاه رجل ضرير، فشكا إليه ذهاب
بصره). (ادْعُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَنِي)، أي: من ضرري في نظري. (فَقَّالَ)، في الترمذي:
قال، أي: بدون الفاء. (إِنْ شِئْتَ)، أي: اخترت الدعاء. (دَعَوْتُ)، أي: لك.
(٢٥١٩) التِّرْمِذِي (٣٥٧٨) في الدعوات وقال: حسن صحيح غريب.
٢٥٩
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
(وَإِنْ شِئْتَ)، أي: أردت الصبر والرضا. (فَهُوَ)، أي: الصبر. (خَيْرٌ لَكَ)، فَإِنَّ
اللهَ تعالى قَالَ: ((إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ ثُمَّ صَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجَنَّةَ))، (قَالَ)،
أي: الرجل. (فَادْعُهُ) بالضمير، أي: ادع الله واسأل العافية، ويحتمل أن تكون
الهاء للسكت، قال الطيبي: أسند النبي وَّ الدعاء إلى نفسه، وكذا طلب الرجل أن
يدعو هو رَّة ثم أمره وَ له أن يدعو هو، أي: الرجل كأنه وَّه لم يَرْتَضِ منه اختياره
الدعاء بعد قوله: الصبر خير لك، ولذلك أمره أن يدعو هو لنفسه، لكن في جعله
شفيعًا له ووسيلة في استجابة الدعاء ما يفهم أنه رََّ شريك فيه. (قَالَ)، أي:
عثمان. (فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ)، أي: يأتي بكمالاته من سننه وآدابه،
وزاد في رواية أحمد وابن ماجه والحاكم: ويصلي ركعتين. وفي رواية للنسائي :
قال - أي: النبي ◌َّ -: ((فَانْطَلِقْ فَتَوَضَّأْ ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنٍ)).
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُك)، أي: أطلب منك حاجتي، وقال القاري: أي أطلبك
مقصودي، فالمفعول مقدر. (وَأَتَوَّجَهُ إِلَيْكَ بِنَبِيَِّك) الباء للتعدية، أو المعنى:
أتوجه إليك بدعاء نبيك وشفاعته. (مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ)، أي: المبعوث رحمة
للعالمين. (إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ)، أي: استشفعت بك، والخطاب للنبي وَّ على
طريق الالتفات، ففي رواية أحمد وابن ماجه: يا محمد، إني قد توجهت بك.
وفي رواية لأحمد أيضًا والنسائي والحاكم: يا محمد، إني أتوجه بك. وفيه:
إن إحضاره في القلب وتصوره في أثناء الدعاء، والخطاب معه فيه جائز كإحضاره
في أثناء التشهد في الصلاة، والخطاب فيه، وسيأتي الكلام فيه، وفيه: قصر
السؤال الذي هو أصل الدعاء على الملك المتعال، ولكنه توسل به عليه الصلاة
والسلام، أي: بدعائه كما قال عمر: كنا نتوسل إليك بنبيك عليه الصلاة والسلام،
فلفظ التوسل والتوجه في الحديثين بمعنى واحد؛ ولذا قال في آخره: (اللَّهُمَّ
فَشَفِّعْهُ فِيَّ) إذ شفاعته لا تكون إلا بدعاء ربه وقطعًا، ولو كان المراد بذاته الشريفة
لم يكن لذلك التعقيب معنى، إذ التوسل بقوله: ((بِنَبِّكَ)) كاف في إفادة هذا
المعنى، وأيضًا قول الأعمى للنبي وَّرَ: ((ادْعُ اللهَ تعالى أَنْ يُعَافِيَنِي)) وجوابه عليه
الصلاة والسلام له: ((إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ وَإِنْ شَئِتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ))، وقول
الأعمى: ((فَادْعُهُ)) دليل واضح وبرهان راجح على أن التوسل كان بدعائه لا بنفس
ذاته المطهرة عليه الصلاة والسلام، وقوله: ((إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّ))، قال