Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠٠
*
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
هذا إذا كان المتعارضان قويين، فإن كانت المعارضة من الضعيف للقوي فلا
عبرة بها؛ لأن القوي لا تؤثر فيه معارضة الضعيف.
النسخ وطرق معرفته
النسخ: في اللغة: الإزالة والنقل، وفي الاصطلاح: رفع الحكم الشرعي بدليل
شرعي متأخر عنه.
■ ويعرف النسخ بأمور :
١ - ما ورد في النص، وهو أصرحها، كحديث بريدة: ((كنت نهيتكم عن زيارة
القبور ... )) الحديث.
٢ - ما أخبر الصحابي بتأخره، كقول جابر: كان آخر الأمرين من رسول الله
وَلَة ترك الوضوء مما مست النار.
٣ - تعقل الراوي الناسخ والمنسوخ، كقول الصحابي: رخص لنا في المتعة
فمكثنا ثلاثًا ثم نهانا عنه.
٤ - ما عرف بالتاريخ.
والإجماع ليس بناسخ بل هو دال على النسخ.
وجوه الترجيح بين ما ظاهره التعارض
طرق الترجيح بين مختلف الحديث كثيرة جدًّا قد عد الحازمي في كتابه ((الناسخ
والمنسوخ)) خمسين وجهًا، وأوصلها غيره إلى أكثر من مائة، كما استوفى ذلك
العراقي في ((نكته))، وقال القاسمي في ((قواعد التحديث)): الترجيح قد يكون
باعتبار الإسناد، وباعتبار المتن، وباعتبار المدلول، وباعتبار أمر خارج، فهذه
أربعة أنواع.

تُحفّةٌ أَهْلِ الفِكرِ
١٠١
٦ ثم ذكر وجوه الترجيح باعتبار الإسناد، وعد ثمانية عشر وجهًا، منها:
١ - الترجيح بكثرة الرواة، فيرجح ما رواته أكثر لقوة الظن به، وإليه ذهب
الجمهور .
٢ - ترجيح رواية الكبير على الصغير؛ لأنه أقرب إلى الضبط، إلا أن يعلم أن
الصغير مثله في الضبط أو أكثر ضبطًا منه.
٣ - ترجيح رواية الأوثق.
٤ - ترجيح رواية الأحفظ .
٥ - أن يكون أحدهما من الخلفاء الأربعة دون الآخر.
٦ - أن يكون أحدهما صاحب الواقعة؛ لأنه أعرف بالقصة.
٧ - ترجيح رواية من دام حفظه وعقله ولم يختلط على من اختلط في آخر
عمره، ولم يعرف هل روى الخبر حال سلامته أو حال اختلاطه؟
٨ - تقديم الأحاديث التي في ((الصحيحين)) على الأحاديث الخارجة عنهما.
■ ثم ذكر وجوه الترجيح باعتبار المتن، وعد سبعة طرق، منها:
١ - يقدم الخاص على العام.
٢ - يقدم ما كان حقيقة شرعية أو عرفية على ما كان حقيقة لغوية.
٣ - يقدم المقيد على المطلق.
■ ثم ذكر للترجيح باعتبار المدلول أربعة أوجه، منها:
١ - يقدم ما كان مقررًا لحكم الأصل والبراءة على ما كان ناقلاً.
٢ - أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط فإنه أرجح.
٣ - يقدم المثبت على المنفي؛ لأن مع المثبت زيادة علم.
■ ثم بين وجوه الترجيح باعتبار أمور خارجة، وعد سبعة وجوه، منها :
١ - أن يكون أحدهما قولًا والآخر فعلًا، فيقدم القول؛ لأن له صيغة، والفعل لا
صيغة له.

١٠٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
٢ - أن يكون أحدهما موافقًا لعمل الخلفاء الأربعة دون الآخر، فإنه يقدم
الموافق .
٣ - أن يكن أحدهما أشبه بظاهر القرآن دون الآخر فإنه يقدم.
ثم قال: وللأصوليين مرجحات أخر في الأقسام الأربعة منظور فيها، ولا اعتداد
عندي بمن نظر فيما سقناه؛ لأن القلب السليم لا يرى فيه مغمزًا.
الخبر المردود وأسباب رده
الخبر المردود: هو الذي لم يترجح صدق المخبر به، وله أنواع كثيرة، وهي
ترجع في الجملة إلى سببين:
١ - السقوط في السند.
٢ - الطعن في بعض رواته.
السقوط في السند: هو عدم اتصاله.
والطعن في الراوي: أن يكون مجروحًا بأمر يرجع إلى ديانته أو ضبطه.
أنواع المردود باعتبار السقوط
المعلق: وهو ما حذف من مبدأ سنده راوٍ فأكثر على التوالي، ويعزى الحديث
إلى من فوق المحذوف، مأخوذ من تعليق الجدار والطلاق؛ لاشتراكهما في قطع
الاتصال، وإنما عد هذا ونحوه من أنواع المردود للجهل بحال الراوي المحذوف.
وللتعليق صور، منها :
٦
١ - أن يحذف جميع السند، ويقول مثلًا: قال رسول الله وَالوله كذا.
٢ - أن يحذف جميع السند إلا الصحابي.
٣ - أن يحذف جميعه إلا الصحابي والتابعي.

*
تُحِفَةُ أَهْلِ الفِكرِ
١٠٣
٤ - أن يحذف من حدثه ويضيفه إلى من فوقه.
وإذا قال محدث: جميع من أحذفه ثقات، فقد اختلف في قبول ذلك وعدمه،
وعند الجمهور: لا يقبل إلا إن جاء مسمى من وجه آخر وعرف بالعدالة والضبط ؛
لأن ذلك المحذوف قد يكون ثقة عنده ومجروحًا عند غيره.
وقال ابن حجر نقلًا عن ابن الصلاح: أنه إن وقع الحذف في كتاب التزمت
صحته كـ(صحيح البخاري)) فما أتى فيه بصيغة الجزم دل على أنه ثبت إسناده عنده،
فهو في حكم الصحيح، وما أتى فيه بغير صيغة الجزم ففيه مقال، أي ليس فيه حكم
بصحته، ومع ذلك فإيراده في كتاب ((الصحيح)) مشعر بصحة أصله إشعارًا يؤنس به
ويركن إليه، وعلى الناظر إذا أراد الاستدلال أن ينظر في رجاله وحال سنده ليرى
صلاحيته للحجة وعدمها .
وصيغ الجزم عند البخاري: جاء، روى، قال، ونحوه ببناء الفاعل.
ومن صيغ التمريض عنده: قيل، ذُكِر، رُوي، حُكي، يُروى، يُذْكَر، يُقَال،
يُحْكى عن فلان، مبنيًّا للمفعول.
■ المرسل: وهو ما كان السقوط فيه من آخر السند بعد التابعي، كأن يقول
التابعي: قال رسول الله ويل كذا، أو فعل كذا، أو فعل بحضرته كذا، أو أمر بكذا.
أو هو ما سقط منه الصحابي، سواء أكان الراوي المرسل تابعيًّا كبيرًا أو صغيرًا،
وهو لغة: من قولهم: ناقة رسل أي: سريعة، فكأن المُرْسِل أسرع إلى الحديث
فحذف بعض إسناده، وقد يطلق المرسل على المنقطع والمعضل الآتي ذكرهما.
٦ المعضل: وهو لغة: مأخوذ من أعضله بمعنى أعياه، وقيل: من قولهم: أمر
عضيل، أي: مستغلق شديد، واصطلاحًا: هو ما سقط من سنده راويان أو أكثر
على التوالي قبل الصحابي، والفرق بينه وبين المعلق أن بينهما عمومًا وخصوصًا
من وجه، يجتمعان فيما إذا كان الساقط اثنين أو أكثر في بدء السند، وينفرد
المعضل إذا وقع السقوط في غير بدئه كوسطه مثلًا.
■ المنقطع: هو ما سقط من سنده راو أو أكثر بشرط عدم التوالي، وقيل: هو ما
لم يتصل سنده، من أي وجه وبأي حال كان انقطاعه، فيكون المنقطع على هذا أَعَمَّ

١٠٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الأنواع الثلاثة .
■ حكم المنقطع والمعضل والمرسل: عُدَّ المنقطع والمعضل من أنواع
المردود؛ للجهل بحال المحذوف والمحذوفين، وكذلك المرسل؛ لأن المحذوف
فيه يحتمل أن يكون صحابيًّا أو تابعيًّا، وعلى الثاني يحتمل أن يكون ضعيفًا أو ثقة،
وعلى الثاني يحتمل أن يكون أخذ عن صحابي أو تابعي، وعلى الثاني يعود
الاحتمال السابق ويتعدد، وإذا عرف من عادة تابعي أن لا يرسل إلا عن ثقة، فقد
اختلف في مراسيله، فذهب جمهور المحدثين إلى التوقف لبقاء الاحتمال، وهو
أحد قولي أحمد، وثانيهما وهو قول المالكية والحنفية: يقبل مطلقًا، وقال
الشافعي: يقبل إذا اعتضد بمجيئه من وجه آخر يلين الطريق الأولى، وهذا الخلاف
في مراسيل غير الصحابة، وأما مرسل الصحابي فحجة عند الجميع.
تقسيم السقوط من السند
السقوط من السند قسمان:
(١) السقوط الواضح الجلي: وهو الذي يحصل الاشتراك في معرفته، ككون
الراوي مثلًا لم يعاصر من روى عنه على زعمه، أو هو ما يعرف بعدم ملاقاة الراوي
لشيخه؛ إما لأنه لم يدرك عصره، أو أدر كه ولکن لم يجتمع به، وليس له منه إجازة
ولا وجادة.
المرسل الجلي: الإسناد الذي يكون السقوط فيه واضحًا، ولذلك يحتاج إلى
علم التاريخ؛ لأنه يتضمن مواليد الرواة ووفياتهم وأزمان طلبهم وارتحالهم.
(٢) السقوط الخفي: وهو الذي لا يدركه إلا الجهابذة المطلعون على طرق
الحديث وعلل الأسانيد دون غيرهم، كما في المدلس.
المدلَّس بفتح اللام: هو ما رواه راوٍ عمن لقيه ولم يسمع منه بلفظ يوهم السماع
منه، كعن، أو قال، أو أن فلانًا قال كذا، وهو مأخوذ من الدلَس - بالتحريك -
وهو اختلاط الظلام بالنور، فكأن المدلَّس أظلم الأمر على الناظر والسامع لتغطيته
وجه الصواب.

١٠٥
تُحِفَةُ أَهْلِ الفِكرِ
والتدليس نوعان: تدليس الإسناد، تدليس الشيوخ.
١ - تدليس الإسناد: هو أن يروي عمن لقيه وسمع منه، لكن لم يسمع منه ذلك
الحديث الذي دلسه عنه، أو يروي عمن لقيه ولم يسمع منه شيئًا بلفظ موهم أنه
سمعه منه، كأن يقول: عن فلان، أو قال فلان، وهو ثلاثة أقسام:
(١) تدليس القطع: ويسمى تدليس الحذف: وهو أن يسكت الراوي بين صيغ
الأداء ناويًا بذلك القطع أو الحذف.
(٢) تدليس العطف: وهو أن يصرح الراوي بالتحديث عن شيخ له، ويعطف
عليه شيخًا له آخر لم يسمع منه ذلك الحديث.
(٣) تدليس التسوية: وهو أن يسقط الراوي ضعيفًا بين ثقتين لقي أحدهما
الآخر، ويروي الحديث عن شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظ يوهم الاتصال، كعن
ونحوها؛ ليصير الإسناد كله ثقات، وهو شر أنواع التدليس.
٢ - تدليس الشيوخ: هو أن يسمي شيخه الذي سمع منه بغیر ما اشتهر عند الناس
من اسم أو لقب أو كنية، قاصدًا تعمية أمره على السامع .
وقد ذم جماعة من العلماء التدليس بأنواعه حتى قال شعبة: لأن أزني أحب إلي
من أن أدلس، وقال: التدليس أخو الكذب.
قال ابن الصلاح: والصحيح التفصيل بين ما صرح فيه بالسماع فيقبل، وبين ما
أتي بلفظ محتمل فيرد.
المرسل الخفي: هو ما رواه الراوي عن معاصر له لم يُعرف اللقاء بينهما وليس
له منه إجازة ولا وجادة، بلفظ موهم للاتصال كعن وقال.
فالفرق بين المدلس والمرسل الخفي: أن التدليس يختص بمن روی عمن عُرف
لقاؤه إياه، فأما إن عاصره ولم يعرف اللقاء بينهما فهو المرسل الخفي.
ويعرف الإرسال الخفي والتدليس بأمور، منها: أن يعرف عدم اللقاء بين الراوي
والمروي عنه بنص بعض الأئمة على ذلك، ومنها: أن يعرف عدم سماعه مطلقًا أو
لذلك الحديث بخصوصه بنص إمام على ذلك، أو إخبار المدلس والمرسل نفسه
بذلك في بعض طرق الحديث، أو نحو ذلك.

١٠٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
وجوه الطعن في الراوي
وهي عشرة، خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة تتعلق بالضبط.
فالخمسة التي تتعلق بالعدالة، هي :
١ - الكذب.
٢ - التهمة بالكذب.
٣ - الفسق.
٤ - الجهالة .
٥ - البدعة .
■ والخمسة التي تتعلق بالضبط، هي:
١ - فحش الغلط .
٢ - الغفلة .
٣ - الوهم.
٤ - مخالفة الثقات .
٥ - سوء الحفظ
٦ وترتيبها حسب تأثيرها في الرد كالآتي:
الوجه الأول: كذب الراوي على رسول الله وَّل، ويسمى خبر الكاذب عليه
وَخير، الموضوع، من وقولهم: وضع فلان، إذا ألصق به وافترى عليه.
فالحديث الموضوع: هو الحديث الذي رواه راو عُرِف بتعمد الكذب على
رسول الله ◌َّله، ويعرف الوضع بإقرار الواضع نفسه باختلاقه على رسول الله وَ له ،
أو بحال المُرْوَى، كأن يكون مناقضًا للقرآن أو السنة المتواترة، أو يكون مخالفًا
للحس والمشاهدة غير قابل للتأويل، أو يكون المروَى خبرًا عن أمر عظيم تتوفر

تُحِفَةُ أَهْلِ الفِكرِ
١٠٧
الدواعي على نقله، ثم لا ينقله إلا راوٍ واحد، أو يتضمن المُرْوَى وعيدًا شديدًا على
أمر صغير، أو وعدًا عظيمًا على أمر حقير.
أوالأمور الداعية إلى الوضع كثيرة، منها :
١ - قصد التقرب إلى الله تعالى، بوضع ما يرغب الناس في طاعته ويرهبهم عن
معصيته، كما فعل المتصوفة .
٢ - التزلف إلى ولاة الأمر والحكام، بوضع ما يوافق أهواءهم.
٣ - قصد إفساد الدين على أهله، كما فعل الزنادقة.
٤ - غلبة الجهل، كبعض المتعبدين .
٥ - فرط العصبية وانتصار للرأي، كبعض المقلدين.
٦ - الإغراب لقصد الاشتهار.
٧ - التكسب والارتزاق بما يضع من الأحاديث، كما هو شأن القصاصين.
ورواية الموضوع حرام بالاتفاق إلا مقرونًا ببيانه على سبيل القدح؛ ليحذره من
يغتر به من الجهلة والعوام.
الوجه الثاني: التهمة بالكذب وذلك أن يعرف الراوي بالكذب في كلامه مع
الناس، أو أن ينفرد بما يخالف القواعد المعلومة من الدين بالضرورة، ويسمى
رواية المتهم بالكذب: متروئًا.
فالحديث المتروك: هو الحديث الذي رد بسبب تهمة راويه بالكذب، کرواية
من يكون معروفًا بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث
النبوي .
الوجه الثالث، والرابع، والخامس: فحش الغلط، وكثرة الغفلة، والفسق بما
لم يبلغ حد الكفر، ويقال للحديث الذي في سنده راوٍ فاحش الغلط، أو كثير
الغفلة، أو الفاسق: المنكر.
فالحديث المنكر: هو الحديث الذي رواه راوٍ فَخُشَ غلطه أو كثرت غفلته أو
ظهر منه الفسق بما لم يبلغ حد الكفر، ويسمى هذا القسم من الحديث: منكرًا،

١٠٨
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
على رأي من لم يشترط في المنكر مخالفة الضعيف للثقة، أي: لم يقصر المنكر
على ما خالف الضعيف الثقة، وينبغي أن يعلم أن المراد بالفسق الفسق في العمل
دون الاعتقاد، فإن ذلك داخل في البدعة، وأكثر ما يستعمل البدعة في الاعتقاد،
والكذب، وإن كان داخلًا في الفسق، لكنهم عدوه أصلاً على حِدَةٍ؛ لكون الفسق
به أشد وأغلظ .
الوجه السادس: الوهم، وهو أن يروي الحديث على سبيل التوهم، ويسمى
حديث من عرف بالوهم: المُعَلَّ، والمُعَلَّلُ، ويحصل معرفة ذلك بكثرة التتبع
والاستقراء والنظر في اختلاف رواته وضبطهم وإتقانهم حتى يطلع على وهم
الراوي .
فالحديث المعلل: هو الحديث الذي ظاهره الصحة، وقد اطلع فيه على علة
خفية قادحة في صحته.
والوهم كما يقع في السند وهو الغالب، كرفع موقوف، ووصل منقطع، يقع في
المتن، وهو من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها، ولا يطّلِعُ عليه إلا من رزق
فهمًا ثاقبًا واطلاعًا واسعًا بمراتب الرواة، وإدراكًا تامًا بالأسانيد والمتون.
الوجه السابع: مخالفة الراوي للثقات، وتتضمن المخالفة ستة أنواع:
[ الأول: المدرج: بفتح الراء مأخوذ من قولهم: أدرجت الشيء في الشيء إذا
أدخلته فيه وضمنته إياه، وهو ما اطلع على زيادة في سنده أو متنه ليست منه، وهو
نوعان :
١ - مدرج الإسناد.
٢ - مدرج المتن.
مدرج الإسناد: هو ما كانت المخالفة فيه بتغيير سياق الإسناد، وله أقسام:
١ - أن يروي الحديث جماعة بأسانيد مختلفة، فيرويه عنهم راوٍ، فيجمع الكل
على إسناد واحد من تلك الأسانيد ولا يبين الاختلاف.
٢ - أن يكون المتن عند راو بإسناد واحد إلا طرفًا منه، فإنه عنده بإسناد آخر،
فيرويه عنه راوٍ تامًّا بالإسناد الأول.

١٠٩
تُحِفَةُ أَهْلِ الفِكرِ
٣ - أن يكون عند الراوي متنان مختلفان بإسنادين مختلفين، فيرويهما راو عنه
مقتصرًا على أحد الإسنادين، أو يروي أحد الحديثين المختلفين بإسناده الخاص به
ويزيد فيه من المتن الآخر ما ليس بذلك الإسناد، أي ما ليس في الأول.
٤ - أن يسوق الراوي الإسناد فيعرض له عارض، فيقول كلامًا من قِبَلِ نفسه،
فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد، فيرويه عنه كذلك.
٥ - أن يسمع الخبر عن شيخه إلا طرفًا منه، فيسمعه عنه بواسطة ثم يرويه تامًّا
محذوف الواسطة.
مدرج المتن: هو أن يقع في المتن كلام ليس منه، كدمج موقوف بمرفوع من
غير بيان، أو هو ما ذكر فيه الراوي وأدخل وضم إليه ما ليس منه موصولًا بلا فصل
فيتوهم أنه من الحديث، وهو قد يكون في أول الحديث وفي وسطه وفي آخره وهو
الأكثر.
■ ودواعي الإدراج كثيرة، منها :
١ - تفسير الألفاظ الغريبة في الحديث.
٢ - استنباط حكم من كلام النبي وَله.
٣ - تبيان حكم شرعي.
أ ويعرف الإدراج بأمور، منها:
أ - أن يرد رواية مفصلة للقدر المدرج مما أدرج فيه، بأن يصرح بعض الرواة أو
الراوي الذي ذكر ذلك الكلام بفصل تلك العبارة المدرجة عن متن الحديث
ويضيفها إلى قائلها .
ب - أن يصرح الصحابي بأنه لم يسمع تلك الجملة من النبي وَل .
جـ - أن يستحيل أن يكون ذلك من كلام النبي وَل .
■ الثاني: المقلوب: ويسمى المنقلب من الانقلاب.
والمقلوب لغة: اسم مفعول من قلب الشيء إذا صرفه عن وجهه.

١١٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
rece
واصطلاحًا: هو ما كانت المخالفة فيه بالتقديم والتأخير، أو هو ما انقلب فيه
على أحد الرواة لفظ في متنه أو اسم راو أو نسبة في سنده فقدم ما حقه التأخير، أو
أخر ما حقه التقديم، أو وضع شيئًا مكان شيء آخر فتغير بذلك معناه.
Q وتبين من التعريف أن المقلوب قسمان:
١ - المقلوب في المتن.
٢ - المقلوب في السند، وهو أن يكون الحديث مشهورًا براوٍ، فيجعل مكانه
راوٍ آخر، أي: يبدل براوٍ آخر من طبقته، أو يكون مشهورًا بإسناد، فيأتي بإسناد
آخر مكانه؛ لغرض الإغراب ونحوه، أو يقع القلب في اسم الراوي بالتقديم
والتأخير، ومن القلب أن يؤخذ إسناد متن فيجعل على متن آخر، ويؤخذ متن هذا
فيجعل بإسناد آخر، كما فعل أهل بغداد مع الإمام البخاري؛ امتحانًا واختبارًا،
فردها كلها على وجهها، ويشترط لجواز ذلك عدم الاستقرار عليه بعد انتهاء
الغرض .
■ الثالث: المزيد في متصل الأسانيد: وهو ما كانت المخالفة فيه بزيادة راو في
أثناء السند الذي ظاهره الاتصال، ومن لم يزدها أتقن ممن زادها.
وشرطه: أن يصرح من لم يزدها بالسماع في موضع الزيادة، وإلا فمتى كان
الإسناد الخالي من الزيادة معنعنًا في موضع الزيادة ترجحت الزيادة وكان الحكم
للإسناد المزيد فيه.
٦ الرابع: المضطرب بكسر الراء: من الاضطراب، وهو لغة: الاختلاف، من
قولهم: اضطرب القوم، إذا اختلفت كلمتهم، واصطلاحًا: هو أن تقع المخالفة فيه
بإبدال راوٍ براوٍ، أو مرويٍّ بمرويٌّ ولا مرجح لإحدى الروايتين على الأخرى،
وقيل: المضطرب ما روي على أوجه مختلفة متفاوتة من غير ترجيح لإحدى
الطرق، سواء كان الاختلاف من راو واحد بأن رواه مرة على وجه ومرة على وجه
آخر مخالف للأول، أو أكثر من واحد، بأن رواه جماعة كل على وجه مخالف
للآخر، فإن ترجحت إحدى الطرق لا يكون الحديث مضطربًا.

تُحفّةٌ أَهْلِ الفِكرِ
ersitex
وينقسم المضطرب إلى ثلاثة أقسام:
١ - مضطرب سندًا فقط.
٢ - مضطرب متنا فقط.
٣ - مضطرب فيهما.
الخامس: المصَخَّف: وهو ما كانت المخالفة فيه بتغيير حرف فأكثر، بتغيير
النقط مع بقاء صورة الخط كمراجم ومزاحم، وستًا، وشيئًا، وحميل، وجميل.
والتصحيف لغة: الخطأ في الصحيفة باشتباه الحروف بمثلها، وقد تصحف عليه
لفظ كذا .
والتصحيف أكثر ما يقع في المتون وقد يقع في الأسماء.
٦ السادس: المحرف: هو ما كانت المخالفة فيه بتغيير حرف فأكثر بتغيير في
الشكل مع بقاء صورة الخط، كسَلِيم وسُلَيم، وأَبِي وأَبَيٍّ، ولا يجوز التغيير في
الحديث، سواء كان تغيير كلمة بكلمة أو حرف بحرف أو هيئة بهيئة، وكذا اختصار
الحديث ورواية بعضه دون بعض، أو رواية الحديث بالمعنى، إلا لعالم بمدلولات
الألفاظ ومقاصدها وما يحيل معانيها، وإذا كان ما تركه غير متعلق بما رواه بحيث
لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة إذا قطع بأداء المعنى.
الوجه الثامن: الجَهَالة بفتح الجيم، وهي عدم معرفة عيب الراوي أو حاله، بأن
لا يعلم فيه تجريح أو تعديل، وأسبابها ثلاثة:
١ - كثرة نعوت الراوي من اسم أو كنية أو لقب أو حرفة أو صفة فيشتهر بشيء
منها، فيذكر بغير ما اشتهر به لغرض من الأغراض، فيظن أنه آخر فيحصل الجهل
بحاله.
٢ - كون الراوي مُقِلًّا من الحديث فلا تكثر الرواية والأخذ عنه.
٣ - عدم تسمية الراوي اختصارًا من الراوي عنه، كأن يقول: أخبرني رجل أو
شيخ أو فلان، ويسمى هذا القسم الأخير المُبْهَم.
فالمبهم : هو من لم يصرح باسمه لأجل الاختصار ونحوه، وحكم روايته: عدم

١١٢
EX
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
القبول على الأصح، ولو أبهم بلفظ التعديل كأن يقول: أخبرني الثقة.
والمجهول نوعان:
١ - مجهول العين. ٢ - مجهول الحال.
١ - مجهول العين: هو ما انفرد بالرواية عنه راو واحد، فلا يقبل حديثه كالمبهم
إلا أن يوثقه غير من انفرد عنه، وكذلك من انفرد عنه إذا كان من أهل الجرح
والتعديل.
٢ - مجهول الحال: ويسمى مستور الحال، وهو أن يروي عنه اثنان فصاعدًا ولم
يوثقه أحد، وحكم روايته: التوقف فيها حتى تتبين حاله وتتضح.
الوجه التاسع: البدعة، وهي لغة: مأخوذة من الابتداع، وهو الاختراع على
غير مثال سابق.
وشرعًا: المحدث في الدين، أي ما لم يكن عليه أمره وَليل ولا أصحابه، أي ليس
عليه أثارة من كتاب الله ولا من سنة رسوله، ولا فَعَلَّهُ أو أمر به أصحاب رسوله
ويعتقد من الدین، وهو نوعان:
١ - ما يوجب كفر صاحبه، كأن يكون منكرًا لأمر مجمع عليه متواتر من الشرع
معلوم من الدين بالضرورة، فهذا لا يقبل حديثه مطلقًا .
٢ - ما يستلزم فسق صاحبه، وهذا يقبل منه الرواية إن لم يكن داعية إلى بدعته
ولا راويًا لما يقوي بدعته، فإن كان داعية إليها أو روى ما يقويها ردت روايته، وهذا
على المذهب المختار عند الجمهور، وهو الصحيح.
الوجه العاشر: سوء الحفظ، والمراد بسيئ الحفظ: هو من لم تترجح إصابته
علی خطئه .
وسوء الحفظ نوعان:
١ - ما كان ملازمًا للراوي في جميع حالاته، وسيئ الحفظ من نشأ على سوء
الحفظ، ولزمه ذلك في جميع أحواله، ويسمى حديث من هذا شأنه شاذًّا على رأي
بعض المحدثین .

تُحِفَةُ أَهْلِ الفِكرِ
SEr-XSXeSE *
١١٣
٢ - ما طرأ عليه سوء الحفظ؛ لكبر سنه أو لذهاب بصره، أو لضياع كتبه، بأن
كان يعتمدها فرجع إلى حفظه فساء، ويسمى هذا المختلط، وحكم روايته: أن ما
حدث به قبل الاختلاط وهو معلوم متميز يقبل وما حدث به بعده لا يقبل، وإذا لم
يتميز توقف فيه، وإذا توبع حديث من لازمه سوء الحفظ أو طرأ عليه، ولم تتميز
روايته، بمعتبر فوقه أو مثله صار حديثهما حسنًا لغيره، ومثل رواية هذين
الموصوفين بسوء الحفظ في هذا الحكم بعد المتابعة، رواية المستور والإسناد
المرسل، وكذا المدلس إذا لم يعرف المحذوف منه.
والحاصل: إنه إذا توبع كلَّ من سيئ الحفظ، والمختلط والمستور والمرسل
والمدلس بمن يعتبر ويخرج حديثه للمتابعة والاستشهاد يصير حديثهم حسنًا لغيره
باعتبار المجموع من المُتَابِعِ والمتَابَعِ .
تنبيه:
لم يذكر النووي وابن الصلاح لقبول الحديث الضعيف سوى هذا الشرط، كونه
في فضائل الأعمال ونحوها، وذكر الحافظ له ثلاثة شروط :
أحدها: أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين
بالكذب، ومن فحش غلطه، نقل العلائي الاتفاق عليه.
الثاني: أن يندرج تحت أصل معمول به.
الثالث: أن لا يعتقد عند العمل به ثبوته بل يعتقد الاحتياط.
مباحث الإسناد
الإسناد: حكاية طريق المتن، أي: رفع الحديث وعزوه إلى قائله.
السَنَد: بالتحريك لغة: المعتمد، واصطلاحًا: هو الطريق الموصلة إلى المتن،
أي سلسلة الرجال الموصلين إلى المتن، وسمي بذلك لاعتماد المحدث في صحة
الحديث وضعفه عليه، فالسند: رواة الحديث، والإسناد: فعل الرواة، وقد يطلق
الإسناد على السند أيضًا، فيكون الإسناد مرادفًا للسند.

١١٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المتن بالسكون: لغة: ما صلب وارتفع من الأرض.
واصطلاحًا: ما ينتهي إليه السند من الكلام، وسمي بذلك؛ لأن المسند يقوي
الحدیث بالسند ويرفعه إلى قائله.
المسندَ بفتح النون: له ثلاثة معان :
١ - الحديث المرفوع المتصل سندًا، يعني: ما اتصل سنده من راويه إلى منتهاه
مرفوعًا إلى النبي ◌َّ، وسيأتي أيضًا.
٢ - كل كتاب جمع فيه مسندات كل صحابي أي: مروياته على حدة، هو اسم
مفعول .
٣ - أن يطلق ويراد به الإسناد، فيكون مصدرًا ميميًّا.
المسند بکسر النون: هو من یروي الحدیث بسنده، سواء كان عنده علم به أو
ليس له إلا مجرد روایته، وتميز في ذلك حتى اشتهر فيه.
المحدث: هو من يشتغل بعلم الحديث رواية ودراية ويطلع على كثير من
الروايات وأحوال رواتها، فهو أرفع من المسند.
الحافظ: هو مرادف للمحدث عند كثير من المحدثين، وقيل: الحافظ أرفع
درجة من المحدث بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر مما يجهله.
والحديث ينقسم باعتبار منتهى الإسناد إلى ثلاثة أقسام: مرفوع، موقوف،
مقطوع.
المرفوع: ما أضيف إلى النبي وَلّ من قول أو فعل أو تقرير، صريحًا أو حكمًا،
وأنواعه ستة :
١ - المرفوع القولي صريحًا: قول الصحابي: سمعت رسول الله وَله يقول
كذا، أو قوله أو قول غيره: كان رسول الله وَله يقول كذا.
٢ - المرفوع الفعلي صريحًا: قول الصحابي: رأيت رسول الله مَل يفعل كذا،
أو قوله أو قول غيره: كان رسول الله وَل يفعل كذا.
٣ - المرفوع التقريري صريحًا: قول الصحابي: فعلت بحضرة النبي وَّ كذا،

١١٥
تُحِفَةُ أَهْلِ الفِكرِ
أو قوله أو قول غيره: فعل فلان بحضرة النبي مل* كذا، ولا يذكر إنكاره.
٤ - المرفوع القولي حكمًا: أن يخبر الصحابي الذي لم يأخذ عن الإسرائيليات
بما لا مجال للاجتهاد فيه، كالإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق وقصص
الأنبياء، أو عن الأمور الآتية كالفتن وأحوال يوم القيامة، وكذا الإخبار عما يحصل
بفعله ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص.
٥ - المرفوع الفعلي حكمًا: أن يفعل الصحابي ما لا مجال للاجتهاد والرأي
فيه، كصلاة علي رَوَّهُ الكسوف في كل ركعة أكثر من ركوعين.
٦ - المرفوع التقريري حكمًا: أن يخبر الصحابي أنهم كانوا يفعلون في زمن
النبي ◌َّ كذا، ولا ينكر عليهم، ومن الصيغ التي لها حكم الرفع: قول الصحابي:
من السنة كذا، أمرنا بكذا، نهينا عن كذا، أو يحكم الصحابي على فعل من
الأفعال بأنه طاعة لله تعالى أو لرسوله أو معصية.
الموقوف: ما أضيف إلى الصحابي من قول أو فعل أو تقرير.
الصحابي: من لقي النبي ◌َّ مؤمنًا به ومات على الإسلام، ولو تخللت ذلك
رِدَّةٌ في الأصح، فمن لقيه وَّه في كفره، أو ارتد بعد لقائه ◌َّ في الإسلام ومات
على الردة فلا يعد من الصحابة.
والمراد باللّقْي ما هو أعم من المجالسة والمماشاة والجلوس معه بَّه قليلًا أو
كثيرًا، والصحبة تعرف بالتواتر أو الاستفاضة، أو بإخبار بعض الصحابة أو بعض
ثقات التَّابِعِينَ أو بإخباره عن نفسه أنه صحابي إذا كانت دعواه ممكنة.
المقطوع: ما أضيف إلى التابعي أو من دونه من قول أو فعل أو تقرير.
التابعي: من لقي الصحابي مؤمنًا بالنبي وَّ ومات على ذلك.
والفرق بين المقطوع والمنقطع: أن القطع صفة من صفات المتن، أي:
المقطوع من مباحث المتن كالرفع والوقف، والمراد به: المتن الذي انتهى سنده
إلى التابعي أو من دونه، والانقطاع من صفات الإسناد كالإرسال والتعليق، يعني
أن المنقطع من مباحث السند، والمراد به: السند الذي سقط منه واحد أو أكثر،

١١٦
EX
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
بشرط عدم التوالي كما تقدم.
والمحدثون قد يطلقون الأثر على الخبر الموقوف والمقطوع أيضًا فكل منهما
يقال له: أثر.
المخضرم: هو الذي أدرك زمن الجاهلية والإسلام، ولم يَلْقَ النبي
والمخضرمون معدودون في كبار التَّابِعِينَ على الأصح، سواء عرف أن الواحد
منهم كان مسلمًا في زمن النبي نَّ كالنجاشي أم لا، والمخضرمون أكثر من
عشرين نفسًا.
المسند: هو ما رفعه الصحابي إلى النبي وَّه بإسناد ظاهره الاتصال.
المتصل: ويسمى الموصول: وهو ما اتصل سنده، سواء كان مرفوعًا إليه مَل أو
موقوفًا .
المعنْعَنْ : هو ما یقال في سنده: عن فلان عن فلان. قيل: إنه مرسل حتی یتبین
اتصاله، والجمهور على أنه متصل إذا أمكن لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم
بعضًا مع براءة المعنعن من التدليس، وإلا فليس بمتصل.
المؤنن: هو ما يقال في سنده: حدثنا فلان أَنَّ فلانًا. وهو كالمعنعن.
علو السند ونزوله
العلو عبارة عن قلة رجال السند، والنزول عبارة عن كثرتهم، وهما من صفات
الإسناد .
والسند من حيث علوه ونزوله قسمان: عال، ونازل.
السند العالي: ما كان عدد رجاله قليلًا بالنسبة إلى سند آخر يرد به ذلك الحديث
بعینه یکون عدد رجاله کثیرًا .
السند النازل: هو ما کان عدد رجالہ کثیرًا بالنسبة إلى سند آخر يرد به ذلك
الحدیث بعینه یکون عدد رجاله قليلًا.

١١٧
تُحِفَةُ أَهْلِ الفِكرِ
١٢ والعلو في السند نوعان:
١ - العلو المطلق: هو ما انتهى إلى النبي وَالثّ بعدد قليل بالنسبة إلى سند آخر
ورد به ذلك الخبر بعدد كثير، وضده النزول المطلق.
٢ - العلو النسبي: هو ما انتهى سنده إلى إمام من أئمة الحديث، كشعبة ومالك
والبخاري وأحمد ومسلم مثلًا، بعدد قليل بالنسبة إلى سند آخر ورد به ذلك الخبر
بعدد كثير، وضده النزول النسبي.
وإنما كان العلو مرغوبًا فيه عند المحدثين؛ لكونه أقرب إلى الصحة وقلة
الخطأ؛ لأنه ما من راوٍ من رجال الإسناد إلا والخطأ جائز عليه، فكلما كثرت
الوسائط وطال السند كثرة مظان تجويز الخطأ، وكلما قلت قلت.
وإذا كانت في السند النازل مزية ليست في العالي، كأن يكون رجاله أوثق منه
أو أحفظ أو أفقه أو الاتصال فيه أظهر، فلا تردد في أن السند النازل أولى من
العالي.
وتتفرع من العلو النسبي أربعة أنواع:
١ - الموافقة .
٢ - البدل .
٣ - المساواة.
٤ - المصافحة.
١ - الموافقة: هي أن يصل الراوي إلى شيخ أحد من المصنفين من غير طريقه
مع علو إسناده على إسناد المصنف، كأن يكون مسلم مثلًا روى حديثًا عن يحيى،
عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، فترويه أنت بإسناد آخر عن يحيى بعدد أقل مما
لو رويته من طريق مسلم، فقد حصلت لك الموافقة مع مسلم في شيخه يحيى، مع
علو الإسناد على الإسناد إليه.
٢ - البدل: ويسمى الإبدال، وهو أن يصل إلى شيخ شيخ أحد المصنفين من غير
طريقه، وصورته في المثال السابق أن ترويه بإسناد آخر عن مالك، أو عن نافع، أو

١١٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عن ابن عمر بعدد أقل أيضًا، فيكون تلميذ مالك في هذا الإسناد الآخر بدلًا عن
يحيى، وقد يسمى هذا موافقة بالنسبة إلى الشيخ الذي يجتمع فيه إسنادك بإسناد
مسلم کمالك ونافع.
٣ - المساواة: وهي تساوي عدد الإسناد من الراوي إلى آخره مع إسناد أحد
المصنفين، كأن يروي النسائي مثلاً حديثًا بينه وبين النبي وَّر، فيه أحد عشر نفسًا،
فيقع لنا ذلك الحديث بعينه بسند آخر إلى النبي وَّر يقع بيننا وبينه وَّ فيه أحد عشر
نفسًا، فنساوي النسائي من حيث العدد مع قطع النظر عن ملاحظة ذلك الإسناد
الخاص.
قال السيوطي: ولا يوجد ذلك الآن في حديث بعينه، بل يوجد التساوي في
مطلق العدد، والعلو في تلك المساواة غير ظاهر إلا أن يقال: إن العلو فيها باعتبار
أن الراوي لو روى عن أحد المصنفين للكتب المذكورة لكان العدد أكثر.
٤ - المصافحة: هي أن يستوي عدد رجال الإسناد من الراوي إلى آخر الإسناد
مع إسناد تلميذ أحد المصنفين، أو هي أن تقع المساواة للراوي مع تلميذ أحد
المصنفين على الوجه المشروح، وسميت بذلك؛ لأن العادة جرت في الغالب
بالمصافحة بين المتلاقيين، فكأن الراوي لقي المصنف وصافحه، ومثالها يفهم
مما ذكر في المساواة قبلها .
والنزول أيضًا أقسام كالعلو، ويقابل كل قسم منها قسمًا من أقسام العلو.
رواية الأقران: القرينان هما المتقارنان في السن والأخذ عن المشائخ، ورواية
الأقران: هي أن يروي قرين عن قرينه، كرواية سليمان بن مهران الأعمش عن
سليمان بن طرخان التيمي وهما قرينان، وبعبارة أخرى: هي أن يشترك تلميذان في
الرواية عن شيخ، ويكون أحد التلميذين قد روى عن زميله وقرينه.
المدبج بفتح الدال المهملة وتشديد الباء الموحدة: مأخوذ من ديباجتي الوجه
وهما الخَدَّان لتساويهما وتقابلهما، وهو اصطلاحًا: أن يشترك التلميذان في الرواية
عن شيخ، ويكون كل واحد من التلميذين قد روى عن الآخر، كرواية عائشة عن
أبي هريرة، ورواية أبي هريرة عنها، وكرواية مالك والأوزاعي، ورواية أحمد بن
حنبل وعلي بن المديني، كل عن الآخر.

١١٩
تُحِفَةُ أَهْلِ الفِكرِ
والمدبج أخص مطلقًا من رواية الأقران، ومن فوائد معرفة هذا النوع الأمن من
أن يظن زيادة في السند، أو يظن إبدال ((عن)) بالواو.
رواية الأكابر عن الأصاغر: هو أن يروي الراوي عمن هو دونه في السن أو في
مقدار الحفظ والعلم أو في كليهما، كرواية الزهري عن مالك، ورواية مالك عن
عبد الله بن دینار.
ومن هذا النوع رواية الآباء عن الأبناء، ورواية الصحابة عن التَّابِعِينَ، والشيخ
عن تلميذه.
ومن فوائد هذا النوع دفع توهم الانقلاب في السند؛ لأن الغالب رواية الأصاغر
عن الأكابر .
رواية الأصاغر عن الأكابر: هي رواية الشخص عمن فوقه في السن أو في قدر
العلم والحفظ، وهي الأصل والطريقة المسلوكة المألوفة غالبًا، ومن هذا النوع
رواية الأبناء عن الآباء عن الأجداد.
السابق واللاحق: هو أن يشترك اثنان متقدم ومتأخر موتًا في الرواية عن شيخ
واحد مع التباعد بين وفاتيهما، مثال ذلك: الإمام مالك روى عنه الزهري وتوفي
سنة ١٢٤ هـ وأحمد بن إسماعيل السهيمي وتوفي سنة ٢٥٩ هـ وبين وفاتيهما مائة
وخمسة وثلاثون سنة، فالزهري يقال له: السابق والسهيمي يقال له: اللاحق.
ومن فوائد معرفة هذا النوع: الأمن من أن يظن سقوط شيء من إسناد المتأخر،
أي انقطاعه .
المهمل: هو أن يروي الراوي عن اثنين متفقين في الاسم فقط، أو مع اسم
الأب، أو مع اسم الجد، أو مع النسبة، ولم يتمیزا بما يخص كل واحد منهما، فإن
كانا ثقتين لم تضر الجهالة بهما، وإن كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفًا ضرت
الجهالة، مثال الأول: ما وقع من البخاري في روايته عن أحمد غير منسوب عن
ابن وهب، فإنه إما أحمد بن صالح أو أحمد بن عيسى وكلاهما ثقة، ومثال الثاني :
سليمان بن داود الخولاني وهو ثِقَةٌ، وسليمان بن داود اليمامي وهو ضعيف.