Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ بيانًا وتحقيقًا لما أن النفوس القدسية الكاملة لا يضعف إدراكها بضعف الحواس الظاهرة واستراحة الأبدان، بل ربما يقوى إدراكها عند ضعفها. (مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا). قال القاري: يعني: قصته كهذه القصة عن آخرها، لا أن حاله كحال هذا الرجل، فإنه في مقابلة الداعي لا الباني، اللّهم إلا أن يقدر مضاف، ويقال: كمثل داعي رجل بني دارًا. انتهى. وقال الكرماني: ليس المقصود من هذا التمثيل تشبيه المفرد بالمفرد، بل تشبيه المركب بالمركب مع قطع النظر عن مطابقة المفردات عن الطرفين. انتهى. وقد وقع في رواية الترمذي، وكذا في حديث ابن مسعود عند الترمذي وأحمد وابن خزيمه ما يدل على المطابقة المذكورة. (مَأْدُبَةً) بفتح الميم وسكون الهمزة وضم الدال وتفتح، وبعدها موحدة: طعام عام يدعى الناس إليه كالوليمة. (وَبَعَثَ دَاعِيًّا) يدعو الناس إليها. (أَوِّلُوهَا) بكسر الواو المشددة، أي: فسروا هذه الحكاية التمثيلية لمحمد بنّله، من أول تأويلاً؛ إذا فسر بما يؤول إليه الشيء. (يَفْقَهْهَا) بالجزم جواب الأمر، أي: يفهمها. (وَقَالَ بَعْضُهِمْ: إِنَّ الْعَيْنَ) أي: عينه. (نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ) أي: قلبه. (يَقْظَانُ) أي: فيدرك البيان، وكرروا هذا، لتنبيه السامعين إلى هذه المنقبة العظيمة، وهي نوم العين ويقظة القلب. (فَقَالُوا: الدَّارُ) أي: الممثل بها. (الْجَنَّةِ) وفي رواية الترمذي: ((فاللَّه هو الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد رسول)). وفي حديث ابن مسعود عند أحمد: ((أما السيد فهو رب العالمين، وأما البنيان، فهو الإسلام، والطعام الجنة، ومحمد الداعي، فمن اتبعه، كان في الجنة)). (فَمَنْ أَطَاعَ) الفاء السببية أي: لما كان هو الداعي فمن أطاع (مُحَمَّدٌ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه) أي: لأنه رسول صاحب المأدبة، فمن أجابه ودخل في دعوته، أكل من المأدبة. وهو كناية عن دخول الجنة، وفي رواية الترمذي: ((وأنتَ يا محمد رسول اللَّه وَال، فمن أجابك، دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام؛ دخل الجنة، ومن دخل الجنة؛ أكل ما فيها)). (وَمُحَمَّدٌ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ) روى مشددًا على صيغة الفعل الماضي، ومخففًا أي: بسكون الراء والتنوين على المصدر، وصف به للمبالغة كالعدل، أي: هو الفارق بين المؤمن كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشّنَّةِ ٥٢١ والكافر، والصالح والطالح؛ إذ به تميزت الأعمال والعمال، وهذا كالتذييل للكلام السابق؛ لأنه مشتمل على معناه ومؤكد له، وفي تمثيل الملائكة إيقاظ للسامعين من رقدة الغفلة وسِنَة الجهالة، وحث لهم على الاعتصام بالكتاب والسنة، والإعراض عما يخالفهما من البدعة والضلالة. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في الاعتصام، وأخرجه أيضًا الترمذي في الأمثال من غير طريق البخاري، وفي الباب عن ابن مسعود عند أحمد والترمذي وصححه، وابن خزيمةَ، وعن ربيعة الجرشي عند الدارمي والطبراني بسند جيد، وسيأتي في الفصل الثاني. ١٤٥ - [٦] وَعَنْ أَنَس يَقُولُ: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ◌َِّ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ◌َ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا بِهَا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ وَِّ؟ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا. وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا أَصُومُ النَّهَارَ أَبَدًا وَلَا أَفْطِرُ. وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتِزَوَّجُ أَبَدًّا. فَجَاءَ النَّبِيُّ نَلَهَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: ((أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَاَ وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُقْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي؛ فَلَيْسَ مِنِّي)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشّرْحُ ١٤٥ - قوله: (ثَلَاثَةُ رَهْطٍ) بسكون الهاء، وهي: العصابة دون العشرة، وقيل: دون الأربعين. اسم جمع لا واحد له من لفظه، والمراد ثلاثة أنفس، وهم علي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعثمان بن مظعون، كما في مرسل سعيد بن المسيب عند عبد الرزاق. وقيل: المقداد بدل عبد الله بن عمرو. (يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ◌َ﴿) أي: في البيت وفي السر، والمراد معرفة قدر عادة وظائفه في كل (١٤٥) مُتَفَقٌّ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (٥٠٦٣)، ومُسْلِم (٥/ ١٠٤)، عَنْ أَنَسٍ فِي النِّكَاحِ، والنَّسَائِي (٦٠/٦). ٥٢٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ يوم وليلة حتى يفعلوا ذلك. (فَلَمَّا أُخْبِرُوا) على صيغة المجهول أي: أخبرتها . (بِهَا) أي: بعبادته. (كَأَنَّهُمْ تَقَالَّوها) بتشديد اللام المضمومة، تفاعل من القلة أي: عدوها قليلة؛ لما في نفوسهم أنها أكثر مما أخبروا به بكثير. (أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ وَالر؟) أي: بيننا وبينه بون بعيد، فإنا على صدد التفريط وسوء العاقبة، وهو معصوم مأمون الخاتمة، واثق بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. (وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ) أي: فمن لم يعلم بحصول ذلك له يحتاج إلى المبالغة في العبادة عسى أن يحصل بخلاف من حصل له، لكن بيّن النبي ◌َّ أن ذلك ليس بلازم، فأشار إلى هذا بأنه أشد خشية، وذلك بالنسبة لمقام العبودية في جانب الربوبية. (قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا) أي: أما رسول اللَّه ◌َلَّهِ، فقد خص بالمغفرة العامة فلا عليه أن لا يكثر العبادة، وأما أنا فلست مثله. (فَأُصَلِّي اللَّيْلَ) الظاهر أنه وما بعدهِ عزم على ما ذكر، ويحتمل الإخبار عن ذلك. (أَبَدًا) قيد لليل لا لقوله: ((أَصَلَّى)) أي: طول الليل. (أَنَا أَصُومُ النَّهَارَ أَبَدًا) كذا وقع في بعض النسخ بتأكيد الصيام بقوله: ((أَبَدًا»، والظاهر: أنه خطأ وقد استغنى عنه بقوله: (وَلَا أَفْطِرُ) وفي البخاري: ((أصوم الدهر ولا أفطر)) قال الحافظُ: لم يؤكد الصيام أي: بالتأييد؛ لأنه لا بد له من فطر الليالي وكذا أيام العيد. (أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ) أي: أجتنبهن. (فَلَا أَتَزَوَّجُ) أي: منهن أحدًا. (أَبَدًا) فإنهن والاشتغال بهن يمنع الشخص عن العبادة، ويوقعه في طلب الدنيا، والحرص على تحصيلها في العادة. (فَجَاءَ النَِّيُّ ◌َّهَ إِلَيْهِمْ) وقد علم ذلك بأن جاء إلى أهله فأخبروه، وإما بِالوحي. (فَقَالَ: ((أَنْتُمْ))) أي: أأنتم؟ فحذفت همزة الاستفهام التي للإنكار. (الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا) كناية عما تقدم. (أَمَّا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم، حرف تنبيه واستفتاح بمنزلة ((أَلَا)). (إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ) أي: إني لأعلم به، وبما هو أعز لديه، وأكرم عنده، فلو كان ما استأثر تموه من الإِفراط في الرياضة أحسن مما أنا عليه من الاعتدال في الأمور لما أعرضت عنه. (لِلَّهِ) مفعول به ((لَأَخْشَاكُمْ)) وأفعل لا يعمل في الظاهر إلا في الظرف. قال ابن المنير: إن هؤلاء بنوا على أن الخوف الباعث على العبادة ينحصر في كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ٥٢٣ خوف العقوبة، فلما علموا أنه مَّيّ مغفور له ظنوا أن لا خوف، وحملوا قلة العبادة على ذلك، فرد - عليه الصلاة والسلام - عليهم ذلك، وبيّن أن خوف الإجلال أعظم من الإكثار المحقق الانقطاع؛ لأن الدائم وإن قل أكثر من الكثير إذا انقطع . انتهى. وقال المظهر: إن قلة وظائف النبي وَل كانت رحمة للأمة وشفقة عليهم لئلا يتضرروا؛ فإن لأنفسهم عليهم حقًّا، ولأزواجهم حقًّا. (لَكِنِّي أَصُومُ) استدراك عن محذوف دل عليه السياق، أي: أنا وأنتم بالنسبة إلى العبودية سواء، لكن أنا أعمل كذا. وقيل: المعنى أنا أخشاكم لله، فينبغي على زعمكم أو في الحقيقة أن أقوم في الرياضة إلى أقصى مداه، لكن أقتصد وأتوسط فيها، فأصوم في وقت. (وَأَفْطِرُ) أي: في آخر. (وأصلى) بعض الليل. (وَأَرْقُدُ) أي: أنام في بعضه. (وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ) ولا أزهد فيهن، وكمال الرجل أن يقوم بحقهن مع القيام بحقوق اللّه تعالى، والتوكل عليه، والتفويض إليه، وهذا كله؛ ليقتدي بي الأمة. (فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي) المراد بالسنة: الطريقة لا التي تقابل الفرض والواجب، أي: أعرض عن طريقتي وتركها. (فَلَيْسَ مِنِّي) أي: ليس على ملتي إذا كان غير معتقد لها، والسنة مفرد مضاف يعم على الأرجح فيشمل الشهادتين وسائر أركان الإسلام، فيكون المعرض عن ذلك مرتدًّا، وكذا إذا كان الإعراض تنطعًا يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله؛ لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر، وأما إن كان ذلك بضرب من التأويل كالورع لقيام شبهة في ذلك الوقت، أو عجزًا عن القيام بذلك، أو المقصود صحيح، فيعذر صاحبه فيه. ومعنى ((فَلَيْسَ مِنِّي)) أي: ليس على طريقتي، ولا يلزم أن يخرج عن الملة، ولمحٍ بذلك إلى طريق الرهبانية، فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما سيأتي، وقد عابهم الله بأنهم ما وفوه بما التزموه، وطريقة النبي وَل الحنيفية السمحة، فيفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة وإعفاف النفس، وتكثير النسل. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجاه في النكاح، واللفظ للبخاري إلا قوله: ((أَصُومُ النَّهَارَ أَبَدًا» وأخرجه أيضًا النسائي في النكاح، وأما ما ذكره الرافعي واشتهر على الألسنة بلفظ: ((النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي؛ فَلَيْسَ مِنِّي)) فلم أجده مع الاستقراء التام والتتبع البالغ. والله أعلم. BeESE ٥٢٤ B مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ١٤٦ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ رَ﴿ُهَا قَالَتْ: صَنَعَ رَسُولُ نَّهِ شَيْئًا، فَرَخَّصَ فِيهِ، فَتَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ، فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءٍ أَصْنَعُهُ، فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْبَةً)». [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشَّرْجُ ١٤٦ - قوله: (صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ شَيْئًا) الظاهر أن الشيء المرخص فيه ما ذكر في حديث أنس من النوم بالليل والأكل بالنهار أي: الإفطار في بعض الأيام في غير رمضان، والتزوج بالنساء، وفي حديث عائشة عند مسلم من غسل الجنابة بعد طلوع الفجر في رمضان. (فَرَخَّصَ) أي: للناس. (فِيهِ) أي: في ذلك الصنع أو من أجله. (فَتَزَّهَ) أي: تباعد وتحرز. (عَنْهُ) أي: عن ذلك الصنع. (قَوْمٌ) لم يعرف الحافظ القوم بأعيانهم. وقيل: الظاهر أنهم هم المذكورون فيما تقدم. (فَلَغَ ذَلِكَ) أي: تنزههم. (فَخَطَبَ) أي: أراد أن يخطب، ويمكن أن يكون قوله: (فَحِمَدَ الله ... ) إلخ تفسيرًا لما قبله. (ثُمَّ قَالَ) أي: في أثناء خطبته. (مَا بَالُ أَقْوَام) استفهام إنكاري بمعنى التوبيخ، أي: ما حالهم؟ (يَتَتَزَّهُونَ) صفة وقع موقع الَّحال. (أَصْنَعْهُ) حال من الشيء، و((ألْ)) فيه للعهد الذكري السابق في قوله: ((شَيْئًا)) وقيل: اللام في الشيء للجنس، و((أَصْنَعْهُ)) صفته. (فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ) أي: بعذاب الله وغضبه، يعني: أنا أفعل شيئًا من المباحات وهم يحترزون عنه، فإن احترزوا لخوف عذاب الله، فأنا أعلم بقدر عذاب الله تعالى منهم، فأنا أولى أن أحترز عنه. (وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً) إشارة إلى القوة العملية، وقوله: ((أَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ)) إشارة إلى القوة العلمية، أي: إنهم توهموا أن رغبتهم عما أفعل أقرب لهم عند الله، وأن فعلي خلاف ذلك. وليس كما (١٤٦) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ عَائِشَةَ ﴿ُّ الْبُخَارِي (٦١٠١) فِي الأَدَبِ، وَمُسْلِم (١٢٧/ ٢٣٥٦ و١٢٨/ ٢٣٥٦) فِي المَنَاقِبِ، والنَّسَائي في الكبرى (١٠٠٦٣). كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشّئَّةِ ٥٢٥ توهموا؛ إذ هو أعلمهم بالقربة وأولاهم بالعمل بها، فمهما فعله وَّر من عزيمة ورخصة، فهو فيه في غاية التقوى والخشية، لم يحمله التفضل بالمغفرة على ترك الجلد في العمل قيامًا بالشكر، ومهما ترخص فيه؛ فإنما هو للإعانة على العزيمة ليعملها بنشاط. وفي الحديث ذم التعمق والتنزه عن المباح شكًا في إباحته، وفيه الحث على الاقتداء به ◌ّليّ وأن الخير في الاتباع، سواء كان ذلك في العزيمة أو الرخصة، فإن استعمال الرخصة بقصد الاتباع في المحل الذي وردت أولى من استعمال العزيمة، بل ربما كان استعمال العزيمة حينئذٍ مرجوحًا، كما في إتمام الصلاة في السفر، وربما كان مذمومًا إذا كان رغبة عن السنة، كترك المسح على الخفين . (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الأدب وفي الاعتصام، ومسلم في الفضائل، واللفظ للبخاري في الأدب. وأخرجه أيضًا النسائي في عمل اليوم والليلة. ١٤٧ - [٨] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَدِمَ نَبِيُّ اللّهِ وَلِّ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُؤبِّرون النَّخْلَ، فَقَالَ: ((مَا تَصْنَعُونَ؟)) قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَالَ: (لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا)) فَتَرَكُوهُ، فَتَقَصَتْ، قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأَبِي؛ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ)). [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] الشَّرْحُ ١٤٧ - قوله: (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج) بفتح معجمة، وكسر دال مهملة، وبجيم، ابن رافع بن عدى الأوسي الحَّارثي الأنصاري، يكنى أبا عبد الله، صحابي جليل، أول مشاهده أحد، ثم الخندق، ورده النبي ◌َّهِ يوم بدر؛ لأنه استصغره، وأجازه يوم أحد، فشهد أحدًا والخندق وأكثر المشاهد، وأصابه يوم أحد سهم فقال له رسول اللّه وَّهِ: ((أَنَا أَشْهَدُ لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، وانتقضت جراحته (١٤٧) مُسْلِم (١٤٠ / ٢٣٦٢ و١٤١/ ٢٣٦٣) عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجِ فِي آخِرِ المَنَاقِبِ، وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةً وَأَنَسٍ أَصْلُهُ، وَجَمَعَ ((المَصَابِيحُ)) أَلْفَاظَهُمْ مُلَخَّصًا. Belax ٥٢٦ eRaBeer مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ في زمن عبد الملك بن مروان فمات في أول سنة (٧٣) بالمدينة، وله ست وثمانون سنة، وقيل: مات سنة (٧٤) له ثمانية وسبعون حديثًا، اتفقا على خمسة، وانفرد مسلم بثلاثة، روى عنه خلق. (وَهُمْ) أي: أهل المدينة. (يُؤْبِّرون النَّخْلَ) بضم الياء وتشديد الباء المكسورة، من التأبير، وروي ((يأبرون)) بفتح الياء وتخفيف الباء المكسورة وضمها، من نصر وضرب. والأبر، والإبار، والتأبير: إدخال شيء من طلع الذكر في طلع الأنثى، فتعلق بإذن اللَّه، وتأتي بثمرة أجود مما لم يؤبر، وكانوا يفعلونه على العادة المستمرة في الجاهلية. (مَا تَصْنَعُونَ؟) ((مَا)) استفهامية. (كُنَّا نَصْنَعُهُ) أي: هذا دأبنا وعادتنا. (لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا) أي: تتعبون فيما لا ينفع. وفي حديث طلحة عند مسلم: ((ما أظن يغنى ذلك شيئًا)). (فَتَرَكُوهُ) أي : التأبير. (فَنَقَصَتْ) أي: النخل ثمارها، أو انتقصت ثمارها، فإن النقص متعد ولازم. (فَذَكَرُوا) أي: أصحاب النخل. (ذَلِكَ) أي: النقص. (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) أي: فليس لي اطلاع على المغيبات، وإنما ذلك شيء قلته بحسب الظن، يعني: أني لاحظت إذ ذلك الأمر الحقيقي، وهو أن كل شيء بقدرته تعالى، وأنها هي المؤثرة في الأشياء حقيقة، ولم ألتفت إلى أن الله تعالى قد أجرى عادته بأن ستر تأثير قدرته في بعض الأشياء بأسباب معتادة، فجعلها مقارنة لها ومغطاة لها، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من مراعاة الأسباب. (إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ) أضاف الدين إليهم؛ لأن المراد: إذا أمرتكم بما ينفعكم في أمر دينكم فخذوه، كقوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]. (فَخُذُوا بِهِ) أي: افعلوه، فإني إنما نطقت به عن الوحي. (بِشَيْءٍ) من أمور الدنيا ومعايشها. (مِنْ رَأْيي) أي: من غير تشريع، فأما ما قاله باجتهاده وٍَّ ورآه شرعًا يجب العمل به، وليس إبار النخل من هذا النوع، بل من النوع المذكور قبله، مع أن لفظة ((الرأي)) إنما أتى بها عكرمة على المعنى، لقوله في آخر الحديث: قال عكرمة: أو نحو هذا. فلم يخبر بلفظِ النبي وَلَّ محققًا، قاله النووى . كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُنَّةِ ٥٢٧ (فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ) جزاء للشرط على تأويل: وإذا أمرتكم بشيء من رأيي وأخطئ، فلا تستبعدوه، فإنما أنا بشر أخطئ وأصيب. كما في رواية طلحة عند أحمد: ((وَالظَّنُّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ)). وفي حديث طلحة عند مسلم: ((إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا، فخذوا به)). وفي حديث عائشة وأنس عند مسلم أيضًا: ((أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمُورِ دُنْيَاكُمْ)). قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبرًا، وإنما كان ظنًّا كما بيَّنه. قالوا: ورأيه والخير في أمور المعايش وظنه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك، وسببه تعلق هممه بالآخرة ومعارفها، وعدم الالتفات إلى الأمور الدنيوية. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الفضائل، وله شاهد من حديث طلحة عند أحمد ومسلم وابن ماجه، و من حديث عائشة عند مسلم وابن ماجه. ١٤٨ - [٩] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلِ أَتَى قَوْمًا، فَقَالَ: يَا قَوْمِ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الَّعُرْيَانَّ، فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ، فَأَطَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا، فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ، فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ، فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي، فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشَّرْحُ ١٤٨ - قوله: (إِنَّمَا مَثَلِي) المثل: الصفة العجيبة الشأن، يوردها البليغ على سبيل التشبيه لإرادة التقريب والتفهيم. (أَتَّى قَوْمًا) أي: لينذرهم بقرب عدوهم. (بِعَيْنَيَّ) للتأكيد، ودفع المجاز، وهو بالتثنية وتشديد الياء الأخيرة. (إِنِّي أَنَا الَّذِيرُ الْعُرْيَانُ) بضم العين وسكون الراء بعدها تحتية، من التعري، قيل: الأصل فيه أن (١٤٨) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي مُوسَى؛ البُخَارِي (٧٢٨٣) فِي الاعْتِصَامِ، وَمُسْلِم (١٦/ ٢٢٨٣) فِي المَنَاقِبِ . ٥٢٨ * مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ رجلًا لقى جيشا، فسلبوه وأسروه، فانفلت إلى قومه، فقال: إني رأيت الجيش فسلبوني، فرأوه عريانًا فتحققوا صدقه؛ لأنهم كانوا يعرفونه ولا يتهمونه في النصيحة، ولا جرت عادته بالتعري، فقطعوا صدقه بهذه القرائن، فضرب النبي وقل لنفسه، ولما جاء به مثلًا بذلك لما أبداه من الخوارق والمعجزات الدالة على صدقة، تقريبًا لأفهام المخاطبين بما يألفونه ويعرفونه. وقيل: المراد المنذر الذي تجرد عن ثوبه، وأخذ يرفعه ويديره حول رأسه إعلامًا لقومه بالغارة. وكان من عادتهم أن الرجل، إذا رأى الغارة فجأتهم، وأراد إنذار قومه يتعرى من ثيابه، ويشير بها ليعلم أن قد فجأهم أمر مهم، ثم صار مثلًا لكل ما يخاف مفاجأته. (فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ) بالمد والهمز فيهما، وبالقصر فيهما، وبمد الأولى وقصر الثانية تخفيفًا، مصدر نجا إذا أسرع، نصب على الإغراء، أي: اطلبوا النجاء بأنْ تسرعوا الهرب، إشارةً إلى أنهم لا يطيقون مقاومةَ ذلك الجيش، أو على المصدر أي: انجوا النجاء، وهو الإسراع، كرر للتأكيد. (فَأَطَاعَهُ) الإطاعة تتضمن التصديق فيحسن مقابلته بقوله: ((كَذَّبَتْ)). (فَأَدْلَجُوا) من الإدلاج بهمزة قطع، أي: ساروا أول الليل أو كله. (عَلَى مَهَلِهِمْ) بفتح الميم والهاء ويسكن، أي: بالسكينة والتأني. (وَكَذَّبَتْ) التكذيب يستتبع العصيان. (فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ) أي: دخلوا وقت الصباح في مكانهم. (فَصَبَّحَهُمْ الْجَيْشُ) أي: أتاهم صباحًا للغارة، هذا أصله ثم كثر استعماله حتى استعمل فيمن طرق بغتة في أي وقت كان. (وَاجْتَاحَهُمْ) بالجيم في الأولى، والمهملة في الثانية، أي: استأصلهم وأهلكهم بالكلية بشؤم التكذيب. (فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي ... ) إلخ، قيل: هذا من التشبيهات المفروقة، شبه ذاته وَّجله بالرجل، وما بعثه الله به من إنذار القوم بعذاب الله القريب، بإنذار الرجل قومه بالجيش المصبح، وشبه من أطاعه من أمته ومن عصاه، بمن صدق الرجل في إنذاره وكذبه. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الرقاق، وفي الاعتصام، ومسلم في الفضائل. كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُّنَّةِ ٥٢٩ ١٤٩ - [١٠] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضْلَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلِ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا، جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَاتُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ، وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَخَّمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ وَأَنْتُمْ تَقَخَّمُونَ فِيهَا». هَذِهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ. وِلِمُسْلِمِ نَحْوَهَا، وَقَالَ فِي آخِرِهَا: قَالَ: ((فَذَلِكَ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ: هَلُّمَّ عَنِ النَّارِ ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ ، فَتَغْلِبُونِّي، تَقَحَّمُونَ فِيهَا)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشَّرْحُ ١٤٩- قوله: (اسْتَوْقَدَ) أي: أوقد، وزيدت السين للتأكيد. (أَضَاءَتْ) الإضافة فرط الإنارة. (مَا حَوْلَهَا) هذه رواية مسلم، والضمير للنار، و((أَضَاءَتْ)) متعدية أي: أضاءت النار جوانب تلك النار، وفي رواية البخاري: ((مَا حَوْلَهُ)) فالضمير للمستوقد، ويجوز أن تكون ((أضاءت)) غير متعدية فيسند الفعل إلى ((مَا)) على تأويل: أضاءت الأماكن التي حول النار أو حول المستوقد. قال القاري: ما ظهر لي وجه عدول صاحب ((المشكاة)) إلى رواية مسلم عن رواية البخاري مع كونها أصح، ومع ثبوت موافقتها للفظ القرآن الأفصح، ودلالتها على المقصود بالطريق الأوضح، مع قوله: في آخر الحديث: هذه رواية البخاري. انتهى. (جَعَلَ) أي: شرع. (الْفَرَاشُ) بفتح الفاء وتخفيف الراء، دويبة طير تتساقط في النار، يقال في الفارسية: بروانه. (وَهَذِهِ الدَّوَاتُ) قيل: عطف تفسير للفراش، وأنثه نظرًا لخبره، أو لكون الفراش اسم جنس. وقال ابن الملك: إشارة إلى غير الفراش. (الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ) أي: عادتها إلقاء نفسها في النار، كالبرغش والجندب ونحوهما. (يَقَعْنَ) أي: الفراش والدواب. (وَجَعَلَ) المستوقد. (يَحْجُزُهُنَّ) بضم الجيم، أي: يمنعهن من الوقوع فيها. وفي البخاري ((يَزْعُهُنَّ)) بالتحتانية والزاي (١٤٩) مُتَفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ البُخَارِي (٦٤٨٣) فِي العِلْمِ، وَمُسْلِم (١٨ / ٢٢٨٤) فِي المَنَاقِبِ، والتِّرْمِذِي (٢٨٧٤). ٥٣٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وضم المهملة أي: يدفعهن. (وَيَغْلِبْنَهُ) أي: على الوقوع فيها. (فَيَتَقَخَّمْنَ فِيهَا) أي: يدخلن فيها بشدة ومزاحمة، من التقحم، وهو الإقدام والوقوع في أمر شاق من غير روية وتثبت، وفي البخاري: ((فَيَقْتَحِمْنَ)) من الاقتحام. (فَأَنَا) الفاء فصيحة، أي: إذا صحَّ هذا التمثيل بأني كالمستوقد وأنتم كالفراش فيما ذكر فأنا. (آخِذٌ) اسم فاعل بكسر الخاء وتنوين الذال، ويروى بصيغة المضارع من المتكلم، والأول أشهر وهما صحيحان. (بِحُجَزِكُمْ) بضم الحاء وفتح الجيم، جمع الحجزة، وهي معقد الإزار ومن السراويل موضع التكة، وخص ذلك بالذكر؛ لأن أخذ الوسط أقوى وأوثق من الأخذ بأحد الطرفين في التبعيد. (عَنِ النَّارِ) وضع المسبب موضع السبب؛ لأن المراد أنه يمنعهم من الوقوع في المعاصي التي تكون سببًا لولوج النار. (وَأَنْتُمْ تَقَخَّمُونَ) من باب التفعل بحذف إحدى التائين، وفي نسخة صحيحة: ((تَقْتَحِمُونَ)) من باب الافتعال. (هَذِهِ) أي: هذه الألفاظ أو ما ذكر من أول الحديث إلى هنا، والتأنيث باعتبار الخبر، وفي نسخة ((هَذَا)) أي: هذا اللفظ . (رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ) أي: في باب الانتهاء عن المعاصي من الرقاق. (وَلِمُسْلِم نَحْوَهَا) أي: نحو رواية البخاري معنى. (وَقَالَ) أي: مسلم. (فِي آخِرِهَا) أي: فيَّ آخر روايته. (قَالَ) أي: النبي ◌َِّ. (فَذَلِكَ) أي: المثل المذكور. (مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ أَنَا آَخِذٌ) روي بالوجهين. (هَلُمَّ عَنِ النَّارِ) أي: أسرعوا إلي وأبعدوا أنفسكم عن النار، وهو في محل النصب على الحال، أي: آخذ بحجزكم وأمنعكم قائلًا: هلم. (فَتَغْلِبُونِّي) النون مشددة؛ إذ أصله: تغلبونني؛ فأدغم نون الجمع في نون الوقاية، والفاء للسببية والتقدير: أنا آخذ بحجزكم لأخلصكم من النار، فجعلتم الغلبة مسببة عن الأخذ. (تَقَخَّمُونَ فِيهَا) حال من فاعل ((تغلبوني))، وقيل: بدل مما قبله. وفي مسلم ((وَتَقَخَّمُونَ)) أي: بزيادة الواو. قال النووي: مقصود الحديث أنه وَلخير شبه تساقط الجاهلين والمخالفين بمعاصيهم وشهواتهم في نار الآخرة، وحرصهم على الوقوع في ذلك مع منعه إياهم وقبضه على مواضع المنع منهم، بتساقط الفراش في نار الدنيا لهواه، وضعف تمييزه، فكلاهما حريص على هلاك نفسه، ساع في ذلك لجهله. انتهى. كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسّنّةِ ٥٣١ وقال الطيبي: تحقيق التشبيه الواقع في هذا الحديث يتوقف على معرفة معنى قوله تعالى: ﴿ِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَنَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وذلك أن حدود اللَّه محارمه ونواهيه، كما في الحديث الصحيح: ((أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُه)) ورأس المحارم حب الدنيا وزينتها، واستيفاء لذاتها وشهواتها، فشبه مثّة إظهار تلك الحدود ببياناته الشافية الكافية من الكتاب والسنة باستيقاد الرجل النار، وشبه فشو ذلك في مشارق الأرض ومغاربها بإضاءة تلك النار ما حول المستوقد، وشبه الناس وعدم مبالاتهم بذلك البيان، وتعديهم حدود الله، وحرصهم على استيفاء تلك اللذات والشهوات، ومنعه إياهم عن ذلك بأخذ حجزهم، بالفراش التي يقتحمن في النار، ويغلبن المستوقد على دفعهن عن الاقتحام، كما أن المستوقد كان غرضه من فعله انتفاع الخلق به من الاستضاءة والاستدفاء وغير ذلك، والفراش لجهلها جعلته سببًا لهلاكها، فكذلك كان القصد بتلك البيانات اهتداء الأمة واجتنابها ما هو سبب هلاكهم، وهم مع ذلك لجهلهم جعلوها مقتضية لترديهم، كذا في الفتح. (مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) فيه أنه مستغنى عنه بما سبق، فإيراده لمجرد التأكيد، على أن المراد بالاتفاق هنا بحسب المعنى في الأكثر. وأخرجه أيضًا الترمذي وصححه، وأخرج أحمد ومسلم نحوه عن جابر. ٥٣٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ * ١٥٠ - [١١] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ وَلِهِ: ((مَثَلُ مَا بَعَثَنِى اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ، كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيَِّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتَ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءَ وَلَا تُنْبِتُ كَلَأَ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُّهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشَّرْجُ ١٥٠ - قوله: (وَالْعِلْم) عطف على ((الْهُدَى)) من عطف المدلول على الدليل؛ لأن الهدى هو الدلالة الموصلة إلى المقصد، والعلم هو المدلول، وهو صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض، والمراد به هنا الأدلة الشرعية. (كَمَثَلِ الْغَيْثِ) أي: المطر، واختار اسم الغيث ليؤذن باضطرار الخلق إليه؛ إذ جاءهم على فترة من الرسل، وضرب المثل بالغيث للمشابهة التي بينه وبين العلم، فإن الغيث يحيى البلد الميت، والعلم يحيى القلب الميت. (أَصَابَ) صفة للغيث على أن اللام لتعريف الجنس ومدخوله كالنكرة فيوصف بالجملة، كما في قوله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] ويجوز أن يكون حالًا منه. (أَرْضًا) أي: هي محل الانتفاع، وهذا القيد متروك ها هنا؛ اعتمادًا على فهمه من التفصيل، وبقرينة ذكر ضده في مقابل هذا القسم وهو قوله: ((وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان ... )) إلخ؛ لأن قوله: (وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى)) معطوف على جملة ((أَصَابَ أَرْضًا)) وهذا ظاهر، وعلى هذا فضمير ((مِنْهَا)) في ((وَأَصَابَ مِنْهَا)) لمطلق الأرض المفهوم من الكلام، لا الأرض المذكورة أولًا في قوله: ((أصاب أرضًا))، فصار الحاصل أنه قسم الأرض بالنسبة إلى المطر إلى (١٥٠) مُتَفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٧٩)، ومُسْلِم (١٥/ ٢٢٨٢) عَنْ أَبِي مُوسَى، والنَّسَائِي في الكبرى (٥٨٤٣). كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الاعْتِصَامِ بالْكِتّاب وَالشُنّةِ ٥٣٣ قسمين لا إلى ثلاثة كما توهمه كثير من الفضلاء، فظهر انطباق المثل بالممثل له، واندفع إيراد أن المذكور في المثل ثلاثة أقسام وفي الممثل له قسمان، كما لا يخفى، إلا أنه قسم القسم الأول من الأرض الذي هو محل الانتفاع أيضًا إلى قسمين: قسم ينتفع بنتائج مائه النازل فيه وثمراته لا بعين ذلك الماء، وقسم ينتفع بعين مائه؛ تنبيهًا على أن الذي ينتفع بعلمه الواصل إليه قسمان من الناس: قسم ينتفع بثمرات علمه ونتائجه كأهل الاجتهاد والاستخراج والاستنباط، وقسمٍ ينتفع بعين علمه ذلك كأهل الحفظ والرواية، والحاصل أنه وَل شبه ما أعطاه الله من أنواع العلوم بالوحي الجلي أو الخفي بالماء النازل من السماء في التطهير، وكمال التنظيف، والنزول من العلو إلى السفل، ثم قسم الأرض بالنظر إلى ذلك الماء قسمين: قسمًا هو محل الانتفاع، وقسمًا لا انتفاع فيه، وكذا قسم الناس بالنظر إلى العلم قسمين على هذا الوجه، إلا أنه قسم القسم الأول من الأرض إلى قسمين، واكتفى به في قسمة القسم الأول من الناس إلى قسمين لوضوح الأمر، وعلى هذا فأصل المثل تام بلا تقدير في الكلام. قاله السندهي. (فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتْ) ((مِنْهَا)) صفة (طَائِفَةً)) قدمت علبها، فصارت حالًا، و((طَيَِّة)) مرفوع على أنها صفة طائفة، و((قَبِلَتْ)) منصوبة بخبر كانت. (الْكَلَأَ) بفتح الكاف واللام، آخره مهموز مقصور، النبات رطبًا ويابسًا، والكلا مقصور بغير الهمزة مختص بالرطب منه، فالكلأ بالهمز أنسب ليكون عطف الأخص على الأعم. (وَالْعُشْبَ) بضم العين، وهو مختص بالرطب من النبات. (وَكَانَتْ مِنْهَا) أي: من الأرض التي هي محل الانتفاع. (أُجَادِبُ) جمع جدب، وهي الأرض الصلبة التي تمسك الماء ولا تنبت الكلأ. (فَتَفَعَ اللَّهُ بِهَا) أي: بالأجادب. (وَسَقَوْا) أي: دوابهم. (وَزَرَعُوا) أي: ما يصلح للزرع، وهذه رواية البخاري، ولمسلم: ((رعوا من الرعي))، وكذا للنسائي. (وَأَصَابَ) أي: الغيث. (مِنْهَا) الجملة عطف على ((أَصَابَ أَرْضًا)) وضمير ((مِنْهَا)) لمطلق الأرض المفهوم من الكلام لا للأرض المذكورة أولًا في قوله: ((أصاب أرضًا)). (إِنَّمَا هِيَ) أي: تلك الطائفة. (قِيعَانٌ) بكسر القاف جمع قاع، وهي الأرض المستوية الملساء. (فَذَلِكَ) أي: المذكور من الأنواع. (مَثَلُ مَنْ فَقُهَ) بضم القاف وكسرها، والمشهور الضم، إذا فهم وأدرك الكلام. (فَعَلِمَ وَعَلَّمَ) الأول بكسر اللام مخففة، والثاني: ٥٣٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ بتشديدها، وهذا مثل الأرض التي هي محل الانتفاع. فأهل الاجتهاد منهم كالأرض الطيبة التي قبلت الماء فأنبتت العشب والكلأ، وأهل الحفظ والرواية الذين لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد والاستخراج كالأجادب التي أمسكت الماء، فنفع اللَّه بها الناس فشربوا، وسقوا وزرعوا. (وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ) أي: بما بعثنى الله به. (رَأْسًا) أي: للتكبر، ولم يلتفت إليه من غاية تكبره، وهذا مثل الأرض التي ليست محل الانتفاع، لعدم إِمساك الماء وعدم إنبات الكلأ. (وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ) بضم الهاء وفتح الدال. (الّذِي أَرْسِلْتُ بِهِ) قال الطيبي: عطف تفسيرى. وفي الحديث إشارة إلى أن الاستعدادات ليست بمكتسبة، بل هي مواهب ربانية، وكمالها أن تستفيض من مشكاة النبوة فلا خير فيمن يشتغل بغير الكتاب والسنة، وأن الفقيه من عَلِمَ وعَلَّمَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخارى في العلم، ومسلم في فضائل النبي، وأخرجه أيضًا أحمد (ج٤: ص٣٩٩) والنسائي في العلم. ١٥١ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ثَلَا رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنَزَلَ عَلَيْكَ اُلْكِنَبَ مِنْهُ ءَايَتٌ تُحْكَمَتُ﴾ وَقَرَأَ إِلَى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبُبِ﴾ [آل عمران: ٧] قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِ لّهِ: ((فَإِذَا رَأَيْتَ - وَعِنْدَ مُسْلِم: إِذَا رَأَيْتُمُ - الَّذِينَ يَتَبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ، فَاحْذَرُوَهُمْ)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشَّرْجُ ١٥١ - قوله: (﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ﴾) أي: القرآن. (مِنْهُ) أي: بعضه. (﴿ءَايَتُ تُحْكَمَكُ﴾) وبعده ﴿هُنَّ﴾ أي: تلك الآيات المحكمات ﴿أُمُّ الْكِنَبِ﴾ أي: أصله الذى يعول عليه في الأحكام، ويعمل به في الحلال والحرام، ويرجع إليه غيره، فإن وافقه يقبل، وإلا فيحكم ببطلان ما فهمنا منه ﴿وَأُخَرُ﴾ أي: آيات أخر (١٥١) مُتَفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنْ عَائِشَةَ رَضُّ: البُخَارِي (٤٥٤٧) فِي التَّفْسِيرِ، وَمُسْلِم (١ / ٢٦٦٥) فِي القَدَرِ، وأَبُو دَاوُد (٤٥٩٨)، والتِّرْ مِذِي (٢٩٩٣). كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ٥٣٥ ج ﴿مُتَشَبِهٌَ﴾ [آل عمران: ٧]. قال الحافظ في ((الفتح)): قيل: المحكم من القرآن: ما وضح معناه، والمتشابه نقيضه، وسمى المحكم بذلك لوضوح مفردات كلامه، وإتقان تركيبه، بخلاف المتشابه. وقيل: المحكم: ما عرف المراد منه إما بالظهور، وإما بالتأويل، والمتشابه: ما استأثر اللَّه بعلمه كقيام الساعة، وخروج الدجال، والحروف المقطعة في أوائل السور. وقيل في تفسير المحكم والمتشابه أقوال أخر غير هذه نحو العشر ليس هذا موضع بسطها، وما ذكرته أشهرها وأقربها إلى الصواب. وذكر أبو منصور البغدادى: أن الأخير هو الصحيح عندنا، وابن السمعاني: أنه أحسن الأقوال، والمختار على طريقة أهل السنة، وعلى القول الأول جرى المتأخرون. قال: ودلت الآية على أن بعض القرآن محكم، وبعضه متشابه، ولا يعارض ذلك قوله : ﴿أَحْكِمَتْ ءَتُهُ﴾ [هود: ١] ولا قوله: ﴿كِنَبًا مُّتَشَبِهَا مَّثَانِىَ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ لأن المراد بالإِحكام في قوله ﴿أَحْكِمَتْ﴾: الإتقان في النظم، وأن كلها حق من عند الله، والمراد بالمتشابه: كونه يشبه بعضه بعضًا في حسن السياق والنظم أيضًا، وليس المراد اشتباه معناه على سامعه، وحاصل الجواب: أن المحكم ورد بإزاء معنيين، والمتشابه ورد بإزاء معنیین. انتهى. وقال العلّامةُ القنوجي البوفالي في ((فتح البيان)) (ج١: ص٦) أخذًا من فتح القدير (ج١: ص٢٨٤، ٢٨٧) للعلامة الشوكاني بعد ذكر الأقوال المختلفة في معنى المحكم والمتشابه ما نصه: والأولى أن يقال: إن المحكم هو الواضح المعنى، الظاهر الدلالة، إما باعتبار نفسه، أو باعتبار غيره، والمتشابه ما لا يتضح معناه، أو لا يظهر دلالته، لا باعتبار نفسه، ولا باعتبار غيره. وإذا عرفت هذا عرفت أن الاختلاف الذى قدمناه ليس كما ينبغى، وذلك لأن أهل كل قول عرفوا المحكم ببعض صفاته، وعرفوا المتشابه بما يقابلها. ثم بين ذلك مفصلًا من شاء الوقوف عليه رجع إليه، ثم قال: إن من جملة ما يصدق عليه تفسير المتشابه الذي قد مناه، فواتح السور فإنها غير متضحة المعنى، ولا ظاهرة الدلالة، لا بالنسبة إلى أنفسها؛ لأنه لا يدري من يعلم بلغة العرب ويعرف عرف الشرع، ما معنى الم، المر، طس، طسم، ونحوها؛ لأنه لا يجد بيانها في شيء من كلام العرب، ولا من كلام ٥٣٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ EINe الشرع، فهي غير متضحة المعنى لا باعتبارها في نفسها، ولا باعتبار أمر آخر يفسرها ويوضحها، ومثل ذلك الألفاظ المنقولة عن لغة العجم، والألفاظ العربية التي لا توجد في لغة العرب ولا في عرف الشرع ما يوضحها، وهكذا ما استاثر الله بعلمه كالروح وما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنْزِّكُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَامِ﴾ إلى آخر الآية [لقمان: ٣٤]، ونحو ذلك، وهكذا ما كانت دلالته غير ظاهرة لا باعتبار نفسه، ولا باعتبار غيره، كورود الشيء محتملًا لأمرين احتمالاً لا يترجح أحدهما على الآخر باعتبار ذلك الشيء في نفسه، وذلك كالألفاظ المشتركة مع عدم ورود ما يبين المراد من معنى ذلك المشترك من الأمور الخارجة، وكذلك ورود دليلين متعارضين تعارضًا كليًّا بحيث لا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر باعتبار نفسه، ولا باعتبار أمر آخر یرجحه. وأما ما كان واضح المعنى باعتبار نفسه بأن يكون معروفًا في لغة العرب، أو عرف الشرع، أو باعتبار غيره، وذلك كالأمور المجملة التي ورد بيانها في موضع آخر من الكتاب العزيز أو السنة المطهرة، والأمور التى تعارضت دلالتها ثم ورد ما يبيِّن راجحها من مرجوحها في موضع آخر من الكتاب أو السنة أو سائر المرجحات المعروفة عند أهل الأصول، المقبولة عند أهل الإنصاف، فلا شك أن هذه من المحكم لا من المتشابه، ومن زعم أنها من المتشابه فقد اشتبه عليه الصواب. انتهى. (وَقَرَأَ إِلَى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [آل عمران: ٧]) والتتمة ﴿فَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيٌْ﴾ أي: ميل عن الحقِّ إلى الباطل ﴿فَيَتَّعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ﴾ أي: يبحثون عنه، ويتعلقون به، لينزلوه على مقاصدهم الفاسدة ﴿اَبْتِغَاءَ اٌلْفِتْنَةِ﴾ أي: طلبًا منهم الفتنة الناس في دينهم، والتلبس عليهم، وإفساد ذوات بينهم، لا تحريًا للحق وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: تفسيره على الوجه الذي يشتهونه، ويوافق مذاهبهم الفاسدة ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: والحال أنه ما يعلم تأويله أي ما هو الحق، أو حقيقته إلا الله ﴿ وَالزَّسِخُونَ فِى الْعِلْمِ﴾ مبتدأ، أي: الثابتون في علم الدين، الكاملون فيه ﴿يَقُولُونَ﴾ خبر ﴿ءَامَنَّا بِهِ﴾ أي: بالمتشابه به، ووكلنا علمه إلى عالمه قلے وكُلُّ﴾ أي: من المتشابه والمحكم ﴿مِنْ عِنْدِ رَيِّنَا﴾ أي: نزل من عنده وهو حق وصواب ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [آل عمران: ٧] أي: العقول الخالصة وهِم الراسخون في العلم، الواقفون عند متشابهه، العاملون بمحكمه بما أرشدهم الله كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشِّئَّةِ ٥٣٧ إليه في هذه الآية. وحكمة وقوع المتشابه: فيه إعلام للعقول بقصورها لتستسلم لبارئها، وتعترف بعجزها، وتسلم من العجب والغرور والتكبر والتعزز. (فَإِذَا رَأَيْتَ) بفتح التاء، على الخطاب العام أي أيها الرائي. ولهذا جمعه في ((فَاحْذَرُوهُمْ)) وحكي بالكسر على أنها خطاب لعائشة بيانًا لشرفها وغزارة علمها، وإن كان الخطاب عامًّا. (وَعِنْدَ مُسْلِم: ((رَأَيْتُمْ))) أي: بدل ((رَأَيْتَ)) وهو يؤيد الأول. (فَأُولَئِكَ) بفتح الكاف وقيل بالكسر. (الَّذِينَ سَمَّاهُمْ اللَّهُ) بأهل الزيغ أو زائغين بقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾. (فَاحْذَرُوهُمْ) أي: لا تجالسوهم، ولا تكالموهم أيها المسلمون، فإنهم أهل البدعة، فيحق لهم الإهانة. وقيل: أمر بالحذر منهم؛ احترازًا عن الوقوع في عقيدتهم، فالمقصود التحذير من الإصغاء إليهم. قال النووى: في الحديث التحذير من مخالطة أهل الزيغ وأهل البدع، ومن يتبع المشكلات للفتنة. فأما من سأل عما أشكل عليه للاسترشاد وتلطف في ذلك، فلا بأس عليه، وجوابه واجب. وأما الأول فلا يجاب بل يزجر ويعزر كما عزر عمر بن الخطاب صبيغ بن عسل حين كان يتبع المتشابه: انتهى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في التفسير، ومسلم في القدر، وأخرجه أيضًا أحمد، والترمذي في التفسير، وأبو داود وابن ماجه في السنة. ١٥٢ - [١٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: هَجَّرْتُ إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَه يَوْمًّا قَالَ: فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فَي آيَةٍ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَه يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] الشّرْجُ ١٥٢ - قوله: (هَجَّرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَل﴾) بالتشديد، أي: أتيته في الهاجرة أي: الظهيرة. قال المظهر: التهجير: السير في الهاجرة، وهي شدة الحر، ولعل (١٥٢) مُسْلِم (٢ / ٢٦٦٦) فِي العِلْمِ، والنَّسَائِي في الكبرى (٨٠٩٥) عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو. ٥٣٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ * خروجه في هذا الوقت ليدركه ◌ّلو عند خروجه من الحجرة، فلا يفوته شيء من أقواله وأفعاله. (فَسَمِعَ) أي: النبيِ وَّر من حجرته. (اخْتَلَفَا) صفة ((رَجُلَيْنِ)) أي: تنازعا واختصما. (فِي آيَةٍ) أي: في معنى آية متشابه، ويحتمل أن يكون اختلافهما في لفظهما اختلاف قراءة. (يُعْرَفَ) على بناء المجهول. (فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ) الجملة حالية من فاعل (خَرَجَ))، وكان ◌ٍِّ لا يغضب لنفسه، وإنما كان يغضب للَّه، فغضب ها هنا زجرًا عن المراء في القرآن. (إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) من اليهود والنصارى. (بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ) أي: المنزل على نبيهم، وإنما كان الاختلاف سببًّا لِلْهلاك؛ لأنه من أمارات التردد في أمر المبعوث به، وإساءة الأدب بين يديه. قال النووي: المقصود من الحديث: التحذير عن اختلاف يؤدي إلى الكفر والبدعة كاختلاف اليهود والنصارى، وذلك مثل الاختلاف في نفس القرآن، أو في معنى منه لا يسوغ الاجتهاد فيه، أو فيما يوقع في شك وشبهة، أو فتنة وخصومة، أو شحناء، ونحو ذلك. وأما الاختلاف لإظهار الصواب، وإيضاح الخطأ، وإحقاق الحق، وإزهاق الباطل فليس منهيًّا عنه، بل هو مأمور به، وقد أجمع المسلمون عليه من عهد الصحابة إلى الآن. انتهى كلام النووى مختصرًا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في القدر، وأخرجه أيضًا النسائي، وأخرج البخاري عن ابن مسعود نحوه في أحاديث الأنبياء وفي أول الخصومات وآخر فضائل القرآن. ١٥٣ - [١٤] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُزْمًا، مَنَّ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] النَّاسِ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَتِهِ)). الشّرْخُ ١٥٣ - قوله: (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) بتشديد القاف، واسم أبي وقاص، مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة، يُكنى سعد أبا إسحاق الزهرى القرشي (١٥٣) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَّقْتَهُ: الْبُخَارِي (١٢٨٨) فِي الاعْتِصَامِ، وَمُسْلِم (٤١٢/ ١٣٣٧) فِي المَنَاقِبِ، والتِّرْمِذِي (٢٦٧٩). كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابِ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُّنَّةِ ٥٣٩ المدني، أسلم قديمًا وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان سابع سبعة في الإِسلام، وروي عنه أنه قال: كنت ثالث الإسلام. وأول من رمى بسهم في سبيل الله، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وهو أحد العشرة المبشرة وآخرهم موتًا، وأحد ستة الشورى، وفارس الإسلام، ومقدم جيوش الإسلام في فتح العراق، وجمع له النبي حَلّ أبويه، وحرس النبي ◌ّ، وكوف الكوفة وطرد الأعاجم، وافتتح مدائن فارس، وهاجر قبل النبي وَلَه، وكان مجاب الدعوة، مشهورًا بذلك، تخاف دعوته، وترجى لاشتهار إجابتها، له مائتا حديث وخمسة عشر حديثًا، اتفقا عليها، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثمانية عشر، روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين. مات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة. وحمل على رقاب الرجال إلى المدينة. ودفن بالبقيع سنة (٥٥) وقيل: (٥٦) وقيل: (٥٧) وله بضع وسبعون سنة . (فِي الْمُسْلِمِينَ) أي: في حقهم وجهتهم (جُرْمًا) تمييز، أي: ذنبًا وظلمًا، والمعنى: أن أعظم من أجرم من المسلمين جرمًا كائنا في حق المسلمين، فقوله : ((فِي الْمُسْلِمِينَ)) حال عن (جُرْمًا)) مقدمة عليه. (مَنْ سَأَلَ) أي: نبيه. (لَمْ يُحَرَّمْ) صفة لشيء. (عَلَى النَّاسِ) هذا لفظ مسلم في رواية، وفي رواية أخرى له: ((عَلَى الْمُسْلِمِينَ)). (فَحُرِّمَ) بصيغة المجهول من التحريم. (مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ) أي: لأجل سؤاله . قال الخطابي والتيمي: هذا الحديث في حقِّ من سأل تكلفًا وعبئًا، أو تعنتًّا في ما لا حاجة له به إليه، فأما من سأل لضرورة فيما يحتاج إليه من أمرٍ الدين، بأن وقعت له نازلة، فسأل عنها فلا إثم عليه ولا عتب، كسؤال عمر وغيره من الصحابة في أمر الخمر حتى حرمت بعد ما كانت حلالاً؛ لأن الحاجة دعت إليه، وسبب تخصيصه ثبوت الأمر بالسؤال مما يحتاج إليه لقوله: ﴿فَشْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكِرِ﴾ [الأنبياء: ٧]، فكل من الأمر بالسؤال والزجر عنه مخصوص بجهة غير الأخرى، وإنما كان هذا أعظم جرمًا؛ لأنَّ سراية هذا الضرر عمت المسلمين إلى انقراضٍ العالم، فالقتل وإن كان من أكبر الكبائر؛ فإنه يتعدَّى إلى القاتل أو إلى عاقلته، ولكن جرم من حرم ما سأل لأجل مسألته، فإنه تعدى إلى سائر المسلمين، فلا يمكن أن يوجد جرم ينتهى في