Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
المطالبة، انتهى. وفي ((المسايرة)): وجعل الإقرار بالشهادتين ركنًا من الإيمان هو
الاحتياط بالنسبة إلى جعله شرطًا خارجًا عن حقيقة الإيمان، انتهى. وإنما جعل
هؤلاء الإقرار بالشهادتين وبالتزام الطاعة ركنًا أو شرطًا لإخراج تصديق أبي طالب
وهرقل والذين قال الله فيهم: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ﴾ [النمل: ١٤]
من مسمى الإيمان الشرعي.
وقال المرجئةُ: هو اعتقاد فقط، والإقرار باللسان ليس بركن فيه ولا شرط،
فجعلوا العمل خارجًا من حقيقة الإيمان كالحنفية وأنكروا جزئيته، إلا أن الحنفية
اهتموا به وحرَّضوا عليه، وجعلوه سببًا ساريًا في نماء الإيمان، وأما المرجئة
فهدروه، وقالوا: لا حاجة إلى العمل، ومدار النجاة هو التصديق فقط، فلا يضر
المعصية عندهم مع التصديق، وقال الكرامية: هو نطق فقط، فالإقرار باللسان
يكفي للنجاة عندهم، سواء وجد التصديق أم لا .
وقال السلف من الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من أصحاب
الحديث: هو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، فالإيمان عندهم
مركب ذو أجزاء، والأعمال داخلة في حقيقة الإيمان، ومن هاهنا نشأ لهم القول
بالزيادة والنقصان بحسب الكمية، فهو كالكلي المشكك عندهم، واحتجوا لذلك
بالآيات والأحاديث، وقد بسطها البخاري في ((جامعه))، والحافظ ابن تيمية في
كتاب الإيمان. قيل: وهو مذهب المعتزلة والخوارج، إلا أن السلف لم يجعلوا
أجزاء الإيمان متساوية الأقدام، فالأعمال عندهم كواجبات الصلاة لا كأركانها،
فلا ينعدم الإيمان بانتفاء الأعمال، بل يبقى مع انتفائها، ويكون تارك الأعمال وكذا
صاحب الكبيرة مؤمنًا فاسقًّا لا كافرًا، بخلاف جزئيه التصديق والإقرار، فإن فاقد
التصديق وحده منافق، والمخل بالإقرار وحده كافر، وأما المخل بالعمل وحده
ففاسق ينجو من الخلود في النار ويدخل الجنة.
وقال الخوارج والمعتزلة: تارك الأعمال خارج من الإيمان؛ لكون أجزاء
الإيمان المركب متساوية الأقدام في أن انتفاء بعضها - أي بعض كان - يستلزم
انتفاء الكل، فالأعمال عندهم ركن من أركان الإيمان كأركان الصلاة، ثم اختلف
هؤلاء، فقالت الخوارج: صاحب الكبيرة وكذا تارك الأعمال كافر مخلد في النار،

٤١
مُقَدِمَةُ أ.د/ وَصي اللَّه
والمعتزلة أثبتوا الواسطة، فقالوا: لا يقالُ له: مؤمن ولا كافر، بل يقال له: فاسق
مخلد في النار.
وقد ظهر من هذا أن الاختلاف بين الحنفية وأصحاب الحديث اختلاف معنوي
حقيقي لا لفظي كما توهّم بعض الحنفية .
ثم قال في الترجيح: والحق ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة والمحدثون
لظاهر النصوص القرآنية والحديثية، ومحل الجواب عن دلائل الحنفية المطوّلات
(٣٧/١). ثم قال: فإن قيل: قد فرق النَّبِيُّ ◌َّله في هذا الحديث بين الإسلام
والإيمان، وجعل الأعمال كلها من الإسلام لا من الإيمان، والمشهور عن السلف
وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ونية، وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى
الإيمان، وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتَّابِعِينَ ومن بعدهم ممن
أدركهم، تدل على دخول الأعمال في الإيمان النصوص الصريحة من آيات القرآن
والأحاديث الصَّحِيحَةِ، وأيضًا ظاهر سؤال جبريل عن الإسلام والإيمان وجوابه
يقتضي تغايرهما، وأن الإيمان تصديق بأمور مخصوصة، والإسلام إظهار أعمال
مخصوصة، وتقدم عن البخاري أنه يرى أنهما عبارة عن معنى واحد.
قلتُ: عقد البخاري على حديث جبريل هذا بابًا في ((صحيحه)) ليرد ذلك
بالتأويل إلى مسلكه وطريقته فارجع إليه، وقال البغوي في الكلام على حديث
جبريل هذا: جعل النَّبِيُّ ◌َّةَ الإِسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان
اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك؛ لأن الأعمال ليست من الإيمان،
والتصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد
وجماعها الدين، ولذلك قال النَّبِيُّ وَهِ: ((أَتَاكُمْ يُعَلَّمُكُمْ دِينَكُمْ))، والتصديق
والعمل يتناولهما اسم الإِيمان والإسلام جميعًا، يدل عليه قوله سبحانه تعالى: ﴿إِنَّ
اُلِّينَ عِندَ اللَّهِ اَلْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]،
﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيِّرَ الْإِسْلَكِمِ دِينًا فَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٣]، فأخبر تََّ أن الدين الذي
رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام، ولا يكون الدين في محل القبول والرضاء إلا
بانضمام التصديق إلى العمل، انتهى. وقيل: فسر في الحديث الإيمان بالتصديق
والإِسلام بالعمل، وإنما فسر إيمان القلب والإسلام في الظاهر لا الإيمان الشرعي

*
٤٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والإِسلام الشرعي، ولا شك في تغايرهما لغة، وأجاب ابن رجب رَّتْهُ في ((شرح
الأربعين)) (١٩) بوجه آخر، ومحصل جوابه: أن الإيمان والإسلام يفترقان إذا
اجتمعا، وحيث أفرد كل منهما بالذكر فلا فرق بينهما، وارجع للتفصيل إلى ((شرح
الأربعين)) وكتاب ((الإيمان)) لابن تيمية.
وهذا النوع من التحقيق لا نجده في شرح كتب الأحاديث الأخرى وخاصة من
كتب أهل المذاهب وبالأخص في كتب الحنفية.
وذكر تَخّْتُهُ الاختلاف في الماء متى ينجُس إذا وقعت فيه النجاسة فذكر آراء
العُلماء واختلافهم وخاصة اختلاف الحنفية على أقوال، ثم قال: ولا دليل لهم على
هذه التحديدات لا من كتاب الله ولا من سُنة رسوله ولا من آثار الصحابة ولا من
قیاس صحیح.
ونقل قول الشاه ولي الله في ((حجة الله)) (١ / ١٤٧): وقد أطال القوم في فروع
موت الحيوان في البِتْر. والعشر في العشر، والماء الجاري، وليس في كل ذلك
حديث عن السَّبِيٍ وَّ البتة .
وأما الآثار المنقولة عن الصحابة والتَّابِعِينَ كأثر ابن الزبير في الزنجي، وعَليٍّ
في الفأرة، والنخعي والشعبي في نحر السَّنور فليست مما يشهد له المحدثون
بالصِّحة، ولا مما اتفق عليه جمهور أهل القرون الأولى، وعلى تقدير صحتها
يُمكن أن يكون ذلك تطييبًا للقلوب، تنظيفًا للماء لا من جهة الوجوب الشرعي،
كما ذُكِر ذلك في كتب المالكية، ودون نفي هذا الاحتمال خَرْطُ القتاد.
وبالجملة فليس في هذا الباب شيء يُعتدُّ به ويجب العمل عليه، وحديث القلتين
أثبت من ذلك كله بغير شُبهة، ومن المحال أن يكون الله تعالى شرع في هذه
المسائل لعباده شيئًا زيادة على ما لا ينفكّون عنه من الارتفاقات، وهي مما يكثر
وقوعه وتعم به البلوى، ثم لا ينص عليه النَّبِيُّ ◌َّهَ نصًّا جليًّا، ولا يستفيض من
الصحابة ومن بعدهم ولا حدیث واحد فيه. انتهى (١/ ٥٣).
وذكر قول الحنفية بجواز الوضوء بالنبيذ، ومنع الجمهور من الوضوء به ...
وذكر دليل الحنفية، ثم قال: والحق في ذلك قول الجمهور؛ لأن النبيذ ليس بماء
وقال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: الآية ٤٣].

٤٣
مُقَدِمَةٌ أ.د/ وَصى الله
BC
واحتج لأبي حنيفة بحديث ابن مسعود هذا: ((ففي حديث عبد الله بن مسعود أن
التَّبِيَّ بِّه قال له ليلة الجن: ((ما في إداوتك؟)) قال: قلت: نبيذٌ. قال: ((ثمرة طيبة
وماء طهور))، وقد أجاب الجمهور عنه بأنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به. وذكر
قول القاري في ((المرقاة)) وابن حجر في ((الفتح)) والنووي.
وذكر تقوية العيني لهذا الحديث لمتابعات وشواهده، وذكر الكلام في تضعيفه
على تلك الأحاديث بنفس حديثي وأثبت عدم صحته. (١ / ٥٤٠ - ٥٤٤).
ونظر كذلك المسائل في قراءة الفاتحة خلف الإمام ورفع اليدين في الركوع
وبعد القيام من الركوع، والجهر بآمين وصلاة المفترض خلف المتنفل، وشرح
حديث: ((ما من أحدٍ يسلم عليَّ إلا ردّ الله عليَّ روحي)).
وهكذا في جميع المسائل التي جاءت في الكتاب واختلفت آراء العلماء نجِدُه
دَخَّتُهُ يبذل أقصى جُهده في بيان الراجح فيها في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة
واجتهادات الأئمة على طريقة أهل الحديث، من غير تعصب لمذهب دون مذهب
من المذاهب الأربعة المشهورة، حيث يطمئن قلب المتبع للسنة في الأخذ به.
ولم يُقدِّر اللهُ للشيخ تَّتُهُ أن يُكمِل شرح كتاب ((المشكاة))، إنما بلغ إلى كتاب
البيوع فقط وذلك لكثرة انشغاله بالإشراف على جماعة أهل الحديث وبعض
مدارسها في الهند، ثم الانشغال بالإجابة على فتاوى الناس الكثيرة التي كانت ترد
إليه، وطُبع منه إلى كتاب المناسك فقط عدة مرات في الهند وباكستان، ولم يتم
شرح كتاب البيوع إلا متأخرًا، ففي هذه الطبعة الجديدة ألحق أخونا الفاضل الشيخ
أبو حذيفة محمد سليمان بن محمد أمين مدير المكتب العلمي بمدار القبس
بالرياض ... كتاب البيوع غير المطبوع سابقًا أعطاه إياه أبناء الشيخ تَخْتُهُ
عبد الرحمن وعبد العزيز حفظهما الله، ووافقوا على طباعة هذا الشرح المبارك
بأن تكون هي الطبعة الشرعية الوحيدة (جزاءهم الله أحسن الجزاء).
وقام بإحياء هذا الشرح الجليل من جديد وطبعه طبعةً جميلة قشيبة بتنضيد رائع
جديد وتصحيح دقيق وتخريج علمي مشكورًا مأجورًا - إن شاء الله - المكتبُ
العلمي بِمَدَارِ القَبَسِ لِلْنَّشْرِ وَالتَّوْزِيعِ، برعاية الأخ الفاضل الأستاذ محمد سليمان
ابن محمد أمين، فجزاه الله إياه وجميع من أعانه من أبنائه وغيرهم، آمين.

٤٤
se
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وإكمال هذا الشرح المبارك على رسم الشيخ تَخّْهُ دَينٌ على أفراد جماعة أهل
الحديث السلفيين أينما كانوا ندعو لله أن يأتي بأناس يُوفقهم لإكماله على
المطلوب، وهو على كل شيء قدير.
و کتبه
أ.د/ وصي الله بن محمد عباس
١٤٣٥/٥/١٥
المدرس بالمسجد الحرام وجامعة أم القرى
قسم الكتاب والسنة بمكة المكرمة

٤٥
مُقْدِمَةُ الطَّبْعَةِ الأُوْلَى
DIoZZ
مقدمة الطبعة الأولى لمرعاة المفاتيح
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى
بهدیه، واستن بسنته .
وبعد:
فقد جاء الله بالإِسلام، ومَنَّ على الأميين المؤمنين؛ إذ بعث فيهم رسولاً يتلو
عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال
مبين، وكان العرب في جاهليتهم يقلدون الآباء في أداء مراسم الدين، حتى جاء
الإسلام، فصاروا يقتدون برسول الله وَ ل بعد إذا آمنوا به، ويتبعون الوحي المنزل
عليه كتابًا وسنة فيما يعرض لهم من المناسبات، وما يجدُّ لهم من الأمور
والأحداث. وكان يقابل عملية هذا الاقتداء والاتباع عملية أخرى لحفظ هذا الدين
وصيانة هذه الشريعة؛ حفظ كل ما صدر عن رسول الله ◌َ له من الأحاديث والأقوال
والأعمال، مستبشرين في ذلك بما صدر منه وّل من قوله: ((نضر الله امرأ سمع
مقالتي فوعاها وحفظها، ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب
حامل فقه إلى من هو أفقه منه)).
فكان يقوم به الصحابة - رضوان الله عليهم - ومن بعدهم من الرواة شِفاهًا،
وكان بعض هؤلاء الرواة محترفي الرواية، منقطعين لها ويقيدون بعض ما سمعوا
من العلم ويكتبونه؛ وكان من بينهم من يروي ما سمع في حادثة أو حوادث معينة
من غير احتراف ولا كتابة ولا تقييد، بل كان يضبطها في صدره ويلقيها على الأفراد
والأشخاص والملأ.
ولما فتحت الأمصار والآفاق، واتسعت رقعة الخلافة الإسلامية، وانتشر
الصحابة والرواة في البلدان والأقاليم قَلَّ حملة العلم في الحجاز وقلب الخلافة،
حتى خاف الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز أَخْلَهُ على رأس المائة
الأولى، وكتب إلى المبرزين في الأمصار كتابه المشهور: ((انظروا ما كان عندكم

٤٦
FEES
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضابِيحِ
من حديث رسول الله وَّه؛ فاكتبوه واجمعوه، فإني خفت دروس العلم وذهاب
العلماء)). وأوصى أن يكتب ما عندهم، قام العلماء في كل مصر بما نُدبوا إليه خير
قيام، وأقبلوا على جمع الأحاديث والسنن وتمحيصها وتمييز صحيحها من
سقيمها، ومقبولها من مردودها؛ أخذت الحركة العلمية التدوينية في الحديث في
الازدهار؛ وتجرد لهذا العمل الجليل قوم عُرفوا بالأمانة والصدق والتحري
والتثبت، وأخذوا أنفسهم بمجافاة المضاجع، ولازموا الدفاتر والمحابر،
وحرصوا على لقاء الأشياخ، والأخذ منهم شفاهًا، ومهروا في هذا السبيل حتى
قطعوا الفيافي والقفار، وطوفوا في البلدان والأقاليم على قلة المؤنة وعسر وسائل
الرحلات ما جعلتهم في عداد العلماء الخالدين.
وما زال العلماء يجمعون الأحاديث، وينقدون ويمحصون، ويؤلفون الصحاح
والسنن والمسانيد والمعاجم والمصنفات حتى جمعت الأحاديث كلها في القرن
الثالث الذي يعتبر العصر الذهبي للأحاديث والآثار، حتى كاد أن ينتهي الجمع
والابتكار بعد هذا القرن، وبدأت عصور الترتيب والتهذيب، والانتقاء والاختيار،
والاستدراك والتعقيب فيما بعد.
وهكذا اتسع النتاج واتسع الجمع حتى كان لنا مجموعات ضخمة في جميع
فنون الحديث المذكورة، فلما تجمع هذا التراث الضخم ورأوا أن من العسير
الإحاطة به واستقصاءه، وأن الخاصة - فضلاً عن العامة - ينؤون بحمله ظهرت
ظاهرة أخرى، وهي الانتقاء والاختيار واختيار خير ما روي.
وكان الباعث على الاختيار أمورًا مختلفة ومتعددة كلها ترجع إلى حفظ السنة
ونشر الدين وتأصيل المصدرين الأساسيين من مصادر التشريع الإسلامي، وهما
الكتاب والسنة، وكان من أهم ما ألف في هذا الصدد:
((جامع الأصول لأحاديث الرسول)) لابن الأثير أبي السعادات مبارك بن محمد
الجزري المتوفى سنة (٦٠٦هـ)، فقد هذب كتاب ((تجريد الصحاح)) لأحمد بن
رزين ابن معاوية العبدري السرقسطي المتوفى سنة (٥٣٥هـ) الذي جمع فيه بين
أحاديث الكتب الستة، ولكنه لم يحسن في ترتيبه وتهذيبه، وقد ترك بعضًا من تلك
الأحاديث؛ فجاء ابن الأثير تَخّْلهُ وهذب كتابه، ورتب أبوابه، وأضاف إليه ما فاته

٤٧
مُقْدِمَةُ الطَّبْعَةِ الأُوْلَى
من الأصول، ثم شرح غريبه، وبيَّن مشكل إعرابه، وما خفي معناه، وقد حذف
الأسانيد اكتفاء على راوي الحديث من صحابي أو تابعي، وأحال على من أخرجه
من الستة، ولم يذكر من أقوال التَّابِعِينَ إلا النادر القليل، ورتب أبوابه على حروف
المعجم، فجاء كتابه ((جامع الأصول)) جامعًا لأصول الأحاديث عظيمًا حافلًا غزير
النفع، اعتنى به رجال من أهل الحديث شرحًا وإيضاحًا واختصارًا، ومن أجلٌّ
مختصراته مختصر ابن الديبع الشيباني الزبيدي (م - ٩٤٤ هـ) صاحب المصنفات
الشهيرة في السيرة النبوية والحديث الشريف.
٦ و((جامع المسانيد والألقاب)) لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي (م -
٥٩٧هـ)، فقد جمع فيه بين أحاديث ((الصحيحين)) و((جامع الترمذي))، وقد رتبه
المحب الطبري أبو العباس أحمد بن عبد الله المكي (م - ٩٦٤هـ) وقد انتفع به
الناس .
■ و ((مصابيح السنة)) للإمام ركن الدين محيي السنة أبي محمد الحسين بن
مسعود الفراء البغوي (م - ٥١٦هـ) فقد جمع فيه طائفة من الأحاديث مما أورده
الأئمة في كتبهم محذوفة الأسانيد، يبلغ عددها (٤٤٨٤) حديثًا وقسمها إلى
صحاح وحسان. وعنى بالصحاح: ما أخرجه الشيخان أو أحدهما، وبالحسان: ما
أخرجه أصحاب السنن؛ وما كان فيها من ضعيف أو غريب بيَّنه، ولا يذكر ما كان
منكرًا أو موضوعًا على رأيه. وقد طبع عدة مرات، وقد اعتنى العلماء به عناية
عظيمة فشرحوه شروحًا كثيرة وعلقوا عليه تعليقات حسنة مفيدة.
فممن شرحه: الإمام البيضاوي (م - ٦٨٥هـ) وابن قطلوبغا الحنفي (م - ٨٧٥هـ)
والشهاب التوربشتي (م - ٦٠٠هـ) وشمس الدين الخلخالي (م - ٧٤٥هـ) وعلاء
الدين مصنفك (م - ٨٧٥هـ) وابن العاقولي (م - ٧٩٧هـ) وشمس الدين الجزري (م
- ٨٣٣هـ) وظهير الدين الفارقي (م - هـ) وزين العرب (م - هـ) ومظهر الدين
الزيداني (م - ٧٢٧هـ) وتقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي (م - ٧٥٦هـ) ومجد
الدين الفيروز آبادي (م - ٨١٧هـ) صاحب ((القاموس)) في اللغة، وغيرهم.
■ و((مشكاة المصابيح)) وهو تهذيب لكتاب ((مصابيح السنة)) المذكور للإمام
البغوي، هذبه الشيخ ولي الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب التبريزي
(عاش عام ٧٣٧هـ) وكمله، وذيَّل أبوابه، فذكر الصحابي الذي روى الحديث عنه،

٤٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
وذكر الكتاب الذي أخرجه منه، وزاد على كل باب من الصحاح والحسان - إلا
نادرًا - فصلًا ثالثًا، فسماه ((مشكاة المصابيح)) فصار كتابًا كاملًا يجمع بين دفتيه
(٥٩٤٥) حديثًا، أي: بزيادة (١٥١١) حديثًا على أحاديث المصابيح، وقد فرغ من
جمعه آخر يوم الجمعة من رمضان سنة ٧٣٧هـ، واعتمد عليه صغار أهل العلم
وكبارهم على السواء حتى عصرنا هذا، وظهرت له طبعات كثيرة في بلاد تركستان
والهند وسائر العالم الإسلامي، وأجود طبعاته الطبعة الأخيرة التي نشرها ((المكتب
الإسلامي)) بدمشق بتحقيق العلامة المحدث الإمام محمد ناصر الدين
الألباني تَّثهُ وأوثق متونه الطبعة التي أعدها صاحب ((المرعاة)) العلامة
المحدث الشيخ عبيد الله بن عبد السلام المباركفوري ◌َّلهُ وجعلها معتمدة، وبنى
عليها شرحه لـ((المشكاة))، وهو الذي معنا في هذا الكتاب.
وأما صاحب ((المشكاة)) فهو: الشيخ ولي الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله
الخطيب التبريزي مجهولة ترجمته الشخصية، مفقودة سيرته الذاتية، سوى أحرف
يسيرة ذكرها ناشر ((مشكاة المصابيح)) الشيخ أبو بكر شاويش في مقدمته على
تحقيق الألباني تَّلهُ. وقد نقلها عنه صاحب ((المرعاة)) في المجلد الأول من هذا
الكتاب، فلا نعيدها للتطويل سوى ما يُقال: إنه من أصحاب العلامة الحسين بن
عبد الله بن محمد الطيبي (م - ٧٤٣هـ) الذي أشار له إلى جمع هذا الكتاب
المستطاب واتفق رأیهما علی تکملة (المصابیح)) وتهذيبه و تعیین رواته، فما قصر
فيما أشار إليه من جمعه، فبذل هذا التلميذ الرشيد وسعه وجهده، ولما فرغ من
إتمامه شمر عن ساق الجد شيخه في شرح معضله بعد تتبع الكتب، فكان شرحه هذا
أول شرح لهذا الكتاب وسماه: ((الكاشف عن حقائق السنن)).
٢ عناية العلماء بـ«مشكاة المصابيح)»:
ما زال العلماء من رجال الحديث وأهله يعتنون ويهتمون بـ(مشكاة المصابيح))
منذ ألفه مؤلفه الشيخ ولي الدين الخطيب التبريزي ◌َّلهُ عام (٧٣٧هـ) قراءة وشرحًا
وتعليقًا وعملًا بما يشتمل عليه هذا الكتاب من أحاديث رسول الله تَّية وأحكام
الدین.

مُقَدِمَةُ الطَّبْعَةِ الأوْلَى
**:
٤٩
■ فأول من شرحه هو شيخه العلامة الحسين بن عبد الله بن محمد الطيبي
(م - ٧٤٣هـ) في كتابه ((الكاشف عن حقائق السنن)) وسيأتي بيان حاله مفصلًا
في ((المرعاة)) نقلًا عن مقدمته، إلا أنه قال: ((وشرحه أنفس الشروح وأحسنها))
وهو مطبوع في مجلدات.
■ وشرحه عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز الأبهري (م - ٨٩٥هـ، أو في
حدوده) وسماه: ((منهاج المشكاة)) وقيل: إنه تاريخ لتأليفه هذا الشرح دون وفاته،
وقد عمل هذا الشرح للأمير علي شير.
■ وشرحه العلامة أحمد بن حجر الهيتمي المكي (م - ٩٧٥ هـ) صاحب
((الصواعق)) و(الزواجر)) وغيرهما، فأحسن وأجاد، قال الشيخ عبد الحق المحدث
الدهلوي في ترجمته في كتابه ((زاد المتقين)) - باللغة الفارسية - ما معناه: ((له شرح
على شمائل الترمذي))، وعلى ((الأربعين)) للنووي، وعلى ((المشكاة)) وقال: (وقد
أظهر فيه براعته في الفقه)).
■ وشرحه العلامة نور الدين علي بن سلطان المعروف بالقاري (م - ١٠١٤ هـ)
وهو شرح عظيم ممزوج على ((المشكاة)) يسمى بـ ((المرقاة)). جمع فيه جميع
الشروح والحواشي واستقصاها، وقد أفاد به خلق كثير منذ ظهر هذا الشرح إلى
يومنا هذا، إلا أنه حنفي يميل إليهم في كثير من المسائل ويتعصب لهم مع سعة
علمه وغزارة مادته وظهور أدلته، ما لا يليق بشأنه وشأن المحدثين من أي مذهب
سواءً كان، حنفيًّا أو مالكيًّا أو شافعيًّا أو حنبليًّا أو ظاهريًّا، وعليهم بشأن أهل
الحدیث.
■ يقال: إنه شرحه الإمام علم الدين السخاوي أبو الحسن علي بن محمد
(م - ٦٤٣ هـ) وقد ذكره حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (١ / ١٧٠٠) وشيخنا
في ((المرعاة)) (١/ ٥٢) وآخرون، وهذا لا يصح عندي بشيء. نعم! قد شرح
الإمام علم الدين ((المصابيح)) للبغوي، وقد جاء ذكره في ((هدية العارفين))
للبغدادي في ترجمته، وكيف ولعله قد توفي قبل ولادة صاحب ((المشكاة))؟
فإن ((مشكاة المصابيح)) فرغ منها في رمضان ٧٣٧هـ، وتوفي السخاوي علم
الدين قبل تأليفه بـ (١٠٤) سنة هجرية.

٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
■ وعلى ((المشكاة)) حاشية لعلي بن محمد بن علي الشيرازي الحنفي المعروف
بالسيد الشريف والسيد السند الجرجاني المتوفى سنة (٨١٤هـ) على قول العيني،
أو سنة (٨١٦هـ) على قول الآخرين، وهي مختصرة من ((شرح الطيبي)) مع قليل من
الزيادات، وأنكر علي القاري في ((المرقاة)) بأن يكون للسيد الشريف حاشية على
المشكاة؛ وقد ردَّه شيخنا في المرعاة وأتى بما يثبت ذلك من الأدلة.
■ وللإمام العلامة الحافظ ابن حجر العسقلاني شهاب الدين أبي الفضل أحمد
ابن علي بن محمد المصري (م - ٨٥٢هـ) تأليف مفيد خرج فيه أحاديث
((المصابيح)) و((المشكاة))، وسماه: ((هداية الرواة إلى تخريج أحاديث المصابيح
والمشكاة)). وقد ذيلنا ((المرعاة)) بـ((هداية الرواية)) ووضعناها في الهامش رجاء أن
ينتفع بها طلبة العلم.
■ وعلى فصول ((المشكاة)) الثلاثة في أبوابه زيادة فصل واحد في كتاب ((أنوار
المشكاة)) ولم يعرف واضعه، قال في ((كشف الظنون)) ثم جاء بعده - أي: بعد علي
القاري صاحب ((المرقاة)) - واحد من الفضلاء فزاد في كل باب فصلًا آخر، فصار
كله أربعة فصول مما وجد بعدهما في الدواوين المعتبرة للأئمة السبعة - أعني
الحميدي وابن الأثير والصنعاني والقضاعي والإقليشي والنووي والمديني - من
كل حديث استدل به مجتهد في مذهبه، فكان كالشرح لهذين الكتابين، وسماه
((أنوار المشكاة)) فعدد الكتب فيهن (٢٩) تسعة وعشرون، والأبواب (٣٢٧)
ثلاثمائة وسبعة وعشرون، والفصول (١٣٠٨) ألف وثلاثمائة وثمانية. وأما عناية
علماء الهند بـ((المشكاة)) فسيأتي ذكرها بعد قليل إن شاء الله.
عناية علماء الهند بالحديث الشريف:
ـته بجهودهم
■ أشرقت شمس الإسلام على أرض الهند في عصر الصحابة .
لنشر دعوة الإسلام، قام بها تجار العرب وبحارتها الذين كانوا يرتادون شواطئ
الهند غربيها وشرقيها وجزيرة سرنديب مثل مقاطعات السند والديبل وغجرات
ومليبار، فانتشر الإسلام في هذه المناطق على أيدي التجار المسلمين، وكان
للعلاقات التجارية القائمة بين الهند والعرب من أقدم العصور دور هام في هذا
الصدد .

٥١
مُقَدِمَةُ الطَّبْعَةِ الأَوْلَى
هذا من جهة، ومن جهة أخرى جاء المجاهد العظيم والبطل الجليل محمد
ابن القاسم الثقفي ففتح الديبل (كراتشي بباكستان الآن) سنة (٨٩هـ) واختط خططًا
وأحياء للمسلمين، وأنزلها أربعة آلاف من جنده النازلين، وأقام بها مسجدًا يرتفع
من مئذنته صوت التكبير حتى دانت له السند كلها حتى سنة (٩٥هـ)، وهكذا استمر
التوغل في بلاد الهند كلها شمالها وجنوبها من هؤلاء التجار والدعاة والفاتحين
حتى القرن الرابع، وقامت دويلات إسلامية نشطت فيها حركة العلم والدعوة
ورواية الحديث الشريف بيد الصحابة والتَّابِعِينَ ومن بعدهم من أهل الدين
والعلم، وتلمذ عليهم أبناء السند والهند، كما رحل إلى البلاد الإسلامية غير واحد
من أهل الهند وتشبعوا بعلوم القرآن والسنة وساهموا في نشرهما على هذه الأرض
التي أهم مدنها ومراكزها العلمية: ديبل وملتان والمنصورة وخضدار وبروص.
■ ولما أخضع السلطان محمود الغزنوي ابن السلطان ناصر الدين سبكتكين
(٣٦٠هـ - ٤٢١ هـ) جزءًا كبيرًا من أقطاع الهند (منذ عام (٣٩٢هـ) إلى عام (٤١٠ هـ)،
واختار مدينة لاهور - الباكستانية حاليًا - عاصمة لبلاده المفتوحة من الهند صارت
لاهور مركز العلوم والثقافات ومقر العلماء والمشائخ وأساطين العلم.
■ وفي العهد الغوري، وبخاصة أيام الملك محمد الغوري (م - ١٢٠٦ هـ)
خضعت له مملكة دلهي الشاسعة وفتحت له ولايات الهند الشمالية كلها، مثل
أثرابراديش وبهار وبنغال؛ فكان أول من بسط الحكم الإسلامي في الهند،
وأصبحت دلهي عاصمة الهند الكبرى، وانتقلت سيادة العلم من لاهور إليها، إلا
أنها كانت تدور حول الاشتغال بعلوم اليونان وفنون الأدب والتمسك بالمذهب
الحنفي والتعصب له والجمود عليه، فصارت حركة السنة ضئيلة جدًّا في هذه
العصور؛ لقلة عنايتهم وعناية سلاطينهم من الدعوة الإسلامية واشتغالهم بالحكم
والسياسة، وكان العامل الأكبر لضعفها هو استيلاء الفرقة الباطنية في النصف
الأخير من القرن الرابع على بلاد السند والقضاء على حركة علم الحديث، ومن هنا
توقفت رحلات علماء الهند إلى البلاد الإسلامية، وتتابعت وفود العلماء من العراق
وما وراء النهر وخراسان إلى الهند تحمل علوم اليونان والفقه الحنفي؛ ولذلك
تأخرت حركة السنة إلى القرن التاسع الهجري، فازدهرت فيه تحت رعاية سلاطين

٥٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
دكن وغجرات البهمنيين والمظفريين تحت ظلال الدولة التغلقية الكبيرة المسيطرة
على عامة الهند (فيما بين ١٣٢٠م إلى ١٤١٤ م).
■ إن الدولة التغلقية لما قامت على يد غياث الدين تغلق (١٣٢٠م) وتولى
زعامتها بعده محمد تغلق عام (١٣٢٥ م) كان أول من سعى في سبيل إحياء شعائر
الإسلام، والقضاء على البدع والمنكرات التي تسربت إلى المجتمع الإسلامي
الهندي، وكان شديدًا على إقامة الصلاة ويعاقب على تركها أشد العقاب، ثم تولى
بعده ابن عمه فيروزشاه تغلق عام (١٣٥١م) حتى (١٣٨٨ م) سعى سعيًا مشكورًا في
قمع البدع والمنكرات والضلالات أشد من ابن عمه محمد شاه تغلق، ورفع كلمة
الإسلام من كل الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، وكان
ملكًا عادلًا صالحًا، جدَّد ما انهدم أو تهدم واندرس من المباني الشاهقة التي أسسها
الملوك الذين خلوا من قبله، وأعاد بناء عدد غير قليل من المساجد والمدارس
والمنارات والقباب والغدران والحياض والمزارع والجسور والمستشفيات
الخيرية، وردّ الأراضي المغصوبة إلى أهلها، ورغَب أهل الذمة من رعيته في
الإسلام، وقام بواجب الدعوة خير قيام. ولعله أول من أحسَّ بذلك من ملوك الهند
المسلمين، فأعلن للجمهور - مثيرًا كامن رغبتهم، ومستمطرًا سحابة تشوقهم -
بأن كل من يدخل في دين الإسلام من الأهالي ويدين بالله ورسوله تسقط عنه
الجزية من فوره، فبلغ ذلك مسامع العامة، وأخذ من قلوبهم مأخذًا حتى جعلوا
يدخلون في دين الله أفواجًا .
يقول فيروزشاه في بعض فرماناته: ومن النعم الجليلة التي أنعم الله بها علَيَّ أن
وفقني لتشييد المباني الخيرية والمساجد والمدارس والزوايا، ليلتجئ إليها الزهاد
والعلماء والمشائخ، فيناجوا فيها ربهم، وينقطعوا إلى ذكر الله تعالى ويخصوها
بالتعليم والعبادة، ويدعوا لبانيها بالخير والبركة. وكذلك أمرنا بحفر الآبار
والأنهار وغرس الأشجار، وجعلناها ومعها أراضي أخرى وقفًّا في سبيل الله حسب
ما ورد به الشرع، وأجمع عليه العلماء، وصرحنا بذلك في ((وقف نامه)) حتى يصل
ريعها إلى من يستحقونها من عباد الله، ولا ينقطع عنهم ذلك أبد الدهر. هذا: وقد
قضى على الروافض وأخذهم بأشد العقاب وأحرق مؤلفاتهم واستأصل جزورهم،
وكان ذلك حافزًا قويًّا لإحياء حركة السنة من جديد في كافة ربوع الهند .

٥٣
مُقَدِمَةُ الطَّبْعَةِ الأُوْلَى
ولما انفصلت الإمارة المظفرية في غجرات، والإمارة البهمنية في الدكن،
وصارتا دولتين مستقلتين منفصلتين من الدولة التغلقية حذيا حذوها في إحياء حركة
السنة، ولعب ملوكهما دورًا بارزًا في نشر السنة وحمايتها، ورعاية أهلها، وطار
صيتهما في الآفاق، فتبادر إليهما أهل العلم من كل صوب وأوبٍ، وتتابع وفود
العلماء والمشائخ إليهما من إيران والحجاز ومصر، وكانت لمصر شهرة فائقة
بسبب وجود الإمام الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني (م - ٨٥٢هـ / ١٤٤٩م)
وتلميذه الشيخ زين الدين أبي يحيى زكريا بن محمد الأنصاري (م - ٩٢٦هـ/
١٥٢٠ هـ)؛ وللحجاز بسبب وجود تلميذه الآخر الإمام السخاوي محمد
ابن عبد الرحمن المصري (م - ٩٠٢هـ/ ١٤٩٧ م) وابن حجر الهيتمي المكي
(م - ٩٧٤ هـ/ ١٥٦٧م) من تلامذة الزين زكريا الأنصاري. حتى يقال: إنه يرجع
فضل تجديد السنة وإحياء حركتها إلى هذه المدارس الأربعة في بلاد الهند، فإن
تلاميذها توجهوا إلى الهند، وقصروا همتهم على خدمة الكتاب والسنة، وتجددت
رحلات أهل العلم من الهند إلى الحرمين الشريفين التي كانت لها أثر طيب في
تجديد السنة. ومن أبرز هؤلاء العلماء المحدثين الواردين والنازلين على أرض
السند والهند حتى هذا العصر من القرن الأول وأبنائها:
موسى بن يعقوب الثقفي، ويزيد بن أبي كبشة الدمشقي السكسكي والي سليمان
ابن عبد الملك على السند، وأبو حفص الربيع بن صبيح السعدي (م - ٦٠ هـ)
وأبو موسى إسرائيل بن موسى البصري وأبو معشر نَجِيح بن عبد الرحمن السندي
(م - ١٧٠ هـ) وأبو عبد الله محمد بن رجاء السندي (م - ٢٤٦ هـ) والحافظ أبو بكر
محمد بن محمد بن رجاء السندي (م - ٢٨٦ هـ) وأبو العباس أحمد بن محمد بن
صالح المنصوري، وأبو محمد عبد الله بن جعفر المنصوري (م - ٣٩٠هـ)
وأبو جعفر محمد بن إبراهيم الديبلي (م - ٢٣٢ هـ) وأبو العباس أحمد بن عبد الله
الديبلي (م - ٣٣هـ)، وأبو العباس محمد بن محمد بن عبد الله الوراق الديبلي
(م- ٣٥٤هـ)، وأبو جعفر بن الخطاب القصداري السندي (توفي في المائة الرابعة
قبل الخامسة)، وأبو داود بن سيبويه بن إسماعيل القصداري المكي (م - حوالي
٤٦٨ هـ) والشيخ إسماعيل البخاري اللاهوري (م - ٤٤٨هـ)، والشيخ أبو الحسن
علي بن عمرو بن الحكم اللاهوري (م - ٥٢٩هـ)، والإمام أبو الفضل رضي الدين

٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحسن بن محمد الصغاني اللاهوري (م - ٦٥٠هـ) صاحب ((مشارق الأنوار))
و((مصباح الدجى)) و((الشمس المنيرة)) في الحديث، و((الشوارد)) و((العباب))
و((النوادر)) في اللغة والذيول على الكتب اللغوية المؤلفة في الأضداد من لدن
الأصمعي حتى عصر المصنف وغيرها من الكتب المفيدة، والشيخ الملا نظام
الدين البدايوني (م - ٧٢٥هـ) وشيخه الشيخ كمال الدين زاهد الدهلوي، والشيخ
يعقوب بن عبد الرحمن الهاشمي (م - ٨٤٣هـ) والشيخ عماد الدين محمود بن
محمد الكيلاني (م - ٨٨٦هـ) وهما من تلامذة الحافظ العلامة ابن حجر رَّتْهُ،
والشيخ وجيه الدين محمد العلوي المالكي العجراني (م - ٩٢٩هـ)، والشيخ
جمال الدين محمد الحضرمي الغجراتي (م - ٩٣٠هـ)، والشيخ رفيع الدين
الشيرازي الأكبر آبادي (م - ٩٥٤هـ) وأكبر آباد هي مديرية آغره التي فيها تاج محل
أحد المعالم السبعة المشهورة في العالم، والشيخ راجح بن داود الأحمد آبادي
الغجراتي (م - ٩٠٤ هـ) والشيخ قطب الدين العباسي الأحمد آبادي الغجراتي (م -
هـ) وهؤلاء الخمسة هم من أشهر تلامذة الإمام السخاوي في الهند.
وقد اشتهر من تلامذة هؤلاء السخاويين: الشيخ أبو الفتح بن عبد الغفور
التهانيسري الأكبر آبادي (م - ٩٨٦هـ)، والشيخ جمال الدين المحدث الأكبر آبادي
(م - ٩٩٠هـ) الذي التزم منهج المحدثين وطريقتهم في تدريس الكتب الستة،
والشيخ عبد الملك العباسي الأحمد آبادي (م - ٩٧٣هـ)، والشيخ ياسين بن أبي
ياسين الغجراتي الذي درس وأفاد في لاهور وسرهند وولايتي بهار وبنغال.
ومن أشهر تلامذتهم: الملا عيسى الأكبر آبادي، والشيخ كمال الدين محمد
العباسي الأحمد آبادي، والشيخ عبد المعطى بن الحسن باكثير المكي ثم
الأحمد آبادي (م - ٩٨٩هـ)، وتلميذه الشيخ محمد بن عبد الرحمن العمودي
الأحمد آبادي، والشيخ شهاب الدين أحمد العباسي الأحمد آبادي (م - ٩٩٢هـ)
وهما من تلامذة الزين زكريا الأنصاري تَخْذُلُهُ.
وقد اشتهر من تلامذة ابن حجر الهيتمي المكي في الهند: الشيخ السيد شيخ بن
عبد الله العيدروس (م - ٩٩٠هـ) والشيخ سعيد بن أبي سعيد الحبشي (م- ٩٩١هـ)،
والشيخ محمد بن عبد الله الفاكهي (م - ٩٩٢هـ) وكلهم توطنوا غجرات وأقاموا

٥٥
HOSSEX
مُقْدِمَةُ الطَّبْعَةِ الأَوْلَى
فيها، والشيخ يعقوب الصرفي الكشميري (م - ١٠٠٣ هـ)، والشيخ ملا محمد
شنغرف المحدث الكشميري (م - هـ) والشيخ عبد النبي بن أحمد الكنكوهي
الأكبر آبادي (م - ٩٩١هـ)، والشيخ جوهرنانت الكشميري (م - ١٠٢٦ هـ)،
والشيخ علي بن حسام الدين المتقي الجونفوري المكي (م - ٩٧٥ هـ) صاحب ((کنز
العمال)) وغيره من كتب الحديث.
ومن خُلَّص علماء الحديث في الهند من بعد هؤلاء المذكورين ومن أقرانهم:
الشيخ عبد الأول الجونفوري الدهلوي (م - ٩٦٨هـ)، والشيخ طيب بن أبي الطيب
السندي البرهانفوري (م - ٩٩٣هـ)، وله حاشية على ((المشكاة))، والشيخ طاهر بن
يوسف السندي البرهانفوري (م - ١٠٠٤هـ)، والشيخ عيسى بن قاسم السندي (م -
هـ) والشيخ وجيه الدين العلوي الغجراتي (م - ٩٩٨هـ)، صاحب المؤلفات
الكثيرة، وهو غير الشيخ وجيه الدين الغجراتي تلميذ الإمام السخاوي، وأما الشيخ
علي المتقي الجونفوري المكي (م - ٩٨٦هـ)، فقد كثرت تلاميذه من العرب
والعجم ومن الهند والسند ومن أكبر آباد وغياث فور وبرهانفور وجونفور ودلهي
وفتن وغيرها من المدن، ومن أبرزهم - فيما نرى - وأكبرهم علمًا وعملًا ودعوة
وجهادًا وتدريسًا وتأليفًا هو العلامة المحدث محمد بن طاهر الفتني (م - ٩٨٦هـ)
الذي اشتهر بكتابه ((مجمع بحار الأنوار)) في شرح غريب الحديث، وبـ ((تذكرة
الموضوعات)) في الأحاديث الموضوعة والمنكرة.
وفي عهد الملك أكبر المغولي المليء بالإلحاد والكفر والزندقة أقام الله لهذه
الأمة الإمام المجدد الشيخ أحمد بن عبد الأحد الفاروقي السرهندي (٩٧١هـ -
١٠٣٤ هـ) وأبناءه وأحفاده وتلامذتهم، وكذا الشيخ عبد الحق الدهلوي (٩٥٨هـ -
١٠٥٢هـ)، وابنه نور الحق (٩٨٣هـ - ١٠٧٣ هـ) الحنفيان، إلا أن والده كان يتعصب
للمذهب، ويذهب إلى التصوف، ولم يكن يعرف علم الحديث على وجهه - كما
يقول النواب صديق حسن خان - بل على جهة الإجازة والاستجازة، ولكن بعمله
هذا نشطت حركة السنة في الهند بعد انقراض الدولة المظفرية بغجرات، والدولة
البهمنية بدكن.
نعم! إن حركة علم الحديث كانت ضئيلة جدًّا في شمالي الهند قبل الشيخ

٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عبد الحق، وليست على ما يرام لاشتغال علمائها بالفقه وأصوله وبعلوم الفلسفة
والمنطق؛ فجاء الشيخ وقصر همته على نشر السنة أكثر من نصف قرن، بحيث
اشتهر بين الناس أنه أول من جاء بعلم الحديث في الهند، وهذا الإطلاق لا يصدقه
الواقع، نعم! إن لجهوده المشكورة أثرًا كبيرًا في نشر السنة في شمال الهند،
وتبادر إليه طلاب الحديث وتخرجوا عليه وساهموا في خدمة علم الحديث،
فازدهرت السنة في عصره ازدهارًا عجيبًا بقيت آثاره العظيمة حتى العصر الحديث
تعبر طريقها في القرن الثاني عشر والثالث عشر للهجرة، عبر الشاه ولي الله أحمد
ابن عبد الرحيم الدهلوي (١١١٤ هـ - ١١٧٦ هـ) وأبنائه وأحفاده وأقرانه، مثل
العلامة محمد فاخر زائر الإله آبادي (١١٢٠ هـ - ١١٦٤ هـ) والشيخ بيرزا مظهر
جانجانا ميرزا الشهير الدهلوي (١٦٩٩ م - ١٧٨٠ م) وتلامذتهم.
وفي القرن الثالث عشر والرابع عشر للهجرة عبر المدرستين العظيمتين،
أَوَّلُهما: تمثلها المدرسة السلفية وعلى رأسها النواب صديق حسن خان القنوجي
البوفالي (م - ١٢٤٨ هـ - ١٣٠٧ هـ) والعلامة السيد محمد نذير حسين المحدث
الدهلوي (١٢٢٠ هـ - ١٣٢٠هـ) وثانيتهما: تمثلها المدرسة الحنفية
بنوعها، الديوبندية والبريلوية، فيرأس الأولى فيهما الشيخ أحمد على
السهار نفوري (م-١٢٩٧ هـ) والشيخ محمد قاسم النانوتوي (١٢٤٨ هـ -
١٢٩٧ هـ) والشيخ رشيد أحمد الكنكوهي (١٢٤٤ هـ - ١٣٢٣هـ)، ويرأس الثانية
الشيخ أحمد رضا بن الشيخ تقي علي بن الشيخ رضا علي البريلوي (١٩٦٥م -
١٩٢١ م/ ١٢٧٢ هـ - ١٣٤٠ هـ) والشيخ نعيم الدين المراد آبادي (م - ١٩٤٨ م)
والشيخ أمجد علي المئوي الأعظمي (م - ١٩٤٨م).
وموجز القول أن مدرسة الشاه ولي الله الدهلوي انبثقت منها مدرستان فكريتان:
مدرسة أهل الحديث، ومدرسة الأحناف (الديوبنديين والبريلويين) وكان لجهود
أصحاب هاتين المدرستين أثر طيب في خدمة السنة، فكثر المعتنون بها، وكثرت
المؤلفات الحديثية، وطار صيت العلماء المشتغلين بالحديث في الآفاق.
يقول الأستاذ محمد محمد أبو زهرة: استمرت النهضة العلمية بمصر إلى أوائل
القرن العاشر الهجري، وبانقراض دولة المماليك البرجية في أوائل هذا القرن أخذ

٥٧
مُقَدِمَةُ الطَّبْعَةِ الأُوْلَى
النشاط العلمي يتضاءل ويضمحل، وطفق يرحل شيئًا فشيئًا إلى البلاد الهندية التي
أفسحت صدرها للحديث وعلومه، وسهرت على خدمته، فكانت أسعد بلاد
المسلمين بعلوم السنة إلى يومنا هذا.
وأول من اعترف بذلك وأعلن به جهارًا العلامة المحقق عبد العزيز الخولي في
مقال له تحت عنوان: ((حال السنة في عصرنا الحاضر)): ((ولا يوجد في الشعوب
الإسلامية على كثرتها واختلاف أجناسها من وفَّى الحديث قسطه من العناية في هذا
العصر مثل إخواننا مسلمي الهند، أولئك الذين وُجد بينهم حفاظ السنة، دارسون
لها على نحو ما كانت تدرس في القرن الثالث، حرية في الفهم، ونظر في
الأسانيد)) إلى آخر ما قال يثني عليهم ثناءً عاطرًا ممثلًا بالأدلة والأمثال والنماذج.
وقد اعترف لهم بذلك وأثنى عليهم كثير من أهل العلم والفضل ومن أهل الجاه
والسياسة الحكيمة، مثل العلامة السيد رشيد رضا المصري منشئ مجلة ((المنار))
بمصر، والشيخ منير آغا الدمشقي صاحب المطبعة المنيرية بدمشق، والأستاذ
محمد زاهد الكوثري، وعلماء المملكة العربية السعودية وقطر والكويت،
وساستها وملوكها وأمرائها بدءًا من المغفور له الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن
الفيصل السعود تَظّلهُ وأبنائه؛ وأمراء آل ثاني في دولة قطر، وأمراء آل صباح في
دولة الكويت.
إلا أن الذي نلاحظ أن حركة السنة وعلم الحديث في الهند والسند كانت ضئيلة
جدًّا في منهجها الدراسي قبل الشيخ عبد الحق الدهلوي، وقد قويت شيئًا في
عهده، شبت في عهد الشاه ولي الله الدهلوي وأبنائه حتى بلغت ذروة سنامها وأوج
قوتها في القرن الثالث عشر بيد العلامة المحدث السيد محمد نذير حسين
المحدث الدهلوي، والنواب صديق حسن القنوجي، والعلامة المحدث حسين بن
محسن الأنصاري اليماني - فرحمهم الله وأغدق عليهم سحائب الرحمة
والرضوان - حيث توسعت المناهج الدراسية الحديثية كل الاتساع قولاً وفعلاً
وعملًا في الأصول والفروع في كل جوانب الحياة.

٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
عناية علماء الهند بـ«مشكاة المصابيح)):
لا زالت عناية علماء الهند بشبه القارة الهندية (مشتملة على الهند وباكستان
وبنغلاديش) بـ((مشكاة المصابيح)) في كل عصر منذ تأليفه قراءة ودراسة وشرحًا
وتعليقًا وترجمة، حتى في عصر الضعف كانت هي أكبر مقررات المنهج الدراسي
في الحديث الشريف.
يقول الشيخ عبد الحي الحسني في كتابه ((الثقافة الإسلامية في الهند)) (ص ١٣٥):
((ولما انقرضت دولة العرب من بلاد السند، وتغلبت عليها ملوك الغزنوية والغورية،
وتتابع الناس من خراسان وما وراء النهر، صار الحديث فيها غريبًا كالكبريت الأحمر،
وعديمًا كعنقاء المغرب، وغلب على الناس الشعر والنجوم والفنون الرياضية، وفي
العلوم الدينية الفقه والأصول، ومضت على ذلك قرون متطاولة حتى صارت صناعة
أهل الهند حكمة اليونان، والإضراب عن علوم السنة والقرآن، إلا ما يذكر من الفقه
على القلة، وكان قصارى نظرهم في الحديث ((مشارق الأنوار)) للصنعاني، فإن ترفع
أحد فإلى ((مصابيح السنة)) للبغوي، أو إلى ((مشكاة المصابيح)) ظن أنه وصل إلى درجة
المحدثين. ما ذلك إلا لجهلهم بالحديث؛ ولذلك تراهم لا يذكرون هذا العلم، ولا
يقرؤونه، ولا يحثون عليه، ولا يجذبون إليه، ولا يعرفون كتبه، ولا يعلمون أهله،
والقليل منهم كانوا يقرؤون ((المشكاة)) لا غير. وهذا على طريقة البركة؛ لا العمل به،
والفهم له، وعمدة بضاعتهم الفقه على طريقة التقليد دون التحقيق إلا ما شاء الله في
أفراد منهم؛ ولذلك كثرت فيهم الفتاوى والروايات، وتركت النصوص المحكمات،
ورفض عرض الفقه على الحديث، وتطبيق المجتهدات بالسنن المأثورة عن النبي
المعصوم المأمون وَل﴿؛ حتى مَنَّ الله تعالی علی الهند بإفاضة هذا العلم، فورد به بعض
العلماء في القرن العاشر)).
٤ أهمية كتاب («مشكاة المصابيح)):
ولما ازدهرت حركة السنة في بلاد الهند في القرن الثالث عشر صار ((بلوغ
المرام)) للحافظ أول مقرر دراسي في الحديث المرحلة المتوسطة، و((المشكاة))
ثاني مقرر دراسي بعده لمرحلة الثانوية، حتى يترقى هذا المنهج بعدهما إلى

٥٩
مُقَدِمَةُ الطَّبْعَةِ الأَوْلَى
الترمذي والنسائي وأبي داود و((الموطأ)) لمالك، إلى أن ينتهي إلى ((الصحيحين))
لمسلم والبخاري - رحمهما الله - مع بعض التعديلات في هذا المقرر بين
مدرستي أهل الحديث والأحناف، إلا أنه لا خلاص لأحدهما من كتاب ((مشكاة
المصابيح))؛ ولذلك ترى أنهم أكثروا العناية بهذا الكتاب شرحًا وتعليقًا وترجمة في
اللغات العربية والفارسية والأردية، ومن ثم إلى لغات محلية أخرى كالبنغالية
والتاميلية وغيرهما .
ومما يدور حول المشكاة من جهود علماء الهند في شبه القارة، على
ترتيب الوفيات، هي:
١ - ((حاشية مشكاة المصابيح)): للشيخ المحدث العلامة محمد بن طاهر الفتني
الغجراتي (م - ٩٨٦ هـ) صاحب ((مجمع بحار الأنوار)) و(تذكرة الموضوعات))
وغيرهما من المؤلفات القيمة.
٢ - ((تعليقات على مشكاة المصابيح)): للشيخ طيب بن أبي الطيب السندي
(م-٩٩٣هـ) المتخرج على الشيخ عبد الأول الجونفوري الدهلوي (م - ٩٦٨هـ).
٣ - ((نجوم المشكاة)): للشيخ محمد صادق بن محمد شريف (المتوفى في
حدود سنة ١٠٤٠ هـ) أحد الأفاضل المشهورين، صاحب ((شرح الزواجر))، وهذا
الكتاب شرح له على ((المشكاة)).
٤ - ((أمتعة اللمعات)): شرح فارسي لـ((مشكاة المصابيح)): في أربعة مجلدات
للشيخ المحدث عبد الحق الدهلوي (٩٥٨هـ - ١٠٥٢ هـ). سهل التناول في ضبط
الغريب، وضبط المشكلات، مقبول متداول، على مآخذ فيه.
٥ - ((لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح)): له أيضًا بالعربية، وقد طبع
ونشر في الثمانينيات الماضية في لاهور بعناية الأستاذ عبد الرحمن الجوهري.
٦ - ((جامع البركات منتخب شرح المشكاة)): له أيضًا، إلا أن هذه الشروح
الثلاثة له تمثل مدرسة الأحناف وتعتمد على كتبهم.
٧ - ((أسماء الرجال الواردة في المشكاة)): له أيضًا.