Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بما يظهر لهم من الرأي بعد الفحص والبحث والتشاور والتدبر، وهذا الرأى عند
عدم الدليل هو أيضًا من سنته لما دلَّ عليه حديث معاذٍ لما قال له رسول اللّه ◌َائِّ :
((بِمَا تَقْضِي؟)) قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: ((فَإِنْ لَمْ تَجِدْ)). قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ وَل .
قَالَ: ((فَإِنْ لَمْ تَجِدْ)). قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي. قَالَ: ((الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ
رَسُولِهِ)). أو كما قال. وهذا الحديث وإن تكلم فيه بعض أهل العلم بما هو
معروف، فالحق أنه من قسم الحسن لغيره، وهو معمول به، فإن قلتَ: إذا كان ما
عملوا فيه بالرأي هو من سنته لم يبق لقوله: ((وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ)) ثمرة.
قلتُ: ثمرته أن من الناس من لم يدرك زمنه وّل# وأدرك زمن الخلفاء الراشدين، أو
أدرك زمنه وزمن الخلفاء، ولكنه حدث أمر لم يحدث في زمنه، ففعله الخلفاء،
فأشار بهذا الإرشاد إلى سنة الخلفاء إلى دفع ما عساه يتردد في بعض النفوس من
الشك، ويختلج فيها من الظنون، فأقل فوائد الحديث أن ما يصدر عنهم من الرأي
وإن كان من سنته كما مَرَّ، ولكنه أولى من رأي غيرهم عند عدم الدليل.
وبالجملة فكثيرًا ما كان ◌َّله ينسب الفعل أو الترك إليه وإلى أصحابه في حياته مع
أنه لا فائدة لنسبته إلى غيره مع نسبته إليه؛ لأنه محل القدوة ومكان الأسوة.
انتھی .
وقيل: المعنى في ذكر سنة الخلفاء مع سنته: أن يعلم أن النبي وّ مات وهو
على تلك السنة، وأنه لا يحتاج مع قول النبي وله إلى قول أحد، فلا زائد إذًا على ما
ثبت في السنة النبوية، إلا أنه قد يخاف أن تكون منسوخة بسنة أخرى، فافتقر
العلماء إلى النظر في عمل الخلفاء بعده ليعلموا أن ذلك هو الذي مات عليه النبي
وَلّ من غير أن يكون له ناسخ؛ لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمره.
(تَمَسَّكُوا بِهَا) أي: بالسنة. (وَعَضُّوا) بفتح العين. (عَلَيْهَا) أي: على السنة.
(بِالَّوَاجِذِ) بالذال المعجمة، وهي الأضراس جمع ناجذة أراد به الجد في لزوم
السنة، كفعل من أمسك الشيء بين أضراسه وعض عليه؛ منعًا من أن ينتزع، أو
الصبر على ما يصيب من التعب في ذات اللَّه كما يفعله المتألم بالوجع يصيبه ولا
يريد أن يظهره. (وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ) فيه تحذير للأمة
من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة، وأكد ذلك بقوله: (وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) والمراد

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
٥٦١
بالبدعة ما أحدث في الدين ما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له
أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا وإن كان بدعة لغة. وأما ما وقع في
كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية،
فمن ذلك قول عمر رَوّهُ لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في
المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك فقال: نعمت البدعة هذه. فالبدع الشرعية
كلها مذمومة؛ لأنها موجبة للضلال والغواية، وارجع إلى الاعتصام (ج١ :
ص١٤٧، ١٦٧) و((شرح الأربعين)) لابن رجب (ص ١٨٥ - ١٩٣).
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٤: ص١٢٦، ١٢٧). (وَأَبُو دَاوُدَ) في السنة. (والتِّرْمِذِيُّ) في
العلم. وقال: حديث حسن صحيح. (وابْنُ مَاجَهْ) في السنة، وأخرجه أيضًا ابن
حبان في ((صحيحه))، والحاكم وقال: صحيح على شرطهما، وليس له علة. (إِلَّا
أَنَّهُمَا) أي: الترمذي وابن ماجه. (لَمْ يَذْكُرَا الصَّلَاةَ) أي: لم يوردا أول الحديث،
وهو قول العرباض: ((صَلَّى بِنَا رَسُولَ اللَّه ◌َ))، بل قالا: وعظنا، كما في
((المصابیح)).
١٦٦ - [٢٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ
يَوْمًا خَطًّا، ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ)) ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ
وَقَالَ: ((هَذِهِ سُبُلٌ، عَلَى كُلُّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ)). ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا
صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣] الآية.
[رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ] احسن}
الشّرْجُ
١٦٦ - قوله: (خطَّ لنا) أي: خطَّ لأجلنا تقريبًا وتفهيمًا وتعليمًا لنا؛ لأن
التصوير والتمثيل إنما يسلك ويصار إليه لإبراز المعاني المحتجبة، ورفع الأستار
عن الرموز المكنونة؛ لتظهر في صورة المشاهد المحسوس، فيساعد فيه الوهم
(١٦٦) أَحْمَد (١/ ٤٣٥)، وَالنَّسَائِي فِي السِّيَرِ (الكبرى: ١١١٧٤)، وَالدَّارِمِي (١/ ٦٧)، وَابن مَاجَهْ
(١١) فِي السُّنَّةِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

Se
٥٦٢
emocese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
العقل ويصالحه عليه. (خَطًّا) أي: مستويًا مستقيمًا. (هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ) أي: هذا
الدين القويم والصراط المستقيم، وهما الاعتقاد الحق والعمل الصالح، وهذا
الخط لما كان مثالاً سماه سبيل اللّه، كذا قاله ابن الملك. قال القاري: والأظهر أن
المشار إليه بهذا هو الخط المستوي، والتقدير هذا مثل سبيل الله، أو هذا سبيل الله
مثلًا. وقيل: تشبيه بليغ معكوس، أي: سبيل الله الذي هو عليه وأصحابه مثل
الخط في كونه على غاية الاستقامة. (ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ) أي:
خطوطًا منحرفة عن يمين الخط المستوى وعن شماله. (وَقَالَ: هَذِهِ) أي:
الخطوط. (سُبُلَ) أي: سبل للشيطان. (عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ) أي: رأسه. (مِنْهَا) أي: من
السبل. (شَيْطَانٌ) من الشياطين. (يَدْعُو) ذلك الشيطان الناس. (إِلَيْهِ) أي: إلى
سبيل من السبل، وفيه إشارة إلى أن سبيل الله وسط وقصد، ليس فيه تفريط ولا
إفراط، وسبل أهل البدع منحرفة عن الاستقامة وفيها تقصير وغلو. (وَقَرَأَ) أي:
رسول اللّه وَلَهٍ ﴿وَأَنَّ هَذَا﴾ بالفتح والتشديد على تقديرًا اتل عليهم، وقيل: على
تقدير لام التعليل المتعلقة باتبعوه، أي: اتبعوه لأنه مستقيم، و((هَذَا)) إشارة إلى ما
ذكر في الآيتين قبله من الأوامر والنواهي، وقيل: الإشارة إلى ما ذكر في هذه
السورة أي: سورة الأنعام، فإنها بأسرها في إثبات التوحيد والنبوة وبيان الشريعة
(صرَاطِي) أي: ديني وهو خبر ((أَنَّ)). (مُسْتَقِيمًا) حال مؤكدة والعامل فيها اسم
الإشارة. (الآيَةَ) بعدها ﴿وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ﴾ أي: سبل الشياطين المنحرفة الزائغة
من طرق الشرك والبدعة والضلالة. ﴿فَنَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ بحذف إحدى التائين منصوب
بإضمار ((أَنْ)) بعد الفاء في جواب النهي. ﴿عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. إشارة إلى أنه
لا يمكن اجتماع سبيل الحق مع السبل الباطلة، وفيه أن أصحاب سبيل الحق
والصراط المستقيم هي الفرقة الناجية، وأصحاب السبل المنحرفة هي الفرق الغير
الناجية .
(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ) وأخرجه أيضًا الحاكم وقال: صحيح. وعبد بن
حميد، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وله شاهد من
حديث جابر عند أحمد وابن ماجه والبزار.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسَّنَّةِ
٥٦٣
١٦٧ - [٢٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وٍَّ: ((لَا
يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِثَّتُ بِهِ)).
[رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ] {سَنَده ضَعِيف}
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي ((أَرْبَعِينِهِ)): هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوِّيْنَاهُ فِي كِتَابٍ
((الْحُجَّةِ)) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
الشَّرْجُ
١٦٧ - قوله: (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ) أي: ميل نفسه. (تَبَعَّا لِمَا
جِئْتُ بِهِ) هذا محمول على نفي أصل الإيمان، أي: حتى يكون تابعًا مقتديًا لما
جئت به من الدين والشرع عن الاعتقاد، لا عن الإكراه وخوف السيف كالمنافقين .
وقيل: المراد نفي الكمال، أي: لا يكمل إيمان أحدكم حتى يكون في متابعة
الشرع وموافقته له كموافقته لمألوفاته، فيستمر على الطاعة من غير كلفة وكراهية،
وذلك عند ذهاب كدر النفس، وبقاء صفوتها، وهذه حالة نادرة إلا في المحفوظين
من أوليائه. وقيل في معناه: حتى يحب ما أمر به ويكره ما نهى عنه، أي: يقدم
الشرع على هواه.
(رَوَاهُ) أي: البغوى. (فِي شَرْح السُّنَّةِ) بإسناده. (وَقَالَ النَّوَوِىُّ) بالقصر. قال
القاري: ويجوز المد، نسبة إلى نوى قرية من أعمال دمشق، وهو أبو زكريا محيي
الدين يحيى بن شرف الحزامي - بكسر الحاء المهملة وبالزاى -، نسبة إلى حزام
أحد أجداده، ولد في أوائل المحرم سنة (٦٣١). كان عالمًا فاضلاً متورعًا، فقيهًا
محدثًا ثبتًا حجة، له تصانيف كثيرة مشهورة، وتأليفات عجيبة مفيدة، في الفقه
مثل ((الروضة))، وفي الحديث مثل ((الرياض)) و(الأذكار))، وفي شرحه مثل ((شرح
مسلم))، وغير ذلك من معرفة علوم الحديث واللغة، سمع من المشائخ الكبار،
(١٦٧) الْبَغَوِيُّ (١/ ٢١٣.٢١٢) فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ))، وَالحَسَنُ بْنُ سُفَيْانٍ فِي ((الأَرْبَعِينَ)) (٩) لَهُ عَنْ
عَبْدِ الله ابْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، وَنَصْرٌ المَقْدِسِيُّ، وَأَبو القَاسِمِ التَِّمِيُّ فِي ((الحُجَّةٍ)).

٥٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومنه خلق كثير، وأجاز رواية ((شرح مسلم)) و((الأذكار)) لجميع المسلمين، نشأ
بقريته نوى، وحفظ الختمة، وقدم دمشق سنة (٦٥٠) وله تسع عشرة سنة، فتفقَّه
وبرع، وكان خشن العيش، قانعًا بالقوت، تاركًا للشهوات، صاحب عبادة
وخوف، وكان قوالا بالحق، كبير الشأن، كثير السهر، مكبًّا على العلم والعمل،
مات في رجب سنة (٦٧٦) وعاش (٤٥) سنة، وقد بسط ترجمته الذهبي في تذكرة
الحفاظ (ج٤: ص٢٥٩، ٢٦٤)، فمن شاء فليرجع إليه .
(فِي أَرْبَعِينِهِ) أي: الأربعين حديثًا الذي صنَّفه. (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَيَنَاهُ)
بصيغة المجهول. (فِي كِتَابِ ((الْحُجَّةِ)) بِإِسْنَادٍ صَحِیح) أي : رواه لنا صاحب كتاب
الحجة، وهو الشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي الفقيه الزاهد
نزيل دمشق، وكتابه هذا، هو ((كتاب الحجة على تارکی سلوك طريق المحجة))،
يتضمن ذكر أصول الدين على قواعد أهل الحديث والسنة. والحديث أخرجه أيضًا
الحافظ أبو نعيم في كتاب ((الأربعين))، والطبراني، وأبو بكر بن عاصم
الأصبهاني، والحكيم الترمذي، وأبو نصر السجزى في ((الإبانة)) وقال: حسن
غريب. والخطيب، ونسبه الشيخ الألباني للحسن بن سفيان، وابن عساكر، قال:
أخرجاه في أربعينهما. وقد تعقب الحافظ ابن رجب على النووي في تصحيح
الحديث، فقال: تصحيح الحديث بعيد جدًّا من وجوه، ثم ذكرها، إن شئت
الوقوف عليها فارجع إلى شرحه لأربعين النووى (ص٢٨٢).

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُّنّةِ
٥٦٥
١٦٨ - [٢٩] وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَّه: «مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنِّي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي، فَإِنَّ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ أُجُورٍ
مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنِ ابْتَدَعَ بِدْعَةَ ضَلَالَةٍ لَا
يَرْضَاهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الِثْم مِثْلُ آنَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ
مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
١٦٨ - قوله: (وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيُّ) بضم الميم وفتح الزاى، نسبة
إلى مزينة، يكنى أبا عبد الرحمن، من أهل المدينة، كان أول من قدم من مزينة
على النبي ◌َّ في رجال من مزينة في رجب سنة (٥) من الهجرة، أقطعه النبي وَال
العقيق، وكان صاحب لواء مزينة يوم الفتح، وكان يسكن وراء المدينة، ثم تحول
إلى البصرة. له ثمانية أحاديث. مات سنة (٦٠) وله (٨٠) سنة.
(مَنْ أَحْيَا سُنَّةً) أي: أظهرها وأشاعها بالقول والعمل. قال المظهر: السنة: ما
وضعه رسول اللَّه وَّليل من أحكام الدين، وهي قد تكون فرضًا كزكاة الفطر، وغير
فرض كصلاة العيدين، وقراءة الناس القرآن في غير الصلاة، وما أشبه ذلك،
وإحياؤها أن يعمل بها ويحرض الناس عليها. (مِنْ سُنَّتِي) النظر يقتضي أن يقال:
من سنني، بلفظ الجمع، لكن الرواية بالإفراد، فيحمل المفرد على الجنس الشائع
في الافراد. (قَدْ أَمِيتَتْ بَعْدِي) أي: تركت عن العمل بها. استعير الإماتة لما يقابل
الإحياء، من الترك ومنع الناس عن إقامتها، كما استعير الإحياء للعمل بها وحث
الناس عليها. (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ) على بناء الفاعل، وضميره لإعطاء مثل أجر
العاملين لمن أحياها. (مِنْ أَجُورِهِمْ) ((مِنْ)) للتبعيض أي من أجور من عمل بها،
فأفرد أولًا رعاية للفظه، وجمع ثانيًا لمعناه. (شَيْئًا) مفعول به أو مفعول مطلق؛ لأنه
حصل له باعتبار الإحياء والدلالة والحث، وللعاملين باعتبار الفعل، فلم يتواردا
على محل واحد حتى يتوهم أن حصول أحدهما ينقص الآخر. (بِدْعَةَ ضَلَالَةٍ)
(١٦٨) التِّرْ مِذِي (٢٦٧٧) وَحَسَّنَهُ فِي العِلْمِ.

٥٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
بالإضافة، ويجوز أن ينصب نعتًا ومنعوتًا، وقيد البدعة بالضلالة لإخراج البدعة
الغير الشرعية، أو هي صفة كاشفة للبدعة. (لَا يَرْضَاهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ) صفة كاشفة
لقوله: ((بِدْعَة))، وصفت بهذا؛ تقبيحًا للبدعة، وإلا فكل بدعة كذلك بالمعنى
الذي ذكرناه، وهو ما لا أصل له في الشرع، يدل عليه. (كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْم) أي:
الوزر، وليست لفظة ((مِنَ الإِثْم)) في الترمذي، وهي في جميع نسخ ((المشكاة)).
(لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ) أي: ذلك الإِثَمَ. (مِنْ أَوْزَارِهِمْ) وفي الترمذي ((مِنْ أَوْزَارِ النَّاسِ)).
(شَيْئًا) مفعول به لا غير.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في العلم، يعني: عن بلال.
١٦٩ - [٣٠] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ
عَنْ جَدِّهِ.
{ضعيف}
13 4 5
الشّرْجُ
١٦٩ - قوله: (ورَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) في السنة. (عَنْ کَثیرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بن
عوف المزني المدني، قال الحافظُ: ضعيف، ومنهم من نسبه إلى الكذب. وقال
المنذري: متروك واهٍ، وقال أبوداود والشافعي: هو أحد الكذابين. وقال أحمد:
منكر الحديث، ليس بشيء.
(عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة المزني المدني، ذكره ابن
حبان في الثقات، وقال في ((التقريب)): مقبول، من الطبقة الوسطى من التابعين.
(عَنْ جَدِّهِ) أي: عن جد كثير، وهو عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة أبو عبد الله
المزني أحد البكائين، كان قدیم الإسلام، شهد بدرًا، وروى ابن سعد عنه أن أول
غزوة شهدها الأبواء. وقال الواقدي: استعمله النبي ◌ُّ على حرم المدينة، مات
في ولاية معاوية.
(١٦٩) ابن مَاجَهْ (٢٠٩) عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيِّ، عَنْ بِلالِ بْنِ الحَارثِ المُزَنِيِّ.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الاعْتِصَامِ بالْكِتّاب وَالشُّنّةِ
٥٦٧
واعلم: أنه يظهر من كلام المصنف أن هذا الحديث روي عن صحابيين
أحدهما: بلال بن الحارث المزني، أخرج عنه الترمذي بإسناده، والثاني: عمرو
ابن عوف المزني جد كثير بن عبد الله، وأخرج عنه ابن ماجه من طريق كثير بن
عبد الله، عن أبيه، عن جده، والبغوى أيضًا عزى هذا الحديث لبلال بن الحارث،
وهذا وهم منهما؛ لأن الحديث رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما من طريق كثير بن
عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، أن النبي ◌َّ قال لبلال بن
الحارث: ((إِعْلَمْ))، قال: أعلم يا رسول الله، قال: ((إِنَّه مَنْ أَحْيَا ... )) إلخ، فهو
موجه إلى بلال، وليس من روايته، وهذا السياق للترمذي، ولفظ ابن ماجه عن
كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جدِّه قال: سمعت رسول اللَّه وَ لَه يقول: ((مَنْ
أَخْیَا ... )» إلخ.
فالحديث من مسانيد عمرو بن عوف، لا من مسانيد بلال بن الحارث، فإن
لبلال هذا ثمانية أحاديث، روى أربعة منها أصحاب السنن الأربعة ومالك، وليس
هذا الحديث منها كما يظهر من ((ذخائر المواريث)) للشيخ عبد الغني النابلسي،
ويدل أيضًا على ما قلنا من أن الحديث عند الترمذي من مسند عمرو بن عوف، أن
النابلسي ذكره في مسند عمرو بن عوف، وعزاه للترمذي وابن ماجه كليهما.
والحديث قد حسنه الترمذي واعترض عليه؛ لأن في سنده كثير بن عبد الله وقد
ضعفوه جدًّا، بل رماه بعضهم بالكذب، وأجيب عنه بأن تحسينه توثيق للراوي،
وذهاب منه إلى أنه لم يرض الكلام فيه، كيف وهو من علماء هذا الشأن، فيعتمد
على تحسينه وتصحيحه، وقد احتج بطريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده، ابن
خزيمه في (صحيحه)) كما ذكره المنذري في ((الترغيب))، وقيل: حسَّنَه الترمذي
لشواهده، فإنه قد يحسن الحديث الضعيف ويصححه لشواهده.

٥٦٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
١٧٠ - [٣١] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: قَالَ:
(إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا، وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ
مِنَ الْحِجَازِ مَعْقِلَ الْأَرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ، إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا
بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، وَهُمُ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ
سُنَِّي)).
[رَوَاهُ النِّرْمِذِيُّ] (سنده ضعيف}
الشَّرْحُ
١٧٠ - قوله: (إِلَى الْحِجَازِ) هو اسم مكة، فالمدينة وحواليهما من البلاد،
وسميت حجازًا؛ لأنها حجزت، أي: منعت وفصلت بين بلاد نجد والغور، قيل :
التوفيق بينه وبين ما سبق من حديث أبي هريرة في آخر الفصل الأول على كون
الدين والإيمان مترادفين: أنه يأرز أولًا إلى الحجاز أجمع ثم إلى المدينة. وفي
حديث ابن عمر عند مسلم: ((وَهُوَ - أي الإسلام - يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ
الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا)). (وَلَيَعْقِلَنَّ) عطف على (لَيَأْرِزُ)) أو على ((إِنَّ)) ومعمولها، أي:
ليتحصن، يقال: عقل الوعل أي: امتنع بالجبال العوالي. (مِنَ الْحِجَازِ) أي:
بمكان منه، أو مكانًا منه. (مَعْقِلَ الأَرْوِيَّةِ) بضم الهمزة وتكسر، وبكسر الواو
وتشديد الياء، أنثى الوعول، وهي تيوس الجبل، وهي تعتصم في أعلى الجبال،
ولذلك يقال للوعل: الأعصم. والمعقل بكسر القاف، مصدر بمعنى العقل،
ويجوز أن يكون اسم مكان أي: كاتخاذ الأروية. (مِنْ رَأْسِ الْجَبَل) حصنًا. قال
القاري: وخص الأروية دون الوعل؛ لأنها أقدر من الذكر على التمكن من الجبال
الوعرة والمعنى: أن الدين في آخر الزمان عند ظهور الفتن واستيلاء الكفرة
والظلمة على بلاد أهل الإسلام يعود إلى الحجاز كما بدأ. وقيل: المعنى أن الدين
سيعقل ويعتصم في الحجاز، ويجتمع فيه عند ما يكون غريبًا فيعود إلى الحجاز كما
(١٧٠) قال ابن حجر العسقلاني: هو وهمٌّ فاحشٌ؛ فإن زيدَ بنَ ملحة جد عمرو بن عوف راوي الحديثِ،
وقَدْ ماتَ في الجاهليةِ، فليستْ له صحبةٌ ولا لولدِهِ عوف؛ فضلا عن ملحةٍ ووالد ملحة؛ وإنما
أخرجَهُ التِّرْمِذِي (٢٦٣٠) وحسَّنَهُ، عن عمرو بن عوف.

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُّنَّةِ
٥٦٩
بدأ منه، ويكون عزيزًا قويًّا فيه كالأروية في شناخيب الجبال، ثم يمتد وينتشرِ منه
ثانية. (غَرِيبًا) أي: كالغريب، أو حال. (وَسَيَعُودُ) أي: غريبًا. (وَهُمُ الَّذِينَ
يُصْلِحُونَ) إلخ. أي: يعتنون بإصلاح ما أفسد الناس من السنة، ويعملون بها،
ويظهرونها بقدر طاقتهم.
(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في الإيمان من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن
أبيه، عن جده، وقال: حديث حسن. وفيه ما تقدم انتقادا وجوابًا. وارجع إلى
((المشكاة)) طبعة دمشق بتعليق الشيخ الألباني (ج١: ص٦٠).
١٧١ - [٣٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ «لَيَأْتِيَنَّ
عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ اَلنَّعْلِ بِالَّعْلِ، حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ
أَتَّى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ، وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى
ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلَّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّ
مِلَّةً وَاحِدَةً)) قَالُوا: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ] {ضعيف}
الشَّرْجُ
١٧١ - قوله: (لَيَأْتِيَنَّ) من الإتيانِ وهو المجيء بسهولة، وعدي بعلى لمعنى
الغلبة المؤدية إلى الهلاك، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا نَذَرُ مِن شَىْءٍ أَنَتْ عَلَيْهِ﴾ [الذاريات:
٤٢]. (عَلَى أُمَّتِي) قالوا: المراد أمة الإجابة وهم أهل القبلة، فإن اسم الأمة مضافًا
إليه وَلَه يتبادر منه أمة الإجابة. (كَمَا أَتَي) وفي ((جامع الترمذي)»: «مَا أَتَى)) أي:
بغير الكاف، فـ((ما)) موصولة، وهي مع صلتها فاعل ((لَيَأْتِيَنَّ))، أي: ليفعلنَّ أمتي ما
فعل بنو إسرائيل من القبائح. وأما توجيه ما وقع ههنا، فقال القاري: فاعل ((لَيَأْتِيَنَّ))
مقدر يدل عليه سياق الكلام، والكاف منصوب عند الجمهور على المصدر، أي:
ليأتين على أمتي زمان إتيانًا مثل الإتيان على بني إسرائيل. وجوز أن يكون الكاف
فاعلًا، أي: ليأتين على أمتي مثل ما أتى على بني إسرائيل.
(١٧١) التِّرْمِذِي (٢٦٤١) فِي الإِيمَانِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، قال: غَرِيبٌ.

٥٧٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ) حذو النعل استعارة في التساوى، وهو منصوب على
المصدر، أي: يحذونهم حذوًا مثل حذو النعل بالنعل، يوافقونهم مثل موافقة
النعل للنعل، ويعملون مثل أعمالهم كما تقطع إحدى النعلين على قدر النعل
الأخرى، والحذو: التقدير والقطع.
فإن قيل: قد وقع فيما مضى قتل الأنبياء، وتحريف الكتب، قلت: لعل ما وقع
في أيام بني أمية من قتل علماء التابعين مثل سعيد بن المسيب ونحوه من هذا
القبيل، فعلماء أمته كأنبيائهم، كيف وقد قتلوا فلذة كبدة الرسول وَالر، والولد من
أبيه كما قيل، وما اشتهر فيما مضى من تحاريف الباطنية، وفي هذا الزمان من
بعض أهل البدع لا يقصر من تحريفهم، قاله محمد طاهر الفتني. (حَتَّى إِنْ كَانَ)
(حَتَّى)) ابتدائية والواقع بعده جملة شرطية، و((أَنْ)) بمعنى لو؛ ولذا قرن جوابها
باللام، وقيل: ((إِنْ)) هذه مخففة من المثقلة، أي: حتى إنه. (مَنْ أَتَى أُمَّهُ) إتيانها
كناية عن الزنا، والمراد من الأم موطوءة الأب. (مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ) أي: الإتيان.
(وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً)، وفي حديث أنس عند ابن ماجه:
((إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً))، وفي حديث أبي أمامه، وأبي
الدرداء، وواثلة بن الأسقع، وأنس عند الطبراني، وحديث عوف بن مالك عند ابن
ماجه، وحديث أنس عند أبي يعلى ما يدل على أن اليهود افترقت على إحدى
وسبعين فرقة كلهم في النار، وواحدة في الجنة، وإن النصارى افترقت على ثنتين
وسبعين فرقة كلهم في النار، وواحدة في الجنة، وفي حديث أبي هريرة عند
الترمذي وغيره: (تَفَرَّقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً)) أو (عَلَى الشَّك) اثنتين
وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك. ولا تخالف بين هذه الروايات، فإنه يجمع
بينها بأنه يمكن أن تكون رواية الإحدى والسبعين وقت أعلم بذلك، ثم أعلم بزيادة
فرقة، إما أنها كانت فيهم ولم يعلم بها النبي وَ لّ أولًا ثم أعلم بها في وقت آخر،
وإما أن تكون جملة الفرق في الملتين ذلك المقدار فأخبر به، ثم حدثت الثانية
والسبعون فيهما فأخبر بذلك عليه السلام، وعلى الجملة فيمكن أن يكون
الاختلاف بحسب التعريف بها أو الحدوث، والله أعلم بحقيقة الأمر.
والملَّة في الأصل: ما شرع الله لعباده على ألسنة الأنبياء ليتوصلوا به إلى القرب
من حضرته تعالى، ويستعمل في جملة الشرائع دون آحادها، ثم إنها اتسعت

كِتَابُ الْإِيمَانِ
*
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُّنَّةِ
٥٧١
فاستعملت في الملل الباطلة، فقيل: الكفر ملة واحدة؛ لأن طريقة أهل الكفر وكذا
طريقة كل فرقة من أهل الأهواء والبدع كالملة الحقيقية في التدين بما تدينوا به،
فسميت باسمها مجازًا .
(وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي) أي: أمة الإجابة، فيكون الملل الثلاث والسبعون منحصرة في
أهل قبلتنا، وإن كانت بدعة بعض هذه الملل مكفرة ومخرجة عن الإسلام، هذا هو
المتبادر من إضافة اسم الأمة إليه وَله، ويؤيده اعتبار الواقع؛ لأن كل فرقة منهم
تدعي الشريعة، وأنها على صوابها، وأنها المتبعة لها، وتتمسك بأدلتها، وتعمل
على ما ظهر لها من طريقها، وتناصب العداوة من نسبتها إلى الخروج عنها، وترمي
بالجهل وعدم العلم من ناقضها؛ لأنها تدعي أن ما ذهبت إليه هو الصراط المستقيم
دون غيره، ويؤيده أيضًا أن افتراق أمة محمد شبه بافتراق اليهود والنصارى، ومن
المعلوم أن افتراق بني إسرائيل وقع حال كونهم من أمة موسى وعيسى، أي:
شمول لفظ اليهود والنصارى إياهم.
(عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً) أي: يفترقون ثلاثًا وسبعين فرقة تتدين كل واحدة منها
بخلاف ما تتدين به الأخرى. وفيه إشارة بل تصريح لتلك المطابقة مع زيادة هؤلاء
في ارتكاب البدع بدرجة، وليس المراد بالافتراق في الحديث مطلق الافتراق حتى
يدخل فيه ما وقع من الاختلاف في مسائل الفروع في زمان الخلفاء الراشدين، ثم
في سائر الصحابة، ثم في التابعين، ثم في الأئمة المجتهدين، بل المراد به
الافتراق المقيد، وهو التفرق الذي صاروا به شيعًا وأحزابًا وفرقًا وجماعات،
بعضهم فارق البعض، ليسوا على تألف، ولا تعاضد، ولا تناصر، بل على ضد
ذلك من الهجران، والقطيعة، والعداوة، والبغضاء، والتضليل، والتكفير،
والتفسيق، وهذه الفرقة المشعرة بتفرق القلوب المشعر بالعدواة والبغضاء إنما هي
بسبب الابتداع في الشرع، والخروج عن السنة، لا بسبب أمر دنيوى، ولا بسبب
معصية ليست ببدعة. قيل: والمراد بالابتداع المذكور الابتداع في الأصول
والعقائد لا الفروع والعمليات.
قال العلقمي: قال شيخنا: ألّف الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي
في شرح هذا الحديث كتابًا قال فيه: قد علم أصحاب المقالات أنه نَّ لم يرد

٥٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
بالفرق المذمومة المختلفين في فروع الفقه من أبواب الحلال والحرام، وإنما
قصد بالذم من خالف أهل الحق في أصول التوحيد، وفي تقدير الخير والشر، وفي
شروط النبوة والرسالة، وفي موالاة الصحابة، وما جرى مجرى هذه الأبواب؛
لأن المختلفين فيها قد كفر بعضهم، بخلاف النوع الأول، فإنهم اختلفوا فيه من
غير تكفير ولا تفسيق للمخالف فيه، فيرجع تأويل الحديث في افتراق الأمة إلى هذا
النوع من الاختلاف، وقد حدث في آخر أيام الصحابة خلاف القدرية من معبد
الجهني وأتباعه، وتبرأ منهم المتأخرون من الصحابة كعبد الله بن عمر، وجابر،
وأنس ونحوهم، ثم حدث الخلاف بعد ذلك شيئًا فشيئًا إلى أن تكاملت الفرق
الضالة اثنتين وسبعين فرقة، والثالثة والسبعون هم أهل السنة والجماعة، وهي
الفرقة الناجية. انتهى.
وقال الشاطبي في ((الاعتصام)): القول بأن الفرق المذكورة في الحديث هي
المبتدعة في قواعد العقائد على الخصوص، كالجبرية والقدرية والمرجئة وغيرها
هو مما ينظر فيه، فإن إشارة القرآن والحديث تدل على عدم الخصوص، وهو رأي
أبي بكر الطرطوشي، أفلا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّعُونَ مَا
تَشَبَةَ﴾ الآية [آل عمرن: ٧]. و((مَا)) في قوله: ((مَا تَشَابَهَ)) لا تعطي خصوصًا في اتباع
المتشابه لا في قواعد العقائد ولا في غيرها، بل الصيغة تشمل ذلك كله،
فالتخصيص تحكم، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ
فِي شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، فجعل ذلك التفريق في الدين، ولفظ الدين يشمل العقائد
وغيرها من الأقوال والأعمال. وقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ
الشُبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، فالصراط المستقيم هو الشريعة على
العموم، وأشار بلفظ: ((هَذَا)) إلى ما تقدم ذكره من أصول الشريعة وقواعدها
الضرورية، ولم يخص ذلك بالعقائد. قال: نعم ثم معنى آخر ينبغي أن يذكر ههنا،
وهو أن هذه الفرق إنما تصير فرقًا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين،
وقاعدة من قواعد الشريعة، لا في جزئي من الجزئيات، إذًا الجزئي والفرع الشاذ
لا ينشأ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعًا، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة
في الأمور الكلية؛ لأن الكليات تقتضي عددًا من الجزئيات غير قليل، ويدخل
شذوذها في أبواب كثيرة من الأصول والفروع. قال: ويجري مجرى القاعدة

كِتَابُ الإيمَان
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُنَّةِ
٥٧٣
الكلية كثرة الجزئيات، فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة عاد ذلك
على كثير من الشريعة بالمعارضة، كما تصير القاعدة الكلية معارضة أيضًا. وأما
الجزئي فبخلاف ذلك. انتهى كلامه مختصرًا.
وقد بسط قبل ذلك الكلام (ج١ : ص ١٤١، ١٥٩) في ذكر أسباب افتراق هذه
الفرق من جماعة المسلمين وخلافهم للفرقة الناجية وابتداعهم الذي صاروا لأجله
فرقًا وأحزابًا وجماعات متعادين متباغضين متدابرين متقاطعين، فعليك أن ترجع
إليه. ثم إن العلماء اختلفوا في معنى عدد الفرق المذكورة في الحديث، فقيل: هو
للتكثير لا للتحديد، فإن الفرق المذمومة تزيد على المئات بالنظر إلى تفرقهم في
الأصول والفروع. وقيل: معنى الحديث أن الفرق المذمومة لا بد أن تبلغ هذا
العدد، أي: لا ينقص عدد الفرق الغير الناجية من هذا المقدار، فلا بأس لو زاد
على ذلك.
والحاصل: أن العدد المذكور ليس لنفي الزائد. وقيل: هو محمول على
التحديد، فإن المراد بالتفرق تفرقهم في أصول الدين، والفرق المبتدعة مع شعبها
وفروعها لا تزيد على هذا العدد بالنظر إلى ذلك. ثم اختلف أصحاب هذا القول في
تعيين هذه الفرق، فعينها كثير من العلماء، لكن في الطوائف التي خالفت في
مسائل العقائد، فمنهم من عد أصولها ثمانية. فقال: كبار الفرق الإسلامية ثمانية:
المعتزلة القائلون: بأن العباد خالقوا أعمالهم، وبنفي الرؤية، وبوجوب الثواب
والعقاب، وهم عشرون فرقة. والشيعة: وهم ثنتان وعشرون فرقة. والخوارج:
وهم عشرون فرقة. والمرجئة: وهم خمس فرق. والنجارية: الموافقة لأهل السنة
في خلق الأفعال، والمعتزلة: في نفي الصفات وحدوث الكلام، وهم ثلاث فرق.
والجبرية: القائلة بسلب الاختيار عن العباد، فرقة واحدة. والمشبهة: الذين
يشبهون الحق بالخلق فرقة أيضًا.
فالجميع اثنتان وسبعون فرقة، فإذا أضيفت الفرقة الناجية إلى عدد الفرق صار
الجميع ثلاثًا وسبعين فرقة. وقد وصف صاحب ((المواقف)) هذه الفرق وفروعها
وشعبها وما انفردت به من الآراء بأخصر ما كتب في هذا الموضوع، فارجع إليه.
وقد عدَّ الشاطبي أسماء أصول هذه الفرق وفروعها، ثم قال: وهذا التعديد بحسب

٥٧٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ما أعطته المنة في تكلف المطابقة للحديث الصحيح، لا على القطع بأنه المراد، إذ
ليس على ذلك دليل شرعي، ولا دلَّ العقل أيضًا على انحصار ما ذكر في تلك العدة
من غير زيادة ولا نقصان كما أنه لا دليل اختصاص تلك البدع بالعقائد.
ومنهم من قال: أصول البدع أربعة، وسائر الثنتين والسبعين فرقة عن هؤلاء
تفرقوا، وهم الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، قال يوسف بن
أسباط: ثم تشعبت كل فرقة ثمان عشرة فرقة، فتلك ثنتان وسبعون فرقة، والثالثة
والسبعون هي الناجية.
وقال الشهرستاني بعد ما ذكر ضابطًا في مسائل الخلاف، وحصرها في أربع
قواعد هي الأصول الكبار ما لفظه: وإذا تعينت المسائل التي هي قواعد الخلاف،
تبينت أقسام الفرق، وانحصرت كبارها في أربع بعد أن تداخل بعضها في بعض،
كبار الفرق الإسلامية أربع: القدرية، الصفاتية، الخوارج، الشيعة، ثم يتركب
بعضها مع بعض، ويتشعب عن كل فرقة أصناف، فتصل إلى ثلاث وسبعين فرقة.
ومنهم من قال: أصول الفرق الضالة ست: الحرورية، والقدرية، والجهمية،
والمرجئة، والرافضة، والجبرية، وقد انقسمت كل فرقة منها اثنتي عشرة فرقة،
فصارت إلى اثنتين وسبعين فرقة، وهذان التقديران نحو من الأول يرد عليهما من
الإشكال ما ورد على الأول، فالأولى أن لا تعين هذه الفرق الضالة المخالفة للفرقة
الناجية في أصول الدين وقواعده، فإنه لا بأس لو لم نحط بأسمائها وآرائها
تفصيلاً. ويقال: لا بد أن تبلغ هذه الفرق العدد المذكور في الحديث؛ لأن الزمان
باق، والتكليف قائم، والخطرات متوقعة، والبدع قد نشأت إلى الآن، ولا تزال
تحدث وتكثر مع مرور الأزمنة إلى قيام الساعة. وإلى عدم التعيين مال أبو بكر
الطرطوشي.
قال الشاطبي: وهو أصح في النظر؛ لأن ذلك التعيين ليس عليه دليل، والعقل لا
يقتضيه. وإن سلمنا أن الدليل قائم له على ذلك، فلا ينبغي التعيين لوجوه ثلاثة
فذكرها، ثم قال: فمن هنا لا ينبغي للراسخ في العلم أن يقول: هؤلاء الفرق هم بنو
فلان وبنو فلان، وإن كان يعرفهم بعلامتهم بحسب اجتهاده، اللّهم إلا في
موطنين: أحدهما: حيث نبه الشرع على تعيينهم كالخوارج، فإنه ظهر من استقرائه

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشَّنَّةِ
٥٧٥
أنهم متمكنون تحت حديث الفرق، ويجرى مجراهم من سلك سبيلهم، ثم ذكر
الأحاديث التي وردت في تعيين أهل القدر وذمهم، وقد تقدم بعضها في باب
الإيمان بالقدر. قال: والموطن الثاني الذي يجوز فيه التعيين حيث تكون الفرقة
تدعو إلى ضلالتها وتزينها في قلوب العوام، ومن لا علم عنده، فإن ضرر هؤلاء
على المسلمين كضرر إبليس، وهم من شياطين الإنس، فلا بد من التصريح بأنهم
من أهل البدعة والضلالة، ونسبتهم إلى الفرق إذا قامت له الشهود على أنهم
منهم. قال: ولما تبين أنهم أي الفرق المذكورة في الحديث لا يتعينون، فلهم
خواص وعلامات يعرفون بها، وهي على قسمين: علامات إجمالية، وعلامات
تفصيلية، فأما العلامات الإجمالية فثلاثة:
أحدها: الفرقة أي: التي تكون سببًا للتخرب، ومستلزمًا للعداوة والبغضاء
والتدابر والقطيعة.
والثانية: اتباع المتشابه من القرآن، وترك المحكم.
والثالثة: اتباع الهوى وتقديمه على الأدلة الشرعية، والاعتماد على الرأي،
وتحكيم العقل.
ثم ذكر ما يعرف به هذه الخواص والعلامات، ومن يرجع إليه في معرفتها، ثم
قال: وأما العلامة التفصيلية في كل فرقة، فقد نبه عليها وأشير إلى جملة منها في
الكتاب والسنة، وفي ظني أن من تأملها في كتاب الله وجد منبهًا عليها، ومشارًا
إليها، ولولا فهمنا من الشرع الستر عليها لكان في الكلام في تعيينها مجال متسع،
مدلول عليه بالدليل الشرعي، قال: فأنت ترى أن حديث افتراق الأمة لم يعين في
الرواية الصحيحة واحدة منها لهذا المعنى المذكور، والله أعلم. وإنما نبه عليها
في الجملة لتحذر مظانها، وعين في الحديث المحتاج إليه منها، وهي الفرقة
الناجية؛ ليتحراها المكلف، وسكت عن ذلك في الرواية الصحيحة؛ لأن ذكرها
في الجملة يفيد الأمة الخوف من الوقوع فيها، وذكر في الرواية الأخرى فرقة من
الفرق الهالكة، كما قال: أشد الفرق فتنة على الأمة.
(كُلَّهُمْ فِي النَّارِ) أي: يستحقون الدخول في النار من أجل اختلاف العقائد، فمن
أفضى به بدعته إلى الكفر يدخل فيها ألبتة دخولها مؤبدًا، ومن لم یکن کذلك، فهو

٥٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ممن يستحق النار إن لم يعف اللَّه عنه، فإن عفا عنه فله العفو إن شاء الله. (إِلَّا مِلَّةً
وَاحِدَةً) بالنصب، أي: إلا أهل ملة واحدة، أي: فلا يدخلون النار من جهة
اختلاف العقائد. وقيل: المعنى يدخل أصحاب الملل الضالة النار بسب بدعهم،
ثم يخرجون منها برحمة الله، ويدخلون الجنة إلا أهل ملة واحدة، فلا يدخلون
النار أصلًا، بل يدخلون الجنة أولًا، وهم المتمسكون بالكتاب والسنة، الموافقون
لجماعة الصحابة، المجتنبون عن الابتداع في الاعتقاد، والعمل والقول اجتنابًا
كليًّا، وإن كان صدر من أحد منهم ذنب غير بدعة، عفا الله عنه برحمته، أو يكون
سكرات الموت، أو شدائد القبر، أو أهوال المحشر كفارة له، فيدخل الجنة
ابتداء .
قال الشاطبيُّ: قوله: (كُلَّهَا فِي النَّارِ)) وعيد يدل على أن تلك الفرق قد ارتكبت
كل واحدة منها معصية كبيرة، أو ذنبًا عظيمًا لما تقرر في الأصول أن ما يتوعد عليه
الشر فخصوصيته كبيرة، إذ لم يقل: ((كُلَّهَا فِي النَّارِ)) إلا من جهة الوصف الذي
افترقت بسبه عن السواد الأعظم وعن جماعته، وليس ذلك إلا للبدعة المفرقة، إلا
أنه ينظر في هذا الوعيد هل هو أبدي أم لا؟ وإذ قلنا: إنه غير أبدي هل هو نافذ أم في
المشيئة؟ أما المطلب الأول، فينبئ على أن بعض البدع مخرجة من الإسلام أو
ليست مخرجة، والخلاف في الخوارج وغيرهم من السبائية والغرابية والجناحية،
ونحوهم المخالفين في العقائد موجود. فحيث نقول بالتكفير لزم منه تأبيد التحريم
على القاعدة ((أن الكفر والشرك لا يغفره الله سبحانه))، وإذا قلنا بعدم التكفير
فيحتمل على مذهب أهل السنة أمرين :
أحدهما: نفوذ الوعيد من غير غفران، ويدلَّ على ذلك ظواهر الأحاديث، وقوله
هنا: ((كُلَّهَا فِي النَّارِ)) أي: مستقرة ثابتة فيها.
والثاني: أن يكون مقيدًا بأن يشاء اللّه تعالى إصلاءهم في النار، وإنما حمل
قوله: ((كُلَّهَا فِي النَّارِ)) على معنى هي ممن يستحق النار. كما قيل في قوله تعالى:
﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]، أي:
ذلك جزاؤه إن لم يعف اللَّه عنه، فإن عفا عنه، فله العفو إن شاء اللَّه؛ لقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فكما أن القاتل

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسَّنَّةِ
٥٧٧
في المشيئة وإن لم يكن الاستدراك كذلك يصح أن يقال هنا بمثله. انتهى مختصرًا.
وسيأتي مزيد الكلام في ذلك في شرح حديث معاوية. وقوله: ((مِلَّةً وَاحِدَةً)»
نص في أن الحق واحد لا يختلف، إذ لو كان للحقِّ فرق أيضًا لم يقل: إلا واحدة.
ولأن الاختلاف منفي عن الشريعة بإطلاق؛ لأنها الحاكمة بين المختلفين لقوله
تعالى: ﴿فَإِنِ تَنَزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]؛ إذ رد التنازع إلى
الشريعة، فلو كانت الشريعة تقتضي الخلاف لم يكن في الرد إليها فائدة. وقوله:
((فِي شَيْءٍ)) نكرة في سياق الشرط، فهي صيغة من صيغ العموم، فتنتظم كل تنازع
على العموم، فالرد فيها لا يكون إلا لأمر واحد، فلا يسع أن يكون أهل الحق فرقًا،
قاله الشاطبي. (قَالُوا: مَنْ هِيَ) أي: تلك الملة أي: أهلها الناجية. (مَا أَنَا عَلَيْهِ
وَأَصْحَابِي) أي: هي ما أنا عليه وأصحابي، فسَّر أهل تلك الملة الواحدة بذلك؛
لأن تعريف أهل الملة حاصل بتعريف ملتهم، وقيل: التقدير أهلها من كان على ما
أنا عليه وأصحابي من الاعتقاد والقول والعمل. والمراد بهم: المهتدون
المتمسكون بسنته وسنة الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة الذين فهموا أمر
دين اللَّه بالتلقي من نبيه مشافهة على علم وبصيرة بمواطن التشريع وقرائن
الأحوال. قال الشاطبي: أصل الجواب أن يقال: أنا وأصحابي، ومن عمل مثل
عملنا، أو ما أشبه ذلك مما يعطي تعيين الفرقة إما بالإشارة إليها أو بوصف من
أوصافها إلا أن ذلك لم يقع، وإنما وقع في الجواب تعيين الوصف لا تعيين
الموصوف، فلذلك أتى بما أتى، فظاهرها الوقوع على غير العاقل من الأوصاف
وغيرها، والمراد هنا الأوصاف التي هو عليها وَله وأصحابه، فلم يطابق السؤال
الجواب في اللفظ، والعذر عن هذا أن العرب لا تلتزم ذلك النوع إذا فهم المعنى؛
لأنهم لما سألوه عن تعيين الفرقة الناجية بين لهم الوصف الذي به صارت ناجية
فقال: ((ما أنا عليه وأصحابي)). ويمكن أن يقال: إن النبي ◌َّ لما ذكر الفرق، وذكر
أن فيها فرقة ناجية كان السؤال عن أعمال الفرقة الناجية لا عن نفس الفرقة؛ لأن
التعريف فيها من حيث هي لا فائدة فيه إلا من جهة أعمالها التي نجت بها، فالمقدم
في الاعتبار هو العمل لا العامل، فلو سألوا ما وصفها أو عملها؟ أو ما أشبه ذلك
لكان أشد مطابقة في اللفظ والمعنى، فلما فهم تظلّلا منهم ما قصدوا أجابهم على
ذلك، وتقول: لما تركوا السؤال عما كان الأولى في حقهم، أتى به جوابًا عن

٥٧٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
سؤالهم؛ حرصًا منه علَّل على تعليمهم ما ينبغي لهم تعلمه والسؤال عنه، ويمكن أن
يقال: إن ما سألوا عنه لا يتعين؛ إذ لا تختص النجاة بمن تقدم دون من تأخر، إذ قد
كانوا قد اتصفوا بوصف التأخير، ومن شأن هذا السؤال التعيين، وعدم انحصارهم
بزمان أو مكان لا يقتضي التعيين، وانصرف القصد إلى تعيين الوصف الضابط
للجميع، وهو ما كان عليه وأصحابه، وهذا الجواب بالنسبة إلينا كالمبهم، وهو
بالنسبة إلى السائل معين؛ لأن أعمالهم كانت للحاضرين معهم رأي عين، فلم
يحتج إلى أكثر من ذلك؛ لأنه غاية التعيين اللائق بمن حضر، فأما غيرهم ممن لم
يشاهد أحوالهم ولم ينظر أعمالهم، فليس مثلهم، ولا يخرج الجواب بذلك عن
التعيين المقصود. والله أعلم. قال: ولم يعيِّن النبي وَّ من الفرق إلا واحدة،
وإنما تعرض لعدها خاصة، وأشار إلى الفرقة الناجية حين سئل عنها، وإنما وقع
ذلك كذلك، ولم یکن الأمر بالعكس لأمور:
أحدها: أن تعيين الفرقة الناجية هو الآكد في البيان بالنسبة إلى تعبد المكلف،
والأحق بالذكر، إذ لا يلزم تعيين الفرق الباقية إذا عينت الواحدة، وأيضًا لو عينت
الفرق كلها إلا هذه الأمة لم يكن بد من بيانها؛ لأن الكلام فيها يقتضي ترك أمور
وهي بدع، والترك للشيء لا يقتضي فعل شيء آخر لا ضدًّا ولا خلافًا، فذكر
الواحدة هو المفيد على الإطلاق.
والثاني: أن ذلك أوجز؛ لأنه إذا ذكرت نحلة الفرقة الناجية علم على البديهة أن
ما سواها مما يخالفها ليس بناج، وحصل التعيين بالاجتهاد بخلاف ما إذا ذكرت
الفرق الغير الناجية، فإنه يقتضِّي شرحًا كثيرًا، ولا يقتضي في الفرقة الناجية
اجتهاد؛ لأن إثبات العبادات التي تكون مخالفتها بدعًا لا حظ للعقل في الاجتهاد
فيها .
والثالث: أن ذلك أحرى بالستر، ولو فسرت لناقض ذلك قصد الستر، ففسر ما
يحتاج إليه وترك ما لا يحتاج إليه إلا من جهة المخالفة، فللعقل وراء ذلك مرمى
تحت أذيال الستر، فبين النبي ◌َّ ذلك بقوله: ((مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي))، يعني: أن
الفرقة الناجية من اتصف بأوصافه عليه السلام، وأوصاف أصحابه، وكان ذلك
معلومًا عندهم غير خفي، فاكتفى به، وربما يحتاج إلى تفسيره بالنسبة إلى من بعد

كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الأعْتِصَامِ بالْكِتّاب وَالشُّنّةِ
٥٧٩
تلك الأزمان. وحاصل الأمر أن أصحابه كانوا مقتدين به، مهتدين بهديه، وقد جاء
مدحهم في القرآن، وأثنى عليهم متبوعهم محمد بخّة، وإنما خلقه وَالثّ القرآن،
فالقرآن إنما هو المتبوع على الحقيقة، وجاءت السنة مبينة له، فالمتبع للسنة متبع
للقرآن، والصحابة كانوا أولى الناس بذلك، فكل من اقتدى بهم فهو من الفرقة
الناجية الداخلة للجنة بفضل الله، وهو معنى ((مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي))، فالكتاب
والسنة هو الطريق المستقيم، وما سواهما من الإجماع وغيره فناشئ عنهما، هذا
هو الوصف الذي كان عليه النبي وَلّ وأصحابه، وهو معنى ما جاء في الرواية
الأخرى: ((وَهِيَ الْجَمَاعَةُ))؛ لأن الجماعة في وقت الإخبار كانوا على ذلك
الوصف. انتهى.
قلت: وهو معنى ما جاء في حديث أبي أمامة عند الطبراني: ((كُلَّهُمْ فِي النَّارِ إِلَا
السَّوَادَ الأَعْظَمَ)) .. وأصرح من ذلك ما رواه الطبراني أيضًا عن أبي الدرداء وواثلة
وأنس بلفظ: ((كُلَّهُمْ عَلَى الصَّلَالَةِ إِلَّا السَّوادَ الْأَعْظَمَ)). قالوا يا رسول اللّه مَنِ
السوادُ الأعظَمُ؟ قال: ((مَنْ كَانَ عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي)). فالمراد بـ((الْجَمَاعَةَ))
و((السَّوَادَ الْأَعْظَمَ)) و((مَا أَنا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي)) شيء واحد، ولا شك أنهم أهل السنة
والجماعة .
قال الشيخ الجيلاني في ((الغنية)): وأما الفرقة الناجية، فهي أهل السنة
والجماعة. قال: وأهل السنة لا اسم لهم إلا اسم واحد، وهو أصحاب الحديث.
وقال الشاه ولي الله الدهلوي: الفرقةُ الناجية هم الآخذون في العقيدة والعمل
جميعًا بما ظهر من الكتاب والسنة، وجرى عليه جمهور الصحابة والتابعين، وإن
اختلفوا فيما بينهم فيما لم يشتهر فيه نص، ولا ظهر من الصحابة اتفاق عليه،
استدلالًا منهم ببعض ما هنالك، أو تفسيرًا لمجمله، وغير الناجية كل فرقة انتحلت
عقيدة خلاف عقيدة السلف، أو عملًا دون أعمالهم، انتهى.
وقال ابن حزم في الفصل (ج٢: ص١١٣): وأهل السنة الذين نذكرهم أهل
الحق - ومن عداهم فأهل البدعة - فإنهم الصحابة وكل من سلك نهجهم من خيار
التابعين، ثُمَّ أصحاب الحديث، ومن تبعهم من الفقهاء جيلًا فجيلًا إلى يومنا هذا،
ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها، انتهى.