Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ باقيًا، أما على يأجوج ومأجوج فلعدم القدرة عليهم. وعند ذلك لا وجوب عليهم بنص آية الأنفال، وأما بعد إهلاك اللَّه إياهم لا يبقى على وجه الأرض كافر ما دام عيسى عليه الصلاة والسلام حيًّا في الأرض، وأما على مَن كفر من المسلمين بعد عيسى عليه الصلاة والسلام فلموت المسلمين كلهم عن قريب بريح طيبة، وبقاء الكفار إلى قيام الساعة، وتجيء هذه الحكاية في ذكر الدجال. (لَا يُبْطِلُهُ) بضمِّ أوله (جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ) أي: لا يسقط الجهاد كون الإمام ظالمًا أو عادلًا. وفيه: رد على المنافقين وبعض الكفرة، فإنهم زعموا أن دولة الإسلام تنقرض بعد أيام قلائل، كأنه قيل: الجهاد ماضٍ، أي: أعلام دولته منشورة، وأولياء أمته منصورة، وأعداء ملته مقهورة إلى يوم الدين. وقال المظهر: يعني: لا يجوز ترك الجهاد بأن يكون الإمام ظالمًا بل يجب عليهم موافقته، ولا بأن يكون الإمام عادلًا بحيث يحصل سكون المسلمين وتقويتهم، فلا يخافون من الكفار ولا يحتاجون إلى الغنائم؛ لأن القصد من الجهاد هو إعلاء كلمة الله، فاحتيج لهذا نفيًا إلى هذا التوهم، وإن كان من شأن عدل العادل أنه لا يتوهم فيه إبطال الجهاد بل تقويته. فعلى هذا يكون النفي بمعنى النهى. قال الطيبي: ويمكن أن يجرى على ظاهر الإخبار كما هو عليه، ويكون تأكيدًا للجملة السابقة، أي: لا يبطله أحد إلى خروج الدجال. (وَالْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ) أي: الخصلة الثالثة، أو الإيمان بالأقدار من أصل الإيمان، يعني: بأن جميع ما يجري في العالم هو من قضاء الله وقدره. وفيه: ردٌّ على المعتزلة لإثباتهم للعباد القدرة المستقلة. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) في الجهاد، وسكت عليه هو والمنذري، لكن في سنده يزيد بن أبي نشبة بضم النون وسكون الشين المعجمة وهو مجهول، كما في التقريب. واعلم: أن بعض العلماء قد أجاز العمل والاحتجاج بكل ما سكت عنه أبو داود؛ لما روي عنه أنه قال: ما كان في كتابي هذا من حديث فيه وهن شديد بَيَّنْتُهُ، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصحُّ من بعض. قال: وذكرت فيه الصحيح وما يشبهه وما يقاربه. قال النووي في ((التقريب)) وابن الصلاح في ((مقدمته)) بعد نقل كلام أبي داود هذا: فعلى هذا ما وجدنا في كتابه مذكورًا مطلقًا وليس في واحد من كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْكَبَائِرِ وَعَلَامَاتِ النِفَّاقِ ٣٤١ ((الصحيحين))، ولا نص على صحته أحد ممن يميز بين الصحيح والضعيف والحسن ولا ضعفه، عرفنا أنه من الحسن عند أبي داود. زاد ابن الصلاح: وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند غيره ولا مندرج في حدِّ الحسن، انتهى. والحقُّ عندي أن لا يعتمد على مجرد سكوت أبي داود، وأن لا يطلق القول بجواز الاحتجاج والعمل بما سكت عنه، لما يجري في كلامه المتقدم من احتمالات تضعف بل تبطل المذهب المذكور. ١ - مثل: أن يتكلم على وهن إسناد مثلًا في مقام، فإذا عاد لم يبينه؛ اكتفاءً بما تقدم، ویکون كأنه قد بينه. ٢ - ومثل: أن يكون سكوته هنا لوجود شاهد أو متابع، أو يكون ذلك لكونه من صحيح حديث المختلط أو المدلس، أو لكونه في الفضائل. ٣ - ومثل: ما أشار إليه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، من أنه قد يقعُ البيان في بعض النسخ دون بعض، ولا سيما رواية أبي الحسن بن العبد، فإن فيها من كلام أبي داود شيئًا زائدًا على رواية أبي علي اللؤلؤي. قال السخاوي في ((شرح ألفية العراقي)) (ص٢٩) وسبقه ابن كثير وقال: الروايات عن أبي داود لكتابه كثيرة جدًّا، ويوجد في بعضها من الكلام بل والأحاديث ما ليس في الأخرى، قال: ولأبي عبيدٍ الآجري عنه أسئلة في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل، ومن ذلك أحاديث ورجال قد ذكرها في سننه. قال السخاوي: فينبغي عدم المبادرة لنسبة السكوت إلا بعد جمع الروايات واعتماد ما اتفقت علیه لما تقدم، انتهى. ٤ - ومثل ما يشير إليه حصره التبيين في الوهن الشديد حيث قال: ما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بيَّنته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض، انتهى. إذ مفهومه أن غير الشديد لا يبينه. ٥ - ومثل أن الصلاحية في كلامه أعم من أن تكون للاحتجاج أو للاستشهاد، فما ارتقى إلى درجة الصحة أو الحسن فهو بالمعنى الأول، وما عداهما فهو بالمعنى الثاني، وما قصر عن ذلك، فهو الذي فيه وهن شديد، وقد التزم بيانه. ٣٤٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٦ - ومثل أن تكون الصلاحية على ظاهرها في الاحتجاج، ولا ينافيه وجود الضعيف؛ لأنه يخرج الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، وهو أقوى عنده من آراء الرجال . قال العراقيُّ في ألفيَّته: يَرْوِيِهِ، والضَّعِيْفَ(*) حَيْثُ لاَ يَجِدْ كَانَ أَبُوْ دَاوُدَ أقْوَى مَا وَجَدْ مِنْ رَأْىٍ أَقْوَى قَالهُ ابْنُ مَنْدَهْ في البَابِ غَيْرَهُ فَذَاكَ عِنْدَةْ ٧ - ومثل أن يكون استعمال ((أَصَحُّ)) في كلام أبي داود المتقدم بالمعنى اللغوي، بل استعمله كذلك غير واحد، منهم الترمذي، فإنه يورد الحديث من جهة الضعيف ثم من جهة غيره. ويقول عقب الثاني: إنه أصح من حديث فلان الضعيف، وصنيع أبي داود يقتضيه لما في المسكوت عليه من الضعيف بالاستقراء، كما في حديث ابن عباس قال: قال رسول اللّه وَالَ: «مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِيَ فَلَمْ يَمْنَعْ مِنَ اتَِّاعِهِ عُذْرٌ)) قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ؟ قَالَ: ((حُزْنٌ أَوْ مَرَضٌ، لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلاَةُ الَّتِي صَلَّى)). فإن أبا داود رواه وسكت عليه. وقد قال المنذري في ((مختصره)): في إسناده أبو جناب يحيى بن أبي حية الكلبي، وهو ضعيف. وقد يكون هو ضعيفًا عند أبي داود نفسه، كما يؤخذ من كلام العماد ابن كثير. ٨ - ومثل ما ذكرَهُ ابن الصَّلاح في ((مقدمته)) (ص١٨) بعد نقل كلام أبي داود الذي قدمناه: فعلى هذا ما وجدنا في كتابه مذكورًا مطلقًا، وليس في واحد من ((الصحيحين))، ولا نص على صحته أحد ممن يميز بين الصحيح والحسن، عرفناه بأنه من الحسن عند أبي داود، وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند غيره ولا مندرج فيما حققنا ضبط الحسن به على ما سبق ... إلخ. قال العلامة الأمير اليماني في ((تلقيح الأفكار)) شرح تنقيح الأنظار في ((مصطلح الآثار)) - بعد نقل كلام أبي داود المتقدم عن ابن الصلاح ما لفظه: فإن قلت: أجاز (*) أي: من قبل سوء حفظ راويه ونحو ذلك كالمجهول عينًا أو حالًا لا مطلق الضعف الذي يشمل ما كان راويه متهما بالكذب، قاله السخاوي. كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْكَبَائِرِ وَعَلَامَاتِ النِفَّاق ٣٤٣ ابن الصلاح والنووي وغيرهما من الحفاظ العمل بما سكت عنه أبو داود لأجل هذا الكلام المروي عنه وأمثاله. قلتُ: قال الحافظُ ابن حجرٍ: إن قول أبي داود: وما فيه وهن شديد بيَّنته. يفهم منه أن الذي يكون فيه وهن غير شديد لا يبيِّنه، ومن هنا تبين لك أن جميع ما سكت عنه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن الاصطلاحي، بل هو على أقسام، منها: ما هو صحيح أو على شرط الصحة. ومنها: ما هو من قبيل الحسن لذاته. ومنها: ما هو من قبيل الحسن إذا اعتضد، وهذان القسمان كثير في كتابه جدًّا. وفيه: ما هو ضعيف لكنه من رواية من لم يجمع على تركه غالبًا، وكلَّ من هذه الأقسام عنده تصلح للاحتجاج بها كما نقل ابن منده عنه أنه يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، وأنه أقوى عنده من رأي الرجال. وكذا قال ابن عبد البر: كل ما سكت عليه أبو داود فهو صحيح عنه، لا سيما إن كان لم يذكر في الباب غيره، ونحو هذا ما روينا عن الإمام أحمد فيما نقله ابن المنذر وغيره أنه كان يحتج بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا لم يكن في الباب غيره. ثم ذكر الحافظ قولًا عن الإمام أحمد أصرح مما تقدم في تقديم الحديث الضعيف على الرأي، ثم قال: فهذا نحو مما يحكى عن أبي داود، ولا عجب فإنه من تلامذة الإمام أحمد، فغير مستنكر أن يقول بقوله، بل حكى النجم الطوخي عن العلامة تقي الدين ابن تيمية أنه قال: اعتبرت ((مسند أحمد)) فوجدته موافقًّا لشرط أبي داود. ومن هنا يظهر لك طريق من يحتج بكل ما سكت عنه أبو داود، فإنه يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج ويسكت عليها، مثل: ابن لهيعة وصالح مولى التوأمة وعبد الله بن محمد بن عقيل وموسى بن وردان وسلمة بن الفضل ودلهم بن صالح وغيرهم، فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على أحاديثهم، ويتابعه في الاحتجاج بهم، بل طريقه أن ينظر: هل لذلك الحديث متابع يعتضد به، أو هو غريب فيتوقف فيه؟ لا سيما إن كان مخالفًا لرواية من هو أوثق منه، فإنه ينحط إلى قبيل المنكر، وقد يخرج أحاديث من هو أضعف من هؤلاء بكثير كالحارث بن وجيه، وصدقة الدقيقي، وعمرو بن واقد العمري، ومحمد بن ٣٤٤ BINCHEE مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ عبد الرحمن البيلماني، وأبي حيان الكلبي، وسليمان بن أرقم، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وأمثالهم في المتروكين، وكذلك ما فيه من الأسانيد المنقطعة، وأحاديث المدلسين بالعنعنة، والأحاديث التي فيها أبهمت أسماؤهم، فلا يتجه الحكم بأحاديث هؤلاء بالحسن من أجل سكوت أبي داود؛ لأن سكوته تارة اكتفاءً بما تقدم من الكلام في ذلك الراوي في نفس کتابه، وتارة یکون لذهول منه، وتارة يكون لظهور شدة ضعف ذلك الراوي، أو اتفاق الأئمة على طرح روايته كأبي حدير ويحيى بن العلاء وغيرهما، وتارة يكون من اختلاف الرواة عنه، وهو الأكثر، فإن في رواية أبي الحسن بن العبد عنه من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في رواية اللؤلؤي، وإن كانت روايته عنه أشهر. ثم عدَّ أمثلة من أحاديث السنن تؤيد ما قاله، ثم قال: والصواب عدم الاعتماد على مجرد سكوته لما وصفنا من أنه يحتج بالأحاديث الضعيفة ويقدمها على القياس إن ثبت ذلك عنه . والمعتمد أن مجرد سكوته لا يدل على ذلك، فکیف یقلده فيه، هذا جمیعه إن حملنا قوله: ((وما لم أقل فيه بشيء فهو صالح)). على أن مراده: صالحة للحجة، وهو الظاهر. وإن حملناه على ما هو أعم من ذلك وهو الصلاحية للحجية وللاستشهاد والمتابعة فلا يلزم منه أنه يحتج بالضعيف. ويحتاج إلى تأمل تلك المواضع التي سكت عليها وهي ضعيفة هل منها إفراد أو لا؟ إن وجد فيها إفراد تعين الحمل على الأول، وإلا حمل على الثاني، وعلى كل تقدير فلا يصلح ما سكت عليه للاحتجاج مطلقًا، انتهى. وقال النووي: إلا أن يظهر في بعضها أمر يقدح في الصحة أو الحسن وجب ترك ذلك، أو كما قال ولفظ الحافظ ابن حجر نقلًا عن النووي أنه قال: في ((سنن أبي داود)) أحاديث ظاهرها الضعف لم يبيِّنها مع أنه متفق على ضعفها، فلا بد من تأويل كلامه. قال: والحق أن ما وجدناه في سننه مما لم ينبِّه عليه ولم ينص على صحته أو حسنه من يعتمد عليه فهو حسن، وإن نص على ضعفه من يعتمد عليه أو رأى العارف في سنده ما يقتضي الضعف ولا جابر له حكم بضعفه، ولا يلتفت إلى سكوت أبي داود. قال الأمير اليماني: وهو الحق، لكن خالف ذلك في مواضع كثيرة في ((شرح المهذب)) وفي غيره من تصانيفه، فاحتج بأحاديث كثيرة من أجل كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْكَبَائِرِ وَعَلَامَاتِ النفّاقِ ٣٤٥ سكوت أبي داود عليها، فلا يغتر بذلك، انتهى كلام الأمير اليماني في ((تلقيح الأفكار)). هذا وقد اعتنى الحافظ المنذري في ((مختصره)) بنقد الأحاديث المذكورة في سنن أبي داود وبیّن ضعف کثیر مما سكت عنه، فیکون ذلك خارجًا عما يجوز العمل به، وما سكتا عليه جميعًا فلا شك أنه صالح للاحتجاج إلا في مواضع يسيرة قد نبهت على بعضها في هذا الشرح، ومنها: حديث أنس هذا، فقد سكتا عنه جميعًا مع أن فيه يزيد بن أبي نشبة، وهو مجهول. ٦٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلَهِ: ((إِذَا زَنَى الْعَبْدُ خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ، فَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ كَالظَّلَّةِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ عَادَ إِلَيْهِ الْإِيمَانُ». [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ] الشّرْجُ ٦٠ - قوله: (إِذَا زَنَى) أي: أخذ وشرع في الزنا. (الْعَبْدُ) أي: المؤمن. (خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ) حمله بعضهم على ظاهره، وقال: يسلب الإيمان حال تلبس الرجل بالزنا، فإذا فارقه وتاب عاد إليه. وقيل: المراد: نور الإيمان وكماله. وقد تقدم أن الإيمان اسم لمجموع الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح. ونور الإيمان وكماله هي الأعمال الصالحة واجتناب المناهي، فإذا زنى ذهب منه نوره وبقي صاحبه في الظلمة. وقيل: معناه خرج منه أعظم شعب الإيمان، وهو الحياءُ من الله تعالى. أو يصير كأنه خرج؛ إذ لا يمنع إيمانه عن ذلك، كما لا يمنع من خرج منه الإيمان. وقال التُّورْبَشْتِي: هذا من باب الزجر والتهديد، وهو كقول القائل لمن اشتهر بالرجولية والمروءة ثم فعل ما ينافي شيمته: عدم عنه الرجولية والمروءة؛ تعييرًا وتنكيرًا لينتهي عما صنع؛ واعتبارًا وزجرًا للسامعين ولطفًا بهم، وتنبيهًا على أنَّ (٦٠) أَبُو دَاوُد (٤٦٩٠) فِي ((السَُّّةِ))، وَعَلَّقَهُ التِّرْمِذِي (٢٦٢٥)، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ (٢٢/١)، كِلَاهُمَا فِي الإِيمَانِ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَّةُ. ٣٤٦ erRe مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الزنا من شيم أهل الكفر وأعمالهم، فالجمع بينه وبين الإيمان كالجمع بين المتنافيين. (وَكَانَ) وفي بعض النسخ: ((فَكَانَ)) وهكذا وقع عند الترمذي. (فَوْقَ رَأْسِهِ كَالظّلَّةِ) بضم الظاء وتشديد اللام، هو أول سحابة تظلل. وفيه إشارة إلى أنه وإن خالف حكم الإيمان فإنه تحت ظله لا يزول عنه حكم الإيمان ولا يرتفع عنه اسمه. (فَإِذَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ) قيل: أي: بالتوبة الصحيحة. (رَجَعَ إِلَيْهِ الإِيمَانُ) أي: نوره و کماله، ويؤيده ما تقدم من حديث ابن عباس أخرجه أبو جعفر الطبري من طريق مجاهد عنه مرفوعًا: ((مَنْ زَنَى نَزَعَ اللَّهُ نُورَ الْإِيمَانِ مِنْ قَلْبِهِ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ رَدَّهُ)). ولا يخفى مناسبة الحديث للباب على المتأمل. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) لم يروه الترمذي بل ذكره معلقًا في الإيمان من ((جامعهِ)). (وَأَبُو دَاوُدَ) في السنة، وسكت عليه هو والمنذري، واللفظ للترمذي، وأخرجه أيضًا البيهقي والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، ووافقه الذهبي. كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْكَبَائِرِ وَعَلَامَاتِ النِفَّاق ٣٤٧ الفصل الثالث ٦١ - [١٣] عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: أَوْصَانِي رَسُولُ اللّهِ وَلَه بِعَشْرِ كَلِمَاتٍ قَالَ: (لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَإِنْ قُتِلْتَ وَحُرِّقْتَ، وَلَا تَعُقَّنَّ وَالِدَيْكَ، وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ، وَلَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، فَإِنَّ مَنْ تَرَلَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ، وَلَا تَشْرَبَنَّ خَمْرًا فَإِنَّهُ رَأْسُ كُلِّ فَاحِشَةٍ، وَإِيََّ وَالْمَعْصِيَةَ، فَإِنَّ بِالْمَعْصِيَةِ حَلَّ سَخَطُ اللَّهِ، وَإِيَّاكَ وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ، وَإِنْ هَلَكَ النَّاسُ، وَإِذَا أَصَابَ النَّاسَ مُوتٌ وَأَنْتَ فِيهِمْ فَاثْبُتْ، وَأَنْفِقْ عَلَى عِيَالِكَ مِنْ طَوْلِكَ، وَلَا تَرْفَعْ عَنْهُمْ عَصَاَكَ أَدَبًا وَأَخِفْهُمْ فِي اللَّهِ)). [رَوَاهُ أَحْمَدُ] الشَّرْحُ ٦١- قوله: (أَوْصَانِي) أي: أمرني. (بِعَشْرِ كَلِمَاتٍ) أي: بعشرة أحكام من الأوامر والنواهي. (لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا) أي: بقلبك أو بلسانك أيضًا، فإنه أفضل عند الإكراه. (وَإِنْ قُتِلْتَ وَحُرِّقْتَ) من التحريق، وكلاهما بالبناء للمفعول، أي: وإن عرضت للقتل والتحريق. شرط جيء به للمبالغة فلا يطلب جوابًا. قال ابن حجر المكي الهيتمي: شرط للمبالغة باعتبار الأكمل من صبر المكره على الكفر على ما هدد به، وهذا فيمن لم يحصل بموته وهن الإسلام، وإلا كعالم وشجاع يحصل بموته ذلك، فالأولى له أن يأتي بما أكره عليه ولا يصبر على ما هدد، ولو بنحو ضرب شديد أو أخذ مال له وقع كما أفاد ذلك قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ الآية [النحل: ١٠٦]. (وَلَا تَعُقَّنَّ) بضم العين وفتح القاف المشددة وتشديد النون، أي: لا تخالفئَّهما أو أحدهما في ما لم يكن معصية. (مِنْ أَهْلِكَ) أي: امرأتك أو جاريتك أو عبدك بالطلاق أو البيع أو العتق أو غيرهما. (وَمَالِك) بالتصرف في مرضاتهما. (٦١) أَحْمَد (٥/ ٢٣٨) عنه . ٣٤٨ aect مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ قال ابن حجر: شرط للمبالغة باعتبار الأكمل أيضًا، أي: لا تخالف واحدًا منهما وإن غلا في شيء أمرك به، وإن كان فراق زوجة أو هبة مال. أما باعتبار أصل الجواز، فلا يلزمه طلاق زوجة أمره بفراقها، وإن تأذيا ببقائها إيذاءً شديدًا؛ لأنه قد يحصل له ضرر بها، فلا يكلفه لأجلها؛ إذ من شأن شفقتهما أنهما لو تحققا ذلك لم يأمراه به، فإلزامهما له به مع ذلك حمق منهما، ولا يلتفت إليه، وكذا إخراج ماله. (مُتَعَمِّدًا) احتراز من السهو والنسيان والضرورة. (فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ) بكسر الراء أي: لا يبقى في أمن من اللَّه في الدنيا والآخرة. قال ابن حجر: كناية عن سقوط احترامه؛ لأنه بذلك الترك عرَّض نفسه بالعقوبة بالحبس عند جماعة من العلماء، ولقتله حدًّا لا كفرًا بشرط إخراجها عن وقتها الضروري، وأمره بها في الوقت عند أئمتنا الشافعية، ولقتله كفرًا، فلا يصلى عليه، ولا يكفن بمقابر المسلمين عند أحمد وآخرين. (فَإِنَّه) أي: شربها. (رَأْسُ كُلِّ فَاحِشَةٍ) أي: قبيحة؛ لأن المانع من الفواحش هو العقل، ولذا سمي عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبه عن القبائح، فبزواله عن الإنسان يقعُ في كلِّ فاحشة عرضت له، ولذا سميت أم الخبائث. وورد في رواية: ((الْخَمْرُ جمَاعُ الْإِثْم)) كما سميت الصلاة أم العبادات؛ لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. (وَإِيََّكَ وَالْمَعْصِيَةَ) تحذير وتعميم بعد تخصيص، وإيذان بأن المعاصي السابقة أعظمها ضررًا. (فَإِنَّ بِالْمَعْصِيَةِ حَلَّ سَخَطُ اللَّهِ) أي: نزل وثبت على فاعلها، واسم إن ضمير الشان المحذوف أي فإنه. (وَإِيََّ وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ) تخصيص بعد تعميم. (وَإِنْ هَلَكَ النَّاسُ) أي: بالفرار أو القتل، و((إن)) وصلية. قال ابن حجر: شرط للمبالغة باعتبار الأكمل أيضًا، وإلا فقد علم من قوله تعالى: ﴿اَلْثَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٦٦] أن الكفار حيث زادوا على المثلين جاز الانصراف. (وَإِذَا أَصَابَ النَّاسَ مُوتٌ) أي: طاعون ووباء. (وَأَنْتَ فِيهِمْ) الجملة حالية. (فَاثْبُتْ) لقوله ◌َِّ: ((إِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِبَلَدٍ وَأَنْتَمْ فِيهِمْ فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهُ، وَإِذَا وَقَعَ بِبَلَدٍ وَلَسْتُمْ فِيهِ فَلَا تَدْخُلُوا إِلَيْهِ)). ومحلُّ الأمرين حيثُ لا ضرورة إلى الخروج أو الدخول، وإلا فلا إثم كما هو الظاهر. (عَلَى عِيَالِكَ) بكسر العين أي: من تجب عليك نفقته شرعًا. (مِنْ طَوْلِك) بفتح أوله أي: فضل مالك، وفي معناه الكسب بقدر الوسع والطاقة على طريق الاقتصاد. (وَلَا تَرْفَعْ عَنْهُمْ عَصَالَكَ أَدَبًا) مفعول له، أي: للتأديب لا للتعذيب. والمعنى: إذا استحقوا الأدب كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابُ الْكَبَائِرِ وَعَلَامَاتِ النفَّاق ٣٤٩ بالضرب فلا تسامحهم. (وَأَخِفْهُمْ فِي اللَّهِ) أي: أنذرهم في مخالفة أوامر الله بالنصيحة والتعليم، وبالحمل على مكارم الأخلاق. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج٥ ص٢٣٨) وأخرجَهُ أيضًا الطبراني في ((الكبير)). قال المنذري: وإسناد أحمد صحيح لو سلم من الانقطاع، فإن عبد الرحمن بن جبير بن نفير لم يسمع من معاذ، انتهى. وأخرجه الطبراني في (الأوسط)) عنه، قال: أتى رسول اللَّهِ وَ له رجل فقال: يارسول اللّه وَله علمنى عملًا إذا عملته دخلت الجنة. فقال رسول اللّه وَ له: ((لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ وَإِنْ قُتِلْتَ أَوْ حُرِّقْتَ ... )) الحديث، وفيه عمرو ابن واقد، ضعفه البخاري وجماعة، وقال الثوري: كان صدوقًا. كذا في ((مجمع الزوائد)) . ٦٢- [١٤] عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: إِنَّمَا النَّفَاقُ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَه فَأَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ أَوِ الْإِيمَانُ. [رَوَاهُ البُخَارِيُّ] الشَّرْجُ ٦٢- قوله: (وَعَنْ حُذَيْفَةَ) أي: موقوفًا. وهو حذيفة بن اليمان واسم اليمان حسيل مصغرًا، ويقال: حِسْل بكسر فسكون، ابن جابر العبسى أو عبد الله الكوفي، حليف بني عبد الأشهل من الأنصار، صحابي جليل من السابقين، أسلم هو وأبوه وأراد حضور بدر فأخذهما المشركون فاستحلفوهما فحلفا لهم أن لا يشهدا، فقال لهما النبي وَّهُ: ((نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ)). وشهدا أُحُدًا، فَقَتَلَ أباه اليمان يومئذٍ بعضُ المسلمين وهو يحسبه من المشركين، وشهد حذيفة الخندق وله بها ذكر حسن وما بعدها، وكان عمر يسأله عن المنافقين، وهو معروف في الصحابة بصاحب سِرِّ رسول اللَّه وَّه، وأسَرَّ إليه بعض أسماء المنافقين، وكان عمر ينظر إليه عند موت من مات منهمٍ، فإن لم يشهد جنازته حذيفة لم يشهدها عمر. وصحَّ في مسلمٍ عنه: أنَّ رسول اللَّهُ وَّ أَعْلمَهُ بما كانَ وما (٦٢) الْبُخَارِي (٧١١٤) عن حذيفة في التفسير في حديث فيه: ((لَمْ يَبْقَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِلَّا أَرْبَعَة)). ٣٥٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ يكونُ حتَّى تقومَ السَّاعَةُ - يعني: من الفتن والحوادث - ومناقبه كثيرة مشهورة، استعمله عمر على المدائن فلم يزل بها حتى مات بعد قتل عثمان بأربعين يومًا سنة (٣٦) في أول خلافة علي، وكانت له فتوحات سنة (٢٢) في الدينور وماسبذان وهمدان والري وغيرها. له مائة حديث، اتفقا على اثني عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بسبعة عشر. روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين. (إِنَّمَا النَّفَاقُ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ) أي: حكم النفاق بعدم التعرض لأهله والستر عليهم كان على عهد رسول اللَّه ◌َ ل لمصالح كانت مقتصرة على ذلك الزمان . منها: أن المؤمنين إذا ستروا على المنافقين أحوالهم خفي على المخالفين حالهم، وحسبوا أنهم من جملة المسلمين، فيجتنبوا عن مخاشنتهم لكثرتهم، بل أدى ذلك إلى أن يخافوا وتقل شوكتهم. ومنها: أن الكفار إذا سمعوا مخاشنة المسلمین مع من یصحبهم کان ذلك سببًا لنفرتهم منه . ومنها: أن من شاهد حسن خلقه مظللا مع مخالفه رغب في صحبته ووافق معه سرًّا وعلانية ودخل في دين الله بوفورٍ ونشاط. (فَأَمَّا الْيَوْمَ) أي: بعد وفاة النبي وَه. (فَإِنَّمَا هُوَ) أي: الأمر والحكم، يدل عليه سياق الكلام. أي: الشأن الذي استقرَّ عليه الشرع. (الْكُفْرُ أَوِ الْإِيمَانُ) والضمير المبهم يفسِّرُه ما بعده، و((أو)) للتنويع، يعني: فأما اليوم فلم تبق تلك المصالح، فنحن إن علمنا أنه كافر سرًّا أجرينا عليه أحكام الكافرين وقتلناه. قال الحافظ في ((الفتح)): مراد حذيفة نفي اتفاق الحكم لا نفي الوقوع؛ لأن النفاق إظهار الإيمان وإخفاء الكفر، ووجود ذلك ممكن في كل عصر، وإنما اختلف الحكم؛ لأن النبي ◌َ لّ كان يتألفهم ويقبل ما أظهروه من الإسلام ولو ظهر منهم احتمال خلافه، وأما بعده فمن أظهر شيئًا فإنما يؤاخذ به ولا يترك لمصلحة التألف؛ لعدم الاحتياج إلى ذلك، انتهى. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في الفتن. كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابٌ فِي الْوَسْوَسَةِ ٣٥١ ٢ - بَابُ فِي الْوَسْوَسَةِ (بَابٌ فِي الْوَسْوَسَةِ) الوسوسة: الصوت الخفي، ومنه: وسواس الحلي لأصواتها، وقيل: ما يظهر في القلب من الخواطر إن كانت تدعو إلى الرذائل والمعاصي تسمى وسوسة، وإن كانت تدعو إلى الخصائل المرضية والطاعات تسمى إلهامًا، ولا تكون الوسوسة إلا مع التردد والتزلزل من غير أن يطمئن إليه أو يستقر عنده . الفصل الأول ٦٣ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَتَكَلَّمْ)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشّرْحُ ٦٣- قوله: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ) أي: عفا. (عَنْ أُمَّتِي) أي: أمة الإجابة. وفي رواية ((تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي)) أي: لم يؤاخذهم بذلك لأجلي. وفيه: إشارة إلى عظم قدر الأمة المحمدية لأجل نبيها وَل﴾، فله المنة العظمى التي لا منتهى لها علينا. وفيه إشعار بإختصاصها بذلك، بل صرح بعضهم بأنه من خصائص هذه الأمة. (مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا) الجملة في محل النصب على المفعولية، و((مَا)) موصول، و ((وَسْوَسَتْ)) صلته، و(بِهِ)) عائد إلى الموصول، و((صُدُورُهَا)) بالرفع فاعل (٦٣) الجَمَاعَةُ: البُخَارِي (٢٥٢٨، ٦٦٦٤)، وأَبُو دَاوُد (٢٢٠٩)، والتِّرْمِذِي (١١٨٣)، ن (٦ / ١٥٦)، وابن مَاجَهْ (٢٠٤٠) فِي الطَّلَاقِ، سِوَى مُسْلِمٍ (٢٠١/ ١٢٧) و٢٠٢/ ١٢٧) فَفِي الإِيْمَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ٣٥٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ وسوست، أي: ما خطر في قلوبهم من الخواطر الردية. وروي بالنصب على الظرفية. وقيل: على أنه مفعول به بناء على أن وسوست بمعنى حدَّثت، ووقع فيه التجريد بأن يجرد شخصًا من نفسه ويحدثها. (مَا لَمْ تَعْمَلْ) أي: ما دام لم يتعلق به العمل في العمليات بالجوارح. (أَوْ تَتَكَلَّمْ) أي: ما لم تتكلم به في القوليات باللسان على وفق ذلك. قال الطيبي: الوسوسة ضرورية واختيارية، فالضرورية: ما يجري في الصدر من الخواطر ابتداء ولا يقدر الإنسان على دفعه، فهو معفو عنه عن جميع الأمم، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] والاختيارية: هي التي تجري في القلب وتستمرُّ وهو يقصد أن يعمل به ويتلذذ منه، كما يجري في القلب حب امرأة ويدوم إليه ويقصد الوصول إليه، وما أشبه ذلك من المعاصي، فهذا النوع عفا الله عن هذه الأمة؛ تشريفًا وتكريمًا لنبينا وَِّ وأمته، وإليه ينظر قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وأما العقائد الفاسدة ومساوي الأخلاق وما ينضم إلى ذلك فإنها بمعزل عن الدخول في جملة ما وسوست به الصدور، انتهى. قال القاري: هو كلام حسن، ولذا قيده النبي ◌َّله بقوله: ((مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ)) إشارة إلى أن وسوسة الأعمال والأقوال معفوة قبل ارتكابها. وأما الوسوسة التي لا تعلق لها بالعمل والكلام من الأخلاق والعقائد فهي ذنوب بالاستقرار، انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح)) في شرح باب: ((من همَّ بحسنة أو سيئة)) من الرقاق: قسم بعضهم ما يقع في النفس أقسامًا، أضعفها: أن يخطر له ثم يذهب في الحال، وهذا من الوسوسة، وهو معفو عنها، وهو دون التردد. وفوقه: أن يتردد فيه فَیَھمُّ به ثم ينفر عنه فيتركه ثم يهم به ثم يترك كذلك، ولا يستمر على قصده، وهذا هو التردد، فيعفي عنه أيضًا. وفوقه: أن يميل إليه ولا ينفر عنه لكن لا يصمم على فعله، وهذا هو الهم، فيعفي عنه أيضًا. وفوقه: أن يميل إليه ولا ينفر منه بل يصمم على فعله، فهذا هو العزم، وهو منتهى الهم، وهو على قسمين: الأول: أن يكون من أعمال القلوب صرفًا كالشِك في الوحدانية أو النبوة، فهذا كفر، ويعاقب عليه جزمًا، ودونه المعصية التي لا ٣٥٣ كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابَّ فِي الْوَسْوَسَةِ تصل إلى الكفر، كمن يحب ما يبغضه الله، ويبغض ما يحبه الله، فهذا يأثم به، ويلتحق بذلك الكبر والبغي ونحوهما، ولم يقع البحث والنزاع في هذا القسم. والقسم الثاني: أن يكون من أعمال الجوارح كالزنا والسرقة، وهو الذي وقع النزاع فيه، فذهب طائفة إلى عدم المؤاخذة بذلك أصلاً، وذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم المصمم. قلتُ: وهو الراجح المعول عليه. قال الحافظُ: واستدلوا بقوله: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وحملوا حديث أبي هريرة هذا على الخطرات، ثم افترق هؤلاء، فقالت طائفة: يعاقب عليه صاحبه في الدنيا خاصة بنحو الهم والغم. وقالت طائفة: بل يعاقب عليه يوم القيامة لكن بالعتاب لا بالعذاب، انتهى كلام الحافظ ملخّصًا. وقال الحفني ملخصًا لكلام السبكي الكبير في ((الحلبيات)): إن المراتب خمسة: هاجس، وخاطر، وحديث نفس، وهم، وعزم، فالشيء إذا وقع في القلب ابتداءً ولم يحل في النفس سمي هاجسًا، فإذا كان موفقًا ودفعه من أول الأمر لم يحتج إلى المراتب التي بعدها، فإذا جال، أي: تردد في نفسه بعد وقوعه ابتداءً ولم يتحدث بفعل ولا عدمه سمي خاطرًا، فإذا حدثته نفسه بأن يفعل أو لا يفعل على حدٍّ سواء من غير ترجيح لأحدهما على الآخر سمي حديث نفس، فهذه الثلاثة لا عقاب عليها إن كانت في الشر، ولا ثواب عليها إن كانت في الخير، فإذا فعل ذلك عوقب أو أثيب على الفعل لا على الهاجس والخاطر وحديث النفس، فإذا حدثته نفسه بالفعل وعدمه مع ترجيح الفعل لكن ليس ترجيحًا قويًّا بل هو مرجوح كالوهم سمي همًّا، فهذا يثاب عليه إن كان في الخير، ولا يعاقب عليه إن كان في الشر، فإذا قوي ترجح الفعل حتى صار جازمًا مصممًا بحيث لا يقدر على الترك سمي عزمًا، فهذا يثاب عليه إن كان في الخير، ويعاقب عليه إن كان في الشر. وقوله: ((مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ)) ظاهره أنه إذا فعل ذلك عوقب على نفس حديث النفس بزيادة على عقاب الفعل، وليس مرادًا، بل المراد أنه إذا حصل الفعل عوقب على نفس الفعل لا على ما قبله، فهو كالاستثناء المنقطع. ٣٥٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وقال السبكي الكبير في ((شرح المنهاج))، وولده في ((منع الموانع)) ما حاصله: إن عدم المؤاخذة بحديث النفس والهم إنما هو بشرط عدم التكلم والعمل، حتى إذا عمل يؤاخذ بشيئين: همه وعمله، ولا يكون همه مغفورًا وحديث نفسه إلا إذا لم يتعقبه العمل، كما هو ظاهر الحديث. وارجع لمزيد البحث والتفصيل إلى ((الإحياء)) للغزالي. وفي الحديث من الفقه: أن حديث النفس وما يوسوس به قلب الإنسان لا حكم له في شيء من الدين، فلا يقع الطلاق، ولا يلزم الظهار، ولا يكون قاذفًا، ولا يحكم بالعتاق، إذا حدث نفسه بالطلاق والظهار والقذف والعتاق ما لم يتكلم بذلك، ولا يؤمر بإعادة الصلاة إذا حدث نفسه فيها . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد وأصحاب السنن. ٤ ٦ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَه إلى النَّبِيِّ وَ﴿ فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: ((أَوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟) قَالَوا: نَعَمْ. قَالَ: ((ذَاَكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ)). الشَّرْجُ [رَوَاهُ مُسْلِمْ] ٦٤ - قوله: (إِنَّا نَجِدُ) واقع موقع الحال، أي: سألوه مخبرين أنا نجد، أو قائلين على احتمال فتح الهمزة والكسرة. وقيل: على الفتح مفعولٍ ثان لسألوه، ثم الكسر أوجه حتى يكون بيانًا للمسئول عنه. (مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ) أي : نجد في قلوبنا أشياء قبيحة نحو: من خلق اللَّه؟ وكيف هو؟ ومن أي شيء هو؟ وما أشبه ذلك ما نتعاظم به؛ لعلمنا أنه لا يليق شيء منها أن نعتقده، ونعلم أنه قديم خالق الأشياء كلها ليس بمخلوق، فما حكم جريان هذه الأشياء في خواطرنا؟ وتعاظم تفاعل بمعنى المبالغ؛ لأن زيادة المبنى لزيادة المعنى، أي: نستعظم غاية الاستعظام، وقوله: ((أَحَدُنَا)) بالرفع ومعناه: يجد أحدنا التكلم به عظيمًا لقبحه. (٦٤) مُسْلِم (٢٠٩/ ١٣٢) فِيهِ، وَأَبُو دَاوُد (٥١١١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً. ٣٥٥ كِتَابُ الْإِيمَانِ بَابٌ فِي الْوَسْوَسَةِ (أوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟) الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدر، أي: أحصل ذلك وقد وجدتموه؟ والضمير لما يتعاظم أي: ذلك الخاطر في أنفسكم تقريرًا وتوكيدًا، فالوجدَان بمعنى المصادقة، أو المعنى: أحصلَ ذلك الخاطر القبيح وعلمتم أن ذلك مذموم غير مرضي؟ فالوجدان بمعنى العلم. (قال: ذاك) وفي بعض النسخ ((ذَلِكَ))، وهو إشارة إلى مصدر يتعاظم (صَرِيحُ الإِيمَانِ) أي: خالصه . قال النووي: معناه: استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلًا عن اعتقاده إنما يكون ممن استكمل الإيمان استكمالًا محققًا، وانتفت عنه الريبة والشكوك. وقيل: معناه أن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه، فينكد عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه، وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء، ولا يقتصر في حقِّه على الوسوسة، بل يتلاعب به كيف أراد، فعلى هذا معنى الحديث: سبب الوسوسة محض الإيمان أو الوسوسة علامة محض الإيمان، انتهى. أي: لأن اللص لا يدخل البيت الخالي. قال محدث الهند الشاه ولي الله الدهلوي في ((حجة اللَّه البالغة)) (ج١: ص١٣٢): اعلم أن تأثير وسوسة الشيطان يكون مختلفًا بحسب استعداد المُوَسْوَسِ إليه، فأعظم تأثيره الكفر والخروج من الملة، فإذا عصم الله من ذلك بقوة اليقين انقلب تأثيره في صورة أخرى، وهي المقاتلات وفساد تدبير المنزل والتحريش بين أهل البيت وأهل المدينة، ثم إذا عصم الله من ذلك أيضًا صار خاطرًا يجيء ويذهب ولا يبعث النفس إلى عمل لضعف أثره، وهذا لا يضر، بل إذا اقترن باعتقاد قبح ذلك كان ذلك دليلاً على صراحة الإيمان، نعم، أصحاب القوة القدسية لا يجدون شيئًا من ذلك، وهو قوله وَ له: ((إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلَ يَأْمُرَنِي إِلَّا بِخَيْرٍ) انتهى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في الإيمان، وأخرجه أيضًا أبو داود، وفي الباب عن عائشة وأنس وابن عباس وابن مسعود، ذكر أحاديثهم الهيثمي في مجمع الزوائد في باب الوسوسة من كتاب الإيمان. ٣٥٦ B مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ eser ٦٥ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ تَّهِ: ((يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَسْتَهِ). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشَّرْجُ ٦٥- قوله: (يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ) أي: يوسوس في صدره إبليس أو أحد أعوانه من شياطين الإنس والجن. (فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟) يعني: السماء مثلًا. (مَنْ خَلَقَ كَذَا) أي: الأرض، وغرضه أن يوقعه في الغلط والكفر. (فَإِذَا بَلَغَهُ) ضمير الفاعل لأحدكم، وضمير المفعول راجع إلى مصدر يقول، أي: إذا بلغ أحدكم هذا القول، يعني: من خلق ربك؟ أو التقدير: بلغ الشيطان هذا القول. (فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ) طردًا للشيطان الذي أوقعه في هذا الخاطر الذي لا أقبح منه، فيقول بلسانه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَنِ نَزْعٌ فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. (وَلَيَنْتَهِ) بسكون اللام وتكسر، أي: عن الاسترسال معه في ذلك، بل يلجأ إلى الله في دفعه، ويعلم أنه يريد إفساد دينه وعقله بهذه الوسوسة، فينبغي أن يجتهد في دفعها بالاشتغال بغيرها، ويبادر إلى قطعها بالإعراض عنها، فإنه تندفع الوسوسة عنه بذلك؛ لأن الأمر الطارئ بغير أصل يدفع بغير نظر في دليل؛ إذ لا أصل له ينظر فيه، قال الخطابي: لو أذن وَلّر في محاجته لكان الجواب سهلًا على كل موحد، ولكان الجواب مأخوذًا من فحوى كلامه، فإن أول كلامه يناقض آخره؛ لأن جميع المخلوقات من ملك وإنس وجن وحيوان وجماد داخل تحت اسم الخلق، ولو فتح هذا الباب الذي ذكره للزم منه أن يقال: ومن خلق ذلك الشيء؟ ويمتد القول في ذلك إلى ما لا يتناهى، والقول بما لا يتناهى فاسد، فسقط السؤال من أصله، وقال الطيبي: لينته، أي: ليترك التفكر في هذا الخاطر، وليستعذ بالله من وسوسة (٦٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ البُخَارِي (٣٢٧٦) فِي صِفَةِ إِبْلِيسٍ، وَمُسْلِم (٢٠٩/ ١٣٢) فِي الإِيمَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة، والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (١٠٤٩٩). كِتّابُ الإيمَان بَابٌ فِي الْوَسْوَسَةِ ٣٥٧ الشيطان، فإن لم يزل التفكر بالاستعاذة فليقم وليشتغل بأمر آخر، وإنما أمره بالاستعاذة والاشتغال بأمر آخر، ولم يأمر بالتأمل والاحتجاج؛ لأن العلم باستغناء اللَّه وعمل عن الموجد أمر ضروري لا يقبل المناظرة له وعليه، ولأن الاسترسال في الفكر في ذلك لا يزيد المرء إلا حيرة، ومن هذا حاله فلا علاج له إلا الملجأ إلى اللَّه تعالى والاعتصام به . (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في بدء الخلق، ومسلم في الإيمان، وأخرجه أيضًا أبو داود في السنة، والنسائي في ((اليوم والليلة))، وفي روايتهما من الزيادة: ((فَقُولُوا: اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ ... )) إلى آخر السورة، ثم يتفلُ عن يساره، كما سيأتي في الفصل الثاني. ٦٦ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشّرْحُ ٦٦- قوله: (لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ) أي: يسأل بعضهم بعضًا، والتساؤل جريان السؤال بين الاثنين فصاعدًا، ويجوز أن يكون بين العبد والشيطان أو النفس أو إنسان آخر، أي: يجري بينهما السؤال في كل نوع. (حَتَّى) يبلغ السؤال إلى أن (يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟) قيل: لفظ هذا مع عطف بيانه المحذوف، وهو المقول مفعول، يقال: أقيم مقام الفاعل، وخلق اللّه تفسير لهذا أو بيان أو بدل، وقيل: مبتدأ حذف خبره، أي: هذا القول أو قولك: هذا خلق اللَّه الخلق معلوم مشهور، فمن خلق الله؟ والجملة أقيمت مقام فاعل يقال. (فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا) إشارة إلى القول المذكور، و((مِنْ ذَلِكَ)) حال من ((شَيْئًا)) أي: من صادف شيئًا من ذلك القول والسؤال أو وجد في خاطره شيئًا من جنس ذلك (٦٦) مُسْلِم (٢١٢/ ١٣٤) و٢١٣/ ١٣٤) فِي الإِيمَانِ، وَأَبُو دَاوُد (٤٧٢١)، والنَّسَائِي في ((الكبرى)) (١٠٤٩٨) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْبُخَارِي (٧٢٩٦) نَحْوَهُ بِاخْتِصَارٍ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ. لَعَنَهُ اللهُ. ٣٥٨ ** مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ المقال. (فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) أي: آمنت بالذي قال الله ورسله من وصفه تعالى بالتوحيد والقدم، وقوله سبحانه وإجماع الرسل هو الصدق والحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أي: اتفق الشيخان على أصل الحديث، فإن السياق المذكور هنا إنما هو سياق مسلم، وسياق الحديث عند البخاري قد ذكره المصنف قبل ذلك، فكان الأولى بعد ذكر حديث أبي هريرة الذي فيه الأمر بالاستعاذة وعزوه للشيخين أن يعزو حديثه الثاني لمسلم فقط كما لا يخفى، وأخرجه أيضًا أبو داود في ((السنة))، والنسائي في ((اليوم والليلة))، وفي الباب: عن خزيمة بن ثابت وعائشة، وعبد الله بن عمر، وذكر أحاديثهم الهيثمي في ((مجمع الزوائد)). ٦٧ - [٥] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ، وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ)) قَالَوا: وَإِيََّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((وَإِيَّاتِيَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرِ)). [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] الشَّرْجُ ٦٧- قوله: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) ((ما)) نافية، و((من)) زائدة لاستغراق النفي لجميع الأفراد، و((من)) في ((مِنْكُمْ)) تبعيضية، أي: ما أحد منكم. (إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ) على بناء المجهول من التوكيل بمعنى التسليط. (قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ) أي: صاحبه منهم ليأمره بالشر، واسمه: الوسواس. (وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ) أي: ليأمره بالخير واسمه: الملهم. وليس هذا في ((المصابيح))، وكذا ليس في رواية جرير عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن ابن مسعود عند مسلم، ووقع في رواية سفيان عن منصور عن جرير عنده: ((وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ)). فاختار صاحب ((المشكاة)) هذه الرواية الجامعة. (قَالَوا: وَإِيَّاكَ يَا (٦٧) مُسْلِمٍ (٦٩ / ٢٨١٤) فِي أَوَاخِرِ الكِتَابِ، وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَوْلُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ : ((وَقَرِينُهُ مِنَ المَلَائِكَةِ)) هِيَ عِنْدَ مُسْلِم (٢٨١٤) أَيْضًا. كِتَابُ الْإِيمَانِ Bacxxxx sa x: بَابٌ فِي الْوَسْوَسَةِ ٣٥٩ رَسُولَ اللَّهِ؟) أي: لك قرين من الجن؟ والقياس: وأنت يا رسول الله بالضمير المرفوع المنفصل، وكذا في الجواب يعني (قَالَ: وَإِيَّايَ) أي: ولي ذلك، والقياس أن يقول: وأنا، فأقام الضمير المنصوب مقام المرفوع المنفصل، وهو سائغ شائع، ويحتمل أن يكون المعنى: وإياك نعني في هذا الخطاب. فقال: نعم وإياي؛ لأن الخطاب في منكم عام لا يخص المخاطبين من الصحابة، بل كل من يصح أن يخاطب به داخل فيه، كأنه قيل: ما منكم يا بني آدم من أحد. وهذا إن قلنا: إن المتكلم لا يدخل في عموم الخطاب. وقيل: عطف على محل الضمير المجرور المقدر، تقديره: قالوا: وقد وكل به وإياك. قال: وكل به وإياي، كذا في ((المرقاة)). (وَلَكِنَّ) بالتشديد ويخفف. (أَعَانَنِي عَلَيْهِ) أي: بالعصمة أو بالخصوصية. (فَأَسْلَمَ) برفع الميم على بناء المضارع من السلامة، وفتحها على بناء الماضي من الإسلام، وهما روايتان مشهورتان، فمن رفعَ قال: معناه: أسْلمُ أنا من شرِّه وفتنته؛ لأن القرين من الجن إنما هو الشيطان، والشيطان هو المصر على العتو والتمرد والمطبوع على الكفر، فأنى يتصور منه الإسلام. ومن فتح قال: إن القرين أسلم وصار مؤمنًا. واختلفوا في الأرجح منهما، فقال الخطابي: الصحيح المختار الرفعٍ. ورجّح القاضي عياض الفتحَ. قال النووي: هو المختار؛ لقول النبي ◌َّ. (فَلا يَأْمُرُنِي إِلا بِخَيْرِ) وقال التُّورْبَشْتِي: إذا صحتِ رواية الفتح فلا عبرة بهذا التعليل، أي: الذي ذكره أصحاب القول الأول؛ فإن اللَّه هو القادر على كل شيء، ولا يستبعد من فضله أن يخص نبيه وَ ليل بأمثال هذه الكرامة وبما هو فوقها، انتهى. واختلفوا على رواية الفتح، فقيل: أسلمَ: بمعنى استسلم وذلَّ وانقادَ، وقد جاء هكذا في غير ((صحيح مسلم)): ((فَاسْتَسْلَمَ))، وقيل: معناه صار مسلمًا مؤمنًا. قال النووي: وهذا هو الظاهر. قال القاضي: إن الأمة مجتمعة على عصمة النبي ◌َّ من الشيطان في جسمه وخاطره ولسانه. وفي هذا الحديث إشارة إلى التحذير من فتنة القرين ووسوسته وإغوائه، فأعلمنا بأنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في صفة القيامة قبل صفة الجنة، وأخرجه أيضًا أحمد، وفي الباب عن عائشة عند مسلم والنسائي.