Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*
فكنوني بها، وقيل: رآه النبي ◌َّ وفي كُمِّه هِرَّة فقال: ((يَا أَبَا هُرَيْرَة))، وهو أكثر
الصحابة رواية بإجماع، روي له خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وستون
حديثًا، اتفقا على ثلاثمائة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين
ومسلم بمائة وتسعين، ذكره العيني (ج١: ص١٢٤).
(مَعَ اخْتِلَافٍ) أي: بين بعض ألفاظهما. (وَفِيهِ) أي: في مروي أبي هريرة.
(الصُّمَّ) أي: عن قبولِ الحق. (الْبُكْمَ) أي: عن النطق بالصدق، جعلوا لبلادتهم
وحماقتهم كأنه أصيبت مشاعرهم مع كونها سليمة تدرك ما ينتفعون به. (مُلُوَكَ
الأَرْضِ) زاد مسلم: ((فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا))، وقوله: (مُلُوَكَ الأَرْضِ) منصوب على أنه
مفعول ثانٍ لرأيت، أو على أنه حال، ومضمون ما ذكر من أشراط الساعة في هذين
الحديثين يرجع إلى أن الأمور توسد إلى غير أهلها، كما قال النبي ◌َّ لمن سأله عن
الساعةِ: ((إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ))، فإنه إذا صار الحفاة العراة
رعاء الشاء، وهم أهل الجهل والجفاء، رؤساء الناس، وأصحاب الثروة والأموال
حتى يتطاولون في البنيان، فإنه يفسد بذلك نظام الدین والدنیا، فإنه إذا كان رؤوس
الناس من كان فقيرًا عائلًا فصار ملكًا على الناس سواء كان ملكه عامًا أو خاصًا في
بعض الأشياء، فإنه لا يكاد يعطي الناس حقوقهم بل يستأثر عليهم بما استولى
عليهم من المال، وإذا كان مع هذا جاهلًا جافيًا فسد بذلك الدين؛ لأنه لا يكون له
همة في إصلاح دين الناس ولا تعليمهم، بل همته في جمع المال وإكثاره ولا يبالي
بما أفسده من دين الناس، ولا بمن ضاع من أهل حاجاتهم.
(فِي خَمْسٍ) أي: معرفة وقت الساعة، هي واحدة من خمس لا يعلمهن إلا الله،
وقيل: أي: عِلْمُ وقتٍ قيام الساعة داخل في خمس من الغيب، فهو مرفوع المحل
على الخبرية، تدلّ عليه رواية أبي نعيم في ((الحلية))، وفيها قال: فَمَتِى السَّاعَةُ؟
قَالَ: ((هِيَ فِي خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّ اللَّهُ))، ووجه الانحصار في هذه
الخمس مع أن الأمور التي لا يعلمها إلا اللَّه كثيرة هو أنهم سألوا الرسول عن هذه
الخمس، فنزلت الآية جوابًا لهم، أو أن هذه الخمسة أمهاتها وأصولها وما سواها
راجعة إليها، والمراد من العلم في الحديث والآية العلم الكلي، وإليه إشارة
بقوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ اٌلْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩]، فلا يعترض بما صدر عن الأولياء وبما
يخبر به بعض الكهنة والمنجمين؛ لأن علم الجزئيات ليس بعلم في الحقيقة،

٢٠١
كِتَابُ الْإِيمَانِ
فالعلم هو العلم الكلي، أو لأنه من الظن لا من العلم، فافهم الآية، تمامها:
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَاءِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَحْكُسِبُ غَدًّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَتِّ أَرْضِ تَمُوتُّ إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أي: اتفق الشيخان على رواية أصل حديث أبي هريرة، مع قطع
النظر عن خصوص الزيادة المذكورة، فإنها تفرد بها مسلم عن البخاري، نعم هي
في رواية الإسماعيلي كما ذكره الحافظ في ((الفتح))، وحديث أبي هريرة أخرجه
أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه، ورواه النسائي أيضًا عن أبي ذرٍّ مقرونًا مع أبي
هريرة .
٤ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ◌ِ﴿يَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ نَّهِ: (( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى
خَمْسٍ: شَهَادَةٍ أَنْ لَاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ
الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمٍ رَمَضَانَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشَّرْجُ
٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ) المرادُ به حيث أطلق عبد الله بن عمر بن الخطاب، وإن
كان لعمر أبناء آخرون أيضًا، كما أنه يراد بابن عباس وابن مسعود وابن الزبير عند
الإطلاق هو عبد اللَّه، بسط ترجمته الذهبي في ((تذكرته))، والحافظ في
((الإصابة))، وهو: أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي
المكي، أسلم بمكة قديمًا مع أبيه وهو صغير، وهاجر معه واسْتُصْغِر عن أحدٍ،
وشَهِد الخندق وله خمس عشرة سنة وما بعدها، وهو أحد الستة الذين هم أكثر
الصحابة رواية، وأحد العبادلة الأربعة، وكان من أهل الورع والعلم والزهد،
شديد التحري والاحتياط والاتباع للأثر، قال جابر بن عبد الله: ما منا أحد إلا
مالت به الدنيا ومال بها، ما خلا عمر وابنه عبد الله، وقال ميمون بن مهران: ما
رأيتُ أورع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس، وقال نافع: ما مات ابن عمر
حتى أعتق ألف إنسان أو زاد. وهو الذي قال فيه النبي وََّ: ((إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ))،
(٤) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٨)، ومُسْلِم (٤٠ /٤٤) الإِيمَانِ، والتِّرْ مِذِي (٢٦٠٩)، والنَّسَائِي (١٠٧/٨).

٢٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ومناقبه وفضائله كثيرة جدًّا، روي له ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثًا، اتفقا منها
على مائة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأحد وثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين،
وهو أكثر الصحابة رواية بعد أبي هريرة، ولد بعد البعثة بقليل، ومات بعد الحج
سنة ٧٣هـ، وقيل: سنة ٧٤هـ، بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر، وقيل: بستة أشهر،
ودُفِن بالمحصب، أو بفخ، أو بذي طوى، وكلها مواضع بقرب مكة، ذكر الزبير:
أن عبد الملك لما أرسل إلى الحجاج أن لا يخالف ابن عمر شق عليه ذلك، فأمر
رجلًا معه حربة يقال: إنها كانت مسمومة، فلما دفع الناس من عرفة لصق ذلك
الرجل به فأَمرَّ الحربةَ على قدمه فمرض منها أيامًا ثم مات وله ٨٤ سنة، وقيل ٨٦،
روی عن خلق كثير.
(بُنِيَ الْإِسْلَامُ) ذكر المصنِّف هذا الحديث في كتاب الإيمان؛ ليبين أن الإسلام
يطلق على الأفعال، وأن الإسلام والإيمان بمعنى واحد، ولاشتماله على لفظ البناء
الدال على تركب الإيمان صراحة، ولاحتوائه على أهم أجزاء الإيمان، وقد تقدم
أن الإيمان عند السلف مركب ذو أجزاء، وأن الأعمال داخلة في حقيقتها. (عَلَى
خَمْسٍ) أي: خمس دعائم، كما في رواية عبد الرزاق ومحمد بن نصر في كتاب
الصلاة، أو خصال أو قواعد أو نحو ذلك، مثلت حالة الإسلام مع أركانه الخمس
بحالة خباء أقيمت على خمسة أعمدة وقطبها الذي تدور عليه الأركان هو الشهادة
المشبهة بالعمود الوسط للخيمة، وبقية شعب الإيمان وخصاله بمنزلة الأوتاد
للخباء وتتمة لها، فإذا فقد منها شيء نقص الخباء وهو قائم لا ينقص بنقص ذلك
بخلاف نقص هذه الدعائم الخمس، فإن الإسلام يزول بفقدها جميعًا بغير إشكال،
وكذلك يزول بفقد الشهادتين، واختلفوا في ترك الصلاة، فذهب أحمد وطائفة من
السلف والخلف إلى: أن تركها كفر، واستدلوا بأحاديث متعددة تدل على كون
تار کھا کافرًا.
قال محمد بن نصر: هو قول جمهور أهل الحديث، وذهب طائفة منهم إلى: أن
من ترك شيئًا من أركان الإسلام الخمس عمدًا أنه كافر، قال النووي: حكم الإسلام
في الظاهر يثبت بالشهادتين، وإنما أضيف إليهما الصلاة ونحوها؛ لكونها أظهر
شعائر الإسلام وأعظمها، وبقيامه بها یتم إسلامه، وتر که لها یشعر بانحلال قيد
انقياده أو اختلاله، فإن قيل: المبنى لا بد أن يكون غير المبنى عليه، أجيب بأن

٢٠٣
كِتَابُ الْإِيمَانِ
الإسلام عبارة عن المجموع، والمجموع غير كل واحد من أركانه، أو يقال: إن
المراد بالإسلام هو التذلل العام الذي هو اللغوي لا التذلل الشرعي الذي هو فعل
الواجبات حتى يلزم بناء الشيء على نفسه، ومعنى الكلام: أن التذلل اللغوي
يترتب على هذه الأفعال مقبولًا من العبد طاعة وقربة.
(شَهَادَةٍ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ) بالجرِّ على البدل من خمس، ويجوز الرفع على حذف
الخبر، والتقديرُ: منها شهادة أن لا إله إلا الله، أو على حذف المبتدأ والتقدير :
أحدها شهادة أن لا إله إلا الله، ويجوز النصب بتقدير أعني. (وَإِقَام) أصله إقامة،
حذفت تاؤه للازدواج، وقيل: هما مصدران. (الصَّلَاةِ) المفروضة، أي: المداومة
عليها، أو الإتيان بها بشروطها وأركانها. (وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ) أي: إعطائها أهلها .
(وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ) لم يذكر الجهاد؛ لأنه من فروض الكفاية وتلك فرائض
الأعيان، ولم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة وغير ذلك مما تضمنه حديث
جبريل؛ لأن المرادَ بالشهادة تصديق الرسل بكل ما جاء به، فيستلزم جميع ما ذكر
من المعتقدات، والواو لمطلق الجمع، فلا يرد أن الصوم فرض في السنة الثانية
من الهجرة، والحج سنة ست أو تسع على أنه ورد في رواية لمسلم بتقديم الصوم
على الحج، ووجه الحصر في الخمس: أن العبادة إما قولية وهي الشهادة. أو غير
قولية فهي إما تركي وهو الصوم، أو فعلي وهو إما بدني وهو الصلاة، أو مالي وهو
الزكاة، أو مركب منهما وهو الحج.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الإيمان وفي التفسير، ومسلم في الإيمان،
وأخرجَهُ أيضًا أحمدُ والترمذي والنسائي في الإيمان.

٢٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
i*E
٥ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِفْتَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه: ((الْإِيمَانُ بِضْعٌ
وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَّلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ
الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْحُ
٥- قوله: (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً) البِضْع: بكسر الباء وقد تفتح: القطعة
من الشيء، وهو في العدد ما بين الثلاث إلى التسع؛ لأنه قطعة من العدد، وكونه
عددًا مبهمًا مقيدًا بما بين الثلاث إلى التسع هو الأشهر، وفيه أقوال أخرى ذكرها
العيني، واختلفت الروايات الصحيحة في ذكر العدد من غير شك، ففي مسلم
وأبي داود والترمذي والنسائي. (بِضْعٌ وَسَبْعُونَ))، وفي رواية البخاري: ((بِضْعٌ
وَسِتُّونَ))، فرجَّح الحليمي وعياض والنووي الرواية الأولى؛ لأنها زيادة من ثقة
فتقبل وتقدم، وليس في رواية الأقل ما يمنعها ويخالفها، قال الحافظُ: لا يستقيم
ذلك؛ إذ الذي زادها لم يستمر على الجزم، لاسيما مع اتحاد المخرج، وقد رجَّح
ابنُ الصلاح الأقل لكونه المتيقن، انتهى. وقيل: هو كناية عن الكثرة، وليس
المراد التحديد، فإن كثيرًا من أسماء العدد تجيء كذلك، ويحمل الاختلاف على
تعدُّد القضية ولو من جهة راوٍ واحد، والشَّعْبَةِ بالضم القطعة والفرقة، وهي واحدة
الشِّعْبِ، وهي أغصان الشجر، والمراد في الحديث: الخصلة، أي: الإيمان ذو
خصال متعددة، وكما شبّه الإسلام في حديث ابن عمر المتقدم بخباء ذات أعمدة
وأطناب شبه الإيمان في هذا الحديث بشجرة ذات أغصان وشعب، ومن المعلوم
أن الشعب وكذا الأوراق والثمار أجزاء للشجرة، والأغصان والأوراق والثمار قد
تكون وقد لا تكون مع بقاء الشجرة، كذلك الأعمال قد تكون وقد لا تكون مع بقاء
أصل الإيمان، فنسبة الأعمال إلى الإيمان كنسبة الأغصان والأوراق والثمار إلى
الشجرة .
(٥) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: فِي الإِيمَانِ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم (٣٥/٥٨)، وَهُوَ عند البُخَارِي (٩)
مختصرٌ بِلَفْظٍ: ((سِتِينَ)).

٢٠٥
كِتَابُ الْإِيمَانِ
(فَأَفْضَلُهَا) هو جزاء شرط محذوف، كأنه قيل: إذا كان الإيمان ذا شعب يلزم
التعدد، وحصول الفاضل والمفضول بخلافه إذا كان أمرًا واحدًا. (قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ) المراد: به مجموع الشهادتين عن صدق قلب، أو الشهادة بالتوحيد فقط،
لكن عن صدق قلب على أن الشهادة بالرسالة شعبة أخرى. (وَأَدْنَاهَا) أي أدونها
مقدارًا ومرتبة، بمعنى أقربها تناولًا وأسهلها تواصلًا من الدنو بمعنى: القرب.
(إِمَاطَةُ الْأَذَى) أي: إزالته وتنحيته وإبعاده، والأذى اسم لما يؤذي في الطريق
كالشوك والحجر والنجاسة ونحوها، وفي الحديث إشارة إلى أن مراتب الإيمان
متفاوتة .
(وَالْحَيَاءُ) بالمد. (شُعْبَةٌ) أي: عظيمة. (مِنَ الِإِيمَانِ) أي: من شعبه، وهو في
اللغة تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرد ترك
الشيء بسبب، والترك إنما هو من لوازمه، وفي الشرع خلق يبعث على اجتناب
القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق؛ ولهذا جاء في الحديث: ((الْحَيَاءُ
خَيْرُ كُلّهُ))، فإن قيل: الحياء من الغرائز، فكيف جعل شعبة من الإيمان؟ أجيب بأنه
قد يكون غريزة، وقد يكون تَخَلَّقًّا، ولكن استعماله على وفق الشرع يحتاج إلى
اكتساب وعلم ونية، فهو من الإيمان لهذا؛ ولكونه باعثًا على أفعال الطاعة وحاجزًا
عن فعل المعصية، ولا يقال: رب حياء يمنع عن قول الحق أو فعل الخير، فكيف
يصح أن يقال: الحياء خير كله ولا يأتي إلا بخير؛ لأن ذلك ليس شرعيًّا بل هو عجز
وخور، وإنما تسميته حياءً من إطلاق بعض أهل العرف أطلقوه مجازًا لمشابهته
الحياء الحقيقي الشرعي، وإنما أفرد الحياء بالذكر من بين سائر الشعب؛ لأنه
كالداعي إلى سائر الشعب؛ فإن الحيي يخاف فضيحة الدنيا والآخرة فيأتمر
ويْزجر، وقال الطيبي: معنى إفراد الحياء بالذكر بعد دخوله في الشعب كأنه
يقول: هذه شعبة واحدة من شعبه، فهل تحصى شعبه كلها؟ هيهات إن البحر لا
يغرف. قال القاضي عياض: تكلف جماعة حصر هذه الشعب بطريق الاجتهاد وفي
الحكم يكون ذلك مراد النبي وّ﴾ صعوبة، ثم إنه لا يلزم معرفة أعيانها، ولا يقدح
عدم معرفة حصر ذلك على التفصيل في الإيمان، إذ أصول الإيمان وفروعه معلومة
محققة، والإيمان بأنها هذا العدد واجب في الجملة، انتهى.

٢٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أي: اتفق الشيخان على رواية أصل الحديث، وليس المرادُ أنهما
اتفقا على خصوص اللفظ الذي ذكره، فلا يعترض بأن قوله: ((بِضْعٌ وَسَبْعُونَ)) من
إفراد مسلم، وكذا قوله: (فَأَفْضَلُهَا) إلى قوله: (عَنِ الطّرِيقِ) من إفراده فلا يكون
متفقًا علیه .
٦ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو ﴿هَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((الْمُسْلِمُ
مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ)) هَذَا
لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَلِمُسْلِمٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ◌َّهِ أَبُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟
قَالَ: ((مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْحُ
٦ - قوله: (وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو) كُتب بالواو ليتميز عن عُمر، ومن ثمة لم
يكتب حالة النصب لتميزه عنه بالألفَ، وهو: ابن العاص السهمي القرشي أبو
محمد، أسلم قبل أبيه، وكان بينه وبين أبيه في السنِّ اثنتي عشرة سنة، وقيل :
إحدى عشرة، وكان غزير العلم كثير الاجتهاد في العبادة، وكان أكثر حديثًا من أبي
هريرة؛ لأنه كان يكتب وأبو هريرة لا يكتب، ومع ذلك فالذي روي له قليل بالنسبة
إلى ما روي لأبي هريرة، رُوي له سبعمائة حديث، اتفقا منها على سبعة عشر،
وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين، روى عنه خلق كثير، كان يلومُ أباه على
القتال في الفتنة بأدب وتُؤَدَة، ويقول: واصفين مالي ولقتال المسلمين، لوددت
أني مت قبلها بعشرين سنة. توفي بمكة أو بالطائف أو بمصر في ذي الحجة من
سنة (٦٣)، أو (٦٥)، أو (٦٧)، وقيل: مات سنة (٧٢)، أو (٧٣)، عن اثنتين
وسبعين سنة .
(الْمُسْلِمُ) أي: الكامل، نحو زيد الرجل، أي: كامل في الرجولية، والمال
الإبل، والناس العرب، وقيل: معناه: المسلم الممدوح، قال ابن جني: مِن
(٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: فِي الإِيمَانِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِم (٩)، زَادَ الْبُخَارِي (١٠): ((وَالْمُهَاجِرُ
مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ)).

٢٠٧
كِتَابُ الْإِيمَانِ
عادتهم أن يوقعوا على الشيء الذي يخصونه بالمدح اسم الجنس؛ ألا ترى كيف
سموا الكعبة بالبيت، وكتاب سيبويه ((بالكتاب))، انتهى. فإن قيل: إنه يستلزم أن
مِنِ اتصف بهذا خاصة كان كاملاً، أجيب: بأن المراد هو الكامل مع مراعاة باقي
الأركان والصفات، قال الخطابي: المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء
حقوق اللَّه، وأداء حقوق المسلمين، انتهى. واقتصر على الثاني؛ لأن الأول
مفهوم بالطريق الأولى، ويمكن أن يكون هذا واردًا على سبيل المبالغة تعظيمًا لترك
الإيذاء، فهو محصور فيه على سبيل الادعاء، وأمثاله كثيرة، والحاصل: أن القصر
فيه باعتبار تنزيل الناقص منْزلة المعدوم، فلا حاجة إلى تقدير الكمال، ويحتمل أن
يكون المراد بذلك أن يبين علامة المسلم التي يستدل بها على إسلامه، وهي سلامة
المسلمين من لسانه ويده كما ذكر مثله في علامة المنافق. (مِنْ) أَيُّ إنسانٍ کان
ذكرًا أو أنثى. (سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ) أي: والمسلمات إما تغليبًا أو تبعًا، كما في سائر
النصوص والمخاطبات، ويلحق بهم أهل الذمة حكمًا، فذكر المسلمين خرج
مخرج الغالب؛ لأن محافظة المسلم على كف الأذى عن أخيه المسلم أشد تأكيدًا،
ولأن الكفار بصدد أن يقاتلوا وإن كان فيهم من يجب الكف عنه، ووقع في رواية
ابن حبان: ((مَنْ سَلِمَ النَّاسُ)). (مِنْ لِسَانِهِ) أي: بالشتم واللعن والغيبة والبهتان
والنميمة والسعي إلى السلطان وغير ذلك. (وَيَدِهِ) بالضرب والقتل والهدم والدفع
والكتابة بالباطل ونحوها، وخصا بالذكر؛ لأن أكثر الأذى بهما، أو أريد بهما
مثلًا، وقدم اللسان؛ لأن الإيذاء به أكثر وأسهل، ولأنه أشد نكاية، ولهذا كان النبي
وَه يقول لحسان: ((اهْجُ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّهُ أَشَقُّ عَلَيْهِم مِنْ رَشْقِ النَّبْلِ))، ولأنه يعمُّ
الأحياء والأموات، وابتلي به الخاص والعام خصوصًا في هذه الأيام، وعبر به دون
القول ليشمل إخراجه، استهزاء لغيره، وقيل: خص اليد مع أن الفعل قد يحصل
بغيرها؛ لأن سلطنة الأفعال إنما تظهر بها؛ إذ بها البطش والقطع والوصل والمنع
والإعطاء والأخذ ونحوه، وقال الزمخشري: لما كانت أكثر الأعمال تباشر بالأيدي
غلبت، فقيل في كل عمل: هذا مما عملته أيديهم. وإن لم يكن وقوعه بها، ثم
الحد والتعزير وتأديب الأطفال والدفع لنحو الصيال ونحوها فهي استصلاح وطلب
السلامة، أو مستثنى شرعًا، أو لا يطلق عليه الأذى عرفًا. (وَالْمُهَاجِرُ) هو بمعنى
الهاجر، وإن كان لفظ المفاعل يقتضي وقوع فعل من اثنين، لكنه هنا للواحد

٢٠٨
ese
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*EemcE
كالمسافر بمعنى السافر، والمنازع بمعنى النازع؛ لأن باب فاعل قد يأتي بمعنى
فعل. (هَجَرَ) أي: ترك، وهذه الهجرة ضربان: ظاهرة، وباطنة، فالباطنة ترك ما
تدعوا إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان، والظاهرة الفرار بالدين من الفتن،
وكان المهاجرين خوطبوا بذلك؛ لئلا يتكلوا على مجرد تحولهم من دارهم حتى
يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه، ويحتمل أن يكون ذلك بعد انقطاع الهجرة لما فتحت
مكة تطييبًا لقلوب من لم يدرك ذلك، بل حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى
اللّه عنه، فاشتملت هاتان الجملتان على جوامع من معاني الحكم والأحكام، كذا
في ((الفتح)).
وفي الحديث بيان شعبتين من شعب الإيمان وهما: سلامة المسلمين من لسان
المسلم ويده، وهجر ما نهى الله عنه. (هذا لفظ البخاري) وأخرجَهُ أبو داود
والنسائي.
(وَلِمُسْلِم) أي: في ((صحيحه)) عن عبد الله بن عمرو. (خَيْرٌ) أي: أفضل
وأكمل، ورَّواه البخاري من حديث أبي موسى بلفظٍ: قَالُوا: أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟
قَالَ: ((مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ .. )) إلخ، والمراد أي: ذوي الإِسلام، أو أي: أصحاب
الإِسلام، وفيه بيان للتأويل الذي ذكرناه في قوله: (الْمُسْلِمُ) من أنه محمول على
التفضيل، والمراد: المسلم الكامل، أو أفضل المسلمين، هذا، وقد ثبتَ من كون
من سلم الناس من أذاه أفضل المسلمين وأخيرهم وأكملهم أن بعض خصال
المسلمين المتعلقة بالإسلام أفضل من بعض، وحصل منه القول بقبول الإيمان
للزيادة والنقصان، ففيه رد على المرجئة فإنه ليس عندهم إيمان وإسلام ناقص.

٧ - [٦] وَعَنْ أَنَس ◌َِفَةُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةِ: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ
حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِّنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْجُ
٧- قوله: (وَعَنْ أَنَسِ) بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام
الأنصاري الخزرجي النجاري، خادم رسول اللّه وَّه نزيل البصرة، خَدَمَهُ عشر
سنين بعدٍ ما قدم رسول اللّه وَّل المدينة، وهو ابن عشر سنين، روي له عن
رسول اللَّه وَل ألفا حديث ومائتا حديث وست وثمانون حديثًا، اتفقا على مائة
وثمانية وستين حديثًا منها، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين، ومسلم بأحد وتسعين،
وكان أكثرِ الصحابة ولدًا، قالت أمه: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خُوَيْدِمُكَ أَنْسِرٌ ادْعُ اللَّهَ لَهُ،
فقال: ((اللَّهُمَّ بَارِْ فِي مَالِهِ وَوَلَدِهِ وَأَطِلْ عُمُرَهُ وَاغْفِرْ ذَنْبَهُ))، فقال: لقد دفنتُ مِن
صُلبي مائة إلا اثنين. وكان له بستان يحمل في سنة مرتين، وفيه ريحان يجيء منه
ريح المسك، وقال: لقد بقيت حتى سئمت من الحياة وأنا أرجو الرابعة، أي:
المغفرة، قيل: عمَّر مائة سنة وزيادة، وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة سنة
(٩٣هـ)، روى عنه خلق كثير، وكنيته أبو حمزة، وهي اسم بقلة كان يحبها، ومنه
حديث أنس: ((كَثَّانِي رَسُولُ اللَّهِ بَلَهُ بِبَقْلَةٍ كُنْتُ أَجْتَنِهَا)).
(لَا يُؤْمِنُ) أي: لا يَكْمُل إيمان من يدعي الإيمان، فالمراد بالنفي كمال الإيمان
ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلامهم كقولهم: فلان
ليس بإنسان. (حَتَّى أَكُونَ) بالنصب بأن مضمرة، وحتى جارة، ومعنى هذه الغاية
أعني: حتى أكون ها هنا، وفي أمثاله هو أنه لا يكمل الإيمان بدون هذه الغاية، لا
أن حصول هذه الغاية كافية في كمال الإيمان، وإن لم يكن هناك شيء آخر.
(أَحَبَّ) بالنصب؛ لأنه خبر أكون، وهو أفعل التفضيل بمعنى المفعول، وهو على
خلاف القياس وإن كان كثيرًا، إذ القياس أن يكون بمعنى الفاعل، وقال ابن مالك:
إنما يشذ بناؤه للمفعول إذا خيف اللبس بالفاعل، فإن أمن بأن لم يستعمل للفاعل،
(٧) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٥)، ومُسْلِم (٤٤/٧٠) فِي الإِيمَانِ، والنَّسَائِي (١١٤/٨)، وابن مَاجَهْ
(٦٧) .

٢١٠
** 1
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أو قرن به ما يشعر بأنه للمفعول لا يشذ ... إلخ، وفصل بينه وبين معموله: (مِنْ
وَالِدِهِ)؛ لأن الممتنع الفصل بأجنبي لا مطلقًا، والظرف فيه توسع فلا يمنع. (مِنْ
وَالِدِهِ) المراد به ذات له ولد، أو هو بمعنى: ذو ولد، نحو لابن وتامر، فيتناول
الأب والأم كليهما، أو يقال: اكتفى بذكر أحدهما كما يكتفى عن أحد الضدين
بالآخر، ولم يذكر النفس لأنها داخلة في عموم قوله: (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، أو لم
تكن حاجة إلى ذكرها مع ذكر الوالد والولد؛ لأنهما أعز على العاقل من الأهل
والمال، بل ربما يكونان أعز من نفس الرجل على الرجل، فذكرهما إنما هو على
سبيل التمثيل، فكأنه قال: حتى أكون أحب إليه من جميع أعزته، ويعلم منه حكم
غير الأعزة؛ لأنه يلزم في غيرهم بالطريق الأولى. (وَوَلَدِهِ) أي: الذكر والأنثى.
(وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) هو من عطف العام على الخاص، وهو كثير، كقوله تعالى:
(١٧) ﴾ [الحجر: ٨٧]، قال الخطابي: لم يرد
﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ
بالحُبِّ حب الطبع، بل أراد به حب الاختيار المسند إلى الإيمان؛ لأن حب الإنسان
أهله وماله طبع مركوز فيه، خارج عن حد الاستطاعة، ولا سبيل إلى قلبه، قال:
فمعناه لا يصدق في إيمانه حتى يفدي في طاعتي نفسه ويؤثر رضاي على هواه وإن
كان فيه هلاكه، انتهى. وحاصله: ترجيح جانبه وَّر في أداء حقه بالتزام طاعته،
واتباع طريقته على كلِّ مَن سواه، قال النووي: المحبة أصلها الميل إلى ما يوافق
المحب، ثم الميل قد يكون بما يستلذه بحواسه كحسن الصورة والصوت والطعام
وبما يستلذه بعقله كمحبة الفضل والجمال، وقد يكون لإحسانه إليه ودفعه المضار
عنه، ولا يخفى أن المعاني الثلاثة كلها موجودة في رسول اللّه وَّر، لما جمع من
جمال الظاهر والباطن وكمال أنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين،
بهدايتهم إلى الصراط المستقيم ودوام النعيم، والإبعاد من الجحيم، ولا شك أن
الثلاثة فيه أكمل مما في الوالدين لو كانت فيها فيجب كونه أحب منهما؛ لأن
المحبة ثابتة لذلك، حاصلة بحسبها، كاملة بكمالها، ومن محبته وحقه نصرة
سنته، والذب عن شريعته وقمع مخالفيها وامتثال أوامره وتمني إدراكه في حياته
ليبذل نفسه وماله دونه، والحديث صريح في أنَّ محبة الرسول من أمور الإيمان،
والناس فيها متفاوتون وهو يستلزم زيادة الإيمان ونقصانه.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والنسائي في الإيمان وابن ماجه في السنة.

٢١١
كِتَابُ الْإِيمَانِ
٨- [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ «ثَلَاثُ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ
حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا
لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
أَنْ يُلْقَى فِي الَّارِ)».
الشَّرْحُ
٨- قوله: (ثَلَاثٌ) مبتدأ، والجملة الشرطية خبر، وجاز مع أنه نكرة؛ لأن
التقدير خصال ثلاث، أو ثلاث خصال، أو تنوينه للتعظيم، فجاز الابتداء به،
ويجوز أن تكون الشرطية صفة له ويكون الخبر من كان. (مَنْ كُنَّ) أي: حَصُلْنَ فيه
فهي تامة، أو من كن مجتمعة فيه وهي ناقصة. (وَجَدَ بِهِنَّ) أي: بسبب وجودهن
في نفسه. (حَلَاوَةَ الإِيمَانِ) أي: حسنه من حلي فلان في عيني، وبعيني بالكسر
يحلى بالفتح: إذا حسن وأعجب، أو لذته وطعمه من حلا له الشيء يحلو، أي: لذ
فهو حلو وهو نقيض المر، والأظهر الثاني على ما لا يخفى، فالمراد بحلاوة
الإيمان: التلذذ بالطاعات، وتحمل المشاق في رضى الله ورسوله، وإيثار ذلك
على عرض الدنيا، وذلك لأن المرء إذا تأمل أن الشارع لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه
صلاح عاجل أو خلاص آجل يصير هواه تبعًا له، فيلتذ بامتثال أوامره، وتحمل
المشقة في رضى الله ورسوله، قال الحافظ في الفتح: قوله: ((حلاوة الإيمان))
استعارة تخييلية، شبه رغبة المؤمن في الإيمان بشيء حلو، وأثبت له لازم ذلك
الشيء، وأضافه إليه، وفيه تلميح إلى قصة المريض والصحيح؛ لأن المريض
الصفراوي يجد طعم العسل مرًّا، والصحيح يذوق حلاوته على ما هي عليه، وكلما
نقصت الصحة شيئًا ما نقص ذوقه بقدر ذلك، فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما
يقوي استدلال المصنف أي: البخاري على الزيادة والنقص، انتهى.
وإنما عبر عن الالتذاذ بالطاعات بالحلاوة؛ لأنها أظهر اللذائذ الحسية، وإن
كان لا نسبة بين هذه اللذة واللذات الحسية، وهذه الأمور الثلاثة عنوان لكمال
(٨) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: البُخَارِي (٢١)، ومُسْلِم (٦٧ / ٤٣)، والنَّسَائِي (٩٦/٨).

٢١٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الإِيمان المحصل لتلك اللذة التي ربما تغلب على جميع لذات الدنيا، قال
البيضاوي: وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانًا لكمال الإيمان؛ لأن المرء إذا
تأمل أن المنعم بالذات هو الله تعالى، وأن لا مانح ولا مانع في الحقيقة سواه، وأن
ما عداه وسائط، وأن الرسول هو الذي يبين له مراد ربه اقتضى ذلك أن يتوجه بكلِّيَّته
نحوه، فلا يحب إلا ما يحب ولا يحب من يحب إلا من أجله، وإن يتيقن أن جملة
ما وعدوا وعد حق يقينًا ويخيل إليه الموعود كالواقع، فيحسب أن مجالس الذكر
رياض الجنة، وأن العود إلى الكفر إلقاء في النار، انتهى ملخصًا. قال القاضي
عياض: هذا الحديث بمعنى حديث: (ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا ... ))
إلخ، وذلك أنه لا تصح محبة الله ورسوله حقيقة وحب الآدمي في الله ورسوله
وكراهة الرجوع في الكفر إلا لمن قوي الإيمان في نفسه، وانشرح له صدره،
وخالط لحمه ودمه، وهذا هو الذي وجد حلاوته، قال: والحب في الله من ثمرات
حب الله.
(مَنْ كَانَ) لا بد من تقدير مضاف قبله؛ لأنه على الوجه الأول إما بدل أو بيان أو
خبر لمبتدأ محذوف هو: هِيَ، أو هُنَّ، أو إحداها، وعلى الثاني خبر، أي: محبة
من كان (اللَّهُ وَرَسُولُهُ) برفعهما (أَحَبَّ إِلَيْهِ) بالنصب على أنه خبر كان (مِمَّا سِوَاهُمَا)
من نفس وأهل ومال وكل شيء، ولم يقل: ممن سواهما ليعم من يعقل ومن لا
يعقل، ومحبة العبد ربه بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك محبة الرسول، وثنى
الضمير في سواهما مع أنه رد على الخطيب قوله: وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى. فقال:
((بِتْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ))، إيماءً إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين لا
كل واحدة منهما، فإنها وحدها ضائعة لاغية، وأمر بالإفراد في حديث الخطيب
إشعارًا بأن كل واحد من المعطوفين مستقل باستلزام الغواية؛ إذ العطف في تقدير
التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم، وله أجوبة أخرى ذكرها
الحافظ في الفتح. (وَمَنْ أَحَبَّ) أي: وثانيتها محبة من أحب. (لَا يُحِبُّهُ) أي:
الشيء. (إِلَّا لِلَّهِ) استثناء مفرغ، والجملة حال من الفاعل أو المفعول أو منهما.
(وَمَنْ يَكْرَهُ) أي: وثالثتها كراهة من كره. (أَنْ يَعُودَ) أي: يصير أو يرجع ويتحول.
(فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ) أي: أخلصه: قال الحافظُ: الإنقاذ أعم من أن يكون
بالعصمة منه ابتداءً بأن يولد على الإسلام ويستمر، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى

٢١٣
كِتَابُ الْإِيمَانِ
نور الإيمان كما وقع لكثير من الصحابة، وعلى الأول فيحمل قوله: ((يَعُودَ)) على
معنى الصيرورة بخلاف الثاني، فإن العود فيه على ظاهره، انتهى، و((فِي)) هنا
بمعنى ((إِلَى)) كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨]، أي: تصيرن
إلى ملتنا. (كَمَا يَكْرَهُ) الكاف للتشبيه وما مصدرية، أي: مثل كرهه. (أَنْ يُلْقَى) في
محل النصب؛ لأنه مفعول يكره، وأن مصدرية أي: الإلقاء وهو على صيغة
المجهول .
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه.
٩ - [٨] وَعَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((ذَاقَ
طَعْمَ الْإِيمَانِ؛ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبَّ، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا))
[رَوَاهُ مُسْلِمْ]
الشَّرْجُ
٩ - قوله: (وَعَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَلِبِ) أي: عم النبي ◌َّ، وكنيته أبو
الفضل، و کان أسن من النبي گیڑ بسنتین، وقيل: بثلاث سنين، وضاع وهو صغير،
فنذرت أمه إن وجدته أن تكسو البيت الحرير، فوجدته فكست البيت الحرير، فهي
أول عربية كست ذلك، وكان إليه في الجاهلية سقاية الحاج وعمارة البيت،
والمرادُ بها أنه كان يحمل قريشًا على عمارته بالخير وترك السيئات فيه وقول
الهجر، وحضر بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يسلم، وشهد بدرًا مع المشركين
مكرهًا، فأُسِر فافتدى نفسه وابن أخيه عقيل بن أبي طالب ورجع إلى مكة، فيقال:
إنه أسلم وكتم قومه ذلك، وصار يكتب إلى النبي وَلّ بالأخبار، ثم هاجر قبل الفتح
بقليل، وشهد الفتح وثبت يوم حنين، وقال النبي ◌َّ: ((مَنْ آذَى العباس فَقَدْ آذَانِي،
فَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ))، أخرجَهُ الترمذيُّ في قصةٍ. قال سفيان بن الحارث بن
عبد المطلب: كان العباسُ أعظم الناس عند رسول اللَّه وَّل، والصحابة يعترفون
(٩) مُسْلِم (٣٤/٥٦)، وَالتِّرْ مِذِي (٢٦٢٣) عَنِ العَبَّاسِ فِي الإِيمَانِ.

٢١٤
**
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
للعباس فضله، ويشاورونه ويأخذون رأيه، وقال مجاهد: أعتق العباس عند موته
سبعين مملوكًا، وقال ابن عبد البر: كان رئيسًا في الجاهلية، وإليه العمارة والسقاية
وأسلم قبل فتح خيبرٍ، وكان أنصر الناس لرسول اللَّه وَ ليل بعد أبي طالب، وكان
جوادًا مطعمًا وصولًا للرحم ذا رأي حسن ودعوة مرجوة، وكان لا يمر بعُمر
وعثمان وهما راكبان إلا نزلا حتى يجوز، إجلالاً له، وفضائله ومناقبه كثيرة،
وترجمته مطولة في تاريخ دمشق، مات بالمدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من
رجب، أو رمضان سنة ٣٢هـ، وهو ابن (٨٨) سنة ودفن بالبقيع، روي له خمسة
وثلاثون حديثًا، اتفقا على حديث، وانفردَ البخاريُّ بحديث، ومسلم بثلاثة، روى
عنه جماعة .
(ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ) أي: حلاوة الإيمان ولذَّته. (من رَضِيَ بالله ربًّا) منصوب
على التمييز وكذا أخواته، قال صاحب التحرير: معنى رضيت بالشيء: قنعت به،
واكتفيت به، ولم أطلب معه غيره، فمعنى الحديث: لم يطلب غير الله تعالى ولم
يسع في غير طريق الإسلام ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد وَّله، ولا شك في
أن من كانت هذه صفته فقد خلصت حلاوة الإيمان إلى قلبه وذاق طعمه، وقال
القاضي عياض: معنى الحديث: صحَّ إيمانه واطمأنت به نفسه وخامر باطنه؛ لأن
رضاه بالمذكورات دليل لثبوت معرفته ونفاذ بصيرته ومخالطة بشاشته قلبه؛ لأن
من رضي أمرًا سَهُل عليه، فكذا المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان سهل عليه طاعات الله
تعالی ولذت له.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وكذا أحمد (ج١: ص٢٠٨) والترمذيُّ في الإيمان وصحَّحه.
*

٢١٥
كِتَابُ الْإِيمَانِ
١٠ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِيهِ: ((وَالَّذِي نَفْسُ
مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأَمَّةِ، يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ،
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أَرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ))
الشَّرْخُ
١٠ - قوله: (لَا يَسْمَعُ بِي) هو جواب القسم، والباء زائدة، وقيل: بمعنى من،
قال القاري: والأظهر أنها لتأكيد التعدية، كما في قوله تعالى: ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾
[ص: ٧]، وضمن معنى الإخبار، أي: ما يسمع مخبرًا ببعثي، وحاصل المعنى لا
يعلم برسالتي. (أحَدٌ) أي: ممن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة فكلهم
ممن يجب عليه الدخول في طاعته. (مِنْ هَذِهِ الأَمَّةِ) أي: أمة الدعوة وهم الخلق
جميعًا، ومِن تبعيضية، وقيل: بيانية. (يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ) صفتان لأحد، وحكم
المعطلة وعبدة الأوثان يعلم بالطريق الأولى؛ لأن اليهود والنصارى لهم كتاب،
فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابًا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى، أو بدلان عنه
بدل البعض من الكل، وخصا بالذكر؛ لأن كفرهما أقبح لكونهم يعرفونه كما
يعرفون أبناءهم، قال تعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِىِ التَّوْرَةِ وَالْإِنِيلِ﴾
[الأعراف: ١٥٧] وعلى كلٍ (لا)) زائدة لتأكيد الحكم. (ثُمَّ يَمُوتُ) ثم للاستبعاد، كما
في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِرَ بِئَايَتِ رَبِّهِ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة: ٢٢]، أي:
ج
ليس أحد أظلم ممن بينت له آيات الله الظاهرة والباطنة ودلائله القاهرة، فعرفها ثم
أنكرها، أي: بعيد عن العاقل، قاله الطيبي. (إِلَّا كَانَ) أي: في عِلم اللَّه، أو بمعنى
يكون وتعبيره بالمضي لتحقق وقوعه، وهو استثناء مفرغ من أعمِّ الأحوال، قال
القاري: (لَا)) في («لا يسمع)) بمعنى ليس، و(ثُمَّ يَمُوتُ)) عطف على يسمع المثبت،
و(لَمْ يُؤْمِنْ)) عطف على يموت، أو حال من فاعله وليس لنفي هذا المجموع،
وتقديره: ليس أحد يسمع بي ثم يموت ولم يؤمن، أو غير مؤمن كائنًا من أصحاب
شيء إلا من أصحاب النار، انتهى. وذلك لأن معجزته القرآن المستمر إلى يوم
(١٠) مُسْلِم (٢٤٠ / ١٥٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الإِيمَانِ.

٢١٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
القيامة مع خرقه العادة في أسلوبه وأخباره بالمغيبات، وعجز الجن والإنس عن أن
يأتوا بسورة مثله يوجب الإيمان برسالته، ويوجب الدخول على الكل في طاعته،
فمن لم يؤمن بما أرسل به كان من أصحاب النار.
قال النووي: في الحديث نسخ الملل كلها برسالة نبينا وَّر، وفي مفهومه دلالة
على أن من لم يبلغه دعوة الإسلام فهو معذور.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) هو من إفراد مسلم من بين أصحاب الكتب الستة.
١١ - [١٠] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِّ ◌َوَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ :
(ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانٍ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ وَّهِ،
وَالْعَبْدُ الْمَمْلُولُكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ يَطَوُّهَا
فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ
أَجْرَانٍ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشّرْجُ
١١ - قوله: (وعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) نسبة إلى الأشعر، أحد أجداده وهو
عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار الأشعري، مشهور باسمه و کُنیته معًا، قيل:
إنه قدم مكة قبل الهجرة، فأسلم ثم هاجر إلى الحبشة، ثم قدم المدينة مع أصحاب
السفينتين بعد فتح خيبر، وقيل: بل رجع إلى بلاد قومه، ولم يهاجر إلى الحبشة،
ثم خرج من بلاد قومه في سفينة فألقتهم الريح بأرض الحبشة، فوافقوا بها جعفر
ابن أبي طالب، فأقاموا عنده ورافقوه إلى المدينة، وهذا قول الأكثر، وهو أصح،
واستعمله النبي وَلّ على بعض اليمن كزبيد وعدن وأعمالهما، واستعمله عمر على
البصرة بعد المغيرة، فافتتح الأهواز ثم الأصبهان ثم استعمله عثمان على الكوفة،
ثم كان أحد الحكمين بصفين، ثم اعتزل الفريقين، وكان حسن الصوت بالقرآن،
(١١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: عَنْ أَبِي مُوسَى؛ البُخَارِي (٩٧) فِي الجِهَادِ وَالعِثْقِ، وَمُسْلِم (١٥٤/٢٤١) فِي
الإِيمَانِ، وأَبُو دَاوُد (٢٠٥٣)، والنَّسَائِي (١١٥/٦)، وابن مَاجَهْ (١٩٥٦).

٢١٧
كِتَابُ الْإِيمَانِ
وفي الصحيح المرفوع: ((لَقَدْ أُوتِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ))، وقال أبو عثمان
النهدي: صلّيْتُ خلف أبي موسى فما سمعت في الجاهلية صوت صنح ولا بربط
ولا نأي أحسن من صوت أبي موسى بالقرآن، وكان عمر إذا رآه قال: ذكرنا يا
أباموسى، وفي رواية: شوقنا إلى ربنا، فيقرأ عنده، وكان أبو موسى هو الذي فَقَّهَ
أهلَ البصرة وأَقْرَأَهُم، وأخرج البخاري عن الحسنِ قال: ما أتاها يعني: البصرة
راكب خير لأهلها منه، يعني: من أبي موسى. قال الشعبي: كتب عمر في وصيته
أن لا يقر لي عامل أكثر من سنة، وأَقِرُّوا الأشعري أربع سنين، ومناقبه كثيرة، له
ثلاثمائة وستون حديثًا، اتفقا على خمسين، وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بخمسة
وعشرين، روى عنه خلق، مات سنة (٥٠)، وقيل بعد ذلك، وهو ابن (٦٣)، قيل:
بالكوفة، وقيل: بمكة. (ثَلَاثَةُ) مبتدأ تقديره: ثلاثة رجال، أو رجال ثلاثة. (لَهُمْ
أَجْرَانٍ) أي: لكل واحد أجران يوم القيامة، وهو مبتدأ وخبر، والجملة خبر المبتدأ
الأول. (رَجُلٌ) خبر مبتدأ محذوف، تقديره: أولهم أو أحدهم بدل من ثلاثة بدل
البعض، بالنظر إلى كل رجل بدل الكل بالنظر إلى المجموع، وقيل: غير ذلك،
وحكم المرأة الكتابية حكم الرجل، كما هو مطرد في جل الأحكام، حيث يدخلن
مع الرجال بالتبعية إلا ما خصَّهُ الدليل. (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) في محل الرفع؛ لأنه
صفة لرجل، ولفظ الكتاب عام ومعناه خاص، أي: المنزل من عند الله، والمراد
به التوراة والإنجيل، كما تظاهرت به نصوص الكتاب والسنة، حيث يطلقُ أهل
الكتاب، ويؤيد العموم، أي: الحمل على أهل التوراة والإنجيل، أعني: اليهود
والنصارى ما رواه أحمد في ((مسنده)) (ج٥: ص٢٥٩) عن أبي أمامة قال: إِنِّي
لَتَحْتَ رَاحِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَ الِه يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَالَ قَوْلاً حَسَنًا جَمِيلًا، وَكَانَ فِيمَا قَالَ:
(مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ ، وَلَهُ مَا لَنَا وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ فَلَهُ أَجْرُهُ، وَلَهُ مَا لَنَا وَعَلَيْهِ مَا عَلَّيْنَا))، وما رواه النسائي في آداب القضاة
(ج٢: ص٢٦٥) عن ابن عباس في تأويل قوله رغمت: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] من حديث طويل، وفيه: فقال الله تبارك وتعالى:
﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ، يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ،﴾ [الحديد: ٢٨]
أجرين بإيمانهم بعيسى وبالتوراة والإنجيل، وبإيمانهم بمحمد ◌َّةٍ ... الحديث.
ويؤيدُهُ أيضًا أن الحديث مستفاد من قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوّنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾، وأنه

٢١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
نزل في عبد الله بن سلام وأشباهه، كما رواه الطبراني من حديث رفاعة القرظي،
والطبري عن علي بن رفاعة القرظي وغيره، أنها نزلت في رفاعة القرظي، وعبد الله
ابن سلام، وسلمان وغيرهم من أهل الكتاب الذين كانوا بالمدينة، وأما ما ورد في
البخاري (ج١: ص ٤٩٠) في كتاب الأنبياء، وإذا آمن بعيسى ثم آمن بي بدل قوله:
((مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)) وهو يدلّ على أن المراد في حديث الباب أهل الإنجيل، أي:
النصارى فقط، فهو محمول على اقتصار الراوي واختصاره، والأصل كما ذكره
آخرون، فإن قيل: حمل الكتاب على العموم حتى يشمل اليهود صعب جدًّا؛ لأنهم
كفروا بعيسى علِّلا فحَبِط إيمانُهم بموسى، ثم إنهم لما آمنوا بمحمد ◌َّ لم يبق لهم
إلا عمل واحد، وهو الإيمان بنبينا وَله، فلا يستحقون عليه إلا أجرًا واحدًا، قلنا:
من دخل في اليهودية من غير بني إسرائيل ولم يكن بحضرة عيسى النَّ فلم تبلغه
دعوته، يصدق عليه أنه يهودي مؤمن، إذ هو مؤمن بنبيه موسى عليه السلام، ولم
يكذب نبيًّا آخر بعده، فمن أدرك بعثة محمد وي ليه ممن كان بهذه المثابة وآمن به لا
يشكل أنه يدخل في حديث أبي موسى، ومن هؤلاء عرب نحو اليمن متهودون ولم
تبلغهم دعوة عيسى، لكونه أرسل إلى بني إسرائيل خاصة إجماعًا دون غيرهم،
وكذا يدخل في قوله: ((أَهْلَ الْكِتَابِ)) يهود المدينة الذين كانوا بحضرة النبي وَلّ
كما دخلوا في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٣]؛ لأنه لم تبلغهم
دعوة عيسى ظلِّلا؛ لكونها لم تنتشر في أكثر العباد، فاستمروا على يهوديتهم
مؤمنين بنبيهم موسى الثّل إلى أن جاء الإسلام فآمنوا بمحمد وَاجّه، وقيل: الظاهر أنه
بلغ عبد الله بن سلام وأصحابه ممن أسلموا من يهود المدينة خبر عيسى ◌ِلَّا،
كسائر الأخبار تحمل من بلد إلى بلد من غير أن يبلغ إليه الدعوة إلى شريعته
بخصوصها، فآمنوا به وصدقوه، فحاشا مثل ابن سلام وأضرابه مع سعة علومهم،
وكمال عقولهم، وسلامة فطرتهم، أن يبلغ إليهم خبر عيسى ثم يُكَذَّبوه، فلا نسيء
الظن بهم، وإذا كان الأمر كذلك فقد كفاهم تصديقهم به إجمالاً لاستحقاق أجر
إيمانهم عن عهدة التزام شريعته؛ لأنه لم تبلغهم الدعوة إلى شريعته بخصوصها فلم
يكن عليهم إلا التصديق مجملًا، وحينئذٍ بقاءهم على اليهودية لا يمنع من إحراز
الأجر، ثم لما آمنوا بنبينا وَلو حصل لهم الأجر مرتين، نعم، يخرج من الحديث
يهود الشام من بني إسرائيل الذين بعث فيهم عيسى ودعاهم إلى شريعته، فكذبوه

٢١٩
3
كِتَابُ الْإِيمَانِ
وكفروا به، فلا يحصل لهم بالإيمان بالنبي وعملية إلا أجر واحد. وقال الطيبي:
يحتمل إجراء الحديث على عمومه؛ إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان بمحمد وقل له
سببًّا لثوابه على الإيمان السابق وسبًا لقبول تلك الأعمال والأديان، وإن كانت
منسوخة كما ورد في الحديث ((إِنَّ مبرات الكُفَّارِ وُحَسَنَاتِهِمْ مَقْبُولَةٌ بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ))،
انتھی .
واعلم: أنه قال بعضهم: إنَّ الكتابي الذي يضاعف أجره مرتين هو الذي بقي
على ما بعث به نبيه من غير تبديل وتحريف، فمن كان على الحق في شرعه عقدًا
وفعلاً إلى أن آمن بمحمد وّل﴿ فله الأجر مرتين، ومن بدل منهم أو حرف لم يبق له
أجر في دينه، فليس له أجر إلا بإيمانه بنبينا وََّ. قلتُ: هذا خلاف نص الحديث؛
لأنه وَلّ قال ذلك في أهل زمانه من اليهود والنصارى، وحالهم في التحريف
والتبديل معلوم، وقال الحافظُ: ويشكل عليه أن النبي ◌َّ كتب إلى هرقل: ((أَسْلِمْ،
يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرََكَ مَرَّتَيْنٍ))، وهرقل كان ممن دخل في النصرانية بعد التبديل، ثم إن
الكرماني قال: هذا مختص بمن آمن من أهل الكتاب في عهد البعثة، فلا يشمل
من آمن منهم في زماننا، وعلل ذلك، بأن نبيهم بعد البعثة إنما هو محمد دَ له
باعتبار عموم بعثته. قال الحافظُ: وقضيته أن ذلك أيضًا لا يتم لمن كان في عهد
النبي ◌َّسلو، فإن خصه بمن لم تبلغه الدعوة فلا فرق في ذلك بين عهده وبعده، فما
قاله شيخنا أظهر، أراد به ما قاله من أن هذه الثلاثة المذكورة في الحديث مستمرة
إلى يوم القيامة، وتعقبهما العيني بما يطول الكلام بذكره، ثم إنه مخصوص بما
عدا أكابر الصحابة بالإجماع، فيدخل في هذا الحكم كل صحابي لا يدل دليل على
زيادة أجره على من كان كتابيًا، والله أعلم.
(وَالْعَبْدُ الْمَمْلُولُكُ) وصف بهِ؛ لأن جميع الناس عباد الله، فأراد تمييزه بكونه
مملوكًا للناس. (إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ) مثل: الصلاة والصوم ونحوهما. (وَحَقَّ مَوَالِيهِ)
من خدمتهم الجائزة جهده وطاقته، وجمع الموالي، لأن المراد بالعبد جنس
العبيد، حتى يكون عند التوزيع لكل عبد مولى؛ لأن مقابلة الجمع بالجمع أو ما
يقوم مقامه مفيدة للتوزيع، أو أراد أن استحقاق الأجرين إنما هو عند أداء حق جميع
مواليه لو كان مشتركًا بين طائفة مملوكًا لهم، لا يقال: إنه يلزم أن يكون أجر