Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ)، أي: لصائرون إليه بعد مماتنا وإليه سيرنا الأكبر واللام
للتأكيد، وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة، كما نبه بالزاد الدنيوي
على الزاد الأخروي في قوله تعالى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ الثَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]
وباللباس الدنيوي على الأخروي في قوله تعالى: ﴿وَرِثًا وَلِيَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾
[الأعراف: ٢٦] قال البيضاوي: اتصال قوله: ﴿وَإِنَّ إِلَى رَبِنَا لَمُنْقَلِبُونَ
[الزخرف: ١٤] بما
١٤
قبله؛ لأن الركوب للنقل والنقلة العظمى هو الانقلاب إلى اللّه تعالى، فينبغي
للراكب أن لا يغفل عنه، ويستعد للقاء الله، يعني: من شكر هذه النعمة أن يذكر
عاقبة أمره، ويعلم أن استوائه على مركب الحياة كاستواءه، على ظهر ما سخر له ما
لم يكن في المبدأ مطيقًا له، ولا يجد في المنتهى بدًّا من النزول عنه، كذا في
((اللمعات)). وهذا الدعاء يسن عند ركوب، أي دابة كانت لسفر أو غيره. فقول
الراوي: ((خَارِجًا إِلَى السَّفَرِ)) حكاية للحال ودلالة على ضبط المقال.
(اللَّهُمَّ)، وفي رواية أحمد (ج٢: ص١٤٥)، والترمذي: ثُمَّ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ))،
(الْبِرَّ)، أي: الطاعة. (وَالتَّقْوَى)، أي: عن المعصية، أو المراد من البر: الإحسان
إلى الناس، أو من اللَّه إلينا، ومن التقوى امتثال الأوامر واجتناب النواهي. (وَمِنَ
الْعَمَلِ)، أي: جنسه. (مَا تَرْضَى)، أي: به عنا.
(اللَّهُمَّ هَوِّنْ) أمر من التهوين، أي: يسر. (عَلَيْنَا سَفَرَنَا)، مفعول لهون. (هَذَا)،
وفي رواية الترمذي: ((اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا الْمَسِيرَ))، (وَاطْوٍ) أمر من طوى يطوي طيًّا.
(لَنَا بُعْدَهُ)، كذا في جميع النسخ، وهكذا في ((المصابيح))، و((شرح السنة))،
و((المسند)) (ج٢: ص١٤٥)، و((سنن أبي داود))، والدارمي. والذي في ((صحيح
مسلم)): ((وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ))، وهكذا في ((المسند)) (ج٢: ص١٥١)، و((جامع
الأصول))، و((الحصن)). وللترمذي: ((وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَ الأَرْضِ))، أي: قرب لنا بعد
هذا السفر. قيل: هو عبارة عن تيسير السير بإعطاء القوة له ولمركوبه. وقال ابن
حجر: (اطْوٍ لَنَا بُعْدَهُ) حقيقة؛ إذ ورد: ((أن لله ملائكة يطوون الأرض للمسافر كما
تطوى القراطيس)). أو المراد: خفف مشاقه. قلت: لا مانع من حمله على
الحقيقة، ففيه إشارة إلى طي المكان والزمان، والمعنى: ارفع عنا مشقة السفر
بتقريب المسافة البعيدة لنا حسًّا.
١٠١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
(اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ)، أي: الحافظ والمعين. والصاحب في
الأصل: الملازم وأراد بذلك مصاحبة اللَّه إياه بالعناية والحفظ، وذلك أن الإنسان
أكثر ما يبغي الصحبة في السفر، يبتغيها للاستيناس بذلك والاستظهار به، والدفاع
لما ينو به من النوائب فنبه بهذا القول على حسن الاعتماد عليه وكمال الاكتفاء عن
كل صاحب سواه. قال البغوي: قوله: (أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ)، أي:
الحافظ يقال: صحبك الله، أي: حفظك، وقوله رَالَ: ﴿وَلَا هُم مِّنَا يُصْحَبُونَ﴾
[الأنبياء: ٤٣]، أي: لا يجارون، ومن صحبه اللَّه؛ لم يضره شيء. (وَالْخَلِيفَةُ فِي
الأَهْلِ)، الخليفة من ينوب عن المستخلف، فيما يستخلفه فيه يعني الذي يقوم مقام
أحد في إصلاح أمره، والمعنى: أنت الذي أرجوه وأعتمد عليه في غيبتي عن
أهلي، أن يلمٍ شعثهم ويثقف أودهم ويداوي سقمهم ويحفظ عليهم دينهم
وأمانتهم. (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ)، بفتح الواو وإسكان العين
المهملة وبالثاء المثلثة وبالمد، أي: شدته ومشقته وتعبه، وأصله من الوعث وهو
الرمل والمشي فيه يشتد على صاحبه ويشق، ويقال: رمل أوعث ورملة وعثاء،
أي: لما يشتد فيه السير للينه، ثم قيل للشدة والمشقة: وعثاء على التمثيل. وقال
التوربشتي: وعثاء السفر: مشقته أخذ من الوعث، وهو مكان السهل الكثير الدهس
الذي يتعب الماشي فيه ويشق عليه. (وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ)، قال الجزري: المنظر هو ما
ينظر إليه من أهله وماله وحاله، والكآبة بفتح الكاف وبالمد، وهي تغير النفس
بالانكسار من شدة الهم والحزن يقال: كئب كآبة واكتئب فهو مكتئب وكئيب.
انتهى. وقال الشوكاني: الكآبة بالمد: التغير والانكسار من مشقة السفر، وما
يحصل على المسافر من الاهتمام بأموره. انتهى. والمنظر بفتح الظاء المعجمة
مصدر ميمي، أي: من تغير الوجه بنحو مرض والنفس بالانكسار مما يعرض لها
فيما يحبه مما يورث الهم والحزن، وقيل: المراد منه: الاستعاذة من كل منظر
يعقب الكآبة عند النظر إليه. (سُوءِ الْمُنْقَلَبِ) بفتح اللام مصدر ميمي، أي: سوء
الرجوع. (فِي الْمَالِ وَالأَهْلِ)، أي: من سوء الانقلاب إلى أهله وماله، وذلك بأن
يرجع منقوصًا مهمومًا بما يسوءه، وقيل: أي: من أن يعود إلى وطنه فيرى في أهله
وماله ما يسوءه مثل أن يصيب ماله آفة، أو يجد أهله مرضى، أو فقد بعضهم،
وقيل: أي: من أن يطمع ظالم أو فاجر في المال والأهل.
١٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَإِذَا رَجَعَ)، أي: النبيَِّ من سفره إلى أهله. (قَالَهُنَّ)، أي: الكلمات أو
الجمل المذكورة وهي: (اللّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلَكَ)، (وَزَادَ فِيهِنَّ)، أي: في جملتهن بأن
قال بعدهن: (آيِبُونَ)، بهمزة ممدودة بعدها همزة مكسورة اسم فاعل من آب
يئوب إذا رجع، ومن تكلم به بالياء بعد الهمزة الممدودة، فقد أخطأ، كذا قيل :
أي: نحن راجعون من السفر بالسلامة إلى الوطن. (تَائِبُونَ)، أي: من المعصية
إلى الطاعة. (عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ)، قال الطيبي: (لِرَبِّنَا) يجوز أن يتعلق بقوله:
(عَابِدُونَ) ؛ لأن عمل اسم الفاعل ضعيف فيقوى به أو بـ(حَامِدُونَ) ؛ ليفيد
التخصيص، أي: نحمد ربنا لا نحمد غيره وهذا أولى؛ لأنه كالخاتمة للدعاء،
انتهى. وفي الحديث: استحباب هذا الذكر عند ابتداء الأسفار كلها، وقد جاءت
فيه أذكار كثيرة.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في المناسك، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص١٤٥، ١٥١)
والترمذي في الدعوات، وأبو داود في الجهاد، والنسائي، والدارمي، والبغوي
في (شرح السنة)) (ج٥: ص ١٤٠)، وفي رواية أحمد (ج٢: ص١٤٥)،
والدارمي، والترمذي بعد قوله: ((فِي الأَهْلِ)) ((اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا فِي سَفَرِنَا، وَاخْلُفْنَا فِي
أَهْلِنَا))، وكان يقول: إذا رجع إلى أهله، ((آيِبُونَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا
حَامِدُونَ))، وفي رواية أبي داود نحوه بزيادة ونقصان يسير وفي آخره: وكان النبي
وَّه وجيوشه إذا عَلَوا الثنايا كبّروا، وإذا هبطوا سبَّحوا فوضعت الصلاة على ذلك.
٢٤٤٤ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِس قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ إِذَا
سَافَرَ يَتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، وَدَعْوَةٍ
الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ.
[رَوَاهُ مُسلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٤٤٤ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ)، بفتح السين وكسر الجيم على
(٢٤٤٤) مُسْلِمٌ (١٣٤٣/٤٢٦) فِي الحَجِّ، وَالتِّرْمِذِي (٣٤٣٩)، وَابن مَاجَهْ (٣٨٨٨) فِي الدَّعَوَاتِ،
وَالنَّسَائِي (٨/ ٢٧٢) فِ الاسْتِعَاذَةِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسٍ.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الأوْقَاتِ
.٩
١٠٣
وزن نرجس مصروفًا. (إِذَا سَافَرَ يَتَعَوَّذُ)، أي: بالله. (وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ)، بفتح
الكاف وهمزة ممدودة، أو ساكنة كرأفة ورآفة. في ((القاموس)): الكأب والكأبة
والكآبة: الغم، وسوء الحال والانكسار من حزن. والمنقلب بفتح اللام مصدر
بمعنى الانقلاب، أو اسم مكان والإضافة ظرفية. قال الخطابي: معناه: أن ينقلب
إلى أهله كئيبًا حزينًا؛ لعدم قضاء حاجته أو إصابة آفة له، أو يجدهم مرضى أو مات
منهم بعضهم. وقال الجزري: المعنى: أنه يرجع من سفره بأمر يحزنه، إما إصابة
في سفره، وإما قدم عليه مثل أن يعود غير مقضي الحاجة، أو أصابت ماله آفة أو
يقدم على أهله، فيجدهم مرضى، أو قد فقد بعضهم.
(وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ) بفتح فسكون فيهما والحاء مهملة، أي: من الانتقاص بعد
الزيادة والاستكمال، يعني: من نقصان الحال والمال بعد زيادتهما وتمامهما،
أي: من أن ينقلب حالنا من السراء إلى الضراء ومن الصحة إلى المرض، وقيل:
من فساد الأمور بعد صلاحها، وقيل: من التفرق بعد الاجتماع، وأصل الحور
نقض العمامة بعد لفها، وأصل الكور من تكوير العمامة وهو لفها وجمعها، وقيل:
الحور: الرجوع عن الجماعة بعد أن كان فيهم. وروى مسلم في ((صحيحه)): ((مِنَ
الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْنِ)) بالنون مصدر، كان يكون كونًّا من كان التامة دون الناقصة،
يعني: من النقصان والتغير بعد الثبات والاستقرار. وقيل: معناه: الرجوع عن
الحالة المستحسنة بعد أن كان عليها، وفي كلامهم: حار بعد ما كان يريد؛ كان
على حالة جميلة فحار عن ذلك أي: رجع. قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَّنْ يَحُورَ (١٤)
بَلَ﴾ [الانشقاق: ١٥،١٤]، أي: لن يرجع. قال النووي في ((شرح مسلم)): هكذا هو في
معظم النسخ من ((صحيح مسلم)): (بَعْدَ الْكَوْنِ)» بالنون بل لا يكاد يوجد في بلادنا
إلا بالنون، وكذا ضبطه الحفاظ المتقنون في ((صحيح مسلم)). وقال في ((الأذكار)):
رواية النون أكثر وهي التي في أكثر أصول ((صحيح مسلم)) بل هي المشهورة فيها.
قال الترمذي بعد ذكر الروايتين: وكلاهما له وجه. قال: يقال: إنما هو الرجوع من
الإيمان إلى الكفر أو من الطاعة إلى المعصية، إنما يعني: الرجوع من شيء إلى
شيء من الشر. قال النووي بعد ذكر كلام الترمذي هذا، وكذا قال غيره من
العلماء: معناه بالراء والنون جميعًا الرجوع من الاستقامة أو الزيادة إلى النقص.
١٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ex
قالوا: ورواية الراء مأخوذة من تكوير العمامة وهو لفها وجمعها، ورواية النون
مأخوذة من الكون مصدر كان يكون كونًا، إذا وجد واستقر، أي: أعوذ بك من
النقص بعد الوجود والثبات.
قال المازري في رواية الراء: قيل أيضًا: أن معناه: أعوذ بك من الرجوع عن
الجماعة بعد أن كنا فيها، يقال: كار عمامته إذا لفها، وحارها إذا نقضها. وقيل:
نعوذ بك من أن تفسد أمورنا بعد صلاحها كفساد العمامة بعد استقامتها على
الرأس، وعلى رواية النون قال أبو عبيد: سئل عاصم عن معناه فقال: ألم تسمع
قولهم: حار بعد ما كان؟ أي إنه كان على حالة جميلة فرجع عنها، انتهى.
(وَدَعْوَةِ الْمَظْلُوم)، أي: أعوذ بك من الظلم، فإنه يترتب عليه دعاء المظلوم،
ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب. ففيه: التحذير من الظلم ومن
التعرض لأسبابه. قال الطيبي: فإن قلت: دعوة المظلوم يحترز عنها سواء كانت في
الحضر أو السفر. قلت: كذلك الحور بعد الكور لكن السفر مظنة البلايا
والمصائب والمشقة فيه أكثر فخصت به؛ أو لأنَّ دعوة المظلوم المسافر الذي لا
يلقى الإعانة والإغاثة أقرب إلى الإجابة؛ لاجتماع الكربة والغربة، وعدم الإعانة
والإغاثة .
(وَسُوءِ الْمَنْظَرِ) بفتح الظاء المعجمة. (فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ)، وهو كل ما يسوء
النظر إليه وسماعه فيهما. قال الباجي: يريد الاستعاذة من أن يكون في أهله وماله
ما يسوء النظر إليه. يقال: منظر حسن ومنظر قبيح. وقال القاري: أي: من أن
يطمع ظالم أو فاجر في المال والأهل. وقال السندي: المراد بسوء المنظر: كل
منظر يعقب النظر إليه سوءًا.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في المناسك وأخرجه أيضًا أحمد (ج٥: ص٨٢، ٨٣) والترمذي
في الدعوات، والنسائي في الاستعاذة، وفي السير من الكبرى، وفي اليوم
والليلة، وابن ماجه في الدعاء، وابن السني (ص ١٥٧) والبغوي (ج ٥: ص١٣٦).
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
١٠٥
٤٤٥ ٢ - [٧] وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيم قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ
يَقُولُ: ((مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ
يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٤٤٥ - قوله: (وَعَنْ خَوْلَةَ) بفتح المعجمة وسكون الواو. (بِنْتِ حَكِيم) بن
أمية السلمية يقال: كنيتها أم شريك ويقال لها أيضًا: خويلة بالتصغير صحابية
شهيرة. يقال: إنها كانت من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي وَّر، وكانت قبل تحت
عثمان بن مظعون. قال ابن عبد البر: وكانت صالحة فاضلة روت عن النبي تَآ ،
وعنها سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير وغيرهما. قال
الخزرجي: لها خمسة عشر حديثًا انفرد لها مسلم بحديث. يعني: الذي نحن
بصدد شرحه. قال القاري: وليس لها في الكتب - أي: ((صحيح مسلم))، و((جامع
الترمذي))، و((السنن الكبرى)) للنسائي، و((سنن ابن ماجه))، و((الموطأ)) - سوى هذا
الحدیث الواحد.
(مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا) في سفر أو حضر ولا وجه لتقييده بالسفر مع التنكير. قال
الزرقاني: منزلًا، أي: مظنة للهوام والحشرات ونحوهما مما يؤذي ولو في غير
سفر. (فَقَالَ)، في ((صحيح مسلم)): (ثُمَّ قَالَ))، وهكذا في ((جامع الأصول))
و ((الأذكار)) وكذا وقع عند الترمذي وأحمد في رواية وفي أخرى له: ((فَقَالَ»، وفي
رواية لمسلم: ((إِذَا نَزَلَ أَحَدُكُمْ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ))، وفي ((الموطأ)) و((شرح السنة)): ((مَنْ
نَزَلَ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ))، وهو أمر ندب يدل عليه رواية الكتاب، ورواية أحمد بلفظ: ((لَوْ
أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا قَالَ: أَعُوذُ ... )) الحديث.
(أَعُوذُ)، أي: أعتصم. (بِكَلِمَاتِ اللهِ)، قال الهروي وغيره: الكلمات هي
القرآن، وقيل: أسماؤه وصفاته؛ لأن كل واحد منها تامة لا نقص فيها؛ لأنها قديمة
(٢٤٤٥) مُسْلِم (٢٧٠٨/٥٤)، وَالتِّرْ مِذِي (٣٤٣٧) فِي الدَّعَوَاتِ، وَالنَّسَائِيُّ في ((الكبرى)) (١٠٣٩٤)
فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكَيمٍ.
١٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والنقصان إنما يكون في المحدثات. وقيل: هي جميع ما أنزله على أنبيائه؛ لأن
الجمع المضاف إلى المعارف يعم، أي: يقتضي العموم. (التَّامَّاتِ)، أي:
الكاملات التي لا يدخل فيها نقص ولا عيب، وقيل: هي النافعات الكافيات
الشافيات من كل ما يتعوذ منه. يعني: أنها تنفع المقولة له وتحفظه من الآفات
وتكفيه. قال الجزري: وصف كلمات بالتمام؛ إذ لا يجوز أن يكون شيء من كلامه
ناقصًا ولا فيه عيب كما يكون في كلام الآدميين. وقيل: معنى التمام هاهنا: أن
ينتفع بها المتعوذ وتحفظه من الآفات. انتهى. وقال الباجي: وصفها بالتمام على
الإطلاق يحتمل أن يريد به أنه لا يدخلها نقص وإن كان كلمات غيره يدخلها
النقص، ويحتمل أن يريد بذلك الفاضلة، يقال: فلان تام وكامل، أي: فاضل،
ويحتمل أن يريد به الثابت حكمها، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾
[الأعراف: ١٣٧]. انتهى. قال الخطابي: كان الإمام أحمد يستدل به على أن كلام الله
غير مخلوق؛ لأنه ◌َ ل# لا يستعيذ بمخلوق.
(مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) عبر ((بما)) للتعميم. (لَمْ يَضُرَّهُ) بفتح الراء وضمها. (شَيْءٌ)،
أي: من المخلوقات. قال المناوي: الشيء عند أهل السنة الموجود ويدخل فيه
الموجودات كلها. (حَتَّى يَرْتَحِلَ)، أي: ينتقل. (مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ)، قال الباجي:
يريد أن تعوذه يتناول مدة مقامه فيه. قال الزرقاني: وشرط نفع ذلك الحضور
والنية، وهي استحضار أنه وقليل أرشده إلى التحصن به وأنه الصادق المصدوق، فلو
قاله أحد واتفق أنه ضره شيء؛ فلأنه لم يقله بنية وقوة يقين، وليس ذلك خاصًّا
بمنازل السفر بل عام في كل موضع جلس فيه أو نام.
وقال المناوي: والظاهر حصول ذلك لكل داع بقلب حاضر وتوجه تام، فلا
يختص بمجاب الدعوة. قال القاري: في الحديث رد على ما كان يفعله أهل
الجاهلية من كونهم، إذا نزلوا منزلًا قالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي ويعنون به كبير
الجن ومنه قوله تعالى في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِحَالٍ مِّنَ الْجِنّ
فَزَادُوهُمْ رَهَقًا
* [الجن: ٦].
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الدعاء، وأخرجه أيضًا البخاري في ((خلق أفعال العباد))،
وأحمد (ج٦: ص٣٧٧، ٤٠٩)، والترمذي في الدعوات، والنسائي في
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِى الأَوْقَاتِ
١٠٧
((الكبرى))، ومالك في كتاب الجامع من ((الموطأ))، وابن ماجه في الطب، وابن
السني (ص١٦٨) والدارمي (ص٣٥٩)، والبغوي (ج٥: ص١٤٥)، وابن أبي
شيبة، والطبراني، وزاد البخاري، والبغوي في آخره: ((إِنْ شَاءَ اللهُ))، وفي الباب
عن عبد الرحمن بن عائش أخرجه أبو نعيم في ((المعرفة))، وفي اليوم والليلة كما
في ((الإصابة)) (ج٢: ص٤٠٦)، وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج١٠ :
ص١٣٣)، وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
٢٤٤٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ عِله
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبِ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ، قَالَ: ((أَمَا لَوْ قُلْتَ
حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ الثَّمَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ؛ لَمْ تَضُرََّكَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٤٤٦ - قوله: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَ لَّ)، وفي ((خلق أفعال العباد))
و((الموطأ))، و((شرح السنة)) عن أبي صالح عن أبي هريرة: أنَّ رجلًا من أسلم قال:
ما نمت هذه الليلة فقال له رسول اللّه ◌َّهِ: ((مِنْ أَيِّ شَيْءٍ؟))، فَقَالَ: لدغتني عقرب
... الحديث. وهكذا وقع في رواية لأحمد، وهذا ظاهر في أن اللديغ رجل من
أسلم، وروى أبو داود عن أبي صالح عن رجل من أسلم قال: كنت جالسًا عند
رسول اللّه ◌َل﴾ فجاء رجل من أصحابه، فقال: يا رسول الله، لدغت الليلة فلم أنم
... الحديث. وأخرجه النسائي كذلك، وهذا يدل على أن اللديغ رجل آخر غير
الأسلمي، ويحتمل أنهما قصتان وقعت القصة مرة للرجل الأسلمي وأخرى لغيره،
والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَقِيتُ)، (مَا) استفهامية للتعجب، أي: أي شيء لقيت،
أي: لقيت أمرًا عظيمًا ووجعًا شديدًا. أو موصولة والخبر محذوف، أي: الذي
(٢٤٤٦) مُسْلِم (٢٧٠٩) فِي الدَّعَوَاتِ، وَالنَّسَائِي في الكُبرى (١٠٤٢١) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
رَضِ لُنَّهُ .
١٠٨
ess
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لقيته لا أقدر وصفه لعظم شدته. (مِنْ عَقْرَبِ لَدَغَتْنِ الْبَارِحَةَ)، أي: الليلة
الماضية. (قَالَ)، أي: النبي ◌َّرَ: (أَمَا) بفتحَ الهمزة وخفة الميم. (لَوْ قُلْتَ)
شرطية. (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ)، أي: من شر خلقه وهو ما يفعله المكلفون من إثم
ومضارة بعض لبعض من نحو ظلم وبغي وقتل، وضرب وشتم وغيرهم من نحو
لدغ ونهش وعض، وزاد ابن السني: (ثَلَاثًا))، أي: لو قلت هذا التعوذ ثلاث
مرات. (لَمْ تَضُرََّكَ)، أي: العقرب بأن يحال بينك وبين كمال تأثيرها بحسب كمال
المتعوذ وقوته وضعفه؛ لأن الأدوية الإلهية تمنع من الداء بعد حصوله وتمنع من
وقوعه، وإن وقع لم يضره. قال القرطبي: جربت ذلك، فوجدته صدقًا تركت
ليلة، فلدغتني عقرب فتفكرت، فإذا أنا نسيت هذا التعوذ.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أحمد، ومالك في كتاب الجامع من
((الموطأ))، وأبو داود في الطب، والنسائي في ((الكبرى))، وابن ماجه في الطب،
وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (ص٢٢٧)، والبغوي (ج٥ : ص١٤٦) وزاد
في آخره: ((إِنْ شَاءَ اللهُ)) وروى أحمد (ج٢: ص١٩١)، والترمذي، والحاكم
(ج٤: ص٤١٦)، وابن حبان عن سهيل عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي وَل
واللفظ لأحمد قال: ((مَنْ قَالَ إِذَا أَمْسَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ
شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ حُمَةٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ))، قال سهيل: فكان أهلنا قد تعلموها، فكانوا
يقولونها، فلدغت جارية منهم فلم تجد لها وجعًا. ورواه الطبراني بلفظ: ((مَنْ قَالَ
إِذَا أَمْسَى: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّمَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ))، وزاد أحمد
في آخر حديث سهيل عن أبيه عن رجل من أسلم قال سهيل: فكان أبي - أي: أبو
صالح - إذا لدغ أحد منا يقول: قالها؟ فإن قالوا: نعم قال: كأنه يرى أنها لا تضره.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
١٠٩
٤٤٧ ٢ - [٩] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ نَلِ كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَسْحَرَ يَقُولُ:
(سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَحُسْنٍ بَلَائِهِ عَلَيْنَا، رَبَنَا صَاحِبْنَاً، وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا،
عَائِذًا بِاللَّهِ مِن النَّارِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٤٤٧ - قوله: (كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَسْحَرَ)، أي: دخل في وقت السحر
بفتحتين وهو قبيل الصبح، وقال الزمخشري: هو السدس الأخير من الليل. (سَمِعَ
سَامِعٌ بِحَمْدِ اللهِ) روي ((سَمَّع) بفتح الميم وتشديدها من التسميع بمعنى الإسماع
للغير، كذا ضبطه القاضي عياض وصاحب ((المطالع)) وأشار إلى أنه رواية أكثر رواة
مسلم. قالا: ومعناه بلغ سامع قولي هذا لغيره وقال مثله؛ تنبيهًا على الذكر في
السحر والدعاء في ذلك، وروي بكسر الميم وتخفيفها من السمع، وكذا ضبطه
الخطابي وآخرون. قال الخطابي: معناه شهد شاهد وهو أمر بلفظ الخبر يريد به
الإشهاد على ما يقوله وحقيقته ليسمع السامع، وليشهد الشاهد حمدنا لله تعالى
وحسن بلائه، أي: إنعامه علينا، فإنا نعترف بذلك ونشهده عليه .
وقال في ((اللمعات)) بعد ذكر الروايتين: وعلى الوجهين هو خبر بمعنى الأمر،
فالمعنى على الأول ليبلغ سامع قولي هذا إلى غيره ليسعى إلى الحمد والذكر
والدعاء في هذا الوقت. وعلى الثاني ليسمع كل من يأتي منه السماع وليشهد على
حمدنا لله تعالى. وقال التوربشتي: الحمل على الخبر أولى وأقوى لظاهر اللفظ،
والمعنى: أن من كان له سمع، فقد سمع بحمدنا وحسن بلائه، أي: حسن إنعامه
وأفضاله علينا، وأن كلا الأمرين، أي: حمدنا لله تعالى على نعمه وإنعامه علينا قد
اشتهر واستفاض حتی لا یکاد یخفى على ذي سمع.
(وَحُسْنِ بَلَائِهِ عَلَيْنَا)، أي: حسن إنعامه وأفضاله علينا. قال الجزري في ((جامع
الأصول)): حسن البلاء النعمة، والبلاء الاختبار والامتحان، فالاختبار بالخير
(٢٤٤٧) مُسْلِم (٦٨ / ٢٧١٨) فِي الدَّعَوَاتِ، وَأَبُو دَاوُد (٥٠٨٦) فِي الأَدَبِ، وَالنَّسَائِي في ((الكُبرى))
(٨٨٢٨) فِي السِّيَرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
EBTy
١١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ليتبين الشكر وبالشر ليظهر الصبر. وقال التوربشتي: أراد بالبلاء النعمة واللّه
سبحانه يبلو عباده تارة بالمضار ليصبروا وطورًا بالمسار ليشكروا ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرّ
وَالْخَيِّرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُحَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥] فالمحنة والمنحة جميعًا بلاء لمواقع الاختبار
وكلاهما نعمة باعتبار حصول الأجر، والمنحة أعظم البلاءين لا سيما لذوي
النفوس الكاملة؛ لأنها الموجبة للقيام بحقوق الشكر والقيام بها أتم وأصعب
وأعلى وأفضل من القيام بحقوق الصبر. (رَبَّنَا صَاحِبْنَا) بسكون الموحدة صيغة
الأمر من المصاحبة، أي: كن لنا صاحبًا بالإعانة والإغاثة والكلاءة والحفظ. قال
النووي: أي: احفظنا وحطنا واكلأنا، ومن صحبه الله؛ لم يضره شيء.
(وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا) أمر من الإفضال، أي: أحسن إلينا وتفضل علينا بإدامة النعمة
والتوفيق للقيام بحقوقها. (عَائِذًا بِاللهِ مِنَ النَّارِ) اسم فاعل أقيم مقام المصدر
كقولهم: قم قائمًا، أي: قيامًا فالنصب على المصدر، يعني: نعوذ بالله عياذًا، أو
حال من فاعل يقول، فيكون من كلام الراوي. ويجوز أن يكون من كلام الرسول،
فيكون حالًا من فاعل فعل مقدر هو أقول بصيغة المتكلم. والتقدير: أقول ذلك
عائدًا بالله من النار. وإليه مال النووي حيث قال: منصوب على الحال، أي: أقول
هذا في حال استعاذتي واستجارتي بالله من النار.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الدعاء، وأخرجه أيضًا أبو داود في الأدب، والنسائي، وابن
السني (ص١٦٤)، والحاكم (ج١: ص٤٤٦)، وأبو عوانة، وزاد أبو داود
والحاكم بعد قوله: ((بِحَمْدِهِ وَنِعْمَتِهِ))، وزاد أيضًا الحاكم وأبو عوانة: يقول ذلك
ثلاث مرات ويرفع صوته، كذا في ((الحصن)).
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
**
RECE
٢٤٤٨ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَلَ إِذَا قَفَلَ مِنْ
غَزْوٍ أَوْ حَجّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ
يَقُولُ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْلُكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ
وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٤٤٨ ٢ - قوله: (إِذَا قَفَلَ) بقاف ثم فاء، أي: رجع وزنه ومعناه، ومنه تسمی
القافلة. في ((النهاية)): (قَفَلَ)، أي: عاد من سفره وقد يقال للسفر: قفول في
الذهاب والمجيء، وأكثر ما يستعمل في الرجوع. (مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجِّ أَوْ عُمَرَةٍ)، كأنه
قصد استيعاب أنواع سفره وَ له ببيان أنه لا يخرج عن هذه الثلاثة، وإلا فظاهره
اختصاص ذلك بهذه الأمور الثلاث وليس الحكم كذلك عند الجمهور، بل يشرع
قول ذلك في كل سفر، إذا كان سفر طاعة كصلة الرحم وطلب العلم لما يشمل
الجميع من اسم الطاعة. وقيل: يتعدى أيضًا إلى المباح؛ لأن المسافر فيه لا ثواب
له فلا يمتنع عليه فعل ما يحصل له الثواب، وقيل: يشرع في سفر المعصية أيضًا؛
لأن مرتكبها أحوج إلى تحصيل الثواب من غيره، وهذا التعليل متعقب؛ لأن الذي
يخصه بسفر الطاعة لا يمنع من سافر في مباح ولا في معصية من الإكثار من ذكر
الله، وإنما النزاع في خصوص هذا الذكر في هذا الوقت المخصوص، فذهب قوم
إلى الاختصاص؛ لكونها عبادات مخصوصة شرع لها ذكر مخصوص فتختص به
كالذكر المأثور عقب الأذان وعقب الصلاة، وإنما اقتصر الصحابي على الثلاث؛
لانحصار سفر النبي رَّ فيها .
(يُكَبِّرُ)، أي: يقول: الله أكبر. (عَلَى كُلِّ شَرَفٍ) بفتح المعجمة والراء بعدها فاء
وهو المكان العالي، قال الجزري: الشرف: ما ارتفع من الأرض. ووقع في رواية
(٢٤٤٨) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (١٧٩٧)، ومُسْلِم (١٣٤٤/٤٢٨) عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي الحَجّ، وَأَبُو دَاوُد
(٢٧٧٠)، والنَّسَائِيُّ في ((الكُبرى)) ( ٨٧٧٣) مَعَّا فِي الجِهَادِ.
١١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
مسلم بلفظ: إِذَا أَوْفَى - أي: ارتفع وعلا وأشرف واطلع - عَلَى ثَنِيَّةٍ - بمثلثة ثم نون
ثم تحتانية مشددة هي العقبة في الجبل، وقيل: المرتفع من الأرض كالنشر
والرابية، وقيل: هو طريق بين جبلين - أَوْ فَدْفَدٍ - بفتح الفاء بعدها دال مهملة ثم
فاء ثم دال والأشهر تفسيره بالمكان المرتفع، وقيل: هو الأرض المستوية، وقيل:
الفلاة الخالية من شجر وغيره، وقيل: غليظ الأودية ذات الحصى، وقيل: الجلد
من الأرض في ارتفاع وجمعه فدافد.
قال الطيبي: وجه التكبير على الأماكن العالية، وهو استحباب الذكر عند تجدد
الأحوال والتقلبات، وكان وَلّر يراعي ذلك في الزمان والمكان؛ لأن اختلاف
أحوال العبد في الصباح والمساء والصعود والهبوط وما أشبه ذلك مما ينبغي أن لا
ينسى ربه عند ذلك، فإنه هو المتصرف في الأشياء بقدرته المدبر لها قبل صنعه.
انتهى. وقال الزين العراقي: مناسبة التكبير على المرتفع: أن الاستعلاء محبوب
للنفس، وفيه ظهور وغلبة فينبغي للمتلبس به أن يذكر عنده أن الله أكبر من كل شيء
ويشكر له ذلك ويستمطر منه المزيد. (ثُمَّ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، إلخ. قال
الحافظ: يحتمل أنه كان يأتي بهذا الذكر عقب التكبير، وهو على المكان المرتفع،
ويحتمل أن التكبير يختص بالمكان المرتفع وما بعده إن كان متسعًا أكمل الذكر
المذكور فيه، وإلا فإذا هبط سبح كما في حديث جابر - الآتي في أواخر الفصل
الثالث من هذا الباب - ويحتمل أن يكمل الذكر مطلقًا عقب التكبير، ثم يأتي
بالتسبيح إذا هبط. قال القرطبي: وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنه المنفرد
بإيجاد جميع الموجودات، وأنه المعبود في جميع الأماكن. (آيِبُونَ) بالرفع خبر
مبتدأ محذوف، أي: نحن آيبون، أي: راجعون وليس المراد الإخبار بمحض
الرجوع، فإنه تحصيل الحاصل، بل الرجوع في حالة مخصوصة، وهي تلبسهم
بالعبادة المخصوصة والاتصاف بالأوصاوف المذكورة. (تَائِبُونَ)، أي: إلى ربنا
من التوبة وهي الرجوع عما هو مذموم إلى ما هو محمود شرعًا، وفيه إشارة إلى
التقصير في العبادة قاله ◌َّة على سبيل التواضع أو تعليمًا لأمته أو المراد أمته، وقد
تستعمل التوبة لإرادة الاستمرار على الطاعة، فيكون المراد: أن لا يقع منهم ذنب.
(عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ) كلها رفع بتقدير نحن والجار والمجرور متعلق
بـ((حامدون)) أو وبـ((ساجدون))، أو بهما، أو بالصفات الخمسة على طريق التنازع.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
BESECTIONa
١١٣
(صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ)، أي: فيما وعد به من إظهار دينه في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ
كَثِيرَةً﴾ [الفتح: ٢٠] وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ
اْأَرْضِ﴾ الآية [النور: ٥٥]: وهذا في سفر الغزو ومناسبته لسفر الحج والعمرة قوله
تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. (وَنَصَرَ عَبْدَهُ) يريد
نفسه الكريمة .
(وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ)، أي: من غير فعل أحد من الآدميين، واختلف في
المراد بالأحزاب هنا؛ فقيل: هم كفار قريش ومن وافقهم من العرب واليهود الذين
تحزبوا، أي: تجمعوا في غزوة الخندق ونزلت في شأنهم سورة الأحزاب، وقيل :
المراد أعم من ذلك، أي: أحزاب الكفار في جميع الأيام والمواطن. قال النووي:
والمشهور الأول، وقيل: فيه نظر؛ لأنه يتوقف على أن هذا الذكر إنما شرع من بعد
الخندق، وأجيب: بأن غزوات النبي ◌َّ التي خرج فيها بنفسه محصورة والمطابق
منها لذلك غزوة الخندق، والأصل في الأحزاب أنه جمع حزب وهو القطعة
المجتمعة من الناس، فاللام إما جنسية، أي: كل من تحزب من الكفار، وإما
عهدية والمراد من تقدم وهو الأقرب؛ قاله الحافظ.
وقال القاري: قوله: (وَهَزَمَ الأَحْزَابَ)، أي: القبائل المجتمعة من الكفار
لحرب النبي وٍَّله وكانوا اثني عشر ألفًا توجهوا من مكة إلى المدينة، واجتمعوا
حولها سوى من انضم إليهم من اليهود ومضى عليهم قريب من شهر لم يقع بينهم
حرب إلا الترامي بالنبل والحجارة؛ زعمًا منهم أن المؤمنين لم يطيقوا مقابلتهم،
فلا بد أنهم يهربون، فأرسل الله عليهم ريحًا في ليلة شاتية سفت التراب على
وجوههم، وأطفأت نيرانهم وقلعت أوتادهم وأكفأت قدورهم وأرسل اللَّه ألفًا من
الملائكة فكبرت في ذوائب عسكرهم فهاصت الخيل، وقذف في قلوبهم الرعب
وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتَّكُمْ جٌُ
فانهز موا و نزل قوله تعالى:
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩].
قال الزرقاني: وفي الحديث: جواز السجع في الدعاء والكلام بلا تكلف وإنما
ينهى عن التكلف؛ لأنه يشغل عن الإخلاص ويقدح في النية. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه
البخاري في أواخر أبواب العمرة من كتاب الحج وفي الجهاد وفي المغازي وفي
١١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الدعوات، ومسلم في الحج، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص٦، ١١، ١٦، ٢٢،
٣٩، ٦٤، ١٠٦)، ومالك في جامع الحج من ((الموطأ))، وأبو داود في الجهاد،
والنسائي في السير، وفي ((اليوم والليلة))، وابن السني (ص١٦٥، ١٦٦، ١٦٩)،
ونسبه الجزري في ((جامع الأصول))، وابن الجزري في ((الحصن))، والسيوطي في
((الجامع الصغير)) للترمذي أيضًا، ولم يذكر المنذري في ((مختصر السنن))
والنابلسي في ((ذخائر المواريث))، والعيني في ((العمدة))؛ الترمذي فيمن خرج هذا
الحدیث .
٢٤٤٩ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ وَل
يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ،
اللَّهُمَّ اهْزِمِ الأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٤٤٩ - قوله: (دَعَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ يَوْمَ الْأَحْزَابِ)، أي: في غزوة الخندق.
(فَقَالَ)، تفسير لقوله: (دَعَا) أو دعا بمعنى أراد الدعاء. (اللَّهُمَّ)، أي: يا الله يا
(مُنْزِلَ الْكِتَابِ) من الإنزال. وقيل: من التنزيل، والمراد بالكتاب: القرآن. وقيل:
الجنس فيشمل سائر الكتب المنزلة على الأنبياء.
(سَرِيعَ الْحِسَابِ)، يعني: يا سريع الحساب. قال الكرماني: إمّا أن يراد به أنه
سريع حسابه بمجيئ وقته، وإمَّا أنه سريع في الحساب أي: مسرع حساب الخلق
يوم القيامة. قال السندي: قوله: (مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ) ؛ لكونهما للفصل
بين الحق والباطل يقتضيان دفع أهل الباطل وهدم بنيانهم، فينبغي التوسل بهما
لذلك. انتهى. ووقع في رواية للشيخين: ((مُنْزِلَ الْكِتَابِ مُجْرِيَ السَّحَابِ هَازِمَ
الْأَحْزَابِ))، قيل: أشار بهذا الدعاء إلى وجوه النصر عليهم، فبالكتاب إلى القرآن
الموعود فيه بالنصر على الكفار قال تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
(٢٤٤٩) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنِ ابْنِ أَوْفَى؛ البُخَاري (٢٩٣٣)، ومُسْلِم (٢١/ ١٧٤٢)، وابْنُ مَاجِهْ (٢٧٩٦)
في الجهادِ، والنَّسَائِي (٨٦٣٢) في السِّيَر.
١١٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
وَيُخْزِهِمْ وَيَصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٤]، فيكون المراد: شدة الطلب للنصر كنصره هذا
الكتاب بخذلان من يكفر به ويجحده، وبمجري السحاب إلى القدرة الظاهرة في
تسخير السحاب؛ تنبيهًا على سرعة إجراء ما يقدره، فإنه قدر جريان السحاب على
أسرع حال، وكأنه يسأل بذلك سرعة النصر والظفر. وبهازم الأحزاب إلى تجريد
التوكل، واعتقاد أن الله هو المنفرد بالفعل من غير حول منا ولا قوة.
قال القسطلاني: أو المراد: التوسل إليه بنعمه، فأشار بالأولى: إلى نعمة الدين
بإنزال الكتاب، وبالثانية: إلى نعمة الدنيا وحياة النفوس بإجراء السحاب الذي
جعله سببًا في نزول الغيث والأرزاق، وبالثالثة: إلى أنه حصل بها حفظ النعمتين
فكأنه قال: اللَّهُمَّ كما أنعمت بعظيم نعمتك الأخروية والدنيوية وحفظهما فأبقهما،
وقد وقع هذا السجع اتفاقًّا من غير قصد. انتهى. وقال الحافظ: وفيه: أي: في
الدعاء التنبيه على عظم هذه النعم الثلاث، فإن بإنزال الكتاب حصلت النعمة
الأخروية، وهي الإسلام وبإجراء السحاب حصلت النعمة الدنيوية وهي الرزق
وبهزيمة الأحزاب حصل حفظ النعمتين وكأنه قال: اللَّهُمَّ كما أنعمت بعظيم
النعمتين الأخروية والدنيوية، وحفظهما فأبقهما.
(اللَّهُمَّ اهْزِمِ الْأَحْزَابَ)، أي: اکسرهم وبدد شملهم فهزمهم الله تعالى بأن
أرسل عليهم ريَخًا وجنودًا لم تروها كما في سورة الأحزاب. (اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ) تأكيد
وتعميم. (وَزَلْزِلْهُمْ)، قال النووي: أي: أزعجهم وحركهم بالشدائد، قال أهل
اللغة: الزلزال والزلزلة: الشدائد التي تحرك الناس. وقال الحافظ: المراد:
الدعاء عليهم إذا انهزموا أن لا يستقر لهم قرار. وقال الداودي: أراد أن تطيش
عقولهم وترعد أقدامهم عند اللقاء، فلا يثبتوا.
قال القسطلاني: إنما خص الدعاء عليهم بالهزيمة والزلزلة دون أن يدعو عليهم
بالهلاك؛ لأن الهزيمة فيها سلامة نفوسهم، وقد يكون ذلك رجاء أن يتوبوا من
الشرك ويدخلوا في الإسلام، والإهلاك الماحق لهم مفوت لهذا المقصد
الصحيح. وفي رواية الإسماعيلي في هذا الحديث من وجه آخر زيادة في هذا
الدعاء وهي أنه وَّ دعا أيضًا فقال: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّنَا وَرَبُّهُمْ وَنَحْنُ عَبِيْدُكَ وَهُمْ
عَبِيدُكَ، نَوَاصِينَا وَنَوَاصِيهُمْ بِيَدَِكَ، فَاهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ)).
١١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الجهاد، والمغازي، والدعوات، والتوحيد،
ومسلم في الجهاد، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص٣٥٣، ٣٥٤، ٣٨١)،
والترمذي، وأبو داود في الجهاد، والنسائي في السير، وفي ((عمل اليوم والليلة))،
وابن ماجه في الجهاد، والحميدي في ((مسنده)) (ج٢: ص٣١٤) والبغوي في
((شرح السنة)) (ج٥: ص١٥٢).
٢٤٥٠ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرِ قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ عَلَى
أَبِي، فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَامًا وَوَطْبَةً، فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ أُنِيَ بِتَمْرٍ، فَكَانَ بَأْكُلُهُ، وَيُلْقِي
التَّوَى بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، وَيَجْمَعُ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى، وَفِيَّ رِوَايَةٍ: فَجَعَلَ بُلْقِي
النَّوَى عَلَى ظَهْرِ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، ثُمَّ أَتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ، فَقَالَ أَبِي
- وَأَخَذَ بِلِجَامَ دَابَتِهِ: ادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ بَارِكُ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ.
وَاغْفِرْ لَهُمْ، وَارْحَمْهُمْ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٤٥٠ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ) بضم الموحدة وإسكان الباء. (نَزَلَ
رَسُولُ اللهِ وَلَِّ)، أي: ضيفًا. (عَلَى أَبِي)، أَي: والدي. (فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَامًا وَوَطْبَةً)
بواو مفتوحة وطاء ساكنة فموحدة في جميع نسخ ((المشكاة)). قال النضر: الوطبة:
الحيس يجمع بين التمر والأقط والسمن. قلت: روي هذا اللفظ في ((صحيح
مسلم)) على وجوه شتى. واختلف في أنه أيها أصح. قال القاضي عياض في
((المشارق)) في حرف الواو: وطيئة بفتح الواو وكسر الطاء بعدها همزة ممدودة -
كسفينة - هو التمر يخرج نواه ويعجن باللبن.
وقال ابن دريد: هي عصيدة التمر. وقال ابن قتيبة: هي الغرارة يكون فيها القديد
والكعك وغيره. قيل: الوطيئة على وزن وثيقة هي الصحيح، وهي طعام كالحيس
سمي به؛ لأنه يوطأ باليد، أي: يمرس، وقيل: هو سقاء اللبن ورد بأنه لا يؤكل منها
(٢٤٥٠) مُسْلِمٌ (١٤٦ / ٢٠٤٢) فِي الأَطْعِمَةِ، وَأَبُو دَاوُد (٣٧٢٩) فِي الأَشْرِبَةِ، والتِّرْمِذِي (٣٥٧٦) فِي
الدُّعَاءِ، والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (١٠١٢٤) فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ المَازِنِيِّ.
١١٧
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الأَوْقَاتِ
بل يشرب إلا أن يقال بأنه غلب الأكل على الشرب، وبأن قوله: (ثُمَّ أَتِيَ بِشَرَابٍ)
ينافيه إلا أن يراد به الماء. وروي ((وَطِئة)) بفتح الواو وكسر الطاء بعدها همزة غير
ممدودة، قال النووي: ونقل القاضي عياض عن رواية بعضهم في ((صحيح مسلم))
((وَطِئة)) بفتح الواو وكسر الطاء بعدها همزة وادعى أنه الصواب وهكذا ادعاه
آخرون. والوطئة بالهمزة عند أهل اللغة: طعام يتخذ من التمر كالحيس. وروى
السمر قندي رطبة بضم الراء وفتح الطاء بعدها موحدة واحدة الرطب وكذا ذكر
الحميدي. وقال: هكذا جاء فيما رأينا من نسخ مسلم ((رطبة)) بالراء، وهو تصحيف
من الراوي وإنما هو بالواو، وهذا الذي ادعاه على نسخ مسلم هو فيما رآه، وإلا
فأكثرها بالواو وكما قال النووي والجزري.
وقال النووي: قوله: (وَطْبَةً) بالواو وإسكان الطاء وبعدها باء موحدة، وهكذا
رواه النضر بن شميل هذا الحديث عن شعبة والنضر إمام من أئمة اللغة، وفسره
النضر بأنه الحيس يجمع التمر البرني والأقط المدقوق والسمن. وكذا ضبطه أبو
مسعود الدمشقي وأبو بكر البرقاني وآخرون وهكذا هو عندنا في معظم النسخ، ثم
ذكر النووي رواية الرطبة ووهّنها قيل وعلى الروايات يحمل الطعام على الخبز.
(فَأَكَلَ مِنْهَا)، أي: من الوطبة. قال القاري: وكان الظاهر أن يقال منهما أو منه
بتأويل المذكور، فهو من قبيل ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] في رَجْع الضمير إلى أقرب ما ذكر وترك الآخر للوضوح، فهو
من باب الاكتفاء. (ثُمَّ أَنِيَ بِتَمْرٍ)، أي: جيء به.
(وَيُلْقِي) بضم أوله. (الَّوَى) جنس النواة. (بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ) بتثليث الهمزة
والموحدة ففيه تسع لغات والأشهر كسر الهمزة وفتح الموحدة. (وَيَجْمَعُ
السََّّابَةَ)، أي: المسبحة. (وَالْوُسْطَى)، قال النووي: قوله: (وَيُلْقِي الَّوَى بَيْنَ
إِصْبَعَيْهِ)، أي: يجعله بينهما؛ لقلته ولم يلقه في إناء التمر؛ لئلا يختلط بالتمر.
وقيل: كان يجمعه على ظهر الإصبعين ثم يرمي به. قلت: ويؤيد الثاني ما وقع في
رواية أحمد (ج٤: ص١٨٨)، وابن السني (ص١٥٢): فكان يأكل التمر ويضع
النوى على ظهر إصبعيه، ثم يرمي به، ويؤيده أيضًا الروية الآتية.
(وَفِي رِوَايَةٍ)، هذه الرواية ليست في صحيح مسلم بل هي في سنن أبي داود:
١١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(فَجَعَلَ يُلْقِي النَّوَى عَلَى ظَهْرِ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةُ وَالْوُسْطَى)، بالجر بدل أو بيان ويجوز
الرفع والنصب، وفي رواية لأحمد وكذا الترمذي: فكان يأكله ويلقي النوى
بإصبعيه يجمع السبابة والوسطى. قال السيوطي: لم يلق النوى في إناء التمر؛
لأنه وَّيّ نهى أن يجعل الآكل النوى على الطبق. رواه البيهقي وعلله الترمذي، بأنه
قد يخالطه الريق ورطوبة الفم فإذا خالطه ما في الطبق عافته النفس. كذا في ((فتح
الودود)).
(ثُمَّ أُتِيَ) بصيغة المجهول. (بِشَرَابٍ)، أي: بماء أو ما يقوم مقامه، وفي جميع
الروايات بعد ذلك: ثم ناوله الذي عن يمينه. وفيه: أن الشراب ونحوه يدار على
اليمين. (وَأَخَذَ)، أي: وقد أخذ، جملة حالية معترضة بين القول والمقول، وأخذ
منه أن يسن أخذ ركاب الأكابر ولجامه والضيف تواضعًا واستمالة. (ادْعُ اللهَ لَنَا)،
إلخ. فيه: أنه ينبغي للمضيف أن يسأل الدعاء من الضيف، وفيه: استحباب طلب
الدعاء من الفاضل، ودعاء الضيف بتوسعة الرزق والمغفرة والرحمة، وقد
جمع ◌َ خير في هذا الدعاء خيرات الدنيا والآخرة؛ قاله النووي.
(وَاغْفِرْ لَهُمْ)، أي: ذنوبهم. (وَارْحَمْهُمْ) بالتفضل عليهم بالواوين فيهما في
جميع نسخ ((المشكاة))، وهكذا وقع عند أحمد، والترمذي، وأبي داود. قال
الجزري: والذي رويناه في جميع أصول مسلم: ((فَاغْفِرْ لَهُمْ)) بالفاء وكذلك
((فَارْحَمْهُمْ)) في أكثرها.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الأشربة، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص١٨٧، ١٨٨، ١٨٩،
١٩٠)، والترمذي في الدعوات، وأبو داود في الأشربة، والنسائي في ((اليوم
والليلة))، وابن أبي شيبة، وابن السني في ((اليوم والليلة)) (ص١٥٢).
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ الدَّعَوَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ
١١٩
الفصل الثاني
كَانَ إِذَا رَأَی
صَلىاللّه
وسلم
٢٤٥١ - [١٣] عن طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ
الْهِلَالَ قَالَ: ((اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ، وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ، وَالْإِسْلَامِ، رَبِّي
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ]
وَرَبُّكَ اللَّهُ)).
الشرح
٢٤٥١ - قوله: (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ) التيمي المدني أحد العشرة
المبشرة. (كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ) الهلال يكون أول ليلة والثانية والثالثة، ثم هو قمر.
وقال في ((القاموس)): الهلال غرة القمر، أو لليلتين، أو إلى ثلاث، أو إلى سبع
وليلتين من آخر الشهر ست وعشرين، وسبع وعشرين وفي غير ذلك قمر، انتهى.
والمشهور أنه من أول الشهر إلى ثلاث، واقتصر عليه في ((المهذب))، وإنما قيل:
له هلال؛ لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه من الإهلال الذي هو رفع
الصوت. (اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ) بفتح الهمزة وكسر الهاء وتشديد اللام مفتوحة دعاء بصيغة
الأمر من الإهلال. قال الجزري: أَهَلَّ الهلال وأُهِلَّ واسْتُهِلَّ إذا رؤي وأُبْصِرَ،
وأهله الله أطلعه، وأهللته إذا أبصرته. وأصل الإهلال رفع الصوت، كأنهم إذا رأوا
الهلال رفعوا أصواتهم بالتكبير ومنه الإهلال في الإحرام وهو رفع الصوت بالتلبية.
قال الطيبي: ((أَهِلَّهُ)) يروى مدغمًا ومفكوكًا، أي: أطلعه. (عَلَيْنَا) مقترنًا. (بِالأَمْنِ)،
كذا في جميع نسخ ((المشكاة))، وكذا في ((المصابيح))، و((المستدرك)) (ج٤:
ص٢٨٥)، وهكذا وقع في بعض نسخ الترمذي، والدارمي، وابن السني، ووقع
في بعض نسخ هذه الكتب الثلاثة ((باليُمْنِ)) بالياء مضمومة، وهكذا وقع في
((المسند))، وهو البركة. قال الحكيم الترمذي: اليمن: السعادة، والإيمان:
الطمأنينة بالله. كأنه يسأل دوامهما والسلامة والإسلام: أن يدوم الإسلام ويسلم
له شهره، فإن لله تعالى في كل شهر حكمة وقضاء وشأنًا في الملكوت، انتهى.
(٢٤٥١) التِّرْمِذِي (٣٤٥١) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.