Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
وعمل كبار الصحابة الذين لم يعملوا مثل عبد الله بن عمرو ، قال الشوكاني
في ((تحفة الذاكرين)) (ص ٨٩) في شرح حديث عبد الله بن عمرو هذا: قد ورد ما
يدل على عدم جواز التمائم فلا تقوم بفعل عبد الله بن عمرو حجة، انتهى.
ورابعًا: بأن غاية ما يدل عليه فعل عبد الله بن عمرو الصحابي هو جواز تعليق
التمائم على الصغار الذين لا يعقلون ولا يقدرون على حفظ كلمات التميمة،
والذين ذهبوا إلى جواز التعليق أباحوه مطلقًا، أي: لم يخصوه بالصغار، بل
توسعوا فيه عملًا للكبار والرجال والنساء حتى الكفرة الفجرة والفسقة أيضًا، ولا
يخفى ما في ذلك من القبائح. قال العلامة الشيخ أبو الطيب صديق بن حسن
القنوجي البوفالي في ((الدين الخالص)) بعد نقل الوجوه الثلاثة المذكورة في ((فتح
المجيد)) - ما لفظه: الوجه الثالث لمنع التعليق ضعيف جدًّا؛ لأنه لا مانع من نزع
التمائم عند قضاء الحاجة ونحوها لساعة ثم يعلقها، والراجح في الباب أن ترك
التعليق أفضل في كل حال بالنسبة إلى التعليق الذي جوزه بعض أهل العلم بناء على
أن يكون بما ثبت لا بما لم يثبت؛ لأن التقوى له مراتب وكذا الإخلاص وفوق كل
رتبة في الدين رتبة أخرى والمحصلون لها أقل، ولهذا ورد في الحديث في حق
السبعين ألفًّا يدخلون الجنة بغير حساب أنهم هم الذين لا يرقون ولا يسترقون، مع
أن الرقى جائزة وردت بها الأخبار والآثار، والله أعلم بالصواب. والمتقي من
يترك ما ليس به بأس خوفًا مما به بأس. انتهى كلامه. قلت: والأحوط عندي هو
ترك التعليق وجوبًا لا ندبًا فقط؛ سدًّا للباب وقطعًا للذريعة، والله تعالى أعلم.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الطب. (وَالتِّرْمِذِيُّ) في الدعوات. (وَهَذَا)، أي: المذكور.
(لَفْظُهُ)، أي: لفظ الترمذي فرواه أبو داود بمعناه وكذا ابن أبي شيبة، وأحمد
(ج٢: ص ١٨١)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة))، والبيهقي في ((الأسماء
والصفات))، وابن عبد البر في ((التمهيد))، وابن السني (ص٢٣٩)، والحاكم (ج١ :
ص٥٤٨) وليس عنده تخصيصها بالنوم رواه جميعهم من طريق محمد بن إسحاق
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وقد سكت عنه أبو داود وحسنه الترمذي.
وقال المنذري بعد نقل تحسين الترمذي (ج: ص٣٦٦): وفي إسناده محمد بن
إسحاق وقد تقدم الكلام علیه وعلی عمرو بن شعيب، انتهى.

كِتّابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
٢٢١
قلت: الحديث المرفوع روي أيضًا من غير طريق محمد بن إسحاق عن عمرو
ابن شعيب عن أبيه عن جده، فقد روى أحمد (ج ٤: ص٥٧، وج٦: ص٦)، وابن
السني (ص٢٠٦)، والنسائي في اليوم والليلة من حديث محمد بن يحيى بن حبان
عن الوليد بن الوليد أنه قال: يا رسول الله، إني أجد وحشة، قال: ((إِذَا أَخَذْتَ
مَضْجَعَكَ فَقُلْ ... ))، فذكر مثله وهذا منقطع؛ محمد لم يسمع من الوليد، وروى
أيضًا النسائي، وابن السني، وابن عبد البر في ((التمهيد)) من طريق محمد بن يحيى
ابن حبان: أن خالد بن الوليد ... الحديث. وهذا أيضًا مرسل، وروى ابن السني
(ص٢٣٦، ٢٣٧) من طريق سفيان عن محمد بن المنكدر قال: جاء رجل إلى
النبي ◌ََّ فشكا إليه أهاويل يراها في النوم فقال: ((إِذَا أَوَيتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَقُلْ ... ))،
فذكر مثله. وهذا أيضًا مرسل. وقال مالك في ((الموطأ)): بلغني أن خالد بن الوليد
قال لرسول اللَّه وَله: إني أروع في منامي، فقال له رسول اللّه ◌َيّ: ((قُلْ ... ))، فذكر
مثله. وروى الطبراني في ((الأوسط)) عن أبي أمامة قال: حدث خالد بن الوليد
رسول اللَّه وَ لّ عن أهاويل يراها بالليل حالت بينه وبين صلاة الليل، فقال
رسول اللَّه ◌َلَ: ((يَا خَالِدُ، أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ ... )) الحديث. وهذه الطرق
يشد بعضها بعضًا وتدل بمجموعها على أن للحديث أصلًا قويًّا، والله أعلم. وأمّا
اختلاف الروايات في أن القصة للوليد بن الوليد أو لأخيه خالد أو لرجل منهم،
فيدفع بأن القصة وقعت لهما جميعًا.
٢٥٠٢ - [٢٢] وَعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ،وَّهِ: ((مَنْ سَأَلَ اللَّهَ
الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَتِ الْجَنَّةُ:َ اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَمَنِ اسْتَجَارَ مِنَ النَّارِ
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنَ النَّارِ)).
الشرح
[رَوَاهُ التَّْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ]
٢٥٠٢ - قوله: (مَنْ سَأَلَ اللهَ الْجَنَّةَ)، أي: دخولها بصدق وإيقان وحسن نية
(٢٥٠٢) التِّرْ مِذِي (٢٥٧٢) فِي صِفَةِ الجَنَّةِ، وَالنَّسَائِي (٢٧٩/٨) فِي الاسْتِعَاذَةِ، وَابن مَاجَهْ (٤٣٤٠)
فِي الزُّهْدِ عَنْ أَنَسٍ رَوَهُ.

٢٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بأن قال: اللَّهُمَّ إني أسالك الجنة، أو قال: اللَّهُمَّ أدخلني الجنة. (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)،
أي: كرره في مجالس أو في مجلس بطريق الإلحاح على ما ثبت أنه من آداب
الدعاء. (قَالَتِ الْجَنَّةُ) ببيان الحال، أو بلسان القال لقدرته تعالى على إنطاق
الجمادات وهو الظاهر، وقيل: المراد: أهل الجنة من الحور والولدان أو خزنتها .
(اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ)، أي: دخولًا أوليًّا أو لحوقًا آخريًّا.
(وَمَنِ اسْتَجَارَ)، أي: استحفظ. (مِنَ النَّارِ)، بأن قال: اللَّهُمَّ أجرني من النار.
(قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ)، أي: احفظه أو أنقذه. (مِنَ النَّارِ)، أي: من دخوله أو
خلوده فيها. قال الطيبي: وفي وضع الجنة والنار موضع ضمير المتكلم تجريد ونوع
من الالتفات، ثم قال: وقول الجنة والنار يجوز أن يكون حقيقة ولا بعد فيه كما في
قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن ◌َّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] ويجوز أن يكون استعارة شبه استحقاق
العبد بوعد الله ووعيده بالجنة والنار في تحققهما وثبوتهما بنطق الناطق، كأن
الجنة مشتاقة إليه سائلة داعية دخوله، والنار نافرة منه داعية له بالبعد منها، فأطلق
القول وأراد التحقق والثبوت، ويجوز أن يقدر مضاف، أي: قال: خزنتهما فالقول
إذًا حقيقي. قال القاري: لكن الإسناد مجازي.
قال ابن حجر: الحمل على لسان الحال وتقدير المضاف مخالف للقواعد
المقررة أن كل ما ورد في الكتاب والسنة ولم يحل العقل حمله على ظاهره لم
يصرف عنه إلا بدليل، ونطق الجمادات بالعرف واقع كتسبيح الحصى في يده وَثل
وحنين الجذع وغيره، انتهى. قلت: حمل القول على الحقيقة هو الظاهر الراجح
ولا وجه للعدول عنه. وفي الحديث: حث على كثرة سؤال الجنة والتعوذ من
النار .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في أواخر صفة الجنة. (وَالنَّسَائِيُّ) في الاستعاذة وفي ((اليوم
والليلة))، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣: ص١١٧، ١٤١، ١٥٥، ٢٦٢)، وابن ماجه
في آخر ((سننه))، وابن حبان في كتاب الأدعية من ((صحيحه))، والحاكم (ج١ :
ص٥٣٤، ٥٣٥)، والبغوي (ج٥: ص١٦٥) والحديث رجال إسناده ثقات.
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

كِتّابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَاذَة
SKEE
asese
٢٢٣
الفصل الثالث
٢٥٠٣- [٢٣] عَنِ الْقَعْقَاعِ: أَنَّ كَعْبَ الْأَخْبَارِ قَالَ: لَوْلاَ کَلِمَاتٌ
أَقُولُهُنَّ لَجَعَلَتْنِي يَهُودُ حِمَارًا، فَقِيَلَ لَهُ: مَا هُنَّ؟ قَالَّ: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ
الْعَظِيمِ، الَّذِي لَيْسَ شَيْءٍ أَعْظَمَ مِنْهُ، وبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ
بَرٌّ وَلَاَ فَاجِرٌ، وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، مِنْ شَرِّ مَا
خَلَقَ، وَذَرَأَ، وَبَرَأَ)).
[رَوَاهُ مَالِكٌ]
الشرح
٢٥٠٣- قوله: (عَنِ الْقَعْقَاع) بقافين وعينين مهملتين أولاهما ساكنة، ابن
حكيم الكناني المدني، تابعي ثقةً، وثقه يحيى بن سعيد، وأحمد، وابن معين،
وذكره ابن حبان في ((الثقات)). (أَنَّ كَعْبَ الْأَخْبَارِ) تقدم (ج٢: ص٢٤). (لَوْلًا
كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ)، أي: أدعو بهن. (لَجَعَلَتْنِي يَهُودُ)، يمنع الصرف للعلمية ووزن
الفعل، أي: من السحر. (حِمَارًا)، أي: بليدًا أو ذليلًا، والمعنى: أنهم سحرة،
وقد أغضبهم إسلامي فلولا استعاذتي بالكلمات الآتية لتمكنوا مني وغلبوا علي
وجعلوني بليدًا، وأذلوني كالحمار فإنه مَثَلٌ في الذلة.
قال الباجي: يحتمل أن يريد والله أعلم: لبلدتني وأضلتني عن رشدي حتى أكون
كالحمار الذي لا يفقه شيئًا وبه يضرب المثل في البلادة، انتهى. وقال الطيبي: لعله
أراد أن اليهود سحرته ولولا استعاذتي بهذه الكلمات لتمكنوا من أن يقلبوا حقيقتي
لبغضهم إياي من حيث أني أسلمت، أو لتمكنوا من إذلالي وتوهيني كالحمار فإنه
مثل في الذلة. قال القاري: وفيه أن قلب الحقائق ليس إلا لله كما قال تعالى:
كُونُواْ قِرَدَةً خَسِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] وقال: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، فهذا
يدل على غاية سحرهم الذي أجمع عليه كيد السحرة في زمان فرعون الطامعين
على مال فرعون وجاهه، فلو كان في قدرتهم شيء أزيد من هذا لفعلوه في حق
(٢٥٠٣) رَوَاهُ مَالِكِ رَضِّنَّهُ.

٢٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
موسى عليه الصلاة والسلام، فإذا لم يقدروا في حقه فكيف يجوز أن يقدروا على
سيد الخلق أن يقلبوا حقيقته.
ولذا قال البيضاوي: والمراد بالسحر: ما يستعان في تحصيله بالقرب إلى
الشيطان مما لا يستقل به الإنسان، وذلك لا يَسْتَتِبُّ إلا لمن يناسبه في الشرارة
وخبث النفس، فإن التناسب شرط في التضام والتعاون، وبهذا تميز الساحر عن
النبي والولي، وأمَّا ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات
والأدوية فتسميته سحرًا على التجوز، انتهى. فإذا كان ليس للشيطان أن يجعل نفسه
حمارًا حقيقة فضلاً عن غيره، فكيف للمتوسل إلى قربه أن يقلب الحقيقة؟ وأمَّا قول
صاحب ((المدارك)): وللسحر حقيقة عند أهل السنة كثرهم الله تعالى وتخييل
وتمويه عند المعتزلة خذلهم الله، فمعناه: أن السحر ثابت وحق لا أنه خيال فاسد؛
كرؤية الأحوال شيئًا واحدًا شيئين وكتخيل الأشياء عند خلل الدماغ، وحصول
الأفكار الفاسدة لما يدل عليه الكتاب والسنة من قوله تعالى: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ
السّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، وقوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَزَوْجِهَِ﴾
[البقرة: ١٠٢]، أي: علم السحر الذي يكون سببًا في التفريق بين الزوجين بأن يحدث
اللَّه عنده النشور والخلاف، وقوله رَّ: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّشَتِ فِى الْعُقَدِ
٤
[الغلق: ٤] كما هو مشهور في سحر اليهود له عليه الصلاة والسلام وبهذا يتبين قول
البغوي .
والصحيح: أن السحر عبارة عن التمويه والتخييل، والسحر وجوده حقيقة عند
أهل السنة وعليه أكثر الأمم، حكي عن الشافعي أنه قال: إن السحر يخبل ويمرض
وقد يقتل حتى أوجب القصاص على من قتل به، وقيل: إنه يؤثر في قلب الأعيان
فيجعل الآدمي على صورة حمار ويجعل الحمار على صورة الكلب، والأصح أنه
تخييل؛ قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَّا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] لكنه يؤثر في الأبدان
بالأمراض والموت والجنون، انتهى. ومما يدل على بطلان قلب الحقائق بعد
إجماع أهل السنة والمعتزلة على خلافه أنه لم يقع مثل هذا أبدًا في الكون. ويدل
على بطلانه النقل والعقل، ومما يذكر من بعض الحكايات لإثبات ذلك، فهي مجرد
حكاية فاسدة مما يستمرها الناس ويحكونها في بيوت القهوة، وتجوز في عقول
النساء وبعض الرجال ممن سخف عقله وسخف قلبه. انتهى كلام القاري بحذف
واختصار يسير، وارجع لمزيد الكلام في ذلك إلى تفسير سورة الفلق لابن القيم.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
٢٢٥
(فَقِيلَ لَّهُ)، أي: لكعب. (مَا هُنَّ؟)، أي: تلك الكلمات. (أَعُوذُ بِوَجْهِ اللهِ)،
قال الباجي: قال القاضي أبو بكر: هو صفة من صفات الباري أمر ◌ّ ل أن يتعوذ بها .
وقال أبو الحسن المحاربي: معناه: أعوذ بالله، انتهى. وقال الحافظ تحت ترجمة
البخاري في (صحيحه)) باب قول اللَّه رَّكَ: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].
قال ابن بطال: فيه دلالة على أن لِلَّهِ تعالى وجهًا وهو من صفة ذاته وليس بجارحة
ولا كالوجوه التي نشاهدها من المخلوقين كما نقول: إنه عالم، ولا نقول: إنه
كالعلماء ... إلى آخر ما بسطه.
(الْعَظِيمِ الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ)، أي: ولا مساويًا لعظمته ولا قريبًا منها بل
ولا عظمة لَغيره؛ لأن الكل عبيده، ثم يحتمل أن يكون الموصول صفة للمضاف أو
المضاف إليه والمؤدى واحد، قاله القاري. (وَبِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا
يُجَاوِزُهُنَّ)، أي: لا يتعداهن. (بَرِّ) بفتح الموحدة وتشديد الراء، أي: تقي. (وَلَا
فَاجِرٌ)، أي: مائل عن الحق وإعادة لا لزيادة التأكيد، أي: لا ينتهي علم أحد إلى ما
يزيد عليها. قال الطيبي: قوله: (لَا يُجَاوِزُهُنَّ ... ) إلخ. يشعر بأن المراد بالكلمات:
علم الله الذي ينفد البحر قبل نفاده وأراد بقوله: ((بَرِّ وَلَا فَاجِرٌ)) الاستيعاب كما في
قوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِ إِلَّا فِ كِئَبٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، فإن تكرير حرف
التأكيد للاستيعاب، أو المراد بالكلمات: القرآن؛ لأن أحدًا من البر والفاجر لا
يخرج عن وعده ووعيده بالثواب والعقاب.
(وَبِأَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى) مؤنث الأحسن، وفي ((الموطأ)) بعده: ((كُلِّهَا)). قال
الباجي: يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَلَّهِ الْأَسْمَءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. (مَا
عَلِمْتُ مِنْهَا)، أي: من الأسماء الحسنى. (وَمَا لَمْ أَعْلَمْ)، أي: منها ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ
﴾، أي: أنشأ وقدر. (وَذَرَأَ) بالهمز، أي: بث ونشر. (وَبَرَأَ)، أي: أوجد
الخلق مبرأ عن التفاوت فخلق كل عضو على ما ينبغي ووضعه في موضعه. قال
تعالى: ﴿مَّا تَرَى فِىِ خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوُنٍ﴾ [الملك: ٣]، قال الزرقاني: قيل: هما بمعنى
خلق فذكرها لإفادة اتحاد معناها، وقيل: البرء والذرء يكون طبقة بعد طبقة وجيلًا
بعد جيل والخلق لا يلزم فيه ذلك.
(رَوَاهُ مَالِك)، في باب: ما يؤمر به من التعوذ من كتاب الجامع ولم أجده عند
غيره.

٢٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٥٠٤ - [٢٤] وَعَنْ مُسْلِمٍ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كَانَ أَبِي يَقُولُ فِي هُبُرِ
الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، فَكُنْتُ
أَقُولُهُنَّ، فَقَالَ: أَنْ بُنَّ، عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا؟ قُلْتُ: عَنْكَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ
وَلَ كَانَ يَقُولُهُنَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ [رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتَّرْمِذِيُّ إِلَّ أَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ، وَرَوَى أَحْمَدُ
لَفَّظَ الْحَدِيثِ، وَعِنْدَهُ: فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ]
الشرح
٢٥٠٤ - قوله: (وَعَنْ مُسْلِم بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) بن الحارث الثقفي البصري صدوق
من أوساط التابعين وثقه ابن حبان والعجلي، مات في حدود سنة تسعين. (كَانَ
أَبِي)، أي: أبو بكرة واسمه نفيع بن الحارث، تقدم ترجمته. (يَقُولُ فِي دُبُرٍ
الصَّلَاةِ)، أي: المكتوبة أو جنس الصلاة وهو يحتمل أن يكون آخرها وعقبها قبل
السلام أو بعده وهو الأظهر، قاله القاري. قلت: وقع عند النسائي، وأحمد في
رواية بلفظ: ((في دبر كل صلاة))، أي: مكتوبة، أو أعم من أن تكون فريضة أو
نافلة، والظاهر هو الأول وعليه حمله النسائي، حيث ترجم لهذا الحديث باب
التعوذ في دبر الصلاة وذكره أثناء أبواب ما يقول بعد تسليم الإمام.
(اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ)، أي: من أنواعه. (وَالْفَقْرِ)، أي: الفقر الذي لا
يصحبه خير ولا ورع، ولذا ورد: ((كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا))، رواه أبو نعيم في
((الحلية))، والبيهقي في ((الشعب)) عن أنس مرفوعًا، وهو حديث ضعيف فيه يزيد
الرقاشي وهو ضعيف متروك، قال الصغاني: وصح من قول أبي سعيد ومعناه:
أي: قارب أن يوقع في الكفر؛ لأنه يحمل على عدم الرضاء بالقضاء وتسخط الرزق
وذلك يجر إلى الكفر والعياذ بالله، وقال القاري: أي: من فتنة الفقر أو فقر القلب
المؤدي إلى كفران النعمة، وفي اقترانه بالكفر إشارة إلى ما ورد: ((كَادَ الفَقْرُ أَنْ
يَكُونَ كُفْرًا)) حيث لم يكن راضيًا بما قسم الله له وشاكرًا لما أنعم عليهِ، وللترمذي
والحاكم: ((أعوذ بك من الهم والكسل))، بدل قوله: ((أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ)).
(٢٥٠٤) التِّرْ مِذِي (٣٥٠٣)، والنَّسَائِي (٢٦٢/٨) عنه والنَّسَائِي في الاستعاذةِ.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الاسْتِعَادَة
٢٢٧
(أَيْ بُنَيَّ) بضم الموحدة وفتح الياء المشددة والتصغير للشفقة. (عَمَّنْ أَخَذْتَ
هَذَا)، أي: هذا الدعاء، وفيه: إيماء إلى أن الأليق للسالك أن يدعو بالدعوات
المأثورة. (قُلْتُ: عَنْكَ)، أي: أخذته، وفيه: تنبيه على أفضلية الإجازة في الأذكار
والدعوات. (قَالَ)، أي: تنبيهًا له على تحصيل السند إلى رسول اللّه وَّل، وزاد في
رواية لأحمد والنسائي: ((فالزمهن))، أي: حافظ على قراءة هذه الكلمات (إِنَّ
رَسُولَ اللهِ نََّ كَانَ يَقُولُهُنَّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ) في ((القاموس)): الدبر بالضم وبضمتين
نقيض القبل ومن كل شيء عقبه ومؤخره.
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) في الصلاة، وفي الاستعاذة.
(وَالتِّرْمِذِيُّ) في الدعوات، وأخرجه أيضًا الحاكم (ج١: ص٥٣٣)، وابن أبي
شيبة، وابن السني (ص٣٩). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال
الحاكم: صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي. (إِلَّا أَنَّهُ)، أي: الترمذي. (لَمْ
يُذْكَرْ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ، وَرَوَى أَحْمَدُ لَفْظَ الْحَدِيثِ، وَعِنْدَهُ: فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ)، قلت:
روى الإمام أحمد هذا حديث ثلاث مرات؛ الأولى: (ج٥ : ص٣٦) بدون ذكر
(دبر الصلاة)) وبدون القصة، والثانية: (ج٥: ٣٩) مع ذكر ((دبر كل الصلاة))،
والثالثة: (ج٥: ص ٤٤) مع ذكر القصة و((دبر كل الصلاة)).
٢٥٠٥ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ:
((أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالدَّيْنِ))، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَعْدِلُ الْكُفْرَ
بِالدَّيْنِ؟ قَالَ: ((نَعِمْ)).
- وَفِي رِوَايَةٍ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ))، قَالَ رَجُلٌ: وَيُعْدَلَانِ؟
قَالَ: ((نَعَمْ)).
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ]
الشرح
٢٥٠٥ - قوله: (أَتَعْدِلُ الْكُفْرَ)، أي: تساويه وتقارنه. (بِالدَّيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ)،
قال السندي: أراد الرجل أن قرانهما في الذكر يقتضي قوة المناسبة بينهما في
(٢٥٠٥) النَّسَائِي (٢٦٥/٨) و٢٦٧) عنه.

٢٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المضرة، بحيث أن كلّ منهما يساوي الآخر، فهل الدين بلغ هذا المبلغ حتى
استحق أن يجعل عديلاً للكفر؟ ويذكر قريبًا معه في الذكر فأجاب بأنه كذلك،
كيف وهو يمنع دخول الجنة كالكفر، نعم هو دائمي، ومنع الدين إلى غاية الأداء،
والله تعالى أعلم.
(وَفِي رِوَايَةٍ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ، قَالَ)، وفي النسائي:
((فقال)). وهكذا في بعض النسخ ((للمشكاة)). (رَجُلٌ: وَيُعْدَلَانٍ؟) بصيغة المجهول
أو المعلوم، أي: يعدل أحدهما بالآخر، أي: يستويان. (قَالَ: نَعَمْ)، أي: نعم
المديون يساوي الكافر المنافق؛ لأن الرجل إذا غلب عليه الدين حدث فكذب
ووعد فأخلف وتلك من صفات المنافقين وعلامات النفاق، والفقير أيضًا إذا لم
يصبر كاد يفضي فقره إلى كفره، فهو أسوأ حالا من المديون.
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) الرواية الأولى في باب الاستعاذة من الدين، والثانية في باب
الاستعاذة من شر الكفر، وكذا أخرج الروايتين ابن حبان كما في ((موارد الظمآن))
(ص٦٠٤، ٦٠٥)، وأخرج الحاكم الرواية الأولى فقط (ج١: ص٥٣٢)، وقال:
حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. قلت: في سنده عندهم دراج أبو السمح
رواه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد وثقه ابن معين وضعفه الدار قطني. وقال أبو
داود: حديثه مستقيم إلا عن أبي الهيثم.
وقال أحمد: أحاديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فيها ضعف، وقال في
التقريب: صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
Ex
*EXeE
٢٢٩
EaSE
٩ - بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
(بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ)، هو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: الدعاء الجامع
لمعان كثيرة في ألفاظ قليلة.
الفصل الأول
٢٥٠٦ - [١] عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ: أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو
بِهَذَا الدُّعَاءِ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي، وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي، وَمَا
أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلَّ ذَلِكَ
عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا
أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٥٠٦ - قوله: (أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ)، قال الحافظ: لم أر في شيء من
طرقه محل الدعاء بذلك، وقد وقع معظم آخره في حديث ابن عباس أنه وَ لّ كان
يقوله في صلاة الليل، ووقع أيضًا في حديث علي عند مسلم أنه كان يقوله في آخر
الصلاة، واختلف الرواية، هل كان يقوله قبل السلام أو بعده؟ ففي رواية لمسلم:
ثم يكون من آخرِ ما يقول بين التشهد والسلام: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ
وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ
لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ))، وفي رواية له، ولأحمد، وأبي داود، والترمذي: وإذا سلّم قال:
(اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ ... )) إلى آخره. ويجمع بينهما بحمل الرواية الثانية على
(٢٥٠٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٦٣٩٩/٦٣٩٨)، ومُسْلِم (٢٧١٩/٧٠) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أَبِي مُوسَى.

٢٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ges
إرادة السلام؛ لأن مخرج الطريقين واحد، وأورده ابن حبان في (صحيحه)) بلفظ:
((كان إذا فرغ من الصلاة وسلم)). وهذا ظاهر في أنه بعد السلام، ويحتمل أنه كان
يقول ذلك قبل السلام وبعده، وقد وقع في حديث ابن عباس نحو ذلك كما بينته
عند شرحه، انتهى. (اللّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي)، أي: سيئتي أو ذنبي.
قال الحافظ: الخطئية الذنب، يقال: خَطِئَ يَخْطَأُ، ويجوز تسهيل الهمزة،
فيقال: خَطِيِّة بتشديد الياء. (وَجَهْلِي)، أي: ما صدر مني من أجل جهلي، والجهل
ضد العلم، وقال القاري: (وَجَهْلِي)، أي: فيما يجب علي علمه وعمله، وقيل:
أي: ما لم أعلمه. (وَإِسْرَافِي) الإسراف الإفراط في كل شيء، ومجاوزة الحد فيه،
أي: تجاوزي عن حدي. (فِي أَمْرِي)، أي: في أموري كلها، قال الكرماني:
يحتمل أن يتعلق بالإسراف فقط، ويحتمل أن يتعلق بجميع ما ذكر على سبيل
التنازع بين العوامل.
(وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مْنِّي)، أي: تعلمه ولا أعلمه من المعاصي والسيئات
والتقصيرات في الطاعة، وقيل: أي: مِما علمته وما لم أعلمه، وهو تعميم بعد
تخصيص، وتتميم لما يستغفر منه. (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي) بكسر الجيم، وهو
الاجتهاد في الأمر والتحقيق وضد الهزل. (وَهَزْلِي) بفتح الهاء وسكون الزاي وهو
المزاح، أي: ما وقع مِنِّي في الحالين، أو هو التكلم بالسخرية والبطلان
والهذيان .
(وَخَطَئِي) قال في ((الصحاح)): الخطأ: نقيض الصواب وقد يمد، والخطأ
الذنب، وقال في ((القاموس)): الخطء والخطأ والخطاء: ضد الصواب.
والخطيئة: الذنب أو ما تعمد منه كالخطء بالكسر، والخطأ ما لم يتعمد، انتهى.
وقوله: ((خَطَئِي))، كذا في جميع نسخ ((المشكاة)) و((المصابيح)) بلفظ ضد العمد،
وهكذا وقع عند مسلم ووقع عند أكثر رواه البخاري: ((خَطَايَايَ))، قال الحافظ :
وقع في رواية الكشميهني: ((خَطَئِي))، وكذا أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد))
بالسند الذي في ((الصحيح)) وهو مناسب لذكر العمد، ولكن جمهور الرواة على
الأول، والخطايا جمع خطيئة وعطف العمد عليها من عطف الخاص على العام،
فإن الخطيئة أعم من أن تكون عن خطأ أو عمد، أو هو من عطف أحد العامين على

٢٣١
e
بَابُ جَامِع الدُّعَاءِ
ECH
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
الآخر، يعني: أنه اعتبر المغايرة بينهما باختلاف الوصفين. وقال العيني: عطف
العمد على الخطايا، إما عطف الخاص على العام باعتبار أن الخطيئة أعم من
التعمد، أو عطف أحد المتقابلين على الآخر بأن يحمل الخطيئة على ما وقع على
سبيل الخطأ. (وَعَمْدِي)، أي: وتعمدي في ذنبي.
(وَكُلُّ ذَلِكَ)، أي: جميع ما ذكر من الذنوب والعيوب. (عِنْدِي)، أي: موجود
أو ممكن وهو كالتذييل للسابق، أي: أنا متصف بجميع هذه الأشياء فاغفرها لي،
قاله تواضعًا وهضمًا واستكانة وشكرًا لما أعلم أنه قد غفر له، أو عَدَّ ترك الأولى
وفوات الكمال ذنبًا، وقيل: أراد ما كان عن غفلة وسهو، وقيل: أراد ما كان قبل
النبوة، وقيل: هو محض مجرد تعليم للأمة، وعلى كل حال فهو وّل مغفور له ما
تقدم من ذنبه وما تأخر فدعا بهذا وغيره تواضعًا؛ لأن الدعاء عبادة، قاله النووي
وغيره .
(اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ)، أي: من الذنوب والأعمال السيئة أو من التقصير في
العمل قبل هذا الوقت. (وَمَا أَخَّرْتُ)، أي: وما يقع مني بعد ذلك على الفرض
والتقدير، وعبر عنه بالماضي؛ لأن المتوقع كالمتحقق، أو معناه ما تركت من
العمل، أو قلت: سأفعل أو سوف أترك، وقيل: يحتمل أن يكون المراد ما قدم
الفاضل وأخر الأفضل، وهذا القدر من هذا الدعاء يدخل فيه جميع ما اشتمل عليه؛
لأن جميع ما ذكر فيه لا يخلو عن أحد الأمرين فهما شاملان لجميع ما سبق كقوله:
(وَمَا أَسَرَرْتُ)، أي: أخفيت.
(وَمَا أَعْلَنْتُ)، أي: أظهرت والمقصود استيفاء المغفرة لأنواع الذنوب كلها،
وقيل: المراد: ما حدثت به نفسي وما تحرك به لساني. (أَنْتَ الْمُقَدِّمُ) لمن تشاء من
خلقك بتوفيقك إلى رحمتك. (وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ) لمن تشاء عن ذلك، وقيل: أي:
أنت المقدم بعض العباد إليك بتوفيق الطاعة، أو أنت المقدم لي بالبعث في الآخرة
وأنت المؤخر بخذلان بعضهم عن التوفيق فتؤخره عنك، أو أنت المؤخر لي
بالبعث في الدنيا، أو أنت الرافع والخافض، أو المعز والمذل.
(وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) جملة مؤكدة لمعنى ما قبلها وعلى كل شيء متعلق
بـ((قدير)) وهو فعيل بمعنى فاعل، أي: كامل القدرة، وفي الحديث: الإحاطة

٢٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بمغفرة جميع الذنوب متقدمها ومتأخرها وسرها وعلنها وما كان منها على جهة
الإسراف، وما علم به الداعي وما لم يعلم به. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجاه في الدعوات،
وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص٣٩١ - ٤١٧)، والبخاري في ((الأدب المفرد))
(ج٢: ص١٣٩، ١٤٠، ١٤١)، والبيهقي، والبغوي وغيرهم.
٢٥٠٧ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ
أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِيِ هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي،
وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ،
وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرِّ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (صحيح}
الشرح
٢٥٠٧ - قوله: (اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي)، أي: عن الخطأ. (دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ
أَمْرِي) بكسر العين، أي: يعصمني من النار وغضب الجبار، وقيل: أي: ما يعتصم
به، فإن العصمة في النفس والمال والعرض إنما يحصل بالدين. والعصمة على ما
في ((الصحاح)) المنع والحفظ، فقيل: هو مصدر ها هنا بمعنى الفاعل، أي: الذي
هو حافظ لأمري، أي: لجميع أموري؛ لأنه مفرد مضاف. قال المناوي: فإن من
فسد دينه فسدت جميع أموره وخاب وخسر في الدنيا والآخرة.
(وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي)، أي: بإعطاء الكفاف فيما يحتاج إليه،
وكونه حلالًا معينًا على الطاعة. وقيل: معناه احفظ من الفساد ما أحتاج إليه في
الدنيا. (وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي)، أي: بالتوفيق للعبادة والإخلاص في الطاعة وحسن
الخاتمة. (الّتِي فِيهَا مَعَادِي) مصدر عاد إذا رجع، أي: وفقني للطاعة التي هي
إصلاح معادي، قاله القاري. وقال الجزري: أي: ما أعود إليه يوم القيامة وهو إما
مصدر أو ظرف، انتهى. أي: مكان عودي أو زمان إعادتي.
(وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ)، أي: اجعل حياتي سبب زيادة الخيرات
(٢٥٠٧) مُسْلِمٍ (٧١/ ٢٧٢٠) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
٢٣٣
من العبادة والطاعة والإخلاص، وقيل: أي: اجعل عمري مصروفًا فيما تحب
وترضى وجنبني عما تكره. (وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ)، أي: من الفتن
والمحن والابتلاء بالمعصية والغفلة. وقال زين العرب: أي: بأن يكون على شهادة
واعتقاد حسن وتوبة حتى يكون موتي سبب خلاصي عن مشقة الدنيا، والتخليص
من غمومها وهمومها وحصول الراحة في العقبى.
وقيل: فيه إشارة إلى قوله بَّه: ((إِذَا أَرَدْتَ بَقَوْم فِتْنَةً فَتَوَقَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ))، وهذا
هو النقصان الذي يقابل الزيادة في القرينة السابقة. قال الشوكاني في ((تحفة
الذاكرين)» (ص٢٨٤): هذا الحديث من جوامع الكلم؛ لشموله لصلاح الدين
والدنيا، ووصف إصلاح الدين بأنه عصمة أمره؛ لأن صلاح الدين هو رأس مال
العبد وغاية ما يطلبه، ووصف إصلاح الدنيا بأنها مكان معاشه الذي لا بد منه في
حياته، وسأله إصلاح آخرته التي هي المرجع وحولها يدندن العباد، وقد استلزم
ذلك سؤال إصلاح الدين؛ لأنه إذا أصلح الله دين الرجل فقد أصلح له آخرته التي
هي دار معاده، وسأله أن يجعل الحياة زيادة له في كل خير؛ لأن من زاده الله خيرًا
في حياته كانت حياته صلاحًا وفلاحًا، وسأله أن يجعل له الموت راحة له من كل
شر؛ لأنه إذا كان الموت دافعًا للشرور قاطعًا لها ففيه الخير الكثير للعبد، ولكنه
ينبغي له أن يقول: ((اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَقَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ
خَيْرًا لِي))، كما علمنا رسول اللّه بَّه، فإنه يشمل كل أمره ومعلوم أن من لم يكن
في حياته إلا الوقوع في الشرور، فالموت خير له من الحياة وراحة له من محنها،
انتھی .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الدعاء، ولم يخرجه البخاري في ((صحيحه)) فهو من أفراد
مسلم، نعم، أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (ج٢: ص١٢٢)، وأبو عوانة
في ((الدعوات))، والطبراني في ((الصغير)) (ص١٢٨).

٢٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٥٠٨ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ وَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى، وَالثُّقَى، وَالْعَفَافَ، وَالْغِنَى)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٥٠٨ - قوله: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتَّقَى) بالضم والقصر، أي:
الهداية والتقوى. (وَالْعَفَافَ) بالفتح الكف عن المعاصي، وعمّا لا ينبغي.
(وَالْغِنَى) بالكسر والقصر: اليسار، والمراد: غنى القلب لا غنى اليد. قال النووي:
العفاف والعفة: هو التنزه عما لا يباح والكف عنه، والغنى ها هنا غنى النفس
والاستغناء عن الناس وعما في أيديهم.
وقال في ((المعتصر)): ليس المراد بالغنى غنى المال، بل غنى النفس القاطع عن
المال الذي يقطع المرء عن الطاعات، ويشغل القلب عن اللّه تعالى فالغنى
المحمود هو الغنى الذي يتفرغ به القلب عن الدنيا، وعن الاهتمام بها، فقد صح
عنه ◌َّه أنه قال: ((مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا تَأْتِي عَلَيَّ لَيْلَةً وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ إِلَّا دِيْنَارًا
أَرْصُدُهُ لِدَيْنِ أَوْ أَقُولُ بِهِ فِي عِبَادِ اللهِ هكذا وهكذا))، قال الطيبي: أطلق الهدى
والتقى؛ ليتناول كل ما ينبغي أن يهتدي إليه من أمر المعاش والمعاد ومكارم
الأخلاق، وكل ما يجب أن يتقى منه من الشرك والمعاصي، ورذائل الأخلاق،
وطلب العفاف، والغنى: تخصيص بعد تعميم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، في ((الدعاء)) وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٣٨٩، ٤١١، ٤١٦،
٤٢٧)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (ج٢: ص١٢٨)، والترمذي، وابن ماجه
في ((الدعاء)) والبغوي (ج٥: ص١٧٤).
(٢٥٠٨) مُسْلِم (٧٢/ ٢٧٢١)، وَالتِّرْ مِذِي (٣٤٨٩)، وَابن مَاجَهْ (٣٨٣٢) جَمِيعًا فِي الدَّعَوَاتِ عَنِ ابْنِ
مَسْعُودٍ.

٢٣٥
بَابُ جَامِع الدُّعَاءِ
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
٢٥٠٩ - [٤] وَعَنْ عَلِىِّ رَوَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ: ((قُل: اللَّهُمَّ
اهْدِنِي، وَسَدِّدْنِي، وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ، وَبِالْسَّدَادِ سَدَادَ الْسَّهْم)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٥٠٩ - قوله: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي)، أي: إلى مصالح أمري، أو ثبتني على
الهداية إلى الصراط المستقيم، أو دلني على الكمالات الزائدة. (وَسَدِّدْنِي)، أمر
من التسديد، أي: اجعلني على السداد، بفتح السين المهملة وهو الاستقامة،
وإصابة القصد في الأمر والعدل فيه، أي: وفقني واجعلني مصيبًا في جميع أموري
مستقيمًا. قال الطيبي: فيه معنى قوله تعالى: ﴿فَأَسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] و
﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيِمَ ﴾﴾، أي: اهدني هداية لا أميل بها إلى طرفي الإفراط
والتفريط .
(وَاذْكُرْ) عطف على (قُلْ))، أي: اقصد وتذكر يا علي. (بِالْهُدَى) بالضم
والقصر، معناه: الرشاد ويذكر ويؤنث. (هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ)، أي: المستقيم.
(وَبِالسَّدَادِ) بفتح السين. (سَدَادَ السَّهْم)، وفي رواية أحمد وأبي داود: ((تَسْدِيدََكَ
السَّهْمَ))، قال النووي: سداد السهم تقويمه. وأصل السداد: الاستقامة والقصد في
الأمور. قال الطيبي: أمره بأن يسأل الهدى والسداد، وأن يكون في ذكره مخطرًا
بباله أن المطلوب هداية كهداية من ركب متن الطريق، وأخذ في المنهج
المستقيم، وسداد يشبه بسداد السهم نحو الغرض. وقال الخطابي في ((المعالم))
(ج٦: ص١١٦) قوله: ((وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَةَ الطَّرِيقِ))، معناه: أن سالك الطريق
والفلاة، وإنما يؤم سمت الطريق، ولا يكاد يفارق الجادة ولا يعدل عنها يمنة
ويسرة خوفًا من الضلال، وبذلك يصيب الهداية وينال السلامة، يقول: إذا سألت
الهدى فاخطر بقلبك هداية الطريق، وسل اللَّه الهدى والاستقامة، كما تتحراه في
(٢٥٠٩) مُسْلِم (٧٨/ ٢٧٢٥) فِي الدَّعَوَاتِ، وَأَبُو دَاوُد (٤٢٢٥) فِي الخَاتَمِ، وَالنَّسَائِي (١٧٧/٨) فِي
الزِّينَةِ عَنْ عَلِيٍّ أَتَمَّ مِنْهُ.

SETHE
٢٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
**
هداية الطريق إذا سلكتها، وقوله: ((وَاذْكُرْ بِالسَّدَادِ تَسْدِيدَََ السَّهْمَ))، معناه: أن
الرامي إذا رمى غرضًا سدد بالسهم نحو الغرض ولم يعدل عنه يمينًا ولا شمالًا
ليصيب الرمية فلا يطيش سهمه، ولا يخفق سعيه، يقول: فاختر المعنى بقلبك حين
تسأل اللَّه السداد، ليكون ما تنويه من ذلك على شاكلة ما تستعمله في الرمي.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص٨٨، ١٣٤، ١٣٨،
١٥٤)، وأبو داود في الخاتم، والنسائي في الزينة.
٢٥١٠ - [٥] وَعَنْ أَبِي مَالِكِ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا
أَسْلَمَ عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ◌َِّ الصَّلَاةَ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: ((اللَّهُمَّ
اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِي، وَارْزُقْتِي)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح }
الشرح
٢٥١٠ - قوله: (وَعَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ) اسمه سعد بن طارق بنٍ أشيم،
تقدم ترجمته وترجمة أبيه في (ج٢: ص٢٢٣). (كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ عَلَّمَهُ النَّبِيُّ
وَلِّ الصَّلَاةَ)، أي: جنس مسائل الصلاة من شروطها وأركانها، أو الصلاة تحضره
فإنه فرض عينه. (ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ) ؛ لكونها جامعة لجميع خيرات
الدنيا والآخرة.
(اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)، أي: بمحو ذنوبي. (وَارْحَمْنِي)، أي: بستر عيوبي.
(وَاهْدِنِي)، أي: إلى سبيل السلامة، أو ثبتني على نهج الاستقامة. (وَعَافِي)،
أي: من البلايا والخطايا. (وَارْزُقْنِي)، أي: رزقًّا حلالًا.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، في الدعاء وأخرجه أيضًا أحمد (ج٣: ص٤٧٢)، وروى مسلم
وأحمد أيضًا (ج٣: ص٤٧٢، وج٦: ص٣٩٤)، وابن ماجه في الدعاء من طريق
يزيد بن هارون عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه أنه سمع النبي ◌َّ وأتاه رجل فقال:
يا رسول الله، كيف أقول حين أسأل ربي؟ قال: «قُل: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي
(٢٥١٠) مُسْلِم (٢٦٩٧/٣٥)، وَابن مَاجَهْ (٣٨٤٥) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ عَنْ أَبِهِ .

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
٢٣٧
وَعَافِي وَارْزُقْنِي - ويجمع أصابعه إلا الإبهام - فَإِنَّ هَؤُلَاءِ تَجْمَعُ لَكَ دُنْيَاَ
وَآخِرَتَكَ)).
٢٥١١ - [٦] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ وَّةِ ((اللَّهُمَّ آتِنَا فِي
الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَّنَةً، وَقِنَا عَذَابَ الْنَّارِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٥١١ - قوله: (كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ وََّ)، أي: لكونه دعاء جامعًا ولكونه
من القرآن مقتبسًا، وجعل الله داعيه ممدوحًا. (اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا)، أي: قبل
الموت، وهذا لفظ البخاري في الدعوات، ورواه في تفسير البقرة بلفظ: كان
النبي ◌َّه يقول: ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا))، وأخرجه مسلم وغيره بلفظ: كان أكثر
دعوة يدعو بها يقول: ((اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا ... )) إلى آخرة. قال: وكان أنس إذا أراد
أن يدعو بدعوة - أي: واحدة - دعا بها، أي: بهذه الدعوة، أي: اللَّهُمَّ آتِنَا في
الدُّنْيَا حَسَنَةً ... إلى آخره -، وإذا أراد أن يدعو بدعاء - أي: كثير طويل - دعا بها
فيه أي: بهذه الدعوة في ضمن دعواته الكثيرة، وللبغوي قال: كان رسول اللّه وَاليه
یکثر أن يقول.
(حَسَنَةً)، أي: كل ما يسمى نعمة ومنحة عظيمة وحالة مرضية. (وَفِي الْآخِرَةِ)،
أي: بعد الموت. (حَسَنَةً)، أي: مرتبة مستحسنة. (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، أي:
احفظنا منه وما يقرب إليه، قال الطيبي: قوله: ((وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) تتميم، أي: إن
صدر منا ما يوجبه من التقصير والعصيان؛ فاعف عنا وقنا عذاب النار. قيل: المراد
بالحسنة: كل ما يعطاه العبد في الدنيا مما يلائم طبعه من العيشة الطيبة والغنى
والعافية، والمرأة الحسنة، وغير ذلك مما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين من المباح
الحلال، وكذلك كل ما يعطاه في الآخرة يكون حسنة بلا واسطة أو بواسطة، وأمَّا
ما يذكر عن علي أن الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحور العين،
(٢٥١١) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنْ أَنَسٍ؛ البُخَارِي (٤٥٢٢) فِي التَّفْسِيرِ، مُسْلِم (٢٦/ ٢٦٩٠) فِي الدَّعَوَاتِ،
والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (١٠٨٩٣) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، أَبُو دَاوُد (١٥١٩).

٢٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وعذاب النار المرأة السوء، وعن الحسن البصري أنها العلم النافع والعبادة والرزق
الطيب، وفي الآخرة الجنة، وعن قتادة أنها العافية في الدنيا والآخرة.
وعن السدي ومقاتل: أن حسنة الدنيا: الرزق الحلال الواسع، والعمل
الصالح، وحسنة الآخرة: المغفرة والثواب. وعن عطية: حسنة الآخرة تيسير
الحساب ودخول الجنة، وعن غيره: أن حسنة الدنيا الصحة والكفاف والعفاف في
الدنيا، والثواب والرحمة في الآخرة، ونحو ذلك فمثال لا غير. قال القاضي
عياض: إنما كان يكثر الدعاء بهذه الآية؛ لجمعها معاني الدعاء كلها من أمر الدنيا
والآخرة، قال: والحسنة عندهم ها هنا النعمة، فسأل نعيم الدنيا والآخرة،
والوقاية من العذاب.
وقال ابن كثير في ((تفسيره)) : جمعت هذه الدعوة کل خير في الدنيا وصرفت كل
شر، فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة وزوجة
حسنة، وولد بار، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هين، وثناء
جميل، إلى غير ذلك، مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها فإنها
كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأمّا الحسنة في الآخرة، فأعلى ذلك دخول
الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب وغير
ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأمَّا النجاة من النار والوقاية من عذابه، فهو
يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات
والحرام. قال الحافظ: أو العفو محضًا ومراده بقوله: ((وتوابعه)) ما يلتحق به في
الذكر لا ما يتبعه حقيقة، انتهى. وقال القرطبي: والذي عليه أكثر أهل العلم أن
المراد بالحسنتين: نعيم الدنيا والآخرة. قال: وهذا هو الصحيح، فإن اللفظ
يقتضي هذا كله، فإن ((حَسَنَةً)) نكرة في سياق الدعاء، فهو محتمل لكل حسنة من
الحسنات على البدل وحسنة الآخرة الجنة بإجماع، انتهى.
وقال القاري: لعله ◌َلٍّ كان يكثر هذا الدعاء؛ لأنه من الجوامع التي تحوز جميع
الخيرات الدنيوية والأخروية، وبيانه: أنه ول# كرر الحسنة ونكرها، وقد تقرر في
علم المعاني أن النكرة إذا أعيدت كانت غير الأولى، فالمطلوب في الأولى
الحسنات الدنيوية من الاستقامة والتوفيق والوسائل إلى اكتساب الطاعات

كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ جَامِعِ الدُّعَاءِ
٢٣٩
والميراث، بحيث تكون مقبولة عند الله، وفي الثانية ما يترتب عليها من الثواب
والرضوان في العقبى، وفي تفسير الآية أقوال كثيرة كلها ترجع إلى المعنى الأعم،
انتھی .
وقال الشوكاني: الظاهر أن المراد: أنه يكون ما يعطاه في الدنيا حسنة، فيكون
كل خصلة من خصال الدنيا حسنة، وكل خصلة من خصال الآخرة حسنة. أو
يقال: المراد: حسن المعاش وحسن المعاد، وحسن الحياة وحسن الممات، فإن
ذلك يستلزم أن يكون كل أمور دنياه وآخرته حسنة.
(مُتَفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في تفسير البقرة، وفي الدعوات، ومسلم في
الدعاء. واللفظ للبخاري في الدعوات، وأخرجه أيضًا أحمد (ج: ص)، والبخاري
في (الأدب المفرد)) (ج٢: ص ١٣٠، ١٣٤)، وأبو داود في أواخر الصلاة،
والنسائي في ((اليوم والليلة))، والبغوي (ج٥: ص١٨١، ١٨٢).