Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَالْإِيمَانِ)، أي: بدوامه وكماله. (وَالسَّلَامَةِ)، أي: عن كل مضرة وسوء.
(وَالْإِسْلَام)، أي: دوامه. قال القاضي: الإهلال في الأصل رفع الصوت، ثم نقل
إلى رؤية الهلال؛ لأن الناس يرفعون أصواتهم إذا رأوه بالإخبار عنه، ولذلك سمي
الهلال هلالًا نقل منه إلى طلوعه؛ لأنه سبب لرؤيته ومنه إلى إطلاعه، وهو في
الحديث بهذا المعنى، أي: أطلعه علينا وأرنا إياه مقترنًا بالأمن والإيمان: أي:
باطنًا، والسلامة والإسلام، أي: ظاهرًا ونبه بذكر الأمن والسلامة على دفع كل
مضرة وبالإيمان والإسلام على جلب كل منفعة على أبلغ وجه وأوجز عبارة. (رَبِّي
وَرَبُّكَ اللهُ) خطاب للهلال على طريق الالتفات؛ ولما توسل به لطلب الأمن
والإيمان دل على عظم شأن الهلال، فقال ملتفتًا إليه: (رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ))؛ تنزيهًا
للخالق أن يشارك في تدبير ما خلق وردًّا للأقاويل الداحضة في الآثار العلوية. وفي
الحديث: تنبيه على أن الدعاء مستحب عند ظهور الآيات وتقلب أحوال النيرات،
وعلى أن التوجه فيه إلى الرب لا إلى المربوب، والالتفات في ذلك إلى صنع
الصانع لا إلى المصنوع، ذكره التوربشتي. وقال الشوكاني: في الحديث:
مشروعية الدعاء عند رؤية الهلال بما اشتمل عليه هذا الحديث.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات، وأخرجه أيضًا أحمد (ج١: ص١٦٣) والدارمي
في أول الصوم، والحاكم في ((الأدب)) (ج٤: ص ٢٨٥)، والبخاري في ((التاريخ
الكبير)) (٢، ١، ١٠٩) في ترجمة بلال بن يحيى بن طلحة، وابن السني
(ص٢٠٧)، والبغوي (ج٥ : ص١٢٨)، ونسبه في ((الحصن)) لابن حبان أيضًا، قال
الشوكاني: وزاد ابن حبان بعد قوله: ((وَالْإِسْلَامِ: وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى))،
والحديث رواه كلهم من طريق سليمان بن سفيان المدني عن بلال بن يحيى بن
طلحة بن عبيد الله عن أبيه عن جده طلحة بن عبيد الله.
(وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ)، وقال الشيخ أحمد شاكر في ((شرح المسند))
(ج٢: ص ٣٦٥): إسناده حسن ورمز لحسنه السيوطي في ((الجامع الصغير))،
وسكت عنه الحاكم والذهبي. قلت: سليمان بن سفيان ضعفه ابن معين، وأبو
حاتم، والنسائي وغيرهم، وفي ((التهذيب)) (ج٤: ص١٩٤) عن الترمذي في العلل
المفردة عن البخاري منكر الحديث، وفيه أيضًا أن ابن حبان ذكره في ((الثقات))،
وقال: كان يخطئ. وهذا أعدل ما فيه. قال: ورواه البخاري في ((الكبير)) في ترجمة
١٢١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
بلال ولم يذكر له علة ولذلك رجحنا تحسينه إلا أن البخاري لم يذكر سليمان بن
سفيان في ((الضعفاء))، انتهى. وقال المناوي في ((فيض القدير)) (ج٥: ص١٣٦):
بعد نقل تحسين الترمذي: وهو مستند المصنف يعني السيوطي في رمزه لحسنه،
ونوزع بأن الحديث عد من منكرات سليمان، وقد ضعفه ابن المدني وأبو حاتم
والدار قطني.
وقال ابن معين: ليس بثقة. وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال: كان يخطئ.
وقال الحافظ ابن حجر: صححه الحاكم وغلط في ذلك، فإن فيه سليمان بن سيفان
ضعفوه، وإنما حسنه الترمذي لشواهده، انتهى. قلت: لم يحكم الحاكم في
((المستدرك)) (ج٤: ص٢٨٥) على هذا الحديث بشيء بل سكت عنه هو والذهبي،
انتهى، وأما شواهده: فمنها: ما رواه الدارمي وابن حبان والطبراني عن ابن عمر
مثل حديث طلحة وزاد : ((وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى))، وفي سنده عندهم عثمان بن
إبراهيم الحاطبي. قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج١٠: ص١٣٩): فيه ضعف
وبقية رجاله ثقات. ومنها: ما رواه ابن السني (ص٢٠٨) عن حدير أبي فوزة
السلمي بلفظ: كان إذا رأى الهلال قال: ((اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ عَلَيْنَا بِالأَمْنِ وَالْإِيمَانِ
وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ وَالسَّكِينَةِ وَالْعَافِيَةِ وَالرِّزْقِ الْحَسْنِ))، وحدير هذا مختلف في
صحبته ذكره جماعة. ومنهم: الذهبي في ((تجريده)) (ج ١: ص ١٣٣) في الصحابة
وذكره ابن حبان في التابعين .
DONE
١٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٤٥٢، ٢٤٥٣ - [١٤، ١٥] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَبِي
هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلّهِ: ((مَا مِنْ رَجُلِ رَأَى مُبْتَلَّى فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِي عَافَانِ مِمَّا ابْتَلَاَكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، إِلَّا لَمْ
يُصِبْهُ ذَلِكَ الْبَلَاءُ كَائِنَّا مَا كَانَ)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢٤٥٢، ٢٤٥٣ - قوله: (مَا مِنْ رَجُل رَأَى مُبْتَلَّى)، أي: في أمر بدني:
كبرص وجذام، وقصر فاحش أو طول مفرط،ً أو عمى أو عرج، أو اعوجاجٍ يد
ونحوها. أو دِيْنِي: بنحو فسق وظلم، وبدعة وكفر وغيرها. (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي
عَافَانِي)، أي: نَجَّاني وسلمني. (مِمَّ ابْتَلَاَكَ بِهِ)، فإن العافية أوسع من البلية؛ لأنها
مظنة الجزع والفتنة وحينئذٍ تكون محنة، أيُّ محنة، والمؤمن القوي أحب إلى الله
من المؤمن الضعيف كما ورد، قال العلماء: إن كان مبتلى بالفسوق يقوله جهرًا
ويسمعه لينزجر عنها، وإن كان مريضًا أو ناقص الخلقة يقوله سرًّا لئلا يتألم قلبه
بذلك. ولا يلزم من لفظ الخطاب الجهر والإسماع، والطيبي حمله على القسم
الأول بقرينة الخطاب، حيث قال هذا، إذا كان مبتلى بالمعاصي والفسوق، وأمَّا
إذا كان مريضًا أو ناقص الخلقة لا يحسن الخطاب. قال القاري: الصواب: أنه
يأتي به لورود الحديث بذلك وإنما يعدل عن رفع الصوت إلى إخفائه في غير
الفاسق بل في حقه أيضًا، إذا كان يترتب عليه مفسدة، ولذا قال الترمذي بعد إيراد
الحديث المرفوع: وقد روي عن أبي جعفر محمد بن علي أنه قال: إذا رأى صاحب
بلاء يتعوذ يقول ذلك في نفسه، ولا يسمع صاحب البلاء، انتهى. ويسمع صاحب
البلاء الديني إذا أراد زجره، يرجو انزجاره.
(وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ)، أي: صَيَّرَنِي أفضل منهم، أي: أكثر خيرًا أو
أحسن حالًا. وقال القاري: أي: في الدين والدنيا والقلب والقالب. (تَفْضِيلًا)
مصدر مؤكد لما قبله. (كَائِنًا مَا كَانَ) الظاهر أنه حال من الفاعل يدل على ذلك آخر
(٢٤٥٢)، (٢٤٥٣) التِّرْمِذِي (٣٤٣١).
١٢٣
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
حديث عمر كما سيأتي، أي: حال كون ذلك البلاء، أي شيء كان، وقال الطيبي :
حال من الفاعل أو الهاء في لم يصبه وهذا الوجه، وذهب المظهر إلى أنه من
المفعول. وقال: أي: في حال ثباته وبقائه ما كان، أي: ما دام باقيًا في الدنيا كذا
في ((المرقاة)) .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات عن عمر وأبي هريرة. قلتٍ: روى الترمذي أولًا
من حديث عمرو بن دينار مولى آل الزبير عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر
عن عمر أن رسول اللَّهُ وَ له قال: ((مَنْ رَأَى صَاحِبَ بَلَاءٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي
عَافَانِي مِمَّ ابْتَلَالَكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا إِلَّا عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ
كَائِنَّا مَا كَانَ مَا عَاشَ))، وقد ضعف الترمذي إسناد هذا الحديث حيث قال: هذا
حديث غريب، وعمرو بن دينار قهر مان آل الزبير ليس بالقوي في الحديث، وقد
تفرد بأحاديث عن سالم بن عبد الله بن عمر ثم روى الترمذي من حديث سهيل بن
أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه وَله: ((مَنْ رَأَى مُبْتَلَّى فَقَالَ:
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّ ابْتَلَاَكَ بِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا لَمْ يُصِبْهُ
ذَلِكَ الْبَلَاءُ)).
قال الترمذي بعد إخراجه: حديث حسن غريب من هذا الوجه. قال ميرك: روى
الترمذي من حديث أبي هريرة وحسن إسناده، ومن حديث عمر بن الخطاب بمعناه
وضعفه، انتهى، فإطلاق المصنف ليس على بابه، وتصرفه في سياق المتن ليس
مما يستحسن. والظاهر: أنه تبع في سوق المتن البغوي صاحب ((المصابيح)) وزاد
أبا هريرة في ذكر مخرج الحديث، ولم يلتفت إلى تغاير سنديهما ولا إلى تحسين
الترمذي لحديث أبي هريرة، وحديث عمر أخرجه أيضًا البغوي في ((شرح السنة))
(ج٥: ص ١٣٠) وأخرج البيهقي كما في ((الجامع الصغير))، والبزار، والطبراني
في ((الصغير)) و((الأوسط))، كما في ((الترغيب)) (ج٤: ص ٨٤)، و((مجمع الزوائد))
(ج١٠: ص١٣٨) من حديث أبي هريرة وحده. وقال فيه: ((فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ شَكَرَ تِلَكَ
النِّعْمَةَ)).
قال المنذري والهيثمي: إسناده حسن، وأخرج ابن السني (ص١٠١) من حديث
عمر وحده عن النبي ◌َّةِ، قال: «مَا مِنْ رَجُلِ يَفْجَأُهُ صَاحِبُ بَلَاءٍ فَيَقُولُ: الْحَمْدُ
للهِ))، إلخ. وفيه أيضًا: عمرو بن دينار قهر مان آل الزبير.
BBext
١٢٤
se
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٤٥٤ - [١٦] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَقَالَ الَّتْرمِذِيُّ: هَذَا
حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارِ الرَّاوِي لَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
الشرح
٢٤٥٤- قوله: (وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) في آخر الدعاء. (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بلا واو
بلفظ: ((مَنْ فَجِئَهُ - بكسر الجيم وفتحها، أي: لقيه فجاءة - صَاحِبُ بَلَاءٍ، فَقَالَ:
الْحَمْدُ للهِ)»، الحديث. وفي سنده أيضًا عمرو بن دينار وأخرجه أيضًا الطبراني في
((الأوسط)) بلفظ حديث أبي هريرة. قال الهيثمي (ج ١٠: ص١٣٨): وفيه: زكريا
بن يحيى بن أيوب الضرير ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا)،
أي: حديث عمر بن الخطاب. (غَرِيبٌ)، أي: ضعيف، وأمَّا حديث أبي هريرة
فقد حسنه الترمذي كما تقدم.
(وَعَمْرُو بِنُ دِينَارِ الرَّاوِي) أي: لحديث عمر، عن سالم بن عبد الله بن عمر عن
ابن عمر عن عمر. (لَيْسَ بِالْقَوِيِّ) في الحديث، وضعفه أيضًا ابن معين وعمر بن
علي وأبو حاتم وأبو زرعة، والنسائي، والدار قطني، وأبو داود وغيرهم. وقالوا:
روي عن سالم بن عبد الله بن عمر أحاديث منكرة، وقال البخاري: فيه نظر.
فحديث عمر عند الترمذي وابن السني ضعيف وكذا حديث ابن عمر عند ابن ماجه
لكن يؤيدهما حديث أبي هريرة، وهو حديث حسن الإسناد.
(٢٤٥٤) ابن مَاجَهْ (٣٨٩٢) فِي الدَّعَوَاتِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، وَقال التِّرْ مِذِي: غَرِيبٌ.
١٢٥
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
E
٢٤٥٥ - [١٧] وَعَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((مَنْ دَخَلَ السُّوقَ
فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلُْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي
وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ اللَّهُ
لَهُ أَلْفَ أَلْفَ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفَ سَيَِّةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفَ دَرَجَةٍ،
وَبَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ الَتْرمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ،
وَفِي شَرْحِ الْسُنَّةِ: ((مَنْ قَالَ فِي سُوقٍ جَامِعٍ يُبَاعُ فِيهِ)) بَدَلَ: ((مَنْ دَخَلَ الْسُوَقَ))]
الشرح
٢٤٥٥ - قوله: (مَنْ دَخَلَ السُّوقَ)، قال الطيبي: خصه بالذكر؛ لأنه مكان
الغفلة عن ذكر الله والاشتغال بالتجارة، فهو موضع سلطنة الشيطان، ومجمع
جنوده، فالذاكر هناك يحارب الشيطان ويهزم جنوده فهو خليق بما ذكر من الثواب
انتهى. (فَقَالَ)، أي: سرًّا أو جهرًا. قيل: والأفضل الجهر به؛ لأن فيه تذكيرًا
للغافلين حتى يقولوا مثل قوله، ففيه القول والنفع المتعدي ولكنه إذا أمِنَ الرياء
والسمعة. (بِيَدِهِ الْخَيْرُ)، وكذا الشر؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلُّ مِّنْ عِندِ اللّهِ﴾ [النساء: ٧٨]،
ج
فهو من باب الاكتفاء، أو من طريق الأدب فإن الشر لا ينسب إليه.
(وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ)، أي: مشيء. (قَدِيرٌ) تام القدرة. قال الطيبي: فمن ذكر الله
فيه دخل في زمرة من قال تعالى في حقهم: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ تِحَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ
اللّهِ﴾ [النور: ٣٧]. (كَتَبَ اللهُ لَهُ)، أي: أثبت له أو أمر بالكتابة لأجله. (أَلْفَ أَلْفَ
حَسَنَةٍ ... ) إلخ. كناية عن كثرة الثواب، قالوا: وذلك من جهة أنه يدفع عنهم ظلمة
الغفلة، وماهم فيه من الزور والأيمان الكاذبة، كما يشاهد في الأسواق، ولما كان
في ذلك غلظة وشدة، وفيهم كثرة كان الأجر أيضًا كثيرًا. كذا قال في ((اللمعات))،
وهو محصل كلام الطيبي في ((شرح المشكاة)).
(٢٤٥٥) التِّرْ مِذِي (٣٤٢٨) فِي الدَّعَوَاتِ، وَابن مَاجَهْ (٢٢٣٥) فِي التِّجَارَاتِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِهِ،
وَقَال التِّرْمِذِي: غَرِيبٌ، قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ)»: هِيَ فِي التِّرْمِذِيِّ.
١٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَمَحَا عَنْهُ)، أي: بالمغفرة، أو أمر بالمحو عن صحيفته. (أَلْفَ أَلْفَ سَيِّئَةٍ)،
أي: إن كانت وإلا تزاد في الحسنة بقدر ذلك. (وَبَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)، أي: أمر
ببنائه وهذه الجملة وقعت في رواية أخرى للترمذي مكان قوله: (وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفَ
دَرَجَةٍ) ورواه بهذا اللفظ أحمد (ج١: ص٤٧)، وابن ماجه في التجارات، وابن
السني (ص٦٣)، والبغوي (ج٥ ص١٣٢)، وابن أبي الدنيا والحاكم (ج١:
ص٥٣٨) كلهم من رواية عمرو بن دينار، قهر مان آل الزبير، عن سالم بن عبد الله
عن أبيه عن جده، وقد تقدم الكلام في عمرو بن دينار ورواه أيضًا الحاكم (ج١ :
ص٥٣٩) من حديث عبد الله بن عمر مرفوعًا أيضًا، وقال: هذا إسناد صحيح على
شرط الشيخين. قال المنذري في ((الترغيب)): كذا قال الحاكم، وفي إسناده
مسروق ابن المرزبان يأتي الكلام عليه، انتهى. قلت: قد ذكر في آخر كتابه
مسروق بن المرزبان هذا. وقال: قال أبو حاتم: ليس بالقوي ووثقه غيره، انتهى.
قلت: ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال صالح بن محمد: صدوق. وقال
الذهبي في ((الميزان)»: صدوق معروف، ثم ذكر كلام أبي حاتم. وقال في ((تلخيص
المستدرك)): مسروق بن المرزبان ليس بحجة. قال الحاكم: تابع مسروقًا عمران
ابن مسلم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ثم ساقه من رواية يحيى بن سليم عنه،
قال الذهبي: وقال البخاري: عمران منكر الحديث.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات من طريق أزهر بن سنان عن محمد بن واسعٍ عن
سالم بن عبد الله عن أبيه عن جده، وانتهى هذا الطريق إلى قوله: (وَرَفَعَ لَّهُ أَلْفَ
أَلْفَ دَرَجَةٍ)، قال الترمذي: هذا حديث غريب. وقد رواه عمرو بن دينار عن سالم
ابن عبد الله، هذا الحدیث نحوه ثم ساقه من روایة أحمد بن عبدة عن حماد بن زيد
والمعتمر بن سليمان عن عمرو بن دينار، وفيه: ((وَبَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)) مكان «وَرَفَعَ
لَهُ أَلْفَ أَلْفَ دَرَجَةٍ)).
(وَابْنُ مَاجَهْ)، وكذا أحمد، وابن السني، والحاكم، والبغوي، والترمذي،
كلهم من رواية عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله بزيادة: ((بَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةٍ))
مكان ((وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفَ دَرَجَةٍ)) وللحديث عدة طرق ذكرها الحاكم في المستدرك
(ج١: ص٥٣٨، ٥٣٩). (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا)، أي: حديث عمر من طريق أزهر
١٢٧
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
B
ابن سنان عن محمد بن واسع عن سالم بن عبد الله. (غَرِيبٌ) وقال المنذري في
((الترغيب)) بعد ذكر سياق أزهر بن سنان وكلام الترمذي، هذا ما نصه: إسناده متصل
حسن ورواته ثقات أثبات، وفي أزهر بن سنان خلاف. قال ابن عدي: أرجو أنه لا
بأس به. قلت: قد ذكره أيضًا في آخر كتابه. وقال: قال ابن معين: ليس بشيء،
وقال ابن عدي: ليست أحاديثه بالمنكرة جدًّا أرجو أنه لا بأس به، انتهى.
قال الشوكاني في ((تحفة الذاكرين)): والحديث أقل أحواله أن يكون حسنًا، وإن
كان في ذكر العدد على هذه الصفة نكارة، انتهى. ولا يخفى ما في سياق المصنف
للحديث ولكلام الترمذي من الخلل والخرازة. هذا وقد بسط الكلام في طرق هذا
الحديث ابن القيم في ((تهذيب السنن)) (ج٧: ص٣٣٦) فارجع إليه.
(وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ)، أي: لصاحب (المصابيح)) (ج٥: ص١٣٢). ((مَنْ قَالَ فِي
سُوقٍ جَامِعٍ يُبَّاعُ فِيهِ بَدَلَ: مَنْ دَخَلَ السُّوقَ))، قال البغوي: وهذه الرواية تقتضي
طلب ذلكً وهو الأقرب؛ لأن حكمة ترتب هذا الثواب العظيم على هذا الذكر
اليسير أنه ذاكر لله تعالى في الغافلين، فهو بمنزلة المجاهد مع الغازين، انتهى.
وفي ((المستدرك)) للحاكم: قال محمد بن واسع: فأتيت قتيبة بن مسلم، فقلت له:
أتيتك بهدية، فحدثته بالحديث، فكان يركب في موكبه حتى يأتي باب السوق
فيقولها ثم ينصرف .
١٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٤٥٦ - [١٨] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلِ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ◌َهِ رَجُلًّا يَدْعُو
يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ تَمَامَ النِّعْمَةِ، فَقَّالَ: ((أَُّ شَيْءٍ تَمَامُ النِّعْمَةِ؟)) قَالَ:
دَعْوَةٌ أَرْجُو بِهَا خَيْرًا، فَقَالَ: ((إِنَّ مِنْ تَمَامِ النِّعْمَةِ دُخُولَ الْجَنَّةِ، وَالْفَوْزَ مِنَ
النَّارِ))، وَسَمِعَ رَجُلَا يَقُولُ: يَا ذَا الْجَلَالِ وَلْإِكْرَامِ ! فَقَالَ: ((قَدْ اسْتُجِيبَ لَكَ،
فَسَلْ)). وَسَمِعَ النَّبِيُّ ◌َّهِ رَجُلًّا وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الصَّبْرَ، فَقَالَ:
((سَأَلْتَ اللَّهَ الْبَلَاءَ فَاسْأَلْهُ الْعَافِيَةَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢٤٥٦ - قوله: (يَقُولُ) بدل أو حال. (فَقَالَ)، أي: النبي ◌َّ سؤال امتحان.
(دَعْوَةٌ)، أي: مستجابة ذكره الطيبي، أو هو دعوة، أو مسألة دعوة. (أَرْجُو بِهَا
خَيْرًا)، قال القاري: أي: مالًا كثيرًا. وقوله: (خَيْرًا)، كذا في جميع النسخ من
((المشكاة))، ووقع في الترمذي: أرجو بها الخير، وهكذا في ((المسند)). قال
الطيبي: وجه مطابقة الجواب السؤال، هو أن جواب الرجل من باب الكناية، أي :
أسأله دعوة مستجابة، فيحصل مطلوبي منها، ولما صرح بقوله: (خَيْرًا)، فكان
غرضه المال الكثير، كما في قوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] فرده ◌َّله بقوله:
(إِنَّ مِنْ تَمَامِ النِّعْمَةِ ... ) إلخ. وأشار إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ
اُلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، انتهى .
قال القاري: والأظهر أن الرجل حمل النعمة على النعم الدنيوية الزائلة الفانية
وتمامها على مادعاه في دعائه فرده وَلّر عن ذلك، ودله على أن لا نعمة إلا النعمة
الباقية الأخروية، انتهى. وقال الشيخ الدهلوي في ((اللمعات)): قوله: (أَرْجُو بِهَا
خَيْرًا)، أي: هذه دعوة أرجو بها خيرًا، وأعلم مجملًا أن عند اللَّه نعمة تامة
فأسألها، ولا أعرف حقيقة تمام النعمة، فعلمه رسول اللّه وَل حقيقة تمام النعمة،
هذا ما يخيل بالبال في معنى الحديث، وهو المتبادر وإن لم يذكره الطيبي.
(فَقَالَ: إِنَّ)، وفي الترمذي: ((قَالَ: فَإِنَّ)، (مِنْ تَمَامِ النِّعْمَةِ دُخُولَ الْجَنَّةِ)، أي:
(٢٤٥٦) ((سُنَن التِّرْ مِذِيُّ)» (٣٥٢٧).
١٢٩
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الأَوْقَاتِ
ابتداء. (وَالْفَوزَ)، أي: الخلاص والنجاة. (مِنَ النَّارِ)، أي: ولو انتهاء. (وَسَمِعَ)،
أي: النبي ◌َّهِ. (يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام)، أي: يا ذا العظمة والكبرياء والإكرام
لأوليائه. (قَدْ اسْتُجِيبَ لَكَ)، أي: وقعَ لك استحقاق الإجابة، أو قصد به التفاؤل
والمبالغة على أن الاستجابة بمعنى الإجابة. (فَسَلْ)، أي: ما تريد، وفيه دليل على
أن استفتاح الدعاء بقول الداعي: يا ذا الجلال والإكرام يكون سببًا في الإجابة
وفضل الله واسع.
(فَقَالَ)، في الترمذي: قال: (سَأَلْتَ اللهَ الْبَلَاءَ)، أي؛ لأنه يترتب عليه. (فَاسْأَلْهُ
الْعَافِيَةَ)، أي: فإنها أوسع وكل أحد لا يقدر أن يصبر على البلاء ومحل هذا إنما هو
قبل وقوع البلاء، وأما بعده فلا منع من سؤال الصبر بل مستحب؛ لقوله تعالى:
﴿رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبًْا﴾ [البقرة: ٢٥٠]، [الأعراف: ١٢٦]. (رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في الدعوات
وقال: هذا حديث حسن، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥: ص٢٣١، ٢٣٥)، والبخاري
في ((الأدب المفرد)) (ج٢: ص ١٨٧).
٢٤٥٧ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((مَنْ جَلَسَ
مَجْلِسًا فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَّيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والبَيْهَقِيُّ فَيَ الْدَّعَوَاتِ الْكَبَيرِ] {صحيح}
ذَلِك)».
الشرح
٢٤٥٧ - قوله: (فَكَثُرَ) بضم الثاء. (لَغَطُّهُ) بفتحتين، قال في ((القاموس)):
اللغط الصوت والجلبة، أو أصوات مبهمة لا يفهم معناها، انتهى. والمراد هاهنا:
كلام لا طائل تحته وما لا يعني. وقال القاري: أي: تكلم بما فيه إثم لقوله: (غُفِرَ
لَهُ). وقال الطيبي: اللغط بالتحريك الصوت، والمراد به: الهزء من القول وما لا
طائل تحته فكأنه مجرد الصوت العَرِيِّ عن المعنى. (فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ)، في
الترمذي بعده: ((مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ)) .
(٢٤٥٧) التِّرْ مِذِي (٣٤٣٣) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
SCENE
١٣٠
eate
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
(سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدَِ)، لعله مقتبس من قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ
نَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨]، قال عطاء: من كل مجلس تجلسه. واللَّهُمَّ معترض؛ لأنه قوله:
(وَبِحَمْدَِ)) متصل بقوله: ((سُبْحَانَكَ)) إما بالعطف، أي: أسبح وأحمد أو بالحال،
أي: أسبح حامدًا لك. ((إِلَّا غُفِرَ لَهُ))، أي: ما جلس شخص مجلسًا، فكثر لغطه
فيه، فقال ذلك قبل أن يقوم إلا غفر له. وفي ((المستدرك)) للحاكم: ((مَا جَلَسَ قَوْمٌ
مَجْلِسًا كَثُرَ لَغَطُهُمْ فِيهِ فَقَالَ قَائِلٌ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ)، إلخ. (مَا كَانَ)،
أي: من اللغط .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات من ((جامعه)). (وَالْبَيْهَِيُّ فِي الدَّعَواتِ الْكَبِيرِ)،
وأخرجه أيضًا أحمد، وأبو داود في الأدب، والنسائي في ((الكبرى))، وابن حبان
في (صحيحه))، كما في ((الموارد)) (ص٥٨٨)، والحاكم (ج١: ص٥٣٦، ٥٣٧)،
وابن السني (ص١٤٤)، والبغوي في ((شرح السنة)) (ج٥: ص١٣٤)، وقال
الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، وسكت عنه أبو داود والمنذري، وقال
الحاكم بعد روايته من طريق موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه: هذا الإسناد صحيح
على شرط مسلم إلا أن البخاري قد علله بحديث وهيب عن موسى بن عقبة عن
سهيل، عن أبيه عن كعب الأحبار من قوله ووافقه الذهبي. وذكر الحاكم في ((علوم
الحديث)) (ص١١٣) هذا الحديث مثالًا للجنس الأول من أجناس العلل، وهو أن
يكون السند ظاهره الصحة وفيه من لا يعرف بين أهل الحديث بالسماع عمن روى
عنه .
قال الحاكم بعد ذكر هذا الحديث: هذا الحديث من تأمله لم يشك أنه من شرط
الصحيح وله علة فاحشة، ثم نقل عن البخاري أنه قال: هذا حديث مليح ولا أعلم
في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث إلا أنه معلول حدثنا به موسى بن إسماعيل
قال: حدثنا وهيب قال: ثنا سهيل عن عون بن عبد اللَّه قوله: قال محمد بن
إسماعيل هذا أولى، فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل، انتهى. وقد
روى في الباب عن أبي برزة، وعائشة، وجبير بن مطعم، ورافع بن خديج،
وعبد الله بن عمرو بن العاص، والسائب بن يزيد، وعبد الله ابن مسعود، وأم
سلمة، وأنس. ذكر أحاديثهم الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج ١٠: ص١٤١،
١٤٢)، والمنذري في ((الترغيب)) (ج ٤: ص١٧٤، ١٧٥)، والشوكاني في ((تحفة
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الأَوْقَاتِ
١٣١
الذاكرين)) (ص ١٨٠، ١٨١) وقد أفرد الحافظ بن كثير لأحاديث الباب جزءًا بذكر
طرقها وعللها وما يتعلق بها .
٢٤٥٨ - [٢٠] وَعَنْ عَلَيِّ: أَنَّهُ أُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكَبَهَا ، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي
الرِّكَابِ، قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ
قَالَ: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىَّ سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِنَا لَمُنْقَلِبُونَ
، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثَلَاثًا، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا، سُبْحَانَكَ، إِنِّي ظَلَمْتُ
١٤
نَفْسِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، ثُمَّ ضَحِكِ، فَقِيلَ: مِنْ أَيِّ
شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ صَنَعَ كَمَا
صَنَعَتُ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: مِنْ أَبِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((إِنَّ
رَبََّكَ لَيَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، يَقُولُ: يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ غَيْرِي)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ]
الشرح
٢٤٥٨ - قوله: (أُنِيَ) بصيغة المجهول، أي: جيء. (فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ)،
أي: أراد وضع رجله. (فِي الرِّكَابِ) بكسر الراء هو ما يعلق في السرج، فيجعل
الراكب فيه رجله، والذي يكون من الجلد يسمى غرزًا. (فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى
ظَهْرِهَا)، أي: استقر على ظهرها. (قَالَ: الْحَمْدُ للهِ)، أي: على نعمة الركوب
وغيرها. (ثُمَّ قَالَ)، أي: قرأ (سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا)، أي: ذلله (وَمَا كُنَّا لَهُ
مُقْرِنِينَ)، أي: مطيقين من أقرن للأمر إذا أطاقه وقوي عليه، أي: ما كنا نطيق قهره
واستعماله لولا تسخير الله تعالى إياه لنا (وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ)، أي: لصائرون
إليه بعد مماتنا وإليه سيرنا الأكبر.
(ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ للهِ ثَلَاثًا، وَاللهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا)، كذا في جميع نسخ ((المشكاة))،
(٢٤٥٨) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَوَّهُ سَاقَهُ؛ والتِّرْ مِذِي (٣٤٤٦) تَمَامَهُ فِي الدَّعَوَاتِ، وَاخْتَصَرَهُ أَبُو دَاوُد
(٢٦٠٢) مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الجِهَادِ، وَكَذَا النَّسَائِيُّ في ((الكبرى)) (١٠٣٣٦) فِي الْيَوْمِ
وَاللَّيْلَةِ.
١٣٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
se
وهكذا في ((المصابيح)) و((شرح السنة))، و((المستدرك))، ووقع في الترمذي بغير
واو العطف، وكذا في ((صحيح ابن حبان)). ورواه أبو داود بلفظ: ((ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ
للهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَّ: اللهُ أَكْبَرُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ .. )) إلخ. وزاد في
رواية أحمد، وابن السني، والحاكم: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ مَرَّةً))، (ثُمَّ ضَحِكَ)، أي:
عليٌّ. (صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ)، أي: كصنعي المذكور. وفي رواية أحمد: رأيت
النبي ◌َّ فعل مثل ما فعلت، وقال مثل ما قلت. (ثُمَّ ضَحِكَ)، أي: رسول اللَّه
وَلَه. (إِنَّ رَبََّكَ لَيَعْجَبُ) بفتح الجيم. (مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي)، قال
الطيبي: أي: يرتضي هذا القول ويستحسنه استحسان المتعجب، انتهى. وقال
الجزري في ((النهاية)) في معنى قوله بَّهِ: ((عَجِبَ رَبُّكَ مِنْ قَوْمٍ يُسَاقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي
السَّلَاسِلِ)) : أي: عظم ذلك عنده وكبر لديه، أعلم الله أنه إنَّما يتعجب الآدمي من
الشيء إذا عظم موقعه عنده وخفي عليه سببه، فأخبرهم بما يعرفون ليعلموا موقع
هذه الأشياء عنده. وقيل: معنى عجب ربك، أي: رضي وأثاب، فسماه عجبًا
مجازًا وليس بعجب في الحقيقة. والأول الوجه وإطلاق التعجب على اللّه مجاز؛
لأنه لا يخفى على الله أسباب الأشياء والتعجب بما خفي سببه ولم يعلم، انتهى.
فتأمل (يَقُولُ)، أي: الله. (يَعْلَمُ)، أي: العبد كذا في بعض نسخ ((المشكاة))
بجمع (يَقُولُ)) و((يَعْلَمُ)) وفي بعضها: ((يَعْلَمُ))، أي: بحذف يقول وهكذا وقع في
((سنن أبي داود)) و((المسند)) (ج١: ص١٢٨)، و((شرح السنة))، وفي رواية أخرى
لأحمد (ج١: ص٩٧) يقول: ((عَلِمَ عَبْدِي أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذَّنُوبَ غَيْرِي))، وفي
الترمذي: ((إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ غَيْرَُ)). (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج١: ص٩٧، ١١٥، ١٢٨). (وَالتِّرْمِذِيُّ) في
الدعوات. (وَأَبُو دَاوُدَ) في الجهاد، وأخرجه أيضًا النسائي، وابن حبان في
((صحيحه))، وابن السني (ص١٥٨، ١٥٩)، والحاكم (ج٢: ص٩٨) والبغوي
(ج٥ ص١٣٩). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح وسكت عليه أبو داود، ونقل
المنذري كلام الترمذي وأقره وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، ونسبه السيوطي
في ((الدر المنثور)) (ج٦: ص١٤) أيضًا للطيالسي، وعبد الرزاق، وسعيد بن
منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن
مردويه، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)).
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
١٣٣
٢٤٥٩ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَلَهَ إِذَا وَدَّعَ رَجُلًا أَخَذَ
بَيَدِهِ، فَلَا يَدَعُهَا حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ يَدَعُ يَدَ النَّبِّ ◌َهِ، وَيَقُولُ: ((أَسْتَوْدِعُ
اللَّهُ دِينَكَ، وَأَمَانَتَكَ، وَآخِرَ عَمَلِكَ)).
[ْرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَفِي رِوَايَتِهِمَا لَمْ يُذْكَرْ: ((وَآخِرَ عَمَلِكَ))] {صحيح}
- وَفِي رِوَايَةٍ ((وخَوَاتِمَ عَمَلِكَ))(*).
الشرح
٢٤٥٩ - قوله: (إِذَا وَدَّعَ رَجُلًا)، أي: مسافرًا. (أَخَذَ بِيَدِهِ فَلَا يَدَعُهَا)، أي:
فلا يترك يد ذلك الرجل من غاية التواضع، ونهاية إظهار المحبة والرحمة. (حَتَّى
يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ) الذي. (يَدَعُ يَدَ النَّبِيِّ ◌ََّ) باختياره. (وَيَقُولُ) للمودع.
(أَسْتَوْدِعُ اللهَ دِينَكَ)، أي: استحفظ، وأطلب منه حفظ دينك. (وَأَمَانَتَكَ)، أي :
حفظ أمانتك، فيما تزاوله من الأخذ والإعطاء ومعاشرة الناس في السفر، إذ قد يقع
منك هناك خيانة. وقيل: أريد بالأمانة الأهل والأولاد الذين خلفهم، قال
الخطابي: الأمانة ها هنا: أهله ومن يخلفه منهم وماله الذي يودعه، ويستحفظه
أمينه ووكيله ومن في معناهما، وجرى ذكر الدين مع الودائع؛ لأن السفر موضع
خوف وخطر، وقد يصيبه فيه المشقة والتعب، فيكون سببًا لإهمال بعض الأمور
المتعلقة بالدين، فدعا له بالمعونة والتوفيق فيهما، انتهى.
وقال في ((فتح الودود)): قوله: ((أَمَانَتَكَ))، أي: ما وضع عندك من الأمانات من
الله، أو من أحد من خلقه، أو ما وضعت عند أحد، أو ما يتعلق بك من الأمانات،
انتهى. وقيل: المراد بالأمانة: التكاليف كلها، كما فسر بها قوله تعالى: ﴿إِنَّا
عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَنُّ إِنَّهُ
الآية [الأحزاب: ٧٢]. (وَآخِرَ عَمَلِكَ)، أي: في سفرك أو مطلقًا
كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٣)
(٢٤٥٩) التر مذيُّ (٣٤٤٢)، والنسائيُّ في ((الكُبرى)) (١٠٣٤٠)، رَوَاه ابن مَاجَهْ أيضًا (٢٨٢٦) عَنِ ابْنِ
عُمَرَ كَالَّذِي قَبْلَهُ، وَاللَّفْظُ لِلتِّرْمِذِيِّ.
(*) هِيَ رِوَايَةٌ أَبِي دَاوُد (٢٦٠٠).
١٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كذا قيل. قال القاري: والأظهر أن المراد به: حسن الخاتمة؛ لأن المدار عليها في
أمر الآخرة، وأن التقصير فيما قبلها مجبور بحسنها ويؤيده قوله: (وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ)
في الرواية الأخرى، وهو جمع خاتم، أي: ما يختم به عملك، أي: أخيره.
والجمع لإفادة عموم أعماله.
قال الطيبي: قوله: (أَسْتَوْدِعُ اللهَ) هو طلب حفظ الوديعة، وفيه نوع مشاكلة
للتوديع وجعل دينه وأمانته من الودائع؛ لأن السفر يصيب الإنسان فيه المشقة
والخوف، فيكون ذلك سببًا لإهمال بعض أمور الدين، فدعا له النبي ◌ُّ بالمعونة
والتوفيق. ولا يخلو الرجل في سفره ذلك من الاشتغال بما يحتاج فيه إلى الأخذ
والإِعطاء والمعاشرة مع الناس، فدعا له بحفظ الأمانة والاجتناب عن الخيانة، ثم
إذا انقلب إلى أهله يكون مأمون العاقبة عما يسوؤه في الدين والدنيا. (وَفِي رِوَايَةٍ)
عند الثلاثة الترمذي، وأبي داود، وابن ماجه، وكذا عند أحمد، والنسائي في
((الكبرى))، وابن حبان، والحاكم. (وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ) دعا له بذلك؛ لأن الأعمال
بخواتيمها كما تدل عليه الأحاديث.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات. (وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ) في الجهاد. واللفظ
للترمذي، رواه هكذا مطولًا وفيه: ((آخِرَ عَمَلِكَ))، وكذا رواه بهذا اللفظ، ولكن
معلقًا البغوي في ((شرح السنة)) (ج٥ : ص ١٤٣) ثم قال: ورواه سالم عن ابن عمر،
وقال: ((وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ))، وقال الترمذي: حديث غريب. ثم رواه مختصرًا بلفظ :
أن ابن عمر كان يقول للرجل إذا أراد سفرًا: أن اذْنُ مني أودعك كما كان رسول اللَّه
وَّ يودعنا، فيقول: ((أَسْتَوْدِعُ اللهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ))، قال الترمذي:
هذا حديث حسن صحيح. وبهذا اللفظ المرفوع، رواه أبو دواد وسكت عليه هو
والمنذري، وابن ماجه، وكذا أحمد (ج٢: ص٧، ٢٥، ٣٨، ١٣٦) والنسائي،
وابن حبان، والحاكم (ج١: ص٤٤٢، وج٢: ص٩٧) وصححه، ووافقه
الذهبي، والبخاري في ((الكبير))، والضياء في ((المختارة)).
(وَفِي رِوَايَتِهِمَا)، أي: أبي داود، وابن ماجه وكذا في رواية من ذكرنا ممن خرج
هذا الحديث سوى الترمذي. (لَمْ يُذْكَرْ) بصيغة المجهول. (وَآخِرَ عَمَلِكَ)، أي:
بل ذكر (وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ) وللحديث شواهد ذكرها ابن علان في ((الفتوحات
الربانية)) (ج٥: ص١١٨).
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
ge
١٣٥
٢٤٦٠ - [٢٢] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ الْخَطْمِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَلَهَ إِذَا
أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْدِعَ الْجَيْشَ قَالَ: ((أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِيْنَكُمْ، وأَمَانَتَكُمْ، وَخَوَاتِيمَ
أَعْمَالِكُمْ».
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {صحيح}
الشرح
٢٤٦٠ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ الْخَطْمِيّ) بفتح الخاء المعجمة وسكون المهلة
هو أبو موسى عبد الله بن يزيد بن زيد بن حصين بن عمرو بن الحارث بن خطمة
الأوسي الأنصاري، صحابي صغير، شهد الحديبية وهو صغير كذا في ((التهذيب)).
وقال الخزرجي: شهدها وهو ابن سبع عشرة سنة وشهد الجمل وصفين مع علي،
وُلِّي الكوفة لابن الزبير، وكان الشعبي كاتبه. (إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْدِعَ الْجَيْشَ)، أي:
العسكر المتوجه إلى العدو، ولابن السني: كان إذا شيع جيشًا، فبلغ ثنية الوداع
قال: ((أَسْتَوْدِعُ الله ... )) إلخ.
(وَخَوَاتِيمَ أَعْمَالِكُمْ)، فيه: مقابلة الجمع بالجمع.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الجهاد وسكت عليه، وقال النووي في ((الأذكار)): حديث
صحيح، وفي ((الرياض)): رواه أبو داود بإسناد صحيح، وأخرجه النسائي في ((عمل
اليوم والليلة))، وابن السني (ص١٦١) والحاكم (ج٢: ص٩٨) وسكت عليه هو
والذهبي.
(٢٤٦٠) أَبُو دَاوُد (٢٦٠١)، وَالنَّسَائِيُّ في ((الكُبرى)) (١٠٣٤١) فِيهِمَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدِ الخَطْمِيِّ.
ESONE
١٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢٤٦١ - [٢٣] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ نَِّ، قَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ سَفَرًا فَزَوِّدْنِّي، فَقَالَ: ((زَوَّدَ اللَّهُ الْتَّقْوَى))، قَالَ: زِدْنِي
قَالَ: ((وَغَفَرَ ذَتْبَكَ)) قَالَ: زِدْنِي، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: ((وَيَسَّرَ لَكَ الْخَيْرَ،
حَيْثُمَا كُنْتَ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ]
الشرح
٢٤٦١ - قوله: (فَزَوِّدْنِي) أمر من التزويد، وهو إعطاء الزاد، والزاد طعام
يتخذ للسفر، يعني: ادْعُ لي دعاء يكون بر كته معي في سفري كالزاد. وقال الطيبي:
ويحتمل أن يكون المراد: الزاد المتعارف، فالجواب على طريقة أسلوب الحكيم.
(زَوَّدََ اللهُ التَّقْوَى)، أي: الاستغناء عن المخلوق، أو امتثال الأوامر واجتناب
النواهي. (قَالَ: زِدْنِي) بكسر المعجمة وسكون المهملة، أي: من الزاد أو من
الدعاء .
(قَالَ: وَغَفَرَ ذَنْبَكَ)، فيه: إشارة إلى صحة التقوى، وترتب أثره عليه، والتجاوز
عما يقع فيه من التقصيرات. (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي)، أي: أفديك بهما، وأجعلهما
فداءك، فضلاً عن غيرهما. (وَيَسَّرَ لَكَ الْخَيْرَ)، أي: سهل لك خير الدارين، أو
أراد المال الكثير. (حَيْثُمَا كُنْتَ)، أي: في أي مكان حللت، ومن لازمه: أي:
زمان نزلت .
وفي رواية الدارمي، وابن السنى: ((وَوَجَّهَكَ لِلْخَيْرِ حَيْثُمَا تَوَجَّهْتَ))، قال
الطيبي: يحتمل أن الرجل طلب الزاد المتعارف، فأجابه عليه الصلاة والسلام بما
أجابه على طريقة أسلوب الحكيم، أي: زادك أن تتقي محارمه وتجتنب معاصيه،
ومن ثم، لما طلب الزيادة قال: ((وَغَفَرَ ذَنْبَكَ))، فإن الزيادة من جنس المزيد عليه،
وربما زعم الرجل أن يتقي الله، وفي الحقيقة لا يكون تقوى تترتب عليه المغفرة
فأشار بقوله: (وَغَفَرَ ذَنْبَكَ) أن يكون ذلك الاتقاء بحيث يترتب عليه المغفرة، ثم
ترقى منه إلى قوله: (وَيَسَّرَ لَكَ الْخَيْرَ)، فإن التعريف في الخير للجنس، فيتناول
(٢٤٦١) التِّرْ مِذِي (٣٤٤٤) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أَنَسٍ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
١٣٧
خير الدنيا والآخرة، انتهى. وفيه: دليل على مشروعية الدعاء للمسافر بهذه
الدعوات. وقال المناوي: يندب لكل من وَدَّعَ مسافرًا أن يقوله له ويحصل أصل
السنة بقوله: ((زَوَّدَكَ اللهُ التَّقْوَى))، والأكمل الإتيان بما ذكر كله.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات، وأخرجه أيضًا النسائي كما في تحفة الذاكرين،
والدارمي في الاستيذان، والحاكم (ج٢: ص٩٧)، وابن السنى (ص١٦٠)،
وأخرج نحوه البغوي في ((شرح السنة)) (ج٥: ص١٤٢)، والبزار في ((مسنده))،
والطبراني في ((الكبير)) من حديث قتادة، قال الهيثمي (ج١٠: ص١٣١):
ورجالهما يعني البزار والطبراني ((ثقات)). (وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ)
وسكت عليه الحاكم، والذهبي.
٢٤٦٢ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَجُلَّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي
أُرِيدُ أَنْ أُسَافِرَ فَأَوْصِنِي، قَالَ: ((عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ،
فَلَّمَّا وَلَّى الرَّجُلُ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اطْوٍ لَهُ الْبُعْدَ، وَهَوِّنْ عَلَيْهِ الْسَّفَرَ)).
[رَوَاهُ النِّرْمِذِيُّ]
الشرح
٢٤٦٢ - قوله: (عَلَيْك) اسم فعل بمعنى خذ، يقال: عليك زيدًا، وعليك
بزيد، أي: خذه، والمعنى: الزم التقوى وداوم عليها بجميع أنواعها، فإنها الوصية
التي وصى اللَّه بها عباده، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن
قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٣١]. (بِتَقْوَى اللهِ)، أي: بمخافته والحذر من
عصيانه. (وَالتَّكْبِيرِ)، أي: بقول: اللَّه أكبر. (عَلَى كُلِّ شَرَفٍ) بفتح الشين
المعجمة والراء، أي: مكان عال، ومناسبة التكبير عند الصعود إلى المكان
المرتفع: أن الاستعلاء والارتفاع محبوب للنفوس لما فيه من استشعار الكبرياء،
فشرع لمن تلبس به أن يذكر كبرياء الله تعالى، وأنه أكبر من كل شيء، فيكبره
ليشكر له ذلك، فيزيده من فضله، قاله الحافظ.
(٢٤٦٢) التِّرْمِذِي (٢٤٤٥) فِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
١٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَلَمَّا وَلَّى الرَّجُلُ) في الترمذي: فلمَّا أن ولى الرجل، أي: أدبر، وأنْ زائدة،
وفي ((شرح السنة))، و((المستدرك)): فلمَّا مضى. (قَالَ)، أي: دعا له بظهر الغيب،
فإنه أقرب إلى الإجابة. (اللَّهُمَّ اطْوٍ لَهُ الْبُعْدَ) بهمزة وصل وكسر واو أمر من الطَّيِّ،
أي: قرب له البعد بطي الأرض. قال الجزري: أي: قربه له وسهل له السير حتى لا
يطول. قال القاري: والمعنى: ارفع عنه مشقة السفر بتقريب المسافة البعيدة له
حسَّا أو معنَّى. (وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ)، أي: أموره ومتاعبه وهو تعميم بعد تخصيص.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات، وقال: حديث حسن، وأخرجه النسائي في
((اليوم والليلة))، وابن ماجه في الجهاد، وابن حبان في (صحيحه))، والحاكم
(ج١: ص ٤٤٥، ٤٤٦، وج٢: ص٩٨) وصححه وأقره الذهبي، وابن السنى
(ص١٦٠)، والبغوي (ج٥: ص١٤٣).
٢٤٦٣ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ إِذَا سَافَرَ فَأَقْبَلَ
اللَّيْلُ، قَالَ: ((يَا أَرْضُ، رَبِّي وَرَبُّكِ اللَّهُ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّكِ وَشَرِّ مَا فِيكِ،
وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيكِ، وَشَرِّ مَا يَدِبُّ عَلَيْكِ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ أَسَدٍ وَأَسْوَدَ، وَمِنَ
الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، وَمِنْ شَرِّ سَاكِنِ الْبَلَدِ، وَمِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ)). [رَوَاهُ أَبُو دَاوِدَ]
الشرح
٢٤٦٣ - قوله: (إِذَا سَافَرَ فَأَقْبَلَ اللَّيْلُ)، وفي رواية أحمد، والحاكم: إِذَا غَزَا
أَوْ سَافَرَ، فَأَدْرَكَهُ اللَّيْلُ. (يَا أَرْضُ) خاطب الأرض ونادها على الاتساع وإرادة
الاختصاص، وذكره الطيبي. (رَبِّي وَرَبُّكِ اللهُ)، يعني: إذا كان خالقي وخالقك هو
الله، فهو المستحق أن يلتجأ إليه ويتعوذ به من شر المؤذيات.
(أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّلَكَ)، أي: من شر ما حصل من ذاتك من الخسف والزلزلة،
والسقوط عن الطريق والتحير في الفيافي، ذكره الطيبي. (وَشَرِّ مَا فِيك)، أي: من
الضرر، بأن يخرج منك ماء، فيهلك أحدًا، أو نبات فيصيب أحدًا ضرر من أكله،
(٢٤٦٣) أَبُو دَاوُد (٢٦٠٣) فِي الجِهَادِ، وَالنَّسَائِيُّ في الكبرى (١٠٣٩٨) فِ اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنِ ابْنِ عُمَّرَ
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
١٣٩
أو يجرح أعضاء أحد بشوكه، وقال الطيبي: أي: شر ما استقر فيك من الصفات
والأحوال الخاصة بطبائعك، أي: العادية كالحرارة والبرادة وغيرهما.
(وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيكِ)، أي: من الحيوانات الساكنة في باطن الأرض، وقال
القاري: أي: من الهوام وغيرها من الفلذات، وقال الطيبي: أي: من أجناس
الأرض وحشراتها وما يعيش في ثقب الأرض وأجوافها. (وَشَرِّ مَا يَدِبُّ) بكسر
الدال وتشديد الموحدة، أي: يمشي ويتحرك. (عَلَيْكِ)، أي: على ظهرك يعني
من شر الحيوانات الساكنة على ظاهر الأرض. (وَأَعُوذُ بِاللهِ)، كذا في ((المشكاة))،
و((المصابيح)، و((شرح السنة) وهكذا نقل في ((الحصن))، ووقع في ((سنن أبي
دواد)): ((أَعُوذُ بِاللهِ)) بدون الواو، وكذا في رواية أحمد (ج٢: ص١٣٢)، والحاكم
(ج٢: ص١٠٠) وهكذا نقله الجزري في ((جامع الأصول)).
(مِنْ أَسَدٍ وَأَسْوَدَ)، قال الطيبي: حكي في أسود هنا وجهان: الصرف وعدمه.
وقال التوربشتي: أسودهنا منصرف؛ لأنه اسم جنس وليس بصفة؛ إذ ليس فيه شيء
من الوصفية، كما هو معتبر في الصفات الغالبة عليها الاسمية في منع الصرف؛
ولذا يجمع على أساود، والمسموع من أفواه المشائخ والمضبوط في أكثر النسخ
بالفتح غير منصرف، وعن بعضهم الوجه أن لا ينصرف؛ لأن وصفيته أصلية وإن
غلب عليه الاسمية، وهو الحية العظيمة الكبيرة التي فيها سواد، وهي أخبث
الحيات، وذكر من شأنها أنها تعارض الركب وتتبع الصوت إلى أن تظفر بصاحبه،
ولهذا خصصها بالذكر وجعلها جنسًا آخر برأسها، ثم عطف عليها الحية.
قال الشيخ الدهلوي: فيكون ذكر ((أَسَدٍ وَأَسْوَدَ)) من باب التخصيص بعد التعميم
وذكر ما يغلب منه الأذى والضرر. ((وَمِنَ الْحَيَّةِ)) كل حية غير الأسود التي تقدم
ذكرها، أو يكون في الحديث ذكر العام بعد الخاص، ووقع في بعض نسخ ((سنن
أبي داود)): ((مِنَ الْحَيَّةِ))، أي: بدون الواو العاطفة، فعلى هذا ((من)) بيانية على
تغليب الأسود، ويؤيد رواية الواو ما وقع عند أحمد، والحاكم بلفظ: ((مِنْ شَرِّ كُلِّ
أَسَدٍ وَأَسْوَدَ وَحَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ)). ((وَالْعَقْرَبِ))، وفي معناهما سائر الهوام السميات.
(وَمِنْ شَرِّ سَاكِنِ الْبَلَدِ)، قيل: المراد بساكن البلد: الإنس، سماهم بذلك؛
لأنهم يسكنون البلاد غالبًا؛ أو لأنهم بنوا البلدان واستوطنوها، وقيل: هم الجن
الذين هم سكان الأرض، والعرب تسمي الأرض المستوية التي يأوي إليها