Indexed OCR Text
Pages 501-520
٥٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
وإن كان من جملة المشهود لهم بالجنة؛ لأنه لا يلزم من التبشير بالجنة عدم عذاب
القبر، بل ولا عدم عذاب النار مطلقًا مع احتمال أن يكون التبشير مقيدًا بقيد معلوم
أو مبهم، ويمكن أن ينسى البشارة حينئذٍ لشدة الفظاعة، ويمكن أن يكون خوفًا من
ضغطة القبر، كما يدل عليه حديث سعد الدال على أنه لم يخلص منه كل سعيد إلا
الأنبياء، ذكره القاري.
(إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ) أي: فهو أقرب شيء إلى الإنسان، وأيضًا شدته أمارة
للشدائد كلها. (مِنْ مَنَازِلِ الآخِرَةِ) ومنها: عرصة القيامة عند العرض، ومنها
الوقوف عند الميزان، ومنها المرور على الصراط، ومنها: الجنة أو النار. (فَإِنْ
نَجَا مِنْهُ) أي: من عذاب القبر. (فَمَا بَعْدَهُ) أي: من المنازل. (أَيْسَرُ مِنْهُ) أي: أسهل
وأهون؛ لأنه يفسح للناجي من عذاب القبر في قبره مد بصره، وينور له، ويفرش له
من بسط الجنة، ويلبس من حُلَلِهَا، ويفتح له باب إلى الجنة فيأتيه من روحها
وطيبها، وكل هذه الأمور مقدمة لتيسير بقية منازل الآخرة. (وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ) أي:
لم يخلص من عذاب القبر، ولم يكفر ذنوبه، وبقي عليه شيء مما يستحق العذاب
به. (فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّمِنْهُ)؛ لأن النار أشد العذاب، فما يحصل للميت في القبر عنوان
ما سيصير إليه. (قَالَ) أي: عثمان. (وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: مَا رَأَيْتُ) أي: في
الدنيا. (مَنْظَرًا) أي: موضعًا ينظر إليه. (إِلا وَالْقَبْرُ أَفْطَعُ مِنْهُ) من فظُع بالضمِّ
ككرم، أي: أشد وأشنع وأنكر من ذلك المنظر. قيل: المستثنى جملة حالية من
منظر، وهو موصوف حذفت صفته، أي: ما رأيت منظرًا فظيعًا على حالة من
أحوال الفظاعة قط إلا في حالة كون القبر أقبح منه، فالاستثناء مفرغ.
قال السندهي: وحيث خص بمنظر الدنيا اندفع ما يتوهم أن هذا ينافي قوله:
((فما بعده أشد منه)). على أنه يمكن الجواب إذا عمم بأنه أفظع من جهة الوحشة
والوحدة، وغيره أشد عذابًا منه، فلا إشكال.
(رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ) في أوائل الزهد. (وابْنُ مَاجَهْ) في الزهد. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ) هذا
حديث غريب وفي نسخ الترمذي الموجودة عندنا: ((حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ))، قال
المنذري في ((الترغيب)): زاد رزين: فيه مما لم أره شيء من نسخ الترمذي.
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ إِثْبَاتٍ عَذَابِ الْقَبْرِ
٥٠١
قال الهانئي - مولى عثمان راوي الحديث عنه: وسمعت عثمان ينشد على قبر:
فَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةِ وَإِلَّا فَإِنِّي لَا إِخَالُكَ نَاجِيًّا
والحديث أخرجه الحاكم أيضًا وقال: صحيح الإسناد.
١٣٣ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َلهَ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ
عَلَيْهِ فَقَالَ: ((اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، ثُمَّ سَلُوا لَهُ بِالتَّقْبِيتِ، فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ)).
[رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ] {صحيح}
الشّرْجُ
١٣٣- قوله: (وَقَفَ عَلَيْهِ) أي: وقف هو وأصحابه عند قبره. (اسْتَغْفِرُوا
لِأَخِيكُمْ) أي: في الإسلام. (ثُمَّ سَلُوا لَهُ بِالَّتْبِيتِ) أي: اطلبوا له منه أن يثبت لسانه
وجنانه لجواب الملكين، وَعُدِّي بالباء؛ لأنه ضمن السؤال معنى الدعاء، أي:
ادعوا له بدعاء التثبيت، يعني قولوا: ثبته اللَّه بالقول الثابت، أو اللَّهم ثبته بالقول
الثابت. وهو كلمة الشهادة عند منكر ونكير.
(فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ) أي: يسأله الملكان منكر ونكير، فهو أحوج إلى الدعاء. وفي
الحديث دليل على مشروعية الاستغفار للميت عند الفراغ من دفنه، وسؤال التثبيت
له، وأن دعاء الأحياء ينفع الأموات، وليس فيه دلالة على التلقين عند الدفن كما هو
المعتاد في الشافعية، وليس فيه حديث مرفوع صحيح، وأما ما روي في ذلك من
حديث أبي أمامة فهو ضعيف لا يقوم به حجة، عزاه الهيثمي للطبراني، وقال: فيه
جماعة لم أعرفهم. وأما قوله وَّهُ: (لَقُّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ))، فالمراد عند
الموت لا عند دفن الميت.
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الجنائز وسكت عليه هو والمنذري، وقال العزيزي: إسناده
حسن. وأخرجه أيضًا الحاكم، وقال: صحيح. وأقره الذهبي.
(١٣٣) أَبُو دَاوُد (٣٢٢١) فِي الجَنَائِزِ عَنْ عُثْمَانَ.
٥٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
eeee
١٣٤ - [١٠] وَعَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ:
(لَيُسَلَّطُ عَلَى الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِينًا، تَنْهَسُهُ وَتَلْدَغُهُ حَتَّى تَقُومَ
السَّاعَةُ، لَوْ أَنَّ تِنِِّنَا مِنْهَا نَفَخَ فِي الأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ خَضِرًا».
[رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ] {ضعيف}
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ، وقَالَ: (سَبْعُونَ)) بَدَلَ: ((تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ)).
الشَّرْجُ
١٣٤ - قوله: (تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ) الوقوف على فائدة تخصيص العدد إنما
يحصل بالوحي، ويتلقَّى من قبل الرسول وَله، ولا مجال فيه للعقل. (تِنِّينًا) بكسر
التاء والنون المشددة، وهي: حية عظيمة كثيرة السم، وهذا محمول على الحقيقة،
واستحالة ذلك بطريق العقول سبيل من لا خلاق له في الدين، عصمنا الله من عثرة
العقل، وفتنة الصدر. (تَنْهَسُهُ) بفتح الهاء. (وَتَلْدَغُهُ) بفتح الدال كلاهما من باب
فتحٍ. قيل: النهس واللدغ بمعنى واحد جمع بينهما تأكيدًا. (لَوْ أَنَّ تِنِّينًا مِنْهَا نَفَخَ فِي
الأَرْضٍ) أي: لو وصل ريح فمه وحرارته إلى الأرض. (مَا أَنْبَتَتْ) الأرض.
(خَضِرًا) بفتح الخاء وكسر الضاد، أي: نباتًا أخضر.
(رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ) أي: بهذا اللفظ في الرقاق من طريق دراج أبي السمح عن أبي
الهيثم عن أبي سعيد الخدري، وأخرجه أيضًا أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في
((الكبير))، وعبد بن حميد، وابن حبان في ((صحيحه))، وسعيد بن منصور في
((سننه)). (وَرَوَى التِّرْ مِذِيُّ نَحْوَهُ) أي: بالمعنى من حديث طويل في صفة القيامة من
أبواب الزهد، وقال: غريب. قَالَ المنذري: رواه الترمذي والبيهقي كلاهما من
طريق عبيد الله بن الوليد الوصافي وهو واهٍ. (وَقَالَ: سَبْعُونَ) تنينًا. (بَدَلَ) بالنصب
ظرف. (تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ) بالرفع على الحكاية.
قيل في وجهِ الجمع بين العددين: أن الأول للمتبوعين من الكفار، والثاني
(١٣٤) الدَّارِمِي (٢/ ٣٣١)، وَالتِّرْ مِذِي (٢٤٦٠) فِي الزُّهْدِ مُطَوَّلًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ .
كِتَابُ الْإِيمَانِ
EX
بَابُ إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ
٥٠٣
للتابعين، أو أن سبعين عند العرب للعدد الكثير جدًّا، أي: للمبالغة لا للتحديد
فحينئذٍ لا تنافي الأولى؛ لأنها مجملة وتلك مبينة لها. وقيل: يحتمل أن يكون
باختلاف أحوالهم.
قلتُ: رواية الترمذي ضعيفة جدًّا كما عرفت، فلا حاجة إلى تكلف الجمع.
٥٠٤
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
الفصل الثالث
١٣٥ - [١١] عَنْ جَابِرِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ نَ ◌ّهِ إِلَى سَعْدِ بْنِ
مُعَاذٍ حِينَ تُوُفِّيَ: فَلَمَّا صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَسُوِّيَ عَلَيْهِ،
سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ، فَسَبَّحْنَا طَوِيلًا، ثُمَّ كَبَّرَ فَكَبَّرْنَا، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ
سَبَّحْتَ، ثُمَّ كَبَّرْتَ؟ قَالَ: ((لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ حَتَّى
فَرَّجَهُ اللَّهُ عَنْهُ)).
[رَوَاهُ أَحْمَدُ] {ضعيف}
الشَّرْحُ
١٣٥ - قوله: (إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) أي: إلى جنازته، وهو سعد بن معاذ بن
النعمان الأنصاري الأشهلي، أبو عمرو، سيد الأوس، أسلم بالمدينة بين العقبة
الأولى والثانية، وأسلم بإسلامه بنو عبد الأشهل، ودارهم أول دار أسلمت من
الأنصار، وسماه رسول اللَّه وَ لسيد الأنصار، وكان مقدمًا مطاعًا شريفًا في قومه،
من أجلة الصحابة وأكابرهم، شهد بدرًا وأحدًا، وثبت مع النبي ◌ُّ يومئذٍ، ورُمِيَ
يومَ الخندق في أكحله فلم يرقأ الدم حتى مات بعد شهر، وذلك في ذى القعدة
سنة (٥) وهو ابن سبع وثلاثين سنة، ودفن في البقيع، له في البخاري حديثان،
روى عنه نفر من الصحابة.
(وَسُوِّيَ عَلَيْهِ) أي: التراب، والفعل مجهول. (سَبَّحَ رَسُولُ اللّهِ وَلَ) لعلَّ
التسبيح عند مشاهدة التضييق عليه كان للتعجب أو للتنزيه، لإرادة تنزيهه تعالى أن
يظلم أحدًا. (فَسَبَّحْنَا طَوِيلًا) قيّد للفعلين، أي: زمانًا طويلًا، أو تسبيحًا طويلًا،
أي: كثيرًا. (عَلَى هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِح) هذا إشارة إلى كمال تمييزه ورفع منزلتِهِ، ثم
وصفه بالعبد ونعته بالصلاح لمزيد التخويف، والحث على الالتجاء إلى اللَّه ◌َال
من هذا المنزل الفظيع، أي: إذا كان حال هذا العبد هذا فما بال غيره؟ (حَتَّى فَرَّجَهُ
اللَّهُ عَنْهُ) أي: كشفه وأزاله.
(١٣٥) أَحْمَد (٣/ ٣٦٠) عن جَابرٍ .
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ إِثْبَاتِ عَذَاب الْقَبْر
٥٠٥
قال الطيبي: و(حَتَّى)) متعلقة بمحذوف أي: مازلت أسبح وأكبر، وتسبحون
وتكبرون حتى فرجه الله عنه.
(رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٣: ص٢٧٧، ٣٦٠)، ذكر الهيثمي هذا الحديث في ((مجمع
الزوائد)) (ج٣: ص٤٦) وعزاه لأحمد. والطبراني في ((الكبير)) ثم قال: وفيه
محمود بن محمد بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح. قال الحسيني: فيه نظر .
قال الهيثمي: ولم أجد من ذكره غيره. وقال الألباني: سنده ضعيف؛ محمود بن
عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح ترجمه ابن حجر في ((التعجيل)) بما يتلخص منه
أنه لا يعرف.
١٣٦ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ: ((هَذَا الَّذِى
تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًّا مِنَ
[رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] {صحيح}
الْمَلَائِكَةِ، لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً، ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ))
الشَّرْحُ
١٣٦ - قوله: (هَذَا الَّذِي) إشارة إلى سعد المذكور، وهو للتعظيم كما في
الحديث الأول. (تَحَرََّكَ لَهُ الْعَرْشُ). وفي رواية: ((اهْتَّ)) أي: ارتاح بصعوده،
واستبشر لكرامته على ربِّه؛ لأن العرش وإن كان جمادًا فغير بعيد أن يجعل اللَّه فيه
إدراكًا يميز به بين الأرواح وكمالاتها، وهذا أمر ممكن، ذكره الشارع بيانًا لمزيد
فضل سعد، وترهيبًا للناس من ضغطة القبر، فتعين الحمل على ظاهره حتى يرد ما
يصرفه عنه. والمراد عرش الرحمن، لا السرير الذي حمل عليه، لحديث جابر عند
البخاري في المناقب مرفوعًا: ((اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ)).
(وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ)؛ لإنزال الرحمة، ونزول الملائكة، أو عرضًا
للأبواب بأن يدخل من أي باب شاء، لعظم كماله كفتح أبواب الجنة الثمانية لبعض
المؤمنين. (وَشَهِدَهُ) أي: حضر جنازته. (لَقَدْ ضُمَّ) بالضم، أي: عُصِرَ سعد في
(١٣٦) النَّسَائِى (٤/ ١٠٠) عن ابن عمر.
٥٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قبره. (ضَمَّةً) أي: واحدة. (ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ) زاد البيهقي في كتاب ((عذاب القبر)):
يعني: سعد بن معاذ، وزاد في ((دلائل النبوة)): قال الحسن: تحرك له العرش فرحًا
بروحه. قال أبو القاسم السعدي في كتاب ((الروح)) له: لا ينجو من ضغطة القبر لا
صالح ولا طالح، غير أن الفرق بين المسلم والكافر فيها دوام الضغط للكافر،
وحصول هذه الحالة للمؤمن في أول نزوله إلى قبره، ثم يعود إلى الانفساح له.
قال: والمراد بضغط القبر التقاء جانبيه على جسد الميت. وقال الحكيم الترمذي:
سبب هذا الضغط أنه ما من أحدٍ إلا وقد أَلَمَّ بذنب ما فتدركه هذه الضغطة جزاءً
لها، ثم تدركه الرحمة، وكذلك ضغطة سعد بن معاذ في التقصير من البول.
قلتُ: يشير إلى ما أخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق: حدثني أمية بن عبد
الله أنه سأل بعض أهل سعدٍ ما بلغكم من قول رسول اللّه وَ لَه في هذا؟ فقالوا: ذكر
لنا أن رسول اللّه وَ له سُئل عن ذلك، فقال: كان يقصر في بعض الطهور من البول.
وقال ابن سعد في ((طبقاته)): أخبر شبابة بن سوار، أخبرني أبو معشر عن سعيد
المقبري، قال: لما دَفَنَ رسولُ اللَّه ◌َله سعدًا قال: ((لَوْ نَجَا أَحَدٌ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ
لَنَجَا سَعْدٌ، وَلَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً اخْتَلَفَتْ مِنْهَا أَضْلَاعُهُ مِنْ أَثَرِ الْبَوْلِ)). وأخرج البيهقي عن
الحسن، أن النبي ◌َّ قال حين دفن سعد بن معاذ: ((إِنَّه ضُمَّ فِي الْقَبْرِ ضَمَّةً حَتَّى
صَارَ مِثْلَ الشَّعَرَةِ، فَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَرْفَعَهُ عَنْهُ، وَذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ مِنَ الْبَوْلِ)).
ثم قال الحكيم: وأما الأنبياء فلا يعلم أن لهم في القبور ضمة ولا سؤالًا
لعصمتهم. وقال النسفي في ((بحر الكلام)): المؤمن المطيع لا يكون له عذاب
القبر، ويكون له ضغطة القبر، فيجد هول ذلك وخوفه، لما أنه تنعم بنعمة الله ولم
يشكر النعمة. وروى ابن أبي الدنيا عن محمد التيمي قال: كان يقالُ: إن ضمة
القبر إنما أصلها أنها أمهم، ومنها خلقوا فغابوا عنها الغيبة الطويلة، فلما ردَّ إليها
أولادها ضمتهم ضمة الوالدة غاب عنها ولدها ثم قَدِم عليها، فمن كان للَّه مطيعًا
ضمته برأفةٍ ورفق، ومن كان عاصيًا ضمته بعنف سخطًا منها عليه لعصيانه ربها.
ذكره السيوطي في ((زهر الربى)).
(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) في الجنائز، وأخرجه أيضًا البيهقي، والحاكم، وفي ضغطة القبر
أحاديث عن جماعة من الصحابة. منها: حديث ابن عباس، أخرجه الطبراني في
((الكبير)) وغيره. ومنها: حديث جابر، أخرجه ابن سعد، والحكيم الترمذي.
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ
٥٠٧
ومنها: حديث عائشة، أخرجه أحمد. ومنها: حديث أنس أخرجه أبو يعلى
والضياء. ومنها: حديث حذيفة أخرجه أحمد، والحكيم الترمذي.
١٣٧ - [١٣] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَله
خَطِيبًا، فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ الَّتِي يُفْتَنُ فِيهَا الْمَرْءُ، فَلَّمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ
ضَجَّةً.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ هَكَذَا] {صحيح}
وَزَادَ النَّسَائِيُّ: حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَفْهَمَ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ وَ، فَلَمَّا
سَكَنَتْ ضَجَّتُهُمْ قُلْتُ لِرَجُلِ قَرِيبٍ مِنِّي: أَيْ بَارََكَ اللَّهُ فِيَكَ، مَاذَا قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَّهِ فِي آخِرٍ قَوْلِهِ؟ قَالَّ: قَالَّ: (قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ،
قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ)).
الشّرْحُ
١٣٧ - قوله: (وَعَنْ أَسْمَاءَ) غير منصرف بالعلمية والتأنيث المعنوي. (بِنْتِ
أَبِي بَكْرٍ) الصديق زوج الزبير بن العوام، وأم عبد الله بن الزبير، تسمى ذات
النطاقتين؛ لأنها شقت نطاقها ليلة خرج النبي ◌َّ مهاجرًا، فجعلت واحدة شدادًا
السفرته والآخر عصاما لقربته، وقيل: جعلت النصف الثاني نطاقًا لها، أسلمت
بمكة بعد إسلام سبعة عشر إنسانًا، وهاجرت إلى المدينة وهي حامل بابنها عبد
اللَّه، وماتت بعد قتل ابنها عبد الله بعشرة أيام، وقيل: بعشرين يومًا بعد ما أنزل
ابنها من الخشبة، ولها مائة سنة، ولم يقع لها سن، ولم ينكر من عقلها شيء،
وذلك في جمادى الأولى سنة (٧٣) بمكة، لها ستة وخمسون حديثًا، اتفقا على
أربعة عشر، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بمثلها، روى عنها خلق كثير.
(فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ) أي: وعذابه، أو ابتلاءه والامتحان فيه. (الَّتِي يُفْتَنُ فِيهَا الْمَرْءُ)
صفة لـ ((فتنته))، يعني: ذكر الفتنة بتفاصيلها كما يجري على المرء في قبره. (فَلَمَّا
(١٣٧) البُخَارِي (١٣٧٣) في صلاةِ الكُسُوفِ، والنَّسَائِي (٤/ ١٠٣) عن أسماء بنتِ أبي بكرٍ رَْثَُّهُ، وفيهِ
روايتها عن رجلٍ من الصَّحَابةِ.
٥٠٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ذَكَرَ ذَلِكَ) أي: ما ذكر، أو الفتنة بمعنى الافتتان. (ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ) أي: صاحوا
وجزعوا. (ضَجَّةً) التنوين للتعظيم. (رَوَاهُ البُخَارِي هكذا) أي: مختصرًا من طريق
عروة عن أسماء في باب عذاب القبر من الجنائر، وأخرجه في العلم، والكسوف،
والجمعة من طريق فاطمة بنت المنذر عن أسماء مطولًا .
(وَزَادَ النَّسَائِيُّ) أي: بعد ((ضَجَّةً)). (حَالَتْ) صفة ضجة. (بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَفْهَمَ
كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ﴾ أي: بعد هذا. (قُلْتُ لِرَجُل) قال الحافظ في ((الفتح)): لم أقف
على اسم الرجل الذي استفهمت منه عن ذلك إلى الآن. (قَرِيبٍ مِنِّي) أي: مكانًا.
(أَيْ) المنادى محذوف، أي: فلان. (فِي آخِرِ قَوْلِهِ) أي: بعد الصياح. (قَرِيبًا) صفة
مصدر محذوف، أي: افتتانًا قريبًا (مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ) وقال الطيبي: أي: فتنة قريبة،
وذكر كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] أي :
فتنة عظيمة، إذ ليس في الفتن أعظم من فتنة الدجال. وقد روى أحمد عن عائشة
مرفوعًا: ((أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ كَفِتْنَةِ الدَّجَّالِ)). قال الكرماني: وجه الشبه بين
الفتنتين الشدة، والهول، والعموم.
١٣٨ - [١٤] وَعَنْ جَابِرِ رَوْنَهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((إِذَا أُدْخِلَ الْمَيِّثُ
الْقَبْرَ مُثِّلَت لَهُ الشَّمْسُ عِنْدَ غُرُوبِهَا، فَيَجْلِسُ يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ، وَيَقُولُ: دَعُونِي
◌ُصَلِّي)).
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ]
الشّرْحُ
١٣٨ - قوله: (مُثّلَتْ) أي: صورت. (عِنْدَ غُرُوبِهَا) حال من الشمس، أي:
حال كونها قريبة الغروب. وقال ابن حجر: أي: حال كونها غاربة، لا ظرف
لمثلت لاقتضائه أن التمثیل لا یکون إلا ذلك الوقت، وليس كذلك، فإنه یکون عند
نزول الملكين، وهذا لا يقيد بذلك الوقت، بل هو عام في سائر أجزاء الليل
والنهار، فتعيَّن أن التمثيل بها حالة كونها غاربة عام في سائر الأزمنة أيضًا، وذلك
لا يكون إلا في حقِّ المؤمن. (فَيَجْلِسُ) معروف، وقيل: مجهول. (يَمْسَحُ) حال
(١٣٨) ابن مَاجَهْ (٤٢٧٢) في الجنائزِ عن جابرٍ.
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ
٥٠٩
من ضمير يجلس. (عَيْنَيْهِ) على هيئةِ المستيقظ؛ لأن النومَ أخو الموت. (دَعُونِي)
أي: اتركوا كلامي والسؤال مني. (أَصَلَّي) جواب للأمر، والياء للإشباع، أو
أعطي المعتل حكم الصحيح. وقيل: استئناف، أي: أنا أريد أن أصلي، والمعنى:
أن من كان راسخًا في أداء الصلاة، مواظبًا عليها في الدنيا، يظن أنه بعد في الدنيا،
ويؤدي ما عليه من الفرائض، ويشغله من قيامه بعض أصحابه، فيقول: دعوني أنا
أريد الصلاة، ولضيق الوقت يفزع، ويخاف فوت الوقت، ويستعجل بالصلاة،
وذكر الغروب يناسب الغريب فإنه أول منزل ينزله عند الغروب.
(رواه ابْنُ مَاجَهْ) في الزهد، قال في ((الزوائد)): إسناده حسن إن كان أبو سفيان
واسمه طلحة بن نافع، سمع من جابر بن عبد الله، وإسماعيل بن حفص مختلف
فيه، انتهى. هذا، وقد ورد ذكر تمثيل الشمس للميت حال كونها قريبة الغروب في
حديث أبي هريرة الطويل عند ابن حبان في ((صحيحه))، والطبراني في ((الأوسط)).
٥١٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ixE
١٣٩ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ لَ قَالَ: ((إِنَّ الْمَيِّتَ يَصِيرُ إِلَى
الْقَبْرِ، فَيُجْلَسُ الرَّجُلُ فِي قَبْرِهٍ غَيْرَ فَزِعٍ وَلَّا مَشْغُوبٍ، ثُمَّ يُقَالُ: فِيمَ كُنْتَ؟
فَيَقُولُ: كُنْتُ فِي الْإِسْلَامِ. فَيُقَالُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَّقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ
جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَصَدَّقْنَاهُ. فَيُقَالُ: هَلْ رَأَيْتَ اللَّهَ؟ فَيَقُولُ: مَا
يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَرَى اللَّهَ. فَيُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهِ يَحْطِمُ بَعْضُهَا
بَعْضًا، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا وَقَالَ اللَّهُ ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ قِبَلَ الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ
إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ، عَلَى الْيَقِينِ كُنْتَ، وَعَلَيْهِ مُتَّ،
وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيُجْلَسُ الرَّجُلُ السُّوءُ فِي قَبْرِهِ فَزِعًا مَشْغُوبًا
فَيُقَالُ لَهُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي. فَيُقَالُ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُ:
سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلًا فَقُلْتُهُ. فَيُفْرَجُ لَهُ قِبَلَ الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا
فِيهَا، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا صَرَفَ اللَّهُ عَنْكَ، ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ إِلَى النَّارِ،
فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَفْعَدُكَ، عَلَى الشَّلِك كُنْتَ،
وَعَلَيْهِ مُتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ] {صحيحٍ}
الشَّرْخُ
١٣٩ - قوله: (إِنَّ الْمَيِّتَ) اللام للجنس. (فَيُجْلَسُ) على بناء المفعول من
أجلس، أو على بناء الفاعل من جلس. (الرَّجُلُ) أي: الصالح، كما في بعض
النسخ، وكذا وقع في ابن ماجه. (غَيْرَ فَزِع) بكسر الزاى ونصب ((غَيْرَ)) على
الحالية، وقوله: (وَلَا مَشْغُوبٍ) تأكيد من الشَّغْب، وهو تهييج الشر والفتنة، كذا
وقع في جميع النسخ ((مَشْغُوب)) بالغين المعجمة والباء، والظاهر أنه خطأ من
النساخ، والصواب ((مَشْعُوف) أي: بالعين المهملة والفاء، من الشعف، وكذا وقع
في ابن ماجه. قال المنذري: الشعف، بشين معجمة وعين مهملة، شدة الفزع
حتى يذهب بالقلب.
(ثُمَّ يُقَالُ) أي: له كما في بعض النسخ موافقًا لما في ابن ماجه. (فِيمَ كُنْتَ؟)
(١٣٩) ابن مَاجَهْ (٤٢٦٨) عن أبي هُرَيْرَة رَْتَهُ، في الجَنَائِزْ.
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ إِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ
٥١١
أي: في أي دين عشت؟ (مَا هَذَا الرَّجُلُ) أي: الرجل المشهور بين أظهركم، ولا
يلزم منه الحضور. وترك ما يشعر بالتعظيم لئلا يصير تلقينًا، وهو لا يناسب موضع
الاختبار. و((مَا)) استفهام مبتدأ و((هَذَا الرَّجُلُ)) خبره، أي: ما وصفه ونعته؟ أو ما
اعتقادك فيه؟ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَةَ) قوله: ((رَسُولُ اللَّهِ)) يحتمل أن يكون خبرًا
لمبتدأ محذوف، أو خبرًا بعد خبر، والأظهر أنه خبر لمحمد، والجملة مقول،
وهو متضمن للجواب عن وصفه، وقوله: (جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) جملة استئنافية مبينة
للجملة الأولى.
(فَصَدَّقْنَاهُ) أي: بجميع ما جاء من عند الله. (مَا يَنْبَغِي) أي: لا يصح. (أَنْ يَرَى
اللَّهَ) أي: يبصره ببصره في الدنيا، أو يحيط بكنهه مطلقًا .
(فَيُفْرَجُ لَهُ) بالتشديد، وقيل: بالتخفيف، وكلاهما على بناء المفعول، أي:
يكشف ويفتح له. (فُرْجَةٌ) بضم الفاء، وقيل بفتحها وهو مرفوع على نيابة الفاعل.
(قِبَلَ النَّارِ) بكسر القاف، أي: جهتها، منصوب على الظرف. (يَنْظُرَ إِلَيْهِ) ذكر
ضمير النار بتأويل العذاب، وأنث في قوله: (يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا) نظرًا إلى اللفظ.
والحطم: الكسر، أي: يكسر ويغلب ويأكل بعضها بعضًا لشدة تلهبها وكثرة
وقودها .
(انْظُرْ إِلَى مَا وَقَالَ اللَّهُ) أي: انظر إلى هذا العذاب الذي حفظك الله بحفظه إياك
من الكفر والمعاصي التي تجره إليه. (إِلَى زَهْرَتِهَا) بفتح الزاي، أي: حسنها
وبهجتها. (وَمَا فِيهَا) من الحور، والقصور، وغيرها من الخير الكثير. (هَذَا
مَفْعَدُلَكَ) أي: في العقبى. (عَلَى الْيَقِينِ كُنْتَ) جملة مستأنفة متضمنة للتعليل، أي:
هذا مقعدك؛ لأنك كنت في الدنيا على اليقين في أمر الدين. وتقديم الخبر
للاهتمام والاختصاص التام. (وَعَلَيْهِ مُتَّ) بضم الميم وكسرها، وهذا يدل على أن
من كان على اليقين في الدنيا يموت عليه عادة، وكذا في جانب الشك، قاله
السِندهي. (وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ) يعني: كما تعيش تموت، وكما تموت تحشر. (إِنْ شَاءَ
اللَّهُ تَعَالَى) للتبرك، أو للتحقيق لا للشك.
(الرَّجُلُ السُّوءُ) بفتح السين وتضم، ضد الصالح. (مَشْغُوبًا) وفي ابن ماجه
((مَشْعُوفًا)) أي: مرعوبًا. (لَا أَدْرِي) ما الدين؟ أو لِلْهَيْبَةِ نسي دينه. (سَمِعْتُ
٥١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
النَّاسَ ... ) إلخ يريد أنه كان مقلدًا في دينه للناس، ولم يكن منفردًا عنهم بمذهب،
فلا اعتراض عليه، حقًّا كان ما عليه أو باطلًا.
(رواه ابْنُ مَاجَهْ) في الزهد. قال في ((الزوائد)): إسناده صحيح، وأخرج أحمد
نحوه مطولًا عن عائشة بإسناد صحيح، ذكره المنذري في ((ترغيبه)).
كِتَابَ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشئَّةِ
٥١٣
٥ - بَابُ الْاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
(بَابُ الاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) الاعتصام: افتعال من العصمة وهي المنع،
والعاصم: المانع الحامي، والاعتصام: الاستمساك بالشيء، والمراد بالكتاب:
القرآن المتعبد بتلاوته، وبالسنة: ما جاء عن النبي وَل من أقواله وأفعاله وأحواله
وتقريره، وما همَّ بفعله، والسنة في أصل اللغة: الطريقة.
قيل: هذه الترجمة منتزعة من قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل
عمران: ١٠٣]؛ لأن المراد بحبل الله الكتاب والسنة على سبيل الاستعارة.
الفصل الأول
١٤٠ - [١] عَنْ عَائِشَةَ رِ﴿َّا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((مَنْ أَحْدَثَ
فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ؛ فَهُوَ رَدِّ).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْحُ
١٤٠ - قوله: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا) أي: في شأننا وطريقنا، فالأمر واحد
الأمور، أطلق على الدين من حيث إنه طريقه وشأنه الذي يتعلق به، أو في ما أمرنا
به بالوحي المتعبد بتلاوته، أو بالوحي الذي ليس بقرآن، فالأمر واحد الأوامر،
أطلق على المأمور به، والمراد الشرع والدين كما وقع في بعض الروايات: ((من
أحدث في ديننا)).
قيل: عبر عن الدين بالأمر؛ تنبيهًا على أن هذا الدين هو أمرنا الذي نهتم له
(١٤٠) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ عَائِشَةَ عَا: البُخَارِي (٤٦٩٧) فِي الصُّلْحِ، وَمُسْلِم (١٧ / ١٧١٨) فِي
الأَقْضِيَةِ.
٥١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ونشتغل به، بحيث لا يخلو عنه شيء من أقوالنا وأفعالنا وأحوالنا. (فَهُوَ رَةٌ) أي:
مردود من إطلاق المصدر على اسم المفعول، مثل خلق ومخلوق، ونسخ
ومنسوخ. وكأنه قال: فهو باطل غير معتد به. ومعنى الحديث: أن من أحدث في
الإسلام رأيًا لم يكن له من الكتاب والسنة سند ظاهر أو خفي، ملفوظ أو مستنبط،
فهو مردود عليه، والمراد أن ذلك الأمر واجب الرد، يجب على الناس رده، ولا
يجوز لأحد اتباعه والتقليد فيه. وقيل: يحتمل أن ضمير ((فَهُوَ)) لـ ((من))، أي: فذلك
الشخص مردود مطرود. والحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، وقاعدة مهمة
من قواعده، وهو من جوامع كلمه وَّ، فإنه صريح في رد كل البدع
والمخترعات.
قال النووي: هذا الحديث مما ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال
المنكرات وإشاعة الاستدلال به. وفي رواية لمسلم: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ
أَمْرُنَا فَهُوَ رَةٌ)). أي: ليس هو في ديننا وشرعنا، ولم يأذن به الله ورسوله، يعني: من
عمل عملًا خارجًا عن الشرع ليس متقيدًا بالشرع، فهو مردود. قال الحافظُ: قوله:
(مَنْ عَمِلَ)) أعم من قوله: ((مَنْ أَحْدَثَ)) فيحتج به في إبطال جميع العقود المنهية،
وعدم وجود ثمراتها المرتبة عليها، وفي أن النهي يقتضي الفساد؛ لأن المنهيات
كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها. وارجع للتفصيل إلى ((شرح الأربعين
النووية)) لابن رجب.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الصلح، ومسلم في الأقضية، وأخرجه أيضًا
أبو داود وابن ماجه في السنة.
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
٥١٥
١٤١ - [٢] وَعَنْ جَابِرِ رَو ◌َشْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ
خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْي مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا،
وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشّرْحُ
١٤١ - قوله: (أَمَّا بَعْدُ) هاتان الكلمتان يقال لهما: فصل الخطاب، وأكثر
استعمالهما بعد تقدم قصة، أو حمد للَّه وصلاة على النبي وَ لَه، فقوله: ((بَعْدَ)) مبني
على الضمِّ بحذف المضاف إليه، أي: بعد ما تقدم من الحمد والصلاة، والمفهوم
منهما أنه وَلير قال ذلك في أثناء خطبته أو موعظته.
(فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ) الفاء لما في ((أَمَّا)) من معنى الشرط، أي: مهما يكن من
شيء بعدما ذكر؛ فإن خير الحديث أي: الكلام.
(وَخَيْرَ الْهَدْي) بالنصب، عطفًا على اسم إن، وروي بالرفع عطفًا على محل
((إِنَّ)) واسمه. و((الْهَدْي)) بفتح الهاء وسكون الدال: السيرة، ولا يكاد يطلق إلا على
طريقة حسنة؛ ولذلك حسن إضافة الخير إليه، والشر إلى الأمور، واللام في
((الْهَدْي)) للاستغراق؛ لأن أفعل التفضيل لا يضاف إلا إلى متعدد، ولأنه لو لم يكن
للاستغراق لم يفد المعنى المقصود، وهو تفضيل دينه وسنته على سائر الأديان
والسنن. وروي ((الْهُدَى)) بضمِّ الهاء وفتح الدال، ومعناه: الدلالة والإرشاد، أي:
أحسن الدلالة دلالة محمد له وإرشاده.
(وَشَرَّ الْأُمُورِ) بالنصب، وقيل: بالرفع. (مُحْدَثَاتُهَا) بفتح الدال، جمع محدثة،
والمراد بها: ما أحدث من الاعتقاد والقول والفعل، وليس له أصل في الشرع،
ويسمى في عرف الشرع بدعة. وما كان له أصل في الشرع، فليس ببدعة شرعًا
كتفسير القرآن وكتابة الحديث، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة،
فإن كل شيء أحدث على غير مثال سبق يسمى بدعة لغة، سواء كان محمودًا أو
(١٤١) مُسْلِم (٤٣/ ٨٦٧) عَنْ جَابِرِ فِي الصَّلَاةِ.
٥١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
#E
BE
مذمومًا، وكذا القول في المحدثة؛ ولذا قال: (وَكُلَّ بِدْعَةٍ) بالرفع، وقيل:
بالنصب. (ضَلَالَةٌ) أي: كل بدعة شرعية ضلالة، أي: توصف بذلك لإضلالها.
وعند النسائي من حديث جابر: ((إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْي
هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَلِّ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٍ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ
ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ)). ويأتي مزيد الكلام في شرح حديث العرباض بن سارية في
الفصل الثاني. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في حديث طويل في خطبة الجمعة، وأخرجه أيضًا
أحمد، وابن ماجه في السنة.
١٤٢ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَبْغَضُ النَّاس
إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةُ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغْ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبَ
دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهَرِيقَ دَمَهُ)) .
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
الشَّرْجُ
١٤٢ - قوله: (أَبْغَضُ النَّاسِ) هو أفعل التفضيل من المفعول على الشذوذ،
واللام في ((النَّاسِ)) للعهد، والمراد منه عصاة المسلمين. (ثَلَاثَةٌ) أي: أشخاص،
أحدهم أو منهم. (مُلْحِدٌ فِي الْحَرَم) أي: ظالم أو عاص فيه، والإلحاد: الميل عن
الصواب، والعدول عن القصد. قال الحافظُ: وظاهر سياق الحديث أن فعل
الصغيرة في الحرم أشد من فعل الكبيرة في غيره، فإن مرتكب الصغيرة مائل عن
الحق والقصد، وهو مشكل، فتعين أن المراد بالإلحاد فعل الكبيرة. وقال
القسطلاني: أجيب بأن الإلحاد في العرف مستعمل في الخارج عن الدين، فإذا
وصف به من ارتكب معصية كان في ذلك إشارة إلى عظمها .
(وَمُبْتَغ) أي: طالب. (فِي الْإِسْلَام) يعني: أن ما محاه الإسلام وأمر بتركه من
أمور الجاهلية يريد هو إحداثه وإشاعته، فيدخل فيه إحداث البدعة، وبهذا المعنى
أورده البغوى في الاعتصام بالكتاب والسنة. (سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) اسم جنس یعم جميع
ما كان عليه أهل الجاهلية من النياحة، والميسر، والطيرة، والكهانة، وقتل
(١٤٢) البُخَارِي (٦٨٨٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَْتَهُ، فِي الدِّيَاتِ.
كِتَابُ الْإِيمَانِ
بَابُ الْأَعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالشُّنَّةِ
٥١٧
ـرد
الأولاد، وجزاء شخص بجناية من هو من قبيلته، وإطلاق السنة على فعل الجاهلية
على أصل اللغة. (مُطَّلِبٌ) بالتنوين. (دَمَ امْرِيءٍ) بالنصب، وقيل: بإضافة ((مُطَّلِبُ))
إلى ((دَم)) وهو بتشديد الطاء من الاطلاب أصله مطلب على مفتعل، فأبدلت التاء
طاء وأدَّغمت، أي: متكلف في الطلب، مبالغ ومجتهد فيه. (لِيُهَرِيقَ دَمَهُ) بضم
الياء وفتح الهاء ويجوز إسكانها من هراق الماء إذا صبه، والأصل أراق، قلبت
الهمزة هاء وفيه لغة أخرى، وهى أهراق، بفتح الهمزة وسكون الهاء، وخص
الإهراق أي: الصب؛ لأنه الغالب في القتل، وإلا فالمدار على إزهاق الروح ولو
بخنق ونحوه، وخص هؤلاء الثلاثة؛ لأنهم جمعوا بين الذنب وما يزيد به قبحًا من
الإلحاد، وكونه في الحرم، وإحداث البدعة في الإسلام، وكونها من أمر
الجاهلية، وقتل النفس لا لغرض من الأغراض، بل لمطلق كونه قتلًا، وإليه
الإشارة بقوله: ((لِيُهَرِيقَ دَمَهُ)) ويزيد القبح في الأول باعتبار المحل، وفيه الثاني
باعتبار الفاعل، وفي الثالث باعتبار الفعل، وفي كل من لفظي ((المطلب والمبتغي))
مبالغة، وذلك أن هذا الوعيد إذا ترتب على الطالب والمتمني فكيف للمباشر.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في الديات، والحديث من إفراده.
١٤٣ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِّهِ: ((كُلُّ أُمَّتِي
يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّ مَنْ أَبَى)) قِيلَ: وَمَنْ أَبَى؟ قَالَ: ((مَنْ أَطَاعَنِي؛ دَخَلَ
الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي؛ فَقَدْ أَبَى)).
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
الشَّرْجُ
١٤٣ - قوله: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) يحتمل أن يراد بالأمة أمة الدعوة،
أي: كلهم يدخلون الجنة على التفصيل السابق في باب الإيمان، فالآبى هو
الكافر، ويحتمل أن يراد بها أمة الإجابة، فالآبى هو العاصي، استثناه؛ تغليظًا
وزجرًا عن المعاصي. (إِلَّا مَنْ أَبَى) أي: امتنع عن قبول ما جئت به. (قِيلَ: وَمَنْ
أَبَى؟) وفي البخاري: ((قَالُوا: وَمَنْ يَأْبَى؟)) أي: بلفظ المضارع، وهذه عطف على
(١٤٣) البُخَارِي (٧٢٨٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الاعْتِصَامِ.
٥١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
محذوف، عطف جملة على جملة، أي: عرفنا الذين يدخلون الجنة، ومن الذى
يأبى؟ أي: والذى أبى لا نعرفه، وحق الجواب اختصارًا أن يقول: ((مَنْ عَصَانِي))
فقط، فعدل إلى ما ذكره؛ تنبيهًا به على أنهم ما عرفوا ذاك ولا هذا، أو التقدير: من
أطاعنى، وتمسك بالكتاب والسنة؛ دخل الجنة، ومن اتبع هواه، وضل عن الطريق
المستقيم، وزلَّ عن الصواب؛ فقد دخل النار. فوضع ((أَبَى)) موضعه؛ وضعا
للسبب موضع المسبب، ويعضد هذا التاويل إيراد البغوي هذا الحديث في
الاعتصام بالكتاب والسنة، والتصريح بذكر الطاعة، فإن المطيع هو الذى يعتصم
بالكتاب والسنة، ويجتنب عن الأهواء والبدع.
(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في الاعتصام، وأخرجه أيضًا الحاكم، وقال: هذا حديث
صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهذا وهم منه؛ لأنه أخرجه البخاري في
صحيحه، وهو من أفراده، وروى أحمد والحاكم عن أبي هريرة رفعه: ((لتدخلن
الجنة إلا من أبى، وشرد على اللَّه شراد البعير)). وسنده على شرط الشيخين، وله
شاهد عن أبي أمامة عند الحاكم والطبراني، وسنده جيد.
كِتَابُ الإيمَان
بَابُ الاعْتِصَامِ بالْكِتّاب وَالشُّنّةِ
٥١٩
١٤٤ - [٥] وَعَنْ جَابَرِ قَالَ: جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ نَّ وَهُوَ نَائِمٌ،
فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ. وَقَالَ
بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْطَانُ. فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلِ بَنَى دَارًا،
وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَّةً، وَبَعَثَ دَاعِيًّا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ، دَخَلَ الدَّارِّ وَأَكَلَ مِنَ
الْمَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ، لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ.
فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهْهَا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ
نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ. فَقَالُوا: الدَّارُ الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ، فَمَنْ أَطَاعَ
مُحَمَّدًا؛ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا؛ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمُحَمَّدٌ فَرْقٌ
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
بَيْنَ النَّاسِ.
الشّرْجُ
١٤٤ - قوله: (وَعَنْ جَابَرِ قَالَ: جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ) أي: جماعة منهم، وهذه
حكاية سمعها جابر عن النبي وَلّ فحكاها، فحديث جابر هذا مرفوع لما في رواية
الترمذي عن جابرٍ قال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ يَوْمًا فَقَالَ: ((إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَام
كَأَنَّ جِبْرِیلَ عِنْدَ رَأْسِي، وَمِيَكَائِيلَ عِنْدَ رِجْلي ... )» إلخ. لا یستشكل اقتصاره على ذكر
اثنين من الملائكة جبريل وميكائيل في رواية الترمذي هذه؛ لأنه يحتمل أنه كان مع
كل منهما غيره، واقتصر في رواية الترمذي على من باشر الكلام منهم ابتداءً
وجوابًا .
(إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا) أي: لمحمد، والمخاطب بعض الملائكة. (مِثْلًا) أي:
صفة عجيبة الشأن. (فَاضْرِبُوا لَهُ) أي: بينوا له. (إِنَّهُ نَائِمٌ) أي: فلا يسمع، فلا يفيد
ضرب المثل شيئًا. (إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ) غير منصرف، وقيل: منصرف
لمجيء فعلانة. أي: فلا يفوته شيء مما تقولون، فإن المدار على المدارك الباطنية
دون الحواس الظاهرية. وقيل: هذا تمثيل يراد به حياة القلب وصحة خواطره،
يقال: رجل يقظ، إذا كان ذكي القلب. قال البيضاوي: هذه مناظرة جرت بينهم؛
(١٤٤) البُخَارِي (٧٢٨١) عَنْ جَابِرٍ فِيهِ .