Indexed OCR Text
Pages 61-80
BACKE
٦٠
ese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
BRBE *
٢٤٢٧ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: ((مَنْ قَالَ
حِينَ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ
إِلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ، أَوْ عَدَدَ رَمْلٍ
عَالِج، أَوْ عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ، أَوْ عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا)).
[رَوَاهُ التََّمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ] {ضعيف}
الشرح
٢٤٢٧ - قوله: (أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ)، يجوز فيهما
النصب صفة لله بعد صفة أو مدحًا بعد مدح، والرفع بدلًا من الضمير، أو على أنه
خبر مبتدأ محذوف. (وَأَتُوبُ إِلَيْهِ)، أي: أطلب المغفرة وأريد التوبة، فكأنه قال:
اللَّهُمَّ اغفر لي ووفقني للتوبة. (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) ظرف (قَالَ).
(غَفَرَ اللهُ لَهُ ذُنُوبَهُ)، أي: المتعلقة بحق الله، أو الذنوب مطلقًا إن قصد بذلك
التوبة، وعدم العود وعجز عن إرضاء أصحاب الحقوق فلا يبعد أن اللَّه تعالى يقبل
توبته ويرضي خصومه من عنده، وفضل الله واسع. (وَإِنْ كَانَتْ)، أي: ولو كانت
ذنوبه في الكثرة. (مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ)، الزبد محركة: ما يعلو الماء وغيره من
الرغوة. (أَوْ) للتنويع. (عَدَدَ رَمْلِ عَالَج) بفتح اللام وكسرها. قال في ((مرآة
الزمان)): عالج موضع بالشام رمله كثير،ً وقال الطيبي: موضع بالبادية فيه رمل
كثير، وفي ((النهاية)): العالج ما تراكم من الرمل ودخل بعضه على بعض وجمعه
عوالج. فعلى هذا لا يضاف الرمل إلى عالج؛ لأنه صفة له، أي: رمل يتراكم،
وفي التحرير عالج موضع مخصوص فيضاف.
قال ميرك: الرواية بالإضافة، فعلى قول صاحب ((النهاية)) وجهه أن يقال: إنه
من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة، أو الإضافة بيانية وعدد منصوب عطفًا على
مثل، ويجوز جره عطفًا على الزبد، وكذا قوله: ((أَوْ عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ أَوْ عَدَدَ أَيَّامِ
الدُّنْيَا)) كذا في ((المرقاة)). قلت: لفظ الترمذي: ((وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ ، وَإِنَّ
(٢٤٢٧) التِّرْ مِذِي (٣٣٩٧) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ .
٦١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالُسَاءِ وَالْمُنَامِ
كَانَتْ عَدَدَ رَمْلِ عَالَج، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا»، وهذا يعين أن العدد في لفظ
((المشكاة)) منصوبً عطفًا على ((مِثْلَ))، والمصنف تبع البغوي في نقل لفظ
الحديث، وفي الحديث: فضيلة عظيمة ومنقبة جليلة في مغفرة ذنوب القائل بهذا
الذكر ثلاث مرات، وإن كانت بالغة إلى هذا الحد الذي لا يحيط به عدد، وفضل
الله واسع وعطاؤه جم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، في الدعاء من طريق عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عطية عن
أبي سعيد، وعبيد الله بن الوليد هذا ضعيف متروك وعطية بن سعد العوفي، قال في
((التقريب)) عنه: صدوق يخطئ كثيرًا وكان شيعيًّا مدلسًا.
(وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ)، وفي نسخ الترمذي الموجودة عندنا - هذا حديث
حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث عبيدالله بن الوليد الوصافي -
وهكذا نقل المنذري في ((الترغيب))، وقال بعد ذكره: عبيدالله هذا واوٍ ولكن تابعه
عليه عصام بن قدامة، وهو ثقة خرجه البخاري في ((تاريخه)) من طريقه بنحوه،
وعطية هذا هو العوفي، قال أحمد وغيره: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم:
ضعيف يكتب حديثه ووثقه ابن معين وغيره، وحسن له الترمذي غير ما حديث
وأخرج حديثه ابن خزيمة في ((صحيحه))، وقال: في القلب من عطية شيء.
٢٤٢٨ - [٢٥] وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: «مَا مِنْ
مُسْلِمٍ يَأْخُذُ مَضْجَعَهُ بِقِرَاءَةِ سُورَةٍ مِنْ كِتَبِ اللَّهِ إِلَّا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكًّا، فَلَا
يَقْرَبُهُ شَيْءٌ يُؤْذِیهِ حَتَّى يَهُبَّ مَتَى هَبَّ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشرح
٢٤٢٨ - قوله: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَأْخُذُ مَضْجَعَهُ بِقِرَاءَةِ سُورَةٍ)، أي: مفتتحًا بقراءة
سورة، وقيل: أي: متلبسًا بقراءتها، وقوله: (بِقِرَاءَةٍ)، كذا في كثير من نسخ
((المشكاة))، وهكذا وقع في ((المصابيح)) ووقع في بعض نسخ ((المشكاة)): ((يَقْرَأَ))
(٢٤٢٨) التِّرْمِذِي (٣٤٠٧) فِيهِ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ .
٦٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يلفظ المضارع، وهكذا وقع في الترمذي، وذكره في ((جامع الأصول)) بلفظ:
((فَيَقْرَأُ))، أي: بزيادة الفاء على صيغة المضارع. وهكذا وقع عند أحمد، وابن
السني. (مِنْ كِتَابِ اللهِ)، أي: القرآن المجيد.
(إِلَّا وَكَّلَ اللهُ بِهِ مَلَكًا)، أي: أمره بأن يحرسه من المضار، وهو استثناء مفرغٍ.
(فَلاَ يَقْرَبُهُ) بفتح الراء. (شَيْءٌ يُؤْذِيهِ)، وفي روايةٍ أحمد: ((إِلَّا بَعَثَ اللهُ بَّكَ إِلَيْهِ مَلَكًا
يَحْفَظُهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيهِ)) ولا بن السني: ((إِلَّا وَكَّلَ اللهُ رَّكَ بِهِ مَلَكَّا لَا يَدَعُ شَيْئًا يَقْرَبُهُ
وَيُؤْذِيهِ)) (حَتَّى يَهُبَّ) بضم الهاء وتشديد الباء من باب نصر. (مَتَّى هَبَّ)، أي:
يستيقظ متى استيقظ بعد طول الزمان، أو قربه من النوم.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في الدعوات وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٤: ص ١٢٥)، وابن السني
(ص٢٣٨) كلهم من رواية أبي العلاء بن الشخير عن رجل من بني حنظلة عن شداد
ابن أوس، قال الترمذي: هذا حديث غريب. وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
(ج١٠: ص ١٢٠)، وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وحسنه السيوطي،
كما قال الشوكاني: في ((تحفة الذاكرين)) (ص٨٧) ورد عليهما بأن في إسناده
مجهولًا، وهو الحنظلي وأيضًا قد ضعف النووي في ((الأذكار)) إسناده.
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمُسَاءِ وَالمُنَامِ
ecKextes
BE EX
٦٣
٢٤٢٩ - [٢٦] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَلَّهُ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((خَلََّانِ لَا يُحْصِيهِمَا رَجُلٌ مُسْلِمُ إِلَّ دَخَلَّ الْجَنَّةَ أَلَا وَهُمَا
يَسِيرٌ، وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ: يُسَبِّحُ اللَّهَ فِي دُبُرٍ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَيَحْمَدُهُ
عَشْرًا، وَيُكَبِّرُهُ عَشْرًا)) قَالَ: فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَهِ يَعْقِدُهَا بِيَدِهِ قَالَ:
((فَتِلْكَ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ بِاللَّسَانِ وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فِي الْمِيزَانِ، وَإِذَا أَخَذَ
مَضْجَعَهُ يُسَبِّحُهُ وَيُكَبِّرُهُ وَيَحْمَدُهُ مِائَةً، فَتِلْكَ مِائَةٌ بِاللَّسَانِ وَأَلْفٌّ فِي الْمِيزَانِ،
فَأَيَّكُمْ يَعْمَلُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَلْفَيْنٍ وَخَمْسَمِائَةِ سَيِّئَةٍ؟)) قَالُوا: وَكَيْفَ لَا
نُحْصِيهَا؟ قَالَ: ((يَأْتِيَّ أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ فَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا
اذْكُرْ كَذَا، حَتَّى يَنْفَتِلَ فَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يَفْعَلُ، وَيَأْتِيهِ فِي مَضْجَعِهِ، فَلَا يَزَالُ يُنَوِّمُهُ
حَتَّى يَنَامَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاودَ وَالْنَسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي دَاوُدَ قَالَ:
((خَصْلَتَانِ أَوْ خَلَتَانِ لَا يُحَافِظُ عَلَيْهِمَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ))، وَكَذَا فِي رِوَايَتِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ :
((وَأَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ فِي الْمِيزَانِ)) قَالَ: ((وَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ
وَيَحْمَدُ ثَلَاثًّا وَثَلَاثِينَ، وَيُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلاثِينَ))، وَفِي أَكْثَرِ نُسَخ ((الْمَصَابِيحِ)) عَنْ
عبد الله ابْنِ عُمَرَ.
{صحيح }
الشرح
٢٤٢٩ - قوله: (خَلَّتَانِ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام، أي: خصلتان
كما صرح بذلك في بعض روايات الحديث. (لَا يُحْصِيهِمَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ)، أي: ((لا
يحافظ عليهما))، كما في رواية أحمد (ج٢: ص٢٠٦)، والحميدي (ج١ :
ص٢٦٥)، وأبي داود، يعني: لا يواظب عليهما. قيل: والأظهر: أنه ليس المراد
إجراء هذه الألفاظ على اللسان فقط، بل التذكر والتيقظ في فهم معانيها وإن لم
يحرم من البركة من يذكرها وقلبه لاهٍ عنها.
(إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ)، أي: مع الناجين. وقيل: أي: مع السابقين، وإلا فإنه يدخل
(٢٤٢٩) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، وأَبُو دَاوُد (٥٠٦٥) فِي الأدَبِ، والتِّرْمِذِي (٣٤١٠) فِي
الدَّعَوَاتِ، والنسائيُّ (٧٤/٣) فِي الصَّلَاةِ.
٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الجنة كل مؤمن إن شاء الله تعالى وإن كان بعد أمد والاستثناء مفرغ، وفيه بشارة
عظيمة بحسن الخاتمة للمواظب على هذه الأذكار. (أَلَا) بالتخفيف حرف تنبيه.
(وَهُمَا)، أي: الخصلتان وهما الوصفان كل واحد منهما. (يَسِيرٌ)، أي: سهل
خفيف؛ لعدم صعوبة العمل بهما على من يسره الله. (وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا)، أي: على
وصف المداومة. (قَلِيلٌ) عددهم، أي: نادر لعزة التوفيق وجملة التنبيه معترضة؛
لتأكيد التحضيض على الإتيان بهما، والترغيب في المداومة عليهما، والظاهر: أن
الواو في (وَهُمَا) للحال، والعامل فيه معنى التنبيه، قاله القاري.
(يُسَبِّحُ اللهَ)، بأن يقول: سبحان الله، وهو بيان لإحدى الخلتين والضمير
للرجل المسلم. (فِي دُبُرٍ) بضمتين، أي: عقب. (كُلِّ صَلَاةٍ)، أي: مكتوبة كما في
رواية أحمد (ج٢: ص١٦٢). (عَشْرًا)، أي: من المرات. (وَيَحْمَدُهُ)، بأن يقول:
الحمد لله. (وَيُكَبِّرُهُ)، بأن يقول: اللَّه أكبر. (قَالَ)، أي: ابن عمرو. (يَعْقِدُهَا)،
أي: العشرات. (بِيَدِهِ)، أي: بأصابعها، أو بأناملها، أو بعقدها. والمراد: بضبط
الأذكار المذكورة، وبحفظ عددها، أو يعقد لأجلها بيده. (قَالَ): أي: النبي ◌َّه .
(فَتِلْكَ)، أي: العشرات الثلاث دبر كل صلاة من الصلوات الخمس. (خَمْسُونَ
وَمِائَةٌ)، أي: في يوم وليلة حاصلة من ضرب ثلاثين في خمسة، أي: مائة
وخمسون حسنة. (بِاللَسَانِ)، أي: بمقتضى نطقه في العدد. (وَأَلْفٌ وَخَمْسُمَائِةٍ فِي
الْمَيزَانِ) ؛ لأن كل حسنة بعشر أمثالها على أقل مراتب المضاعفة الموعودة في
الكتاب والسنة .
(وَإِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ)، في الترمذي: ((وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ تُسَبِّحُهُ وَتُكَبِّرُهُ
وَتَحْمَدُهُ))، وهذا بيان للخلة الثانية. (يُسَبِّحُهُ وَيُكَبِّرُهُ وَيَحْمَدُهُ مِائَةً)، أي: مائة مرة،
يعني: يسبح اللَّه ثلاثًا وثلاثين، ويكبره أربعًا وثلاثين، ويحمده، ثلاثًا وثلاثين،
فيكون عدد المجموع مائة يدل على ذلك رواية النسائي، وابن السني: ((وَإِذَا أَوَى
أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ - أَوْ - مَضْجَعِهِ يُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلاثِينَ، وَكَبََّ
أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ))، ولأبي داود: ((وَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ وَيَحْمَدُ ثَلَاثًا
وَثَلَاثِينَ، وَيُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ))، (فَتِلْكَ)، أي: المائة من أنواع الذكر. (مِائَةٌ)،
أي: مائة حسنة. (وَأَلَفٌّ)، أي: ألف حسنة على جهة المضاعفة. (فَأَيُّكُمْ يَعْمَلُ فِي
٦٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمُسَاءِ وَالْمُنَامِ
الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَلْفَينٍ وَخَمْسَمِائَةِ سَيِّئَةٍ)، كذا عند أحمد، والنسائي، وابن ماجه،
والبخاري في ((الأدب المفرد))، وفي الترمذي: ((أَلْفَي وَخَمْسِمِائَةِ سَيِّئَةٍ))، وفي
((مسند الحميدي)): ((أَلْفَي سَيِّئَةٍ وَخَمْسِمِائَةِ سَيِّئَةٍ))، قال القاري: الفاء جواب شرط
محذوف، وفي الاستفهام نوع إنكار، يعني: إذا حافظ على الخصلتين وحصل
ألفان وخمسمائة حسنة في يوم وليلة، فيعفي عنه بعدد كل حسنة سيئة، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ اُلسَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] فأيكم يأتي بأكثر من هذا من
السيئات في يومه وليلته حتى لا يصير معفوًّا عنه، فما لكم لا تأتون بهما ولا
تحصونهما؟ انتهى. وقال السندي في ((حاشية النسائي)): قوله: ((فَأَيُّكُمْ يَعْمَلُ)»،
إلخ. أي: لتساوي هذه الحسنات ولا يبقى منها شيء، أي: بل السيئات في العادة
أقل من هذا العدد، فتغلب عليها هذه الحسنات الحاصلة بهذا الذكر المبارك.
وقال في ((حاشية ابن ماجه)): أي: إنها تدفع هذا العدد من السيئات، وإن لم
تكن له سيئات بهذا العدد ترفع له بها درجات، وقلما يعمل الإنسان في اليوم والليلة
هذا القدر من السيئات، فصاحب هذا الورد مع حصول مغفرة السيئات لابد أن
يحرز بهذا الورد فضيلة هذه الدرجات. (قَالُوا: وَكَيْفَ لَا نُحْصِيهَا؟)، أي:
المذكورات، وفي رواية أحمد: ((قالوا: كيف من يعمل بهما قليل؟)) والمعنى:
أنهم قالوا مستفهمين استفهام تعجب، إذا كان هذا الثواب الجزيل لمن يعمل هذا
العمل القليل فكيف يقل العاملون به؟ قال الطيبي: أي: كيف لا نحصي
المذكورات في الخلتين، وأي شيء يصرفنا، فهو استبعاد لإهمالهم في الإحصاء،
فرد استبعادهم بأن الشيطان يوسوس له في الصلاة حتى يغفل عن الذكر عقيبها،
وينومه عند الاضطجاع كذلك. وهذا معنى قوله: (قَالَ) أي: النبي ◌َّ .
(يَأْتِي أَحَدَكُمْ) مفعول مقدم. (فَيَقُولُ)، أي: يوسوس له ويلقي في خاطره.
(اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا)، من الأشغال الدنيوية والأحوال النفسية الشهوية، أو ما لا
تعلق له بالصلاة ولو من الأمور الأخروية. (حَتَّى يَنْفَتِلَ)، أي: ينصرف عن
الصلاة. (فَلَعَلَّهُ)، أي: فعسى. (أَنْ لَا يَفْعَلَ)، أي: الإحصاء، قيل: الفاء في
(فَلَعَلَّهُ) جزاء شرط محذوف، يعني: أن الشيطان إذا كان يفعل كذا، فعسى الرجل
أن لا يفعل، وإدخال إن في خبره دليل على أن ((لعل)) هاهنا بمعنى ((عسى))، وفيه:
إيماء إلى أنه إذا كان يغلبه الشيطان عن الحضور المطلوب المؤكد في صلاته،
٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
se
فكيف لا يغلبه ولا يمنعه عن الأذكار المعدودة من السنن في حال انصرافه عن
طاعته، وفي رواية أحمد (ج٢: ص٢٠٦) : فيذكر حاجة كذا فيقوم ولا يقولها،
والمعنى: أنه ينصرف عن الصلاة وهو مشغول بالحاجة التي ذكره بها الشيطان، فلا
يقول الذكر المطلوب إمَّا نسيانًا أو عمدًا لاشتغاله بغيره، وهكذا يفعل معه عند
النوم حتی ینام بدون ذکر.
(وَيَأْتِيهِ)، أي: الشيطان أحدكم (فَلَا يَزَالُ يُنَوِّمُهُ) بتشديد الواو، أي: يلقي عليه
النوم. (حَتَّى يَنَامَ)، أي: بدون الذكر، وفي رواية أحمد : ((فَيُنَوِّمُهُ فَلَا يَقُولُهَا»، وفي
أخرى له أيضًا ولأبي داود: ((فَيُنَوِّمُهُ قَبْلَ أَنْ يَقُولَهَا)).
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، في الدعوات من طريق إسماعيل بن علية عن عطاء بن السائب
عن أبيه عن عبد الله بن عمرو. (وَأَبُو دَاوُدَ) في الأدب من رواية شعبة عن عطاء.
(وَالنَّسَائِيُّ)، في الصلاة من طريق حماد بن زيد عن عطاء واللفظ للترمذي،
وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص ١٦٠، ١٦١) من طريق جرير عن عطاء، و (ج٢ :
ص ٢٠٥) من طريق شعبة، وابن ماجه في الصلاة من طريق ابن علية ومحمد بن
فضيل وأبي يحيى التيمي، وابن الأجلح عن عطاء والحميدي في ((مسنده)) (ج١ :
ص٢٦٥)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (ج٢: ص٦٢١) من طريق سفيان عن
عطاء، وابن حبان من طريق حماد بن زيد عنه، وابن السني (ص٢٣٦) من طريق
حماد بن سلمة عن عطاء. قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح، وسكت عنه أبو
داود، ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره.
وقال النووي في ((الأذكار)): إسناد صحيح إلا أن فيه عطاء بن السائب وفيه
اختلاف بسبب اختلاطه. قلت: قال المنذري: قال أحمد فيه: ثقة ثقة صالح من
سمع منه قديمًا - أي: قبل الاختلاط والتغير - كان صحيحًا ومن سمع منه حديثًا لم
يكن بشيء. وقال النسائي: ثقة في حديثه القديم لكنه تغير، ورواية الثوري وحماد
ابن زيد عنه جيدة وصحح حديثه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم
وغيرهم. انتهى. قلت: سمع سفيان الثوري وشعبة وحماد بن زيد من عطاء قبل
الاختلاط كما في ((تهذيب التهذيب)) ويكفي في صحة الحديث من هؤلاء التسعة
الذين رووه عن عطاء، شعبة، والثوري، وحماد بن زيد الذين سمعوا من عطاء
قديمًا. (وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي دَاوُدَ: قَالَ: خَصْلَتَانِ - أَوْ - خَلَّتَانٍ)، أي: على الشك وكذا
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمُسَاءِ وَالْنَامِ
٦٧
وقع بالشك في رواية أحمد (ج٢ ص٢٠٦).
(لَا يُحَافِظُ عَلَيْهِمَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ)، أي: بدل ((لا يحصيهما رجل مسلم)). (وَكَذَا فِي
رِوَايَتِهِ)، أي: رواية أبي داود. (وَفِي أَكْثَرِ نُسَخ ((الْمَصَابِيحِ)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ)،
أي: بدون الواو، وهو خطأ من غير شك، فإن الحديث من مسند عبد الله بن عمرو
بن العاص عند جميع المخرجين.
٢٤٣٠ - [٢٧] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ غَنَّام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَنْ
قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِيَ مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَمِنْكَ
وَحْدَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَّلَكَ الشُّكْرُ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ، وَمَنْ
قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي؛ فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ] {ضعيف}
الشرح
٢٤٣٠ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ غَنَّام) بفتح الغين المعجمة وتشديد النون
وبعد الألف ميم. ابن أوس بن عمرو بنَّ مالك بن عامر بن بياضة الأنصاري
البياضي صحابيٍ له حديث في ((سنن أبي داود)) والنسائي في القول عند الصباح
يرويه عنه عبد الله بن عنبسة، ويأتي بقية الكلام عليه عند تخريج الحديث. (مَا
أَصْبَحَ بِي)، أي: حصل لي في الصباح، قاله القاري. وقيل: أي: ما أصبح متصلًا
بي. (مِنْ نِعْمَةٍ)، أي: دنيوية أو أخروية.
(أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ)، (أَوْ) للتنويع، والمراد: التعميم، وهذا ليس في رواية أبي
داود نعم هو عن النسائي كما يظهر من ((تحفة الذاكرين))، وكذا هو في حديث ابن
عباس عند ابن حبان وابن السني. (فَمِنْكَ)، أي: فحاصل منك. (وَحْدَكَ) حال من
الضمير المتصل في قوله: (فَمِنْكَ)، أي: فهو حاصل منك منفردًا .
(وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي)، لكن يقول: ((أمسى)) بدل: ((أصبح)). (فَقَدْ أَدَّى
(٢٤٣٠) أَبُو دَاوُد (٥٠٧٣) فِي الأدَبِ، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٩٨٣٥) فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
غنَّامِ البَيَاضِيِّ.
SOCK
٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
شُكْرَ لَيْلَتِهِ)، هذا يدل على أن الشكر هو الاعتراف بالمنعم الحقيق، ورؤية كل
النعم دقيقها وجليلها منه، وكماله أن يقوم بحق النعم ويصرفها في مرضاة المنعم.
قال الشوكاني: وفي الحديث: فضيلة عظمية ومنقبة كريمة حيث تكون تأدية
واجب الشكر بهذه الألفاظ اليسيرة القليلة، وأن قائلها صباحًا قد أدى شكر يومه
وقائلها مساءً قد أدى شكر ليلته مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَإِن تَعُذُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا
تُخْصُوهَاً﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وإذا كانت النعم لا يمكن إحصاؤها فكيف يقدر العبد على
شكرها، فلله الحمد ولله الشكر على هذه الفائدة الجليلة المأخوذة من معدن العلم
ومنبعه. انتهى. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الأدب، وأخرجه أيضًا النسائي في ((الكبرى))،
والبغوي في ((شرح السنة)) (ج٥: ص١١٥) كلهم من طريق ربيعة بن أبي عبد
الرحمن الرأي عن عبد الله بن عنبسة عن عبد الله بن غنام البياضي، وقد سكت عنه
أبو داود، وقال النووي: روينا في ((سنن أبي داود)) بإسناد جيد لم يضعفه عن
عبد الله بن غنام فذكره.
وقال الشوكاني: وجود النسائي إسناده، وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه))،
وابن السني (ص ١٥) من طريق ربيعة الرأي عن عبد الله بن عنبسة عن ابن عباس،
وهذا تصحيف من بعض الرواة، والصحيح ابن غنام، قال الحافظ في ((تهذيب
التهذيب)) (ج٥: ص٣٥٤): عبد الله بن عنبسة عن عبد الله بن عباس، وقيل: ابن
غنام البياضي وهو الصحيح حديث: ((مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ
نِعْمَةٍ ... ))، وعنه ربيعة بن أبي عبد الرحمن ومحمد بن سعيد الطائفي، روی له أبو
داود، والنسائي هذا الحديث الواحد، ووقع في رواية النسائي على الوجهين
ورجح الطبراني وغيره ابن غنام، قلت - قائله الحافظ: وقال أبو زرعة: لا أعرفه
إلا في حديث واحد، وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) فقال ابن عباس، وأمَّا أبو
نعيم فجزم في ((معرفة الصحابة)) بأن من قال ابن عباس؛ فقد صحف، وكذا قال
ابن عساكر: إنه خطأ. انتهى.
٦٩
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمُسَاءِ وَالُنَامِ
٢٤٣١ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ وَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَوَى
إِلَى فِرَاشِهِ: ((اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَتَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ
الْحَبِّ وَالنَّوَى، مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلَّ ذِي
شَرِّ، أَنْتَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَّيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ، فَلَيْسَ
بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ
شَيْءٌ، اقْضٍ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِي مِنَ الْفَقْرِ)).
[ْرَوَاهُ أَبُو دَاوَدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَرَوَاهُ مُسْلِمُ مَعَ اخْتِلافٍ يَسِيرٍ] (صحيح}
الشرح
٢٤٣١ - قوله: (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَوَى) بقصر الهمزة ومدها وجهان؛ ومعناه :
الاضطجاع للنوم. (إِلَى فِرَاشِهِ)، هذا لفظ أحمد، والبخاري في ((الأدب المفرد)»،
وأبي داود وابن ماجه في رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة،
ولمسلم، وابن السني عن سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن
يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: ((اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ ... )) إلخ. وكان يروي
ذلك عن أبي هريرة عن النبي وَّةِ، وللترمذي، ومسلم أيضًا من طريق سهيل عن
أبيهِ عن أبي هريرة كان رسول اللّه وَ ل ◌َه يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول:
((اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ))، إلخ. ورواه أيضًا ابن ماجه من حديث الأعمش عن أبي
صالح عن أبي هريرة قال: أتت فاطمة النبي ◌َّ تسأله خادمًا فقال لها: ((مَا عِنْدِي
أُعْطِيكِ))، فرجعت فأتاها بعد ذلك، فقال: ((الَّذِي سَأَلْتِ أَحَبُّ إِلَيْكِ، أَوْ مَا هُوَ خَيْرٌ
مِنْهُ))، فقال لها علي: قولي: لا بل ما هو خير منه، فقالت، فقال: ((قُولِي: اللَّهُمَّ
رَبَّ السَّمَوَاتِ))، إلخ. وهذه الرواية عند مسلم، والترمذي أيضًا لكن لم يسق
مسلم لفظها: (اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ)، زاد في رواية لمسلم، والترمذي، وابن
ماجه، وأحمد لفظه ((السَّبْع))، (وَرَبَّ الْأَرْضِ)، وللترمذي: ((وَرَبَّ الْأَرَضِينَ))،
(٢٤٣١) مُسْلِم (٦١/ ٢٧١٣)، وَأَبُو دَاوُد (٥٠٥١)، وَالتِّرْ مِذِي (٣٤٠٠)، وَابن مَاجَهْ (٣٨٧٣)، كُلُّهُمْ
فِي الدُّعَاءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً خَلَا أَبَا دَاوُدَ؛ فَفِي الأَدَبِ.
٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
EX
أي: خالقهما ومربي أهلهما، وزاد في رواية لمسلم، وابن ماجه، والترمذي، وابن
السني: ((وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيم)) بجر العظيم صفة للعرش والنصب نعتًا للرب.
(وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ) تعميم بعد تخصيص، وفي مسلم، والترمذي: ((رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ
شَيْءٍ)، (فَالِقَ الْحَبِّ) الفلق: الشق. (وَالنَّوَى) جمع النواة، وهي عجم التمر وفي
معناه عجم غيره والتخصيص لفضلها، أو لكثرة وجودها في ديار العرب، أي: يا
من يشق حب الطعام ونوى التمر ونحوهما بإخراج الزرع والنخيل منهما.
(مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ) من الإنزال، وقيل: من التنزيل. (وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ)، زاد في
رواية الأعمش عند ابن ماجه: ((الْعَظِيم)) ولمسلم وابن السني: ((الْفُرْقَانِ)) بدل
(الْقُرْآنِ) ؛ لأنه فرق بين الحق والباطل وَلعل ترك الزبور؛ لأنه مندرج في التوراة؛
أو لأنه ليس فيه أحكام إنما هو مواعظ. قال الطيبي: فإن قلت: ما وجه النظم بين هذه
القرائن؟ قلت: وجهه أنه وَ لّ لما ذكر أنه تعالى رب السموات والأرض، أي:
مالكهما ومدبر أهلهما عقبه بقوله: (فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) ؛ لينتظم معنى الخالقية
والمالكية؛ لأن قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَّ﴾ تفسير
لفالق الحب والنوى، ومعناه: يخرج الحيوان النامي من النطفة والحب من النوى
﴿وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيِّ﴾، أي: يخرج هذه الأشياء من الحيوان والنامي، ثم عقب
ذلك بقوله: (مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ)، ليؤذن بأنه لم يكن إخراج الأشياء من كتم العدم إلى
فضاء الوجود إلا ليعلم ويعبد ولا يحصل ذلك إلا بكتاب ينزله ورسول يبعثه. كأنه
قيل: يا مالك! يا مدبر! يا هادي! أعوذ بك. انتهى كلام الطيبي.
(أَعُوذُ)، أي: أعتصم وألوذ، ووقع في بعض النسخ: ((وَأَعُوذُ)) بواو العطف،
وهو خطأ من الناسخ. (مِنْ شَرِّ كُلُّ ذِي شَرِّ)، كذا لأحمد وأبي داود، والترمذي،
والبخاري في ((الأدب المفرد))، وفي رواية مسلم والترمذي، وابن السني: ((مِنْ شَرِّ
كُلِّ شَيْءٍ))، (أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ)، أي: من شر كل شيء من المخلوقات؛ لأنها كلها
في سلطانه وهو آخذ بنواصيها، وفي رواية لمسلم، وابن ماجه: ((مِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ
أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا))، أي: أعوذ بك من شر كل دابة مؤذية. (أَنْتَ الأَوَّلُ)، وفي
مسلم: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ))، أي: القديم الذي لا ابتداء له.
(فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ)، قيل: هذا تقرير للمعنى السابق، وذلك أن قوله: (أَنْتَ
٧١
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابٌ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالُسَاءِ وَالمُنَامِ
ses
الْأَوَّلُ) مفيد للحصر بقرينة الخبر باللام فكأنه قيل: أنت مختص بالأولية، فليس
قبلك شيء. (وَأَنْتَ الآخِرُ)، أي: الباقي بعد فناء خلقك لا انتهاء لك، ولا انقضاء
لوجودك. وقال الجزري: أي: الباقي بعد فناء خلقه كله ناطقه وصامته.
(فَلَيْسَ بَعْدَلَكَ شَيْءٌ) ؛ لعدم البعدية. (وَأَنْتَ الظَّاهِرُ)، أي: فلا ظهور لشيء ولا
وجود له إلا من آثار ظهورك ووجودك. (فَلَيْسَ فَوْقَك)، أي: فوق ظهورك. (شَيْءٌ)
يعني: ليس شيء أظهر منك لدلالة الآيات الباهرة عليك. وقيل: الظاهر هو الذي
ظهر فوق كل شيء وعلا عليه. وليس فوقك شيء، أي: لا يقهرك شيء، أي: ليس
فوقك غالب .
(وَأَنْتَ الْبَاطِنُ)، يعني: الذي حجب أبصار الخلائق وأوهامهم عن إدراكه، فلا
يدركه بصر ولا يحيط به وهم. (فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ)، أي: لا يحجبك شيء عن
إدراك مخلوقاتك، يعني: مع كونه يحتجب عن أبصار الخلائق، فليس دونه ما
يحجبه عن إدراكه شيئًا من خلقه، وقيل: (أَنْتَ الْبَاطِنُ)، أي: بعظمة جلالك
وكمال كبريائك حتى لا يقدر أحد على إدراك ذاتك مع كمال ظهورك، وقوله:
(فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ)، أي: وراءك شيء يكون أبطن منك، وقيل: (الْبَاطِنُ) هو
العالم بما بطن، يقال: بطنت الأمر؛ إذا عرفت باطنه.
(اقْضِ عَنِّ الدَّيْنَ وَأغْنِي مِنَ الْفَقْرِ)، وفي رواية مسلم، والحاكم: ((اقْضٍ عَنَّا
الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ))، قال النووي: يحتمل أن المراد بالدين هنا: حقوقَ اللَّه
تعالى وحقوق العباد كلها من جميع الأنواع، وأمَّا معنى الظاهر من أسماء الله،
فقيل: هو من الظهور بمعنى القهر والغلبة وكمال القدرة ومنه ظهر فلان على
فلان، وقيل: الظاهر بالدلائل القطعية والباطن المحتجب عن خلقه، وقيل: العالم
بالخفيات، وأمَّا تسميته تعالى بالآخر، فقال الإمام أبو بكر الباقلاني: معناه: الباقي
بصفاته من العلم والقدرة وغيرهما التي كان عليها في الأزل ويكون كذلك بعد
موت الخلائق، وذهاب علومهم وقدرهم وحواسهم، وتفرق أجسامهم. انتهى.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الأدب واللفظ له. (وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) في الدعوات،
وأخرجه أيضًا أحمد، والنسائي في ((الكبرى))، والبخاري في ((الأدب المفرد))
(ج٢: ص٦١٩)، وابن السنى (ص٢٢٧)، وابن أبي شيبة، وأبو عوانة في
٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الدعوات، وابن حبان، والحاكم (ج١: ص٥٤٦) وقال: حديث صحيح الإسناد،
ووافقه الذهبي، وسكت عنه أبو داود، والمنذري. وقال الترمذي: حديث حسن
صحيح. (وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الدعاء. (مَعَ اخْتِلَافٍ يَسِيرٍ)، وقد ذكرنا مواضع
الاختلاف.
٢٤٣٢ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ الأَنْمَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ كَانَ إِذَا
أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِن اللَّيْلِ؛ قَالَ: ((بِسْمِ اللَّهِ وَضَغْتُ جَنْبِي لِلَّهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي
ذَنْبِي، وَاخْسَأْ شَيْطَانِي، وَفُلَكَ رِهَانِيَ، وَاجْعَلْنِي فِي النَّدِيِّ الأَعْلَى)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوِدَ]
الشرح
٢٤٣٢ - قوله: (وَعَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ)، ويقال: أبو زهير مصغرًا. (الأَنْمْارِيِّ)
بفتح الهمزة وسكون النون، ويقال: النميري بالتصغير صحابي سكن الشام لا
يعرف اسمه، وقيل: يحيى بن نفير. روى عن النبي ◌ُّل في القول: (إِذَا أَخَذَ
مَضْجَعَهُ)، وعنه خالد بن معدان وغيره. (كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ) بفتح الميم
والجيم، أي: موضع ضجوعه، يعني: استقر فيه لينام. (بِسْمِ اللهِ وَضَعْتُ جَنِْي
للهِ)، كذا في جميع النسخ من ((المشكاة))، وهكذا نقله في ((جامع الأصول)) وقع
في ((المصابيح)) بدون (للهِ)، وكذا في ((الأذكار))، و((الحصن))، و((الجامع
الصغير)). وهكذا وقع في سنن أبي داود.
قال القاري: فوضعت متعلق الجار ويحتمل على الأول أيضًا أن يتعلق بقوله:
(وَضَعْتُ)، أي: باسم الله وضعت جنبي حال كون وضعه لله، أي: للتقوي على
عبادته. (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي)، المراد به: ذنبه اللائق بذاته الشريفة، أو وقع تعليمًا
لأ مته.
(وَاخْسَأْ شَيْطَانِي)، أي: اجعله خاستًا، أي: مطرودًا وهو بوصل الهمزة وفتح
(٢٤٣٢) أَبُو دَاوُد (٥٠٥٤) فِي الأَدَبِ عَنْ أَبِي الأَزْهَرِ الأَنْمَارِيِّ .
٧٣
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمُسَاءِ وَالْمُنَامِ
السين من خسأت الكلب، أي: طردته وزجرته مستهينًا به فانزجر وخسأ الكلب
بنفسه، فهو يتعدَّى ولا يتعدَّى، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ أُخَْئُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ
[المؤمنون: ١٠٨] والمعنى: اجعله مطرودًا عني كالكلب المهين. قال الطيبي:
أضافه إلى نفسه؛ لأنه أراد به قرينه من الجن، أو أراد الذي يقصد إغواءه ويبغي
غوايته، أي: من شياطين الإنس والجن. (وَفُك) بضم الفاء وتشديد الكاف
المفتوحة ويجوز ضمها وكسرها. (رِهَانِي) بكسر الراء كسهام، أي: خلص نفسي
ورقبتي عن كل حق علي، وأصل الفك: الفصل بين الشَّيْتَيّنِ وتخليص بعضهما من
بعض، والرهان: الرهن وجمعه ومصدر راهنه: وهو ما يوضع وثيقة للدين،
يعني: المال المحبوس عند المرتهن والمراد هنا: نفس الإنسان؛ لأنها مرهونة
[المدثر: ٣٨]، وقوله: ﴿كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا
بعملها لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِيْنَةُ
كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] ولقوله ◌َّ: ((نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُرْتَهِنَةٌ بِدَيْنِهِ))، أي: محبوسة عن
مقامها الكريم حتى يقضى عنه دينه. وفك الرهن تخليصه من يد المرتهن، يعني :
خلص نفسي عن حقوق الخلق، ومن عقاب ما اقترفت من الأعمال التي لا ترتضيها
بالعفو عنها، وزاد في ((المستدرك)) وعمل اليوم والليلة لابن السني: ((وَثَقِّلْ
مِيزَانِي))، أي: بالأعمال الصالحة.
(وَاجْعَلْنِي فِي النَّدِيِّ الأَعْلَى) ((النَّدِيِّ)): بفتح النون وكسر الدال وتشديد الياء:
هو النادي، قال الجزري: الندي: النادي، وهو المجلس يجتمع فيه القوم، فإذا
تفرقوا عنه، فليس بناد ولا ندي، والمراد بـ((النَّدِيِّ الأَعْلَى)): مجتمع الملائكة
المقربين؛ ولهذا وصفه بالعلو. وقال الخطابي: الندي: القوم المجتمعون في
مجلس، ومثله النادي وجمعه أندية، قال: ويريد بالندي الأعلى الملأ الأعلى من
الملائكة، انتهى. وقيل: الندي أصله المجلس، ويقال للقوم أيضًا تقول: ندوت
القوم، أي: جمعتهم، والمعنى: اجعلني من القوم المجتمعين. ويريد بالأعلى
الملأ الأعلى. وهم الملائكة أو من أهل الندي إذا أريد به المجلس، وهذا دعاء
يجمع خير الدنيا والآخرة، فتتأكد المواظبة عليه كلما أريد النوم وهو من أجل
الأدعية المشروعة عنده على كثرتها .
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ)، في الأدب، قال الحافظ في ((الإصابة)) في ترجمة أبي الأزهر
الأنماري: بسند جيد. وقال النووي في ((الأذكار)): بالإسناد الحسن، ورمز
٧٤
ONE
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
السيوطي في ((الجامع الصغير)) لصحته وسكت عنه أبو داود، وأخرجه أيضًا الحاكم
(ج١: ص ٥٤٠، ٥٤٩)، وابن السنى (ص٢٢٨) بلفظ: كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ؛
قَالَّ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي))، إلخ. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ووافقه
الذهبي .
٢٤٣٣ - [٣٠] وعَن ابْن عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ كَانَ إِذَا أَخَذَ
مَضْجَعَهُ مِنِ اللَّيْلِ قَالَ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانِي وَآوَانِ وَأَطْعَمَنِي وَسَقَانِي،
وَالَّذِي مَنَّ عَلَيَّ فَأَفْضَلَ، وَالَّذِي أَعْطَانِي فَأَجْزَلَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ،
اللَّهُمَّ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ وَإِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ، أَعُوذُ بِكَ مِن النَّارِ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوِدَ]
الشرح
٢٤٣٣ - قوله: (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي كَفَانِي)، أي: دفع عني شر كل مؤذ من
خلقه وكفى مهماتي وقضى حاجاتي، أو أغناني عن الخلقِ. (وَآوَانِي) بالمد، أي:
جعل لي مسكنًا يقيني الحر والبرد وأحرز فيه متاعي. (وَالَّذِي مَنَّ)، أي: أنعم من
المن العطاء، لا من المنة. (عَلَيَّ فَأَفْضَلَ) بالفاء، وفي رواية أحمد: بالواو، أي:
زاد في المن أو أكثر. (وَالَّذِي أَعْطَانِي فَأَجْزَلَ)، أي: فأعظم العطاء أو أكثر من
النعمة. قال الطيبي: الفاء فيه لترتبها في التفاوت من بعض الوجوه، كقولك: خذ
الأفضل فالأكمل، واعمل الأحسن، فالأجمل فالإعطاء حسن، وكونه جزيلًا
أحسن وهكذا المن، وقدم المن؛ لأنه غير مسبوق بعمل العبد بخلاف الإعطاء،
فإنه قد يكون بإزاء عمل من العبد ومسبوقًّا به كذا قال، وفيه بحث. (الْحَمْدُ للهِ
عَلَى كُلِّ حَالٍ)، وفي رواية ابن السني: ((اللَّهُمَّ فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ))، (اللَّهُمَّ
رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ)، أي: مربيه ومصلحه. (وَمَلِيكَهُ)، وفي رواية أحمد: ((وَمَلِكَ كُلِّ
شَيْءٍ))، ولا بن حبان: ((وَمَالِكَ كُلِّ شَيْءٍ)).
(٢٤٣٣) أَبُو دَاوُد (٥٠٥٨) فِي الأَدَبِ، والنَّسَائِي في ((الكُبرى)) (١٠٦٣٤) في اليومِ والليلةِ، عن ابن
عمر .
٧٥
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
*
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمُسَاءِ وَالمُنَامِ
(وَإِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ)، زاد في رواية أحمد، وابن حبان: ((وَلَكَ كُلُّ شَيْءٍ))، (أَعُوذُ مِنَ
الثَّارِ)، أي: مما يقرب إليها من علم أو عمل، أو حال يوجب العذاب. (رَوَاهُ أَبُو
دَاوُدَ) في الأدب، قال النووي: بالإسناد الصحيح. قلت: سكت عنه أبو داود،
والمنذري، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٢: ص١١٨)، والنسائي في ((الكبرى))، وابن
حبان، وأبو عوانة في ((صحيحهما))، وابن السني (ص ٢٣٠)، والبغوي في ((شرح
السنة)) (ج ٥: ص١٠٦)، وأخرجه الحاكم من حديث أنس (ج١: ص ٥٤٥، ٥٤٦)
وصححه وأقره الذهبي.
٢٤٣٤ - [٣١] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: شَكَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَنَامُ اللَّيْلَ مِنَ الْأَرَقِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللّهِ وَِّ: ((إِذَا أَوَيْتَ
إِلَى فِرَاشِكَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظَلَّتْ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ
وَمَا أَقَلَّتْ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضَلَّتْ، كُنْ لِ جَارًا مِنْ شَرِّ خَلْقِكَ كُلِّهِمْ
جَمِيعًا أَنْ يَفْرُطَ عَلَيَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَوْ أَنْ يَبْغِيَ، عَزَّ جَارَُكَ، وَجَلَّ ثَنَاؤُلَكَ، وَلَا إِلَهَ
[ِرَوَاهُ التِِّمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ،
غَيْرُكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ)).
وَالْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرِ الْرَّاوِي قَدْ تَرَكَ حَدِيثَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ]
الشرح
٢٤٣٤ - قوله: (وَعَنْ بُرَيْدَةَ) بن الحصيب الأسلمي الصحابي. (شَكَا خَالِدٌ
ابْنُ الوَلِيدِ) المخزومي. (إِلَى النَّبِيِّ وَّةَ)، في ((القاموس)): شكا أمره إلى اللَّه
شكوى، وينون وشكاية بالكسر وشكيت لغة في شكوت. انتهى. فعلى اللغة
الأولى التي هي الفصحى يكتب شكا بالألف وعلى الثانية بالياء بناء على القاعدة
المقررة في علم الخط. (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا أَنَامُ اللَّيْلَ مِنَ الأَرَقِ)، هذا بيان
لقوله: (شَكًا)، و(الأَرَقِ) بفتحتين السهر في الليل؛ لا متناع النوم لعلة من وسواس
أو حزن أو غير ذلك. فـ((من)) ابتدائية للتعليل، أي: لأجل السهر. (إِذَا أَوَيْتَ)
بالقصر. (وَمَا أَظَلَّتْ) بتشديد اللام من الإظلال، أي: وما أوقعت ظلها عليه، قال
الجزري: أظلت السماء الأرض، أي: ارتفعت عليها، فهي لها كالمظلة.
(٢٤٣٤) التِّرْ مِذِي (٣٥٢٣) فِي الدَّعَوَاتِ عَنْ بُرَيْدَةَ، وَقَالَ: غَرِيبٌ.
٧٦
10
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(وَمَا أَقَلَّتْ) بتشديد اللام من الإقلال، أي: حملت ورفعت من المخلوقات.
قال الجزري: أقلت الأرض ما عليها، أي: حملته. (وَمَا أَضَلَّتْ) من الإضلال،
وهو الحمل على الضلال ضد الهدى، أي: وما صيرته بإغوائها ضالًا. قال
القاري: أي: وما أضلت الشياطين من الإنس والجن ـ((ما)) هنا بمعنى ((من))، وفيما
قبل غلب فيها غير العاقل، ويمكن أن ما هنا للمشاكلة يعني ليطابق ما قبله من
تغليب غير ذوي العقول؛ لكثرته على العقلاء. (كُنْ لِي جَارًا)، من استجرت فلانًا
فأجارني، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيْرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]، أي: كن لي
معينًا ومانعًا ومجيرًا وحافظًا في ((القاموس)) الجار المجير، والمستجير والحليف
والناصر .
(مِنْ شَرِّ خَلْقِكَ كُلُّهِمْ جَمِيعًا) حال فهو تأكيد معنوي بعد تأكيد لفظي، وفي
حديث خالد بن الوليد عند الطبراني: ((مِنْ شَرِّ خَلْقِكَ أَجْمَعِينَ))، (أَنْ يَفْرُطَ) بفتح
الياء التحتية وضم الراء وهو العدوان ومجاوزة الحد، يقال: فرط عليه، أي: عدا
عليه ومنه قوله تعالى: ﴿أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ [طه: ٤٥]، (عَلَيَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ)، أي: من يفرط
على أحد من خلقك على أنه بدل اشتمال من شر خلقك، أو لئلا يفرط أو كراهة أن
يفرط. قال في ((المفاتيح)): أي: يقصدني بالأذى مسرعًا. (أَوْ أَنْ يَبْغِيَ) بكسر
الغين، أي: يظلم على أحد، وفي حديث خالد ((أَوْ أَنْ يَطْغَى)) من الطغيان وأو
للتنويع، وهو على منوال قوله تعالى حكاية عن موسى وهارون: ﴿إِنَّنَا فَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ
عَلَيْنَآ أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه: ٤٥].
(عَزَّ جَارُكَ)، أي: غلب مستجيرك وصار عزيزًا. (وَجَلَّ)، أي: عظم. (ثَنَاؤُلَكَ)
يحتمل إضافته إلى الفاعل والمفعول، ويحتمل أن يكون المثني غيره أو ذاته،
فيكون كقوله وَ له: ((أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ))، وفي حديث خالد بن الوليد
((تَبَارَََ اسْمُكَ)) .
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الدعوات. قال النووي: بإسناد ضعيف، وقال المنذري:
بإسناد فيه ضعف، وأخرجه الطبراني في ((الأوسط)) من حديث خالد بن الوليد أنه
أصابه أرق، فقال رسول اللَّه وَّ: ((أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ إِذَا قُلْتَهُنَّ نِمْتَ، قُلْ: اللَّهُمَّ
رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْع))، إلخ. قال المنذري: إسناده جيد، وقال الهيثمي: رجاله
٧٧
كِتّابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالُسَاءِ وَالُنَامِ
رجال الصحيح إلا أن عبد الرحمن بن سابط لم يسمع من خالد بن الوليد، ورواه،
أي: الطبراني في ((الكبير)) بسند ضعيف بنحوه.
(وَالْحَكَمُ) بفتحتين وفي بعض النسخ: الحكيم، بالياء وهو خطأ والصواب
الحكم. (بْنُ ظُهَيْرٍ) بالمعجمة مصغرًا. (الرَّاوِي) بتخفيف الياء. (قَدْ تَرََكَ حَدِيثَهُ
بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ)، قال الحافظ في ((التقريب)): الحكم بن ظهير الفزاري أبو
محمد وكنية أبيه أبو ليلى، ويقال: أبو خالد متروك رمي بالرفض واتهمه ابن
معين، انتهى. وقال في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته: قال أبو زرعة: إنه واهي
الحديث متروك الحديث، وقال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال البخاري:
متروك الحديث تركوه، وقال النسائي: متروك، روى له الترمذي حديثًا واحدًا في
القول عند الأرق، وقال: قد تركه بعض أهل الحديث، وقال صالح جزرة: كان
يضع الحديث، وفي الكامل لابن عدي: قال يحيى: كذاب. وقال ابن حبان: كان
يشتم الصحابة، ويروي عن الثقات الأشياء الموضوعات وهو الذي روى عن عاصم
عن ذر عن عبد الله: ((إِذَا رَأَيْتُمْ مُعَاوِيَةَ عَلَى مِنْبَرِي فَاقْتُلُوهُ)) .
٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الفصل الثالث
٢٤٣٥ - [٣٢] عَنْ أَبِي مَالِكِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((إِذَا أَصْبَحَ
أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: أَصْبَحْنَا، وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ
خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ، فَتْحَهُ، وَنَصْرَهُ، وَنُورَهُ، وَبَرَكَتَهُ وَهُدَاهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا
فِيهِ، وَمَنْ شَرََّمَا بَعْدَهُ، ثُمَّ إِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ]
الشرح
٢٤٣٥ - قوله: (عَنْ أَبِي مَالِكِ) الأشعري. (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ
فَتْحَهُ)، أي: الظفر على المقصود. (وَنَصْرَهُ)، أي: النصرة على العدو. (وَنُورَهُ)
بتوفيق العلم والعمل. (وَبَرَكَتَهُ) بتيسير الرزق الحلال الطيب. (وَهُدَاهُ)، أي:
الثبات على متابعة الهدى ومخالفة الهوى. وقال الطيبي: قوله: (فَتْحَهُ) وما بعده
بيان لقوله: (خَيْرَ هَذَا الْيَوْم) والفتح هو الظفر بالتسلط صلحًا أو قهرًا، والنصر
الإعانة، والإظهار على العدو، وهذا أصل معناهما ويمكن التعميم فيهما، يعني:
فیفید التأكيد.
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ)، أي: في هذا اليوم. (وَمِنْ شَرِّ مَا بَعْدَهُ)، كذا في أكثر
النسخ من ((المشكاة))، ووقع في بعض النسخ: ((وَشَرِّ مَا بَعْدَهُ))، أي: بدون (مِنْ)
وهكذا في أبي داود، وكذا نقله الجزري في ((الحصن))، و((جامع الأصول))،
والنووي في (الأذكار)) واكتفى به عن سؤال خير ما بعده إشعارًا، بأن درء المفاسد
أهم من جلب المنافع. (ثُمَّ إِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ: مِثْلَ ذَلِكَ)، بأن يقول: أمسينا وأمسى
الملك وخير هذه الليلة، ويؤنث الضمائر.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الأدب. قال النووي: بإسناد لم يضعفه، قلت: سكت عنه أبو
داود، وقال المنذري: في سنده محمد بن إسماعيل بن عياش وأبوه وكلاهما فيه
(٢٤٣٥) أَبُو دَاوُد (٥٠٨٤) في الأدبِ عن أَبِي مَالِك.
٧٩
كِتَابُ الدَّعَوَاتِ
بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمُسَاءِ وَالْنَامِ
مقال انتهى. قلت: قال الحافظ في ((التقريب)): محمد بن إسماعيل بن عياش
الحمصي عابوا عليه أنه حدث عن أبيه بغير سماع. وقال في ((تهذيب التهذيب)):
قال أبو حاتم لم يسمع من أبيه شيئًا حملوه على أن يحدث فحدث، وقال الآجري:
سئل أبو داود عنه فقال: لم يكن بذاك قد رأيته ودخلت حمص غير مرة وهو حي،
وسألت عمرو بن عثمان عنه فذمه، قلت - قائله الحافظ: وقد أخرج أبو داود عن
محمد بن عوف عنه عن أبيه عدة أحاديث، لكن يروونها بأن محمد بن عوف رآها
في أصل إسماعيل. انتهى. وأمَّا أبوه إسماعيل بن عياش فهو صدوق في روايته عن
أهل بلده مخلط في غيرهم كما في ((التقريب)) و((تهذيب التهذيب)). وهذا الحديث
رواه إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة الحمصي، فلا بأس بروايته.
٢٤٣٦ - [٣٣] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: يَا
أَبَتِ! أَسْمَعُكَ تَقُولُ كُلَّ غَدَاةٍ: اللَّهُمَّ عَافِي فِي بَدَنِي، اللَّهُمَّ عَافِي فِي
سَمْعِي، اللَّهُمَّ عَافِي فِي بَصَرِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، تُكَرِّرُهَا ثَلَاثًا حِينَ تُصْبِحُ،
وَثَلَاثًا حِينَ تُمْسِي، فَقَالَ: يَا بُنَّيَّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِوَّهِ يَدْعُو بِهِنَّ، فَأَنَا أُحِبُّ
أَنْ أَسْتَنَّ بِسُنَِّهِ.
[رَوَاهُ أَبُو دَاودَ]
الشرح
٢٤٣٦ - قوله: (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) بالتاء واسمه نفيع بن
الحارث. قال المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكرة هو عبد الرحمن بن أبي بكرة
الأنصاري البصري الثقفي ولد بالبصرة سنة أربع عشرة، حيث نزلها المسلمون وهو
أول مولود ولد للمسلمين بها، تابعي كثير الحديث سمع أباه وعلیًّا، وروى عنه
جماعة، انتهى. وقال الحافظ فيه: ثقة من كبار التابعين. (قَالَ)، أي:
عبد الرحمن: (يَا أَبَتِ !) بكسر التاء وفتحها .
(أَسْمَعُكَ)، أي: أسمع منك، أو أسمع كلامك حال كونك. (تَقُولُ: كُلَّ
غَدَاةٍ)، أي: صباح أو كل يوم. قال القاري: وهو الأظهر لما سيأتي. وقال الشيخ
(٢٤٣٦) أَبُو دَاوُد (٥٠٩٠) عنه فيه.