Indexed OCR Text

Pages 121-140

SOME
١٢٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والفرق بين المبهم والمهمل: أن المبهم لم يذكر اسمه، وأما المهمل فذكر
اسمه لكن مع الاشتباه .
من حدث ونسي
من حدث ونسي: وهو أن ينكر الشیخ رواية ما حدث به تلميذه عنه، فإن كان
الإنكار بصيغة الجزم واليقين، كأن يقول: كذب عليَّ، أو ما رويت له ذلك، أو
كذبت عليَّ، أو ما حدثتك بهذا، فحكمه رد تلك الرواية، ولا يكون ذلك قادحًا في
عدالة واحد منهما؛ إذ ليس أحدهما أولى بالطعن فيه من الآخر، وإن أنكر على
سبيل التردد والشك، كأن يقول: ما أذكر هذا، أو لا أعرفه أو نحو ذلك، فيقبل هذا
المروي محمولًا على نسيان الشيخ وتذكر التلميذ؛ إذ المثبت الجازم مقدم على
النافي المتردد.
المسلسل: هو ما اتفق رواته في صيغ الأداء أو غيرها من الصفات والحالات،
كمسلسل التشبيك باليد والمصافحة والقبض على اللحية.
وحالات الرواة: أفعالهم وأقوالهم، وحالات الرواية: ما يتعلق بصيغ الأداء أو
بزمنها ومكانها، وهو نوع واسع جدًّا، ومن فوائده: اشتماله على مزيد الضبط من
رواته، وصيغ الأداء على ثمان مراتب:
٦ صيغ الأداء:
١ - سمعت وحدثني.
٢ - ثم أخبرني وقرأت عليه.
٣ - ثم قرئ عليه وأنا أسمع.
٤ - ثم أنبأني.
٥ - ثم ناولني.
٦ - ثم شافهني بالإجازة.

١٢١
تُحِفَةُ أَهْلِ الفِكرِ
ريم
٧ - ثم كتب إليَّ بالإجازة.
٨ - ثم عن ونحوها، مثل ((قال))، و((ذكر))، و((روی)).
تحمل الحديث وأداؤه
تحمل الحديث: هو روايته وأخذه عن المشائخ، ويشترط في الأصح في ذلك
اعتبار الفهم والتمييز.
الأداء: هو تحديث الشيخ تلاميذه بما كان قد تحمله، ويشترط فيمن يحتج
براويته العدالة والضبط، وقد تقدم معنى الضبط والعدالة.
٢ طرق تحمل الحديث وصيغ الأداء:
١ - السماع من لفظ الشيخ: وهو أعلى طرق تحمل الحديث، وكيفيته: أن يقرأ
الشيخ من كتابه أو حفظه والطالب يسمع إملاء أو غير إملاء، ويقول في الأداء:
سمعت، أو حدثني، واللفظ الأول - أي سمعت - أصرح في التعبير عن سماع
قائله؛ لأنه لا يحتمل الواسطة. وأما حدثني فقد استعملت في الإجازة تدليسًا.
وأرفع صيغ الأداء وأعلاها: ما وقع منها في الإملاء؛ لما فيه من تثبت الشيخ
وتيقظ الطالب وانتباهه فهمًّا لذلك أبعد من الغفلة وأقرب إلى التحقيق، وقوله:
((سمعت وحدثني)): يدلان على أن الراوي وحده سمع من لفظ الشيخ، فإن شاركه
غیرہ قال: سمعنا أو حدثنا.
وأما الصيغة الثالثة: أي أخبرني، والرابعة: أي قرأت عليه؛ فهما للقراءة على
الشيخ كما سيأتي وهما تدلان على أن التلميذ قرأ على الشيخ بنفسه، فإن جمع
فقال: أخبرنا أو قرأنا عليه فهي كقوله: قرئ عليه وأنا أسمع، فإنه يدل على أن غير
الراوي شاركه في القرأة والعرض على الشيخ.
ولا فرق بين التحديث والإخبار لغة، أما في اصطلاح المحدثين فالشائع عندهم
التفريق بينهما بتخصيص التحديث بما سمع من لفظ الشيخ، والإخبار بالعرض
والقراءة عليه .

١٢٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
*E
pace
القرأة على الشيخ: ويسميها البعض عرضًا؛ لأن القارئ يعرض على الشيخ ما
يقرأه، سواء قرأ الطالب بنفسه على الشيخ من حفظه أو كتابه، أو قرأ عليه غيره وهو
يسمع، وسواء أكان الشيخ حافظًا لما يقرأ عليه أوْ لا، ولكن أمسك أصله هو أو ثقة
غيره، ويقال في الأداء: قرأت على فلان، أو قرئ على فلان وأنا أسمع، ويجوز له
أن يعبر بما سبق من صيغ الأداء بشرط أن يقيد بالقراءة لا مطلقًا نحو: حدثني فلان
قرأة عليه.
واختلف في أن العرض مساو للسماع من لفظ الشيخ رتبة أو فوقه أو دونه،
والراجح أن العرض دون السماع من لفظ الشيخ.
والإنباء عند متقدمي المحدثين بمعنى الإخبار، أما عند متأخريهم فللإجازة
كعن، فإنها في اصطلاحهم للإجازة.
وعنعنة المعاصر محمولة على سماعه ممن عنعن عنه، إلا أن يكون معروفًا
بالتدليس، فيشترط فيه ثبوت اللقاء بين الراوي والمروي عنه ولو مرة واحدة على
المذهب المختار؛ ليحصل الأمن في باقي العنعنة عن كونه من المرسل الخفي.
٣ - الإجازة: وهي الإذن في الرواية لفظًا أو كتابة، أي: إذن الشيخ لتلميذه بأن
يروي عنه مسموعاته وإن لم يسمعها منه أو يقرأها عليه، وهي أنواع:
١ - منها: الإجازة لمعين بمعين نحو أجزتك أن تروي عني ((صحيح البخاري))،
ولا يناوله إياه، وهي أعلى أنواع الإجازة المجردة عن المناولة، ولا خلاف في
جواز الراوية بذلك والعمل بها.
٢ - ومنها: الإجازة لمعين بغير معين، نحو أجزتك رواية مسموعاتي.
٣ - ومنها: الإجازة لغير معين بمعين، نحو أجزت لمن أدركني رواية ((صحيح
مسلم) .
٤ - ومنها: الإجازة لغير معين بغير معين، نحو أجزت لأهل زماني رواية
مسموعاتي .
٥ - ومنها: الإجازة لمعدوم تبعًا لموجود، نحو أجزت لفلان ومن يولد بعد
بکذا.
وفي جواز الرواية بهذه الأنواع كلها خلاف ما عدا الأول.

١٢٣
تُحِفَةُ أَهْلِ الفِكرِ
المشافهة: هي أن يشافه الشيخ تلميذه بالإذن له بالرواية عنه، ويقول في الأداء:
شافهني بالإذن، فتستعمل المشافهة في الإجازة المتلفظ بها دون الإجازة
بالمكاتبة، وإنما يقال فيها: كتب إليَّ .
المناولة: وهي إعطاء الشيخ الطالب شيئًا من مروياته، وهي نوعان:
١ - المناولة المقرونة بالإجازة: وهي أن يناول الشيخ الطالب أصله أو فرعًا
مقابلًا به، أو يحضر الطالب أصل الشيخ، ويقول له الشيخ: هذا روايتي عن فلان
فاروه عني، أو أجزت لك روايته.
وشرطه: أن يمكِّنُ الشيخُ الطالب على أصله تمليكًا بالبيع أو الهبة أو عارية لينقل
عنه ويقابل عليه ثم يرده، وأما إذا ناوله الأصل وأذن بالرواية عنه، ثم استرده في
الحال، فلا مزية لها على الإجازة المعينة؛ لعدم احتواء الطالب على الكتاب
المُجاز به، وقد تقدمت صورة الإجازة المعينة .
٢ - المناولة المجردة عن الإجازة: بأن يناوله أصله أو ما قام مقامه مقتصرًا على
قوله: هذا سماعي، أو روايتي عن فلان، ولم يعتبر بها عند الجمهور.
وصورة الأداء بالإجازة أو المناولة: حدثني فلان إجازة أو مناولة، وكذا
أخبرني إجازة أو مناولة، أو نحو ذلك.
٥ - المكاتبة: وهي أن يكتب الشيخ مسموعه لحاضر أو غائب، سواء كتب
بخطه أم كتب عنه بأمره، وهي نوعان أيضًا:
١ - مقرونة بالإجازة، وهي في الصحة والقوة مثل المناولة المقرونة بالإذن.
٢ - مجردة عنها فهي في الحكم كالمناولة المجردة عن الإذن.
وصورة الأداء: حدثني فلان مكاتبة، أو كتب إليَّ فلان، أو نحو ذلك.
٦ - الإعلام: وهو أن يقول الشيخ للطالب: إن هذا الكتاب أو الحديث من
مسموعاتي عن فلان.
٧ - الوصية: وهي أن يوصي الشيخ عند موته أو سفره لشخص معين بكتاب
مروي له، ويقال في الأداء: أوصَى إليَّ فلان، أو حدثني فلان وصيةً.

١٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٨ - الوجادة: وهي أن يجد الطالب كتابًا أو حديثًا بخط يعرف كاتبه، فيقول في
الأداء: وجدت بخط فلان كذا وكذا، أو قرأت بخط فلان كذا وكذا، والمروي
بالوجادة من قبيل المنقطع الذي فيه شائبة الاتصال، ويشترط لصحة الرواية بكل
من الإعلام والوصية والوجادة أن يكون مقرونًا بالإجازة والإذن بالرواية على
الصحيح، وإلا فلا عبرة بها كالإجازة العامة في المجاز له.
الإجازة العامة في المجاز به: كأن يقول الشيخ لتلميذه: أجزت لك أن تروي
عامة مروياتي، وما أشبه ذلك، وتقبل على الأصح.
الإجازة العامة في المجاز له: وهي أن يقول الشيخ: أجزت لجميع المسلمين أو
لمن أدرك حياتي أو نحوه، فلا عبرة بها على الأصح عند المحدثين.
المتفق والمفترق
هو أن تتفق أسماء الرواة وأسماء آبائهم فصاعدًا أو كناهم أو أنسابهم وتختلف
أشخاصهم، كالخليل بن أحمد يطلق على جماعة منهم النحوي صاحب العروض،
ومنهم المزني.
وفائدة معرفة هذا النوع: الأمن من اللبس، فربما يظن الأشخاص شخصًا
واحدًا كما وقع لجماعة.
المؤتلف والمختلف
هو أن تتفق أسماء الرواة خَطًّا وتختلف نطقًا سواء كان مرجع الاختلاف النقط أو
الحركات کسلَام وسلّام، ومِسوَر ومُسوِّر.
وفائدة هذا النوع: الأمن من التصحيف والتحريف.

١٢٥
تُحِفَّةُ أَهْلِ الفِكرِ
المتشابه
هو أن تتفق أسماء الرواة نطقًا وخَطًّا وتختلف أسماء آبائهم نطقًا لا خطًّا، وسمي
بذلك لتشابهه بالنوعين اللذين قبله؛ لأنه مركب منهما، نحو محمد بن عَقِيْل
ومحمد بن عُقَيْل، أو بالعكس نحو شريح بن النعمان وسريج بن النعمان، ويتركب
من المتشابه ومما قبله من المؤتلف والمختلف أنواع.
معنى الطبقة ومراتب الجرح والتعديل
الطبقة: عبارة عن جماعة اشتركوا في السن واللقي الذي هو الأخذ عن
المشائخ، مثل الصحابة والتَّابِعِينَ.
وفائدة معرفة طبقات الرواة: الأمن من تداخل المشتبهين، وإمكان الوقوف
على تبيين التدليس، والاطلاع على حقيقة المراد من العنعنة.
وللجرح مراتب: أسوأها الوصف بما دل على المبالغة، مثل قولهم: فلان
أكذب الناس، أو إليه المنتهى في الوضع، أو هو ركن الكذب، أو معدنه، أو نحو
ذلك، ثم دجال أو كذاب أو وضاع، أو يضع الحديث أو يكذب.
وأسهل الألفاظ الدالة على الجرح، قولهم: فلان لين، أو سيئ الحفظ، أو فيه
أدنى مقال.
وبين أسوأ الجرح وأسهله مراتب، مثل قولهم: فلان متروك، أو ساقط، أو
فاحش الغلط، أو منكر الحديث، وهي أشد من قولهم: فلان ضعيف، أو ليس
بالقوي، أو فيه مقال.
وأرفع مراتب التعديل: الوصف بما دل على المبالغة فيه، كالوصف بأفعل،
مثل فلان أوثق الناس، وكذا قولهم: فلان إليه المنتهى في التثبت، ثم ما تأكد
بصفة أو صفتين من الصفات الدالة على التعديل، مثل: ثقة ثقة، أو ثقة حافظ، أو

١٢٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
ceger
عدل ضابط .
وأدنى مراتب التعديل ما أشعر بالقرب من أسهل التجريح، مثل قولهم: فلان
شیخ یُروی حدیثه، ولا بأس به، ونحو ذلك.
واعلم أنهم اختلفوا في عدد مراتب ألفاظ التجريح والتعديل وبيانها وترتيبها،
فجعل ابن أبي حاتم في كتاب ((الجرح والتعديل)) وتبعه ابن الصلاح في ((مقدمته))،
لكل منهما أربع مراتب، وجعل العراقي في ((شرح ألفيته)) خمس مراتب،
والسخاوي في ((شرح الألفية))، والسندي في ((شرح النخبة)) ست مراتب، من أحب
الوقوف عليها وعلى أحكامها رجع إلى الكتب المذكورة وغيرها من الكتب
المبسوطة في أصول الحديث.
التعديل والتزكية تقبل إذا صدرت من عارف بأسبابها، ولو كان واحدًا على
الأصح، ويقدم الجرح على التعديل إذا تعارضا؛ لأن المُجَرِّحَ معه زيادة علم
خفيت على المُعَدِّل، ولكن يشترط لتقديم الجرح على التعديل أن يكون الجرح
مفسرًا ومبينًا ويصدر من عارف بأسبابه؛ لأنه إن كان غير مفسر لم يقدح فيمن ثبتت
عدالته، وإن كان صادرًا من غير عارف بالأسباب لم يعتبر به أيضًا، فإن خلا عن
التعديل قُبِلَ مجملًا غير مبين السبب.
ومن الأمور المهمة فيما يتعلق بالرواة: معرفة طبقاتهم ومواليدهم ووفياتهم
وأحوالهم.
١ - ومنها: معرفة كنى المسمين ممن اشتهر باسمه وله كنيته؛ لئلا يظن أنه
آخر.
٢ - ومعرفة من اشتهر بكنيته وله اسم.
٣ - ومعرفة من کنیته اسمه.
٤ - ومعرفة من كثرت كناه.
٥ - ومعرفة من اختلف في كنيته.
٦ - ومعرفة من وافقت کنیته اسم أبيه .

١٢٧
تُحِفَةُ أَهْلِ الفِكَرِ
٧ - ومعرفة من وافق اسمه كنية أبيه.
٨ - ومعرفة من وافق اسم شيخه اسم أبيه .
٩ - ومعرفة من وافق اسم الراوي عنه اسم شيخه.
١٠ - ومعرفة من اتفق اسمه اسم أبيه واسم جده.
١١ - ومعرفة من اتفق اسمه واسم شيخه واسم شيخ شيخه.
١٢ - ومعرفة من نسب إلى غير أبيه.
١٣ - ومعرفة من نسب إلى أمه.
١٤ - ومعرفة من نسب إلى غير ما يسبق إلى الذهن والفهم.
١٥ - ومعرفة المفردة من الأسماء والكنى والأنساب: وهي التي لم يشارك
صاحبها أحد في التسمية والكنية واللقب، أي التي لم يسمع بها إلا واحد.
١٦ - ومعرفة الأنساب والألقاب، والنسبة تقع تارة إلى القبائل وتارة إلى
الأوطان، وقد تقع إلى الصنائع والحرف والعاهات.
وقد تقع الأنساب ألقابًا، ومن المهم أيضًا معرفة أسباب الألقاب والأنساب؛ إذ
قد تكون على خلاف الظاهر .
١٧ - ومنها: معرفة الموالي من الرواة، والولاء ثلاثة أنواع:
١ - ولاء العتاقة: وهي الأكثر، وكثير من الرواة نسب إلى قبيلة معتقه.
٢ - ولاء بالإسلام: وهو أن يسلم رجل على يد رجل آخر فينسب إلى قبيلته.
٣ - ولاء بالحلف - بالكسر: وهي المعاقدة والمعاهدة على التناصر والتآزر،
ولفظ المولى مشترك بين المولى الأعلى وهو المعتِق - بالكسر - والمحالَف -
بالفتح - ومن أسلم على يديه غيره، وبين المولى الأسفل وهو العتيق، والمحالِف
- بالكسر - والمسلم على يد الغير.
١٨ - ومنها: معرفة الإخوة والأخوات؛ للأمن من اللبس والسلامة من أن يظن
المتعدد واحدًا أو يظن غير الأخ أخًا للاشتراك في اسم الأب، وارجع لأمثلة ذلك

١٢٨
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كله إلى الكتب المبسوطة في علم مصطلح الحديث.
الرحلة في طلب الحديث
وكيفية كتابته وتصنيفه
صفة كتابة الحديث: هي أن يكتبه بخطً واضح جليٍّ مبينًا مفسرًا، ويشكل
المشكل منه، وينقط ويكتب الساقط من أصله على الحاشية اليمنى إن أمكن، وإلا
ففي اليسرى، ولا يكتب بين الأسطر.
الرحلة في طلب الحديث: ينبغي للطالب قبل الرحلة أن يبدأ بحديث أهل بلدته
فيستوعبه، ثم يرحل لتحصيل ما ليس عنده من المتون والأسانيد، ويكون اعتناؤه
بتكثير المسموع أولى من اعتنائه بتكثير الشيوخ.
سماع الحديث: أن يكون الطالب يقظًا عند سماع الحديث من لفظ الشيخ أم
القراءة عليه، وأن لا يتشاغل بما يخل من كلام أو قراءة أو كتابة شيء غير مسموع.
عرض الحديث: هو أن يقابل الطالب مع الشيخ، سواء كان مع الشيخ أصله أم
عول على حفظه، أو يقابل مع ثقة غيره أو يقابل بنفسه على أصل الشيخ أو فرع مقابل
عليه .
إسماع الحديث: هو أن يكون الشيخ يَقِظًّاً وقت الإسماع والتحديث غير مشغول
بما يخل، وأن يكون أداؤه من أصله الذي سمع فيه أو من فرع مقابل عليه، فإن
تعذر فليجبره بالإجازة.
آداب الشيخ والطالب
يشتركان: في تصحيح النية، وبذل النصيحة للمسلمين، وتطهير القلب من
أغراض الدنيا، والعمل بالعلم، وتحسين الخلق.
وينفرد الشيخ: بأن يسمع إذا احتيج إليه مع رغبته في الخير للطالب، ويقبل على
الحاضرين، ويفتتح مجلسه بالتحميد والصلاة والسلام على رسول الله وَالخلال،

١٢٩
تُحِفَةٌ أَهْلِ الفِكرِ
ويختمه كذلك، وأن يجلس بالوقار والسكينة، وأن يستنصت الطلاب، وإن رفع
أحدهم صوته زجره؛ لأن رفع الصوت عند حديثه عليه الصلاة والسلام مثل رفعه
عنده وقد نهى الله عن ذلك، وأن لا يقوم لأحد أثناء التحديث، ولا يحدث قائمًا،
ولا عَجِلًا، ولا في الطريق إلا لحاجة.
وينفرد الطالب: بأن يوقر الشيخ ويعظمه، ولا يمنعه الكبر أو الحياء من
الاستفادة والسعي التام في التحصيل وأخذ العلم، ولو عمن هو دونه في السن أو
القدر أو النسب، وأن لا يكتم شيئًا من العلم ولا يمتنع من إفادة غيره من الطلبة،
وأن يصبر على جفاء الشيخ، ويعتني بالضبط والتقييد وكثرة المذاكرة لما كتبه
لیرسخ في ذهنه، ویکتب ما سمعه تامًّا .
التصنيف في الحديث
٢ الكتب المصنفة في الحديث أنواع:
١٦ - الجوامع :
الجامع: كل كتاب يكون جامعًا لأحاديث الأبواب الثمانية أي: لأحاديث
العقائد، والأحكام، والرقاق، وآداب الأكل والشرب، والسفر، والقيام والقعود،
والتفسير، والتاريخ والسير، والفتن، وأحاديث المناقب والمثالب، مثل ((الجامع
الصحيح)) للبخاري.
٢٦ - المسانید :
المسند: كل كتاب جمع فيه مرويات كل صحابي على حدة من غير تقييد بصحة
الحديث وحسنه ولا بمناسبة لباب ونحوه، ووقع ترتيب الصحابة فيه باعتبار
فضلهم أو سبقهم إلى الإسلام أو قرابتهم منه مَّر، كـ((مسند الإمام أحمد بن حنبل))
(رح).
٣ - السنن :
السنن: كل كتاب جمع فيه الأحاديث على الأبواب الفقهية، بأن يجمع في كل

١٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
باب ما ورد فيه ما يدل على حكمه وجوبًا أو ندبًا أو كراهة أو حِلًا أو حرمة، مثل
السنن الأربعة.
٤٥ - المعاجم:
المعجم: كل كتاب ذكر فيه الأحاديث على ترتيب الشيوخ، سواء اعتبر فيه تقدم
وفاة الشيخ أو توافق حروف التهجي أو الفضيلة أو التقدم في العلم والتقوى،
والغالب فيه الترتيب على حروف الهجاء، كالمعاجم الثلاثة للطبراني.
٥١ - الأجزاء:
الجزء: ما يجمع فيه أحاديث رجل واحد، سواء كان ذلك الرجل من الصحابة
أو من بعدهم، كجزء حديث أبي بكر مثلًا، وجزء حديث مالك.
أو ما يذكر فيه الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد، كـ«جزء رفع اليدين في
الصلاة)) للإمام البخاري، ويقال له: الرسالة أيضًا، وقد يطلق كل واحد منهما على
الآخر.
٦٦ - الأربعون:
الأربعون حديثًا: هو ما يجمع في باب واحد أو أبواب شتى بسند واحد أو أسانيد
متعددة، كـ((أربعين حديثًا)) للنووي وغيره.
Q ٧ - الأفراد أو المفردات :
الفرد أو المفرد: ما لم يروه إلا راوٍ واحد، أو ما يحتوي على أحاديث شخص
واحد، مثل أحاديث أبي هريرة.
٨ - الغرائب :
الغريب: هو ما وقع في موضع من سنده التفرد.
٩٦ - التراجم:
التراجم: هو مجموع الأحاديث التي رويت بإسناد واحد، كمالك، عن نافع،
عن ابن عمر .

١٣١
تُحِفَةُ أَهْلِ الفِكرِ
١٠ - المشيخة :
المشيخة: هو ما جمع فيه مرويات شيخ مخصوص ومسموعاته.
١١ - العلل :
العلل: هي الكتب التي يجمع فيها الأحاديث المعلولة مع بيان عللها.
١٢ - المستخرجات :
المستخرج: كل كتاب يخرج فيه أحاديث كتاب آخر بأسانيد صحيحة من غير
طريق صاحب الكتاب ويجتمع معه في شيخه أو فيمن فوقه من الرجال،
كـ((مستخرج أبي نعيم الأصبهاني)) على ((الصحيحين)).
٦ ١٣ - المستدركات :
المستدرك: كل كتاب استدرك فيه ما فات صاحب كتاب آخر على شريطته،
كـ((مستدرك الحاكم)) على ((الصحيحين)).
١٤ - الأطراف:
الأطراف: هو أن يذكر طرف الحديث الدال على بقيته ويجمع أسانيده، إما
مستوعبًا أو مقيدًا بكتب مخصوصة، كـ((تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف)) للمزي.
١٥ - المسلسلات:
المسلسلات: وهو كل كتاب جمع فيه الأحاديث التي تتابع رجال إسناده واحدًا
فواحدًا على صفة واحدة أو حالة واحدة، للرواة تارة وللرواية تارة أخرى.
١٦٦ - الأمالي :
الأمالي: جمع الإملاء، وهو كل كتاب جمع فيه الأحاديث التي أملاه عالم على
تلامذته، وصفة الإملاء: أن يقعد عالم وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس،
فيتكلم العالم بما فتح الله عليه من العلم ويكتبه التلامذة، فيصير كتابًا، ويسمونه
الإملاء والأمالي.
انتهت الرسالة بعونه تعالى وحسن توفيقه، وبنعمته تتم الصالحات، وقد

١٣٢
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
استفدت في جمعها من الكتب المؤلفة في هذا الفن، وكان جُلَّ اعتمادي في
تهذيبها وتنسيقها على ((اجتناء الثمر لمصطلح أهل الأثر))، و((أطيب المنح في علم
المصطلح))، و((سح المطر على قصب السكر)) فجزى الله مؤلفيها، فإن الفضل في
هذا الباب راجع إليهم.
وهذا آخر ما أردنا إيراده كالمقدمة للطبعة الثانية للجزء الأول من ((مرعاة
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) لوالدنا الشيخ عبيد الله الرحماني المباركفوري،
ولله الحمد أولا وآخرًا.
کتبه
عبد الرحمن عبيد الله
الرحماني المباركفوري
الموافق: ٦ رجب سنة ١٣٩٣ هـ

خُطْبَةٌ الْكِتَابِ
١٣٣
خُطْبَةُ الْكِتَابِ
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ
الْحَمْدُ للَّهِ
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد خاتم
النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد . .
فإن بعض الإخوان سألني أن أعلِّق له شرحًا لطيفًا على ((مشكاة المصابيح))
للشيخ ولي الدين أبي عبدالله محمد بن عبدالله الخطيب العمري التبريزي، فأجبته
إلى سؤاله؛ رجاء المنفعة به. وأسأل الله تعالى أن ينفعنا به ومن كتبه أو سمعه أو
قرأه أو نظر فيه، وأن يجعله خالصًا لوجهه، موجبًا للفوز لديه، وبالإخلاص إنما
يتقبل العمل: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى)). فأقولُ مستعينًا
بالله، مهتديًا به، متوكلا عليه، وما توفيقي إلا بالله، وهو حسبي ونعم الوكيل:
قال: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ للَّهِ ... ) إلخ، افتتح الكتاب بالبسملة ثم
أتى بالحمدلةَ؛ موافقة لكتاب الله العظيم، فإن الصحابة افتتحوا كتابة الإمام
الكبير بالتسمية والحمدلة، وتلوها، وتبعهم جميع من كتب المصحف بعدهم في
جميع الأعصار، من يقول بأن البسملة آية من أول الفاتحة، ومن لا يقول ذلك،
وعملًا بحديث نبيِّه الكريم: ((فِي بِدَاءَةِ كُلُّ أَمْرِ ذِي بَالٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم))،
أخرجه الرهاوي في ((أربعينه)) من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وأخرج أبو داود
والنسائي وابن ماجه وأبو عوانة والدار قطني وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة
مرفوعًا: ((كُلَّ كَلَامِ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ))، وفي رواية: «كُلّ أُمْرٍ ذِي بَالٍ

١٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْعُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ)) حسَّنه ابن الصلاح وغيرِه، ولا منافاة بين روايتي
التسمية والتحميد؛ لأن المقصود منهما فيما نرى - والله أعلم بمراد كلام نبيِّه -
إنما هو الابتداء بذكر الله والثناء عليه، سواء يكون في ضمن البسملة أو الحمدلة،
لا أن لفظ الحمد أو البسملة متعين، فالقدر الذي يجمع الأمرين هو ذكر الله، وقد
حصل بالبسملة، وحينئذٍ فالحمدلة والبسملة والذكر سواء، ويدل على ذلك ما ورد
في بعض طرق الحديث لفظ: ((ذِكْرُ اللَّهِ)) مصرحًا، ففي ((مسند أحمد)) عن أبي
هريرة مرفوعًا: ((كُلَّ أَمْرِ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَتَحُ بِذِكْرِ اللَّهِ، فَهُوَ أَبْتَرُ أَوْ أَقْطَعُ)) .
قال التاجُ السبكيُّ في أول ((الطبقات الشافعية)) في الجمع بين الروايتين ما لفظه:
وأما الحمد والبسملة فجائزان. يعني بهما ما هو الأعم منهما، وهو ذكر اللَّه والثناء
عليه على الجملة، إما بصيغة الحمد أو غيرها، ويدل على ذلك رواية ذكر الله،
وحينئذٍ فالحمد والبسملة والذكر سواء وجائزان، يعني خصوص الحمد وخصوص
البسملة، وحينئذٍ فرواية الذكر أعم، فيقضى لها على الروايتين الأخيرتين؛ لأن
المطلق إذا قُيِّد بقيدين متنافيين لم يحمل على واحد منهما ويرجع إلى أصل
الإطلاق، وإنما قلنا: إن خصوص الحمدلة والبسملة متنافيان؛ لأن البداءة إنما
تكون بواحد، ولو وقع الابتداء بالحمد لما وقع بالبسملة وعكسه، ويدل على أن
المراد الذكر، فتكون روايته هي المعتبرة أن غالب الأعمال الشرعية غير مفتتحة
بالحمد كالصلاة، فإنها مفتتحة بالتكبيرِ والحج وغير ذلك، فإن قلت: لكن رواية
((بحمد اللَّه)) أثبت من رواية ((بذكر الله))، قلت: صحيح، ولكن لمَ قلت: إن
المقصود بحمد الله خصوص لفظ الحمد، ولِمَ لا يكون المراد ما هو أعم من لفظ
الحمد والبسملة؟ ويدل على ذلك ما ذكرت لك من الأعمال الشرعية التي لم يشرع
الشارع افتتاحها بالحمد بخصوصه. انتهى كلام السبكي.
قوله: (الْحَمْدُ للَّهِ) الحمد هو: الثناء على الجميل الاختياري من نعمة أو
غيرها، أتى بالجملة الاسمية واسم الذات للدلالة على الدوام والثبات. وقوله:
(الْحَمْدُ للَّهِ) مطلق يتناول حمد الله تعالى نفسه، وأرفع حمد ما كان من أرفع حامد
وأعرفهم بالمحمود وأقدرهم على إيفاء حقِّه، قال بَّ: ((لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ

١٣٥
خُطْبَةُ الْكِتَابِ
نَحْمَدَهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورٍ أَنْفِسِنَا، وَمِنْ سَيئَاتٍ
أَعْمَالنَا،.
كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ))، ويتناول حمد الحامدين له تعالى من ابتداء الخلق إلى
انتهاء قولهم: (وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمين).
(نَحْمَدهُ) استئناف، فأولًا: أثبت الحمد له بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت
والدوام، سواء حمد أو لم يحمد، فهو إخبار متضمن للإنشاء.
ثانيًا: أخبر عن حمده وحمد غيره معه بالجملة الفعلية التي للتجدد والحدوث،
بحسب تجدد النعماء وتعدد الآلاء وحدوثها في الآناء، وإظهار لتخصيص حمده،
لكن باستعانته، ونفى الحول والقوة، ودفع الرياء والسمعة من نفسه، ومن ثم أتبعه
بقوله: (وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا) وحاصل وجه التخصيص: أنه تعالى لما كان
مستحقًّا للحمد بإسباغ أنوع النعم علينا فلا بد أن نحمده، وأورد صيغة الجمع
ليشمل جميع الخلق الجسماني والروحاني في الدارين، وقال الطيبي: الضمير
المستكن في نحمده ونستعينه ونستغفره للمتكلم ومن معه من أصحابه الحاضرين
والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. (وَنَسْتَعِينُ) أي: في أداء الحمد وغيره من
الأمور الدنيوية والأخروية، وفيه إشارة إلى أن حمده تعالى أمر لا يتيسر من
الخلائق أجمعين إلا بإعانته تعالى، فيكون تبريًا عن الحول والقوة. (وَنَسْتَغْفِرهُ)
أي: من سيئاتنا وتقصيراتنا ولو في أداء ذلك الحمد، كما هو حقه من الصدق
والإخلاص. (وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا) أي: من ظهور السيئات الباطنية التي
جبلت الأنفس عليها، ومنها: التقصير في الصدق والإخلاص، أي: الحمد مع
الرياء والسمعة، وكذا مع إثبات الحول والقوة. (وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا) أي: من
مباشرة الأعمال السيئة الظاهرة التي تنشأ عنها، والمراد منها هو: التصدي
للتصنيف في علم الحديث مع قصور في تصحيح الطية وإخلاص الطوية، أو
التقصير في الشكر على توفيقه تعالى لهذه النعمة العظيمة والمنحة الجليلة، أو
التكلم بما لا يعنيه، والغفلة عن ذكر الله تعالى، أو التهاون في الطاعات
والعبادات، وارتكاب المكروهات والمحرمات مطلقًا، والأول أظهر. فتعوذ تَخْذّتْهُ
من ذلك لحصول الإخلاص.

١٣٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
مَنْ يَهْدِهِ اللَّه فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللّه،
شَهَادَة تَكُونُ.
(مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِل فَلَا هَادِيَ لَهُ) لما أضيف الشرور والأعمال
إلى الأنفس أوهم أن لها الاختيار والاستقلال بالأعمال، أتبعه بقوله: (مَنْ يَهْدِهِ
اللهُ ... ) إلخ؛ ليؤذن بأن كل ذلك منه تعالى، وليس للعبد إلا الكسب، وبعد
الكسب الشقي والسعيد على حسب علمه الأزلي سبحانه وتعالى، والضمير البارز
ثابت في (يَهْدِهِ)، وأما في (يُضْلِلْهُ) فغير موجود في أكثر نسخ ((المشكاة))، وهو
عمل بالجائزين، والأول أصل وفيه وصل، والثاني فرع وفيه فصل، قاله القاري.
وهذا الكلام وإن كان خبرًا وبيانًا للواقع وإثباتًا لتفرد الله تعالى بالهداية
والإضلال، لكنه في الحقيقة طلب وسؤال من اللّه للهداية والحفظ من الضلالة،
والمعنى: لا هادي ولا مضل غيرك، فوفقني للهداية واحفظني من الضلالة،
واعصمني من الغواية، فإنك على كل شيء قدير.
(وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّ اللَّه ... ) إلخ، أتبع الحمد بالشهادتين في الخطبة؛ عملًا بما
روي عن أبي هريرة مرفوعًا: ((كُلَّ خطبةٍ ليسَ فِيها شهادةٌ كَاليدِ الْجَذْماءِ)) أخرجه
أحمد وأبو داود في الأدب والترمذي في النكاح وحسَّنه، وأورد صيغة الجمع في
الحمد والاستعانة والاستغفار والتعوذ؛ نظرًا إلى كثرة الآلاء والتقصيرات والذنوب
وكشف الصفات، وأفرد الضمير في مقام التوحيد؛ لأنه إثبات القدم وإسقاط
الحدوث ومحل مشاهدة وحدة الذات وسقوط ما سوى الله، فأشار أولًا إلى
التفرقة، وثانيًا إلى الجمع، قال القاري: وقد يقال: إن الأفعال المتقدمة أمور
ظاهرية يحكم بوجودها على الغير أيضًا، بخلاف الشهادة فإنه أمر قلبي غيبي لا
يعلم بحقيقته إلا هو، انتهى. يعني: أن الشهادة خبر قاطع مطابق للواقع، فلم يكن
للمصنف أن يحكم به بالجزم إلا على نفسه بخلاف الحمد وأخواته، والله أعلم.
(شَهَادَة) مفعول مطلق موصوف بقوله: (تَكُون ... ) إلخ، والشهادة التي تكون سببًا
للخلاص من العذاب وكفيلة لرفع الدرجات في الجنان، إنما هي التي تكون
بالصدق والإخلاص ومواطأة القلب وموافقة الظاهر والباطن مع الاستقامة عليها؛
لقوله رَك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَامُواْ﴾ .. الآية [فصلت: ٣٠]، وقال

١٣٧
خُطْبَةُ الْكِتَابِ
لِلنَّجَاةِ وَسِيلَةٍ، وَلِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ كَفِيلَة، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي
بَعَثَهُ وَطُرُقِ الْإِيمَانِ قَدْ عَفَتْ آثَارُهَا، وَخَبَتْ أَنْوَارُهَا، وَوَهِنَتْ أَرْكَانِهَا، وَجُهِلَ
مَكَانها ،
القاري: والمعنى: أن الشهادة إذا تكرَّرت وأنتجت ارتكاب الأعمال الصالحة
واجتناب الأفعال الطالحة صارت سببًا لعلو الدرجات، وكانت مانعة عن الوقوع
في الدركات، وبما قررناه اندفع ما يرد على المصنف من أن دخول الجنة بالإيمان
ورفع الدرجات بالأعمال، ولكون التوفيق على هذا السبب من فضله لا ينافي قوله
عليه الصلاة والسلام: ((لَنْ ينْجُوَ أحدٌ منكُم بعَمَلِه)).
(عَبْدُهُ) إضافة تشريف وتخصيص، إشارة إلى كمال مرتبته في العبودية، وقدمه
لأنه أشرف أوصافه وأعلاها وأفضلها وأغلاها، ولذا ذكره اللَّه تعالى بهذا الوصف
في كثير من المواضع فقال: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، ﴿تَبَارَكَ الَّذِى
[النجم: ٩]، وفي
نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، ﴿فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوْحَى
الجمع بين الوصفين العبودية والرسالة تعريض للنصارى؛ حيث غلوا في دينهم
وأطروا في مدح نبيهم. (وَطُرُقِ الْإِيمَانِ) مبتدأ وقوله: (قَدْ عَفت آثَارِهَا) خبر، أو
الجملة حالية، والمعنى: أن اللَّه أرسله في حال كمال احتياج الناس إليه مَلآ،
فإنهم كانوا في غاية من الضلالة والجهالة؛ إذ لم يكن حَيٌّ على وجه الأرض من
يعرفها إلا أفراد من أتباع عيسى الَّلا، استوطنوا زوايا الخمول ورؤوس الجبال
وآثروا الوحدة والاعتزال. (قَدْ عَفَتْ آثَّارُهَا) أي: اندرس ما بقي من رسومها، من
عفا الشيء عَفوا وعفاء وعُفُو إذا نقص ودرس وانمحى، ومنه قولهم: عَلَيْهِ الْعِفَاء،
قال زهير [من الوافر]:
تحمل أهلها منها فبانوا على آثارٍ ما ذهب العفاءُ
(وَخَبَتْ أَنْوَارُهَا) من خبا يخبو خبوًا وخُبُوا، يقال: خبت النار أو الحدة، إذا
خمدت وسكنت وطفئت، والمعنى: خفيت أنوارها وانطفأت، بحيث لا يمكن
اقتباس العلم المشبه بالنور في كمال الظهور. (وَوَهنَتْ) أي : ضعفت حتى انعدمت
(أَرْكَانُهَا) من أساس التوحيد والنبوة والإيمان بالبعث والقيامة، وقيل: المراد
الصلاة والزكاة وسائر العبادات. (وَجُهِلَ) بصيغة المجهول. (مَكَانھَا) مبالغة في

١٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
فَشَيَّدَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامِهُ - مِنْ مَعَالِمِهَا مَا عَفَا، وَشَفَى مِنَ الْعَلِيل فِي
تَأْبِيدِ کَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مَنْ كَانَ عَلَى شَفَا، وَأَوْضَحَ سَبِيلِ الْهِدَايَةِ لِمَنْ أَرَاَدَ أَنْ
يَسْلُكَهَا،
ظهور الجهل وغلبة الفسق وكثرة الظلم وقلة العدل، وقيل: المراد من طرق الإيمان
الأنبياء والرسل والكتب المنزلة عليهم وأتباعهم من العلماء والأولياء. ومن عفو
آثارها وخبو أنوارها ووهن أركانها ترك العمل بما جاءوا به من الشرائع، وأمروا به
من الأعمال والأخلاق والآداب، وأظهروه من العلوم والمعارف وترك التعلم
والتخلق والتأدب بها، ومن جهل مكانها عدم معرفة مراتبهم ومنازلهم وتناسى
حقوقهم، ويحتمل أن يكون المراد بطرق الإيمان: العلوم والمعارف والأعمال
الصالحة والآداب المرضية والمجاهدات النفسية والرياضات البدنية والصفات
الجميلة، والأخلاق الحميدة التي يبلغ المتصف بها مرتبة كمال الإيمان، وبعفاء
الآثار وخبو الأنوار ووهن الأركان وجهل المكان عدم سلوك هذه الطرق وعدم
المبالاة بها والاهتمام بتحصيلها وتكميلها، والله أعلم.
(فَشَيَّدَ) أي: رفع وأعلى وأظهر وقوى بما أعطيه من العلوم والمعارف التي لم
يؤت أحد مثله فيما مضى (صَلَوَاتُ اللَّهِ) أي: أنواع رحمته. (عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ) وفي
بعض النسخ: (صَلَوَاتِ اللَّهِ وَسَلَامَهُ عَلَيْهِ)، وهي جملة معترضة دعائية. (مِنْ
مَعَالِمِهَا) جمع المعلم وهو العلامة. (مَا عَفَا) ما موصولة أو موضوعة مفعول شيد،
ومِنْ بيانية متقدمة، والمعنى: أظهرَّ وبين ما اندرس وخفي من آثار طرق الإيمان
وعلامات أسباب العرفان والإيقان، وإن لم يبصرها الذين ختم الله على قلوبهم
وأعمى أبصارهم وأصم آذانهم مع كمال وضوحها وغاية ظهورها. (وَشَفَى) عطف
على شيد. (مِنَ الْعَلِيل) بيان مقدم ل(مِن) رعايةً للسجع. (فِي تَأَبِيدِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ)
متعلق بشفى ومفعوله قوله: (مَنْ كَانَ عَلَى شَفَا) أي: وخلص من علة الجهل
والشرك في تقوية كلمة الإيمان من كان مشرفًا على الموت والهلاك، أو كان على
حرف من الصراط السوي ومنحرفًا عن الطريق المستقيم، أو أنقذ من كان قريبًا من
الوقوع في حفرة الجحيم، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ
فَأَنْقَذَكُمْ مِّنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] والشفا: حرف كل شيء وطرفه وحده. (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ
يَسْلُكَهَا) أنَّثَ الضمير؛ لأن السبيل يذكر ويؤنث، أي: بَيَّن وعيَّن طريقَ الاهتداء

١٣٩
خُطْبَةُ الْكِتَابِ
وَأَظْهَرَ كُنُوزَ السَّعَادَةِ لِمَنْ قَصِدَ أَنْ يَمْلِكَهَا.
أَمَّا بَعْدُ ...
فَإِنَّ الِتَّمسُّكَ بِهَدْيِهِ لَا يَسْتَتَبُّ إِلَّا بِالاقْتِفَاءِ لِمَا صَدَرَ مِنْ مِشْكَاتِهِ، وَالاعْتِصِامَ
بِحَبْلِ اللهِ
إلى المطلوب لمن طلب وشاء من نفسه أن يدخل فيها. (وَأَظْهَرِ كُنُوز السَّعَادَةِ) أي:
المعنوية وهي: المعارف والعلوم والأعمال والأخلاق والشمائل والأحوال البهية
المؤدية إلى الكنوز الأبدية والخزائن السرمدية من نعيم الجنة ورضوان اللَّه ولقائه
ورؤيته. (لِمَنْ قَصَدَ أَنْ يَمْلكهَا) وجه التخصيص أنهم هم المنتفعون بالإيضاح
والإظهار، وإن كان بيان شرائع الإسلام وتعليم أمور الدين عامًّا لجميع الناسِ لِمن
أراد سلوكها وقصد تملكها، ولمن أعرض عنها، كقوله تعالى: ﴿هُدِّى لِلْمُنَّقِينَ﴾
[البقرة: ٢] .
(أَمَّا بَعْدُ) أتى به اقتداء به وَُّ وبأصحابه، فإنهم كانوا يأتون به في خطبهم
للانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر، ويسمى فصل الخطاب، واختلف في أول
من قالها، فقيل: داود علَّ*، رواه الطبراني مرفوعًا من حديث أبي موسى
الأشعري، وفي إسناده ضعف، وفيه أقوال أخرى ذكرها الحافظ في ((الفتح))،
و(أَمَّا) لتفصيل المجمل، وهو كلمة شرط محذوف فعله وجوبًا، و(بَعْدُ) من
الظروف الزمانية متعلق بالشرط المحذوف، وهو مبني على الضمِّ لقطعه عن
الإضافة والمضاف إليه منوي، والتقدير: مهما يذكر شيء من الأشياء بعد ما ذكر
من البسملة والحمدلة والصلاة والثناء (فَإِنَّ التَّمَسَُّكَ بِهَدْيِهِ) بفتح الهاء وسكون
الدال، أي: طريقه وسيرته، يقال: ما أحسن هديه أي: طريقه، وهدى هديه أيٍ:
سيرته. (لَا يَسْتَتَبُّ) بتشديد الباء أي: لا يستقيم ولا يستمر، أو لا يتأتى ولا يتهيأ (إِلَّا
بِالاقْتِفَاءِ) أي: بالاتباع (لِما صَدَرَ) أي: ظهر (مِنْ مِشْكَاتِهِ) أي: صدره، والمشكاة
هي: الكوة في الجدار غير النافذة، يوضع فيها المصباح، أي: السراج، استعيرت
لصدره وَله، شبه صدره الذي يفيض النور المقتبس من القلب على الخلق بالمشكاة
التي فيها المصباح، وشبه قلبه المنور بنور الله - تعالى - بالمصباح المضيء.
(وَالاعْتِصَامَ) بالنصب، ويجوز الرفع، أي: التمسك والتشبث (بِحَبْلِ اللَّهِ) أي: