Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ * وقال: رواه أحمد في حديث طويل وابن ماجه مختصرًا والأصبهاني كلهم من رواية علي بن زيد عن أبي الصلت عن أبي هريرة. انتهى. ٢٨٥٣- [٢٤] وَعَنْ عَلَيٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: (لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَمَانِعَ الصَّدَقَةِ، وَكَانَ يَنْهَى عَنِ النّوْحِ)). [رَوَاهُ النَّسَائِيُّ] الشرح ٢٨٥٣- قوله (وَمَانِعَ الصَّدَقَةِ) أي: تارك الزكاة، وقيل: المراد: تارك الصدقة مطلقًا . (وَكَانَ) أي رسول الله وَهِ (يَنْهَى عَنِ النَّوْح) بفتح النون. قال في اللمعات: غيَّر أسلوب الكلام ولم يقل: والنائحة إما لأنهَ ليس في الإثم في مرتبة الربا ومنع الصدقة، بل النهي وارد فیه ولیس ارتكاب کل منهي عنه موجبا للعن فاعله؛ إذ ربما يكون للتنزيه، ولو كان للتحريم، فالمحرمات له مراتب بعضها أشد من بعض، وإما لإِرادة أنه كان يستمر على النهي عنه ويداوم عليه تأكيدًا ومبالغة، ولوقوعه في الأوقات، فيكون اللعن عليه أشد وأكثر. انتهى. وقد ورد في ذم النياحة والنهي عنها أحاديث صحاح قد تقدم بعضها في الجنائز، وكذا في ذم منع الصدقة أحاديث قد تقدم بعضها في كتاب الزكاة. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) في الزينة لزيادة وقعت في روايته وهي قوله: ((والواشمة والموتشمة)) والحديث أخرجه أيضا أحمد مطولًا ومختصرًا (ج ١ ص ٨٣، ٨٨، ٩٣، ١٠٧، ١٢١، ١٣٣، ١٥٠، ١٥٨) وفي إسناده عندهما الحارث الأعور ضعيف كذبه الشعبي وغيره وله شواهد صحيحة تؤيده. (٢٨٥٣) أخرجه النسائي (٥١٠٣). كِتَابُ البُيُوع بَابُ الربا ٤٤١ ٢٨٥٤ - [٢٦] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، إِنَّ آخِرَ مَا نَزَلَتْ أَيَةُ الرِّبَا، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ قُبِضَ وَلَمْ يُفَسِّزْهَا لَنَا، فَدَعُوا الرِّبَا وَالرِّبَةِ. [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ] الشرح ٢٨٥٤ - قوله: (إِنَّ آخِرَ مَا نَزَلَتْ أَيَةُ الرِّبَا) بكسر الخاء المعجمة، وروى البخاري في آخر سورة البقرة من طريق الشعبي عن ابن عباس، قال: آخر آية نزلت على النبي ◌َّ آية الربا، قيل: المراد أنه آخر ما نزلت في الحلال والحرام، وقيل: أي: آخر آية تعلقت بالمعاملات. وأما ما روى البخاري في آخر سورة النساء عن البراء أن آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللّهُ يُقْتِيكُمْ فِىِ الْكَلَلَةِ﴾ [النساء: الآية ١٧٦]، فقال ** ج الحافظ: يجمع بينه وبين قول ابن عباس بأن الآيتين نزلتا جميعًا فيصدق أن كلًّا منهما آخر بالنسبة لما عداهما. ويحتمل أن تكون الآخرية في آية النساء مقيدة بما يتعلق بالمواريث مثلًا بخلاف آية البقرة، ويحتمل عكسه، والأول أرجح لما في آية البقرة من الإشارة إلى معنى الوفاة المستلزمة لخاتمة النزول، وحكى ابن عبد السلام أن النبي ◌َّ عاش بعد نزول الآية المذكورة أحدًا وعشرين يومًا، وقيل: سبعًا. قال الحافظ: والمراد بالآخرية في الربا تأخر نزول الآيات المتعلقة به من سورة البقرة، وأما حكم تحريم الربا فنزوله سابق لذلك بمدة طويلة على ما يدل عليه قوله تعالى في آل عمران في أثناء قصة أحد: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَوَأْ أَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ﴾ [آل عمران: الآية ١٣٠] انتهى. (وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قُّبِضَ) أي: مات (وَلَمْ يُفَسِّرْهَا لنا) أي تفسيرًا مفصلًا. قال السندي: أي تفسيرًا جامعًا لتمام الجزئيات مغنيًا عن معونة القياس، وإلا فالتفسير قد جاء ومراده أنه لا بد في باب الربا من الاحتياط، وقال في ((اللمعات)): يعني هي ثابتة غير منسوخة لكن رسول الله وَلخير قبض ولم يفسرها بحيث يحيط جميع جزئياتها ومواردها، فينبغي لكم أن تدعوا الربا الصريح وما يشتبه الأمر فيه تورعًا (٢٨٥٤) أخرجه ابن ماجه (٢٢٧٦)، والدارمي (١٣١). ٤٤٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ واحتياطًا. هذا ما يفهم من ظاهر سوق العبارة. وقال الطيبي: يعني أن هذه الآية ثابتة غير منسوخة صريحة غير مشتبهة، فلذلك لم يفسرها النبي ◌ّ فأجردها على ما هي عليه ولا ترتابوا فيها واتركوا الحيلة في حلها، وهو المراد من قوله: (فَدَعُوا) أي: أيها الناس (الرِّبَا) أي الصريح (وَالرِّيبَةِ) أي شبهة الربا، وهي بكسر الراء بعدها ياء مثناة ساكنة ثم موحدة. قال في ((الصحاح)): الريب: الشك والاسم الريبة بالكسر وهي التهمة، والمراد أن ما يشتبه الأمر فيه ينبغي تركه تورعًا في هذا الباب. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ١ ص ٣٦، ٥٠) كلاهما من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب. قال البوصيري في (الزوائد»: إسناده صحيح ورجاله موثوقون؛ إلا أن سعيد بن أبي عروبة اختلط بآخره. انتهى. وقال الشيخ أحمد شاكر في ((شرحه للمسند»: إسناده ضعيف لانقطاعه؛ سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر كما بينا في رقم (١٠٩)، ونقله ابن كثير في (تفسيره) عن ((المسند))، ولم يتكلم فيه بشيء، ونسبه السيوطي أيضا في ((الدر المنثور)) (ج ١ ص ٣٦٥) والشوكاني في ((فتح القدير)) (ج ١ ص ٢٦٧) لابن جرير وابن المنذر ونسبه على المتقي أيضًا في ((الكنز)) إلى ابن أبي شيبة (ج ٦ ص ٥٦٣) والبيهقي في «الدلائل) وابن مردويه وابن راهويه وابن الضریس، وذکر ابن کثیر أن ابن مردویه رواه من طریق ھیاج بن بسطام عن داود بن أبي هند عن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري. قال: خطبنا عمر بن الخطاب، فقال: إني لعلي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم بأشياء لا تصلح لكم، وإن من آخر القرآن نزولًا آية الربا، وأنه قد مات رسول الله وَ ل ولم يبينه لنا، فدعوا ما یریبکم إلا ما لا یریبكم. كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا ٤٤٣ ٢٨٥٥- [٢٦] وَعَنْ أَنَس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَله: ((إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا، فَأَهْدَى إِلَيْهِ، أَوْ حَمَّلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ، فَلَا يَرْكَبْهُ وَلَا يَقْبَلْهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ)). [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالبَيْهَقِيُّ في ((شُعَبِ الإِيمَانِ))] الشرح ٢٨٥٥ - قوله: (إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ) أي: شخصًا ولسعيد بن منصور ((إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ)) يعني: في الدين (قَرْضًا) اسم مصدر بمعنى الإقراض فيكون مؤكدًا لعامله أو بمعنى اسم المفعول أي شيئًا مقروضًا. قال الطيبي: هو اسم مصدر، والمصدر حقيقة هو الإقراض. قال: ويجوز كونه هنا بمعنى المقروض فيكون مفعولًا ثانيًا لأقرض، والأول مقدر كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُفْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: الآية ٢٤٥] وفي الحديث قصة، وهي أن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي، قال: سألت أنس بن مالك الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي. من ((أهدى)) أي: يهدي المستقرض للقرض - له فقال: قال رسول الله وَّةٍ ... الخ. (فَأَهْدَى) أي: ذلك الشخص، فضمير الفاعل راجع إلى المقترض المفهوم من سياق الكلام (إِلَيْهِ) أي إلى المقرض شيئًا من الهدايا، وزاد في رواية البيهقي ((طبقًا)) أي: مثلًا، والمراد أهدى إليه شيئًا، وقال المناوي: محركًا - أي: بفتحتين - ما يؤكل عليه أو فيه، ويحتمل الحقيقة ويحتمل إرادة المطروف أي شيئًا في طبق. (أَوْ حَمَلَهُ) أي: أراد المقترض حمل المقرض أو حمل متاعه. (عَلَى الدَّابَّةِ) أي دابة نفسه، وفي رواية «عَلَى دَابَّتِهِ)). قال العزيزي: أي: أراد أن يركبه دابته أو أن يحمل عليها متاعًا له. (فَلَا يَرْكَبْهُ) كذا في بعض نسخ ((المشكاة)) أي: فلا يركب المركوب، ووقع في بعضها: ((فَلَا يَرْكَبْهَا)) أي: الدابة، وهكذا وقع في ابن ماجه والبيهقي، أي لا يستعملها في ركوب ولا غيره يعني: لا ينتفع بها بشيء من الركوب أو التحميل عليها (وَلَا يَقْبَلْهَا) (٢٨٥٥) أخرجه ابن ماجه (٢٤٣٢)، والبيهقي في ((السنن)) (٣٥٠/٥)، ولم أقف عليه في الشعب. ٤٤٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ أي الهدية، وفي ابن ماجه والبيهقي: ((لا يقبله)). قال الطيبي: الضمير الفاعل في ((فأهدى)) عائد إلى المفعول المقدر، والضمير في ((لَا يَقْبَلْهَا)) راجع إلى مصدر ((أهدى))، وقوله: ((فأهدى) عطف على الشرط وجوابه (فَلَا يَرْكَبْهُ وَلَا يَقْبَلْهَا)). قال القاري: وفيه لف ونشر غير مرتب اعتمادًا على فهم السامع. انتهى. قلت: ولفظ البيهقي: ((فَأَهْدَى إِلَيْهِ طَبَقًّا فَلَا يَقْبَلْهُ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى دَابَّةٍ فَلَا يَرْكَبْهَا». (إِلَّا أَنْ يَكُونَ) أي: المذكور من المعروف والإهداء. (جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ) أي: بين ذلك الشخص والمقرض. (قَبْلَ ذَلِكَ) أي: الإقراض لما ورد: ((كُلُّ قَرْضِ جَرَّ نَفْعًا فَهُوَ رِبَا))، قال السندي: هذا الحديث يدل على أنه لا ينبغي أن يجر القرض نفعًا، وقال الحنفي: النهي للتحريم إن شرط ذلك في العقد لأنه ربا، وإلا فهو محمول على الورع، وقال القاري: مذهبنا كأكثر العلماء أنه لا يحرم إلا إن كان شرط عليه ذلك في صلب العقد الذي وجب ذلك الدين عليه بسببه، وقال المناوي: هذا محمول على الورع؛ لأن المصطفى وَّ﴿ اقترض بكرًا ورد رباعيًّا. وقال: ((خَيْرُكُمْ أَحْسَنْكُمْ قَضَاءً» فيجوز بل يندب رد الزائد وللمقرض قبوله حيث لا شرط والورع تر که، انتھی. وقال الشوكاني في ((النيل)) (ج ٥ ص ٩٩): لا يلزم من جواز الزيادة في القضاء على مقدار الدين جواز الهدية ونحوها قبل القضاء؛ لأنها بمنزلة الرشوة فلا تحل كما يدل على ذلك حديث أنس المذكور في الباب، يعني: الذي نحن في شرحه، وأثر عبد الله بن سلام الآتي بعد ذلك. والحاصل: أن الهدية والعارية ونحوهما إذا كانت لأجل التنفيس في أجل الدين أو لأجل رشوة صاحب الدين، أو لأجل أن يكون لصاحب الدين منفعة في مقابل دينه فذلك محرم؛ لأنه إما نوع من الربا أو رشوة، وإن كان ذلك لأجل عادة جارية بين المقرض والمستقرض قبل التداين فلا بأس، وإن لم يكن ذلك لغرض أصلًا فالظاهر المنع لإطلاق النهي عن ذلك، وأما الزيادة على مقدار الدين عند القضاء بغير شرط ولا إضمار، فالظاهر الجواز من غير فرق بين الزيادة في الصفة والمقدار والقليل والكثير، لحديث أبي هريرة وأبي رافع وجابر . الآتي في باب الإفلاس والإنظار، بل هو مستحب، قال المحامي وغيره من ٤٤٥ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربَا الشافعية: يستحب للمستقرض أن يرد أجود مما أخذ للحديث في ذلك، يعني قوله: ((إِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً)) ومما يدل على عدم حل القرض الذي يجر إلى المقرضَ نفعًا ما أخرجه البيهقي في ((المعرفة)) و(السنن الكبرى)) (ج ٥ ص ٣٥٠) عن فضالة بن عبيد موقوفًا: ((كُلَّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الرِّبَا)) ورواه في ((السنن الكبرى)) (ج ٥ ص ٣٤٩، ٣٥٠) عن ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس موقوفًا عليهم، ورواه الحارث بن أسامة من حديث علي بلفظ : إن النبي وَّ نهى عن قرض جر منفعة، وفي رواية: ((كُلَّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًّا)». وفي إسناده سواد بن مصعب وهو متروك. انتهى. وقال ابن قدامة في (المغني)) (ج ٤ ص ٣٢٠): إن فعل ذلك من غير شرط قبل الوفاء لم يقبله ولم يجز قبوله إلا أن يكافئه أو يحسبه من دينه، إلا أن يكون شيئا جرت العادة به بينهما قبل القرض؛ لأثر ابن عباس وأبي بن كعب عند الأثرم وأثر عبد الله بن سلام عند البخاري. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) في ((الإحكام)) عن هشام بن عمار عن إسماعيل بن عياش عن عتبة بن حميد عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي عن أنس (وَالبَيْهَِيُّ فِي شُعَبٍ الإِيمَانِ) وفي ((السنن الكبرى)) أيضًا (ج ٥ ص ٣٥٠) من طريق سعيد بن منصور عن إسماعيل بن عياش عن عتبة عن يزيد بن أبي يحيى عن أنس، ثم رواه من طريق المعمري عن هشام بن عمار عن إسماعيل عن عتبة عن يحيى بن أبي إسحاق عن أنس، ونسبه أيضًا السيوطي في ((الجامع الصغير)) والحافظ في ((تهذيبه)) (ج ١١ ص ١٧٨) لسعيد بن منصور ورمز السيوطي لحسنه، ونقل السندي عن البوصيري أنه قال: في إسناده عتبة بن حميد الضبي ضعفه أحمد وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، ويحيى بن أبي إسحاق لا يعرف حاله - انتهى. وقال الشوكاني: في إسناده يحيى بن أبي إسحاق الهنائي وهو مجهول، وفي إسناده أيضًا عتبة بن حميد الضبي وقد ضعفه أحمد، والراوي عنه إسماعيل بن عياش وهو ضعيف أي: في غير الشاميين. قلت: عتبة بن حميد الضبي البصري، قال في ((التقريب)) عنه: صدوق له أوهام. وقال في ((تهذيب التهذيب)): قال أبو حاتم: كان جوالة في الطلب. وهو صالح الحديث. وكذا نقل عنه الذهبي في ((الميزان))، وأما يحيى بن أبي إسحاق فقال الذهبي عنه: لا يعرف تفرد عنه عتبة بن حميد، وقال الحافظ في ((التقريب)): يحيى بن أبي إسحاق الهنائي بضم أوله ثم نون ٤٤٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ itE ومد يقال يزيد بن أبي إسحاق، ويقال يزيد بن أبي يحيى مجهول. وقال في ((تهذيبه)) (ج ١١ ص ١٧٨): يحيى بن أبي إسحاق الهنائي عن أنس في القرض، وعنه عتبة بن حميد الضبي، والمعروف أن الهنائي يحيى بن يزيد. وسيأتي، وقال بعد ذكر سند ابن ماجه: وقد رواه سعيد بن منصور في ((السنن)) عن إسماعيل بن عياش فقال: عن يزيد بن أبي إسحاق الهنائي، وكذا رواه البخاري في ((تاريخه)) من طريق إسماعيل، لكن قال: يزيد بن أبي يحيى الهنائي، هكذا رأيت في ((الإعلام)) لابن القيم الجوزية (ج ٢ ص ٧٥). انتهى. وقال في ترجمة يحيى بن أبي يزيد الهنائي (ج ١١ ص ٣٠٢): رجح المصنف - يعني : المزي - أنه يحيى بن أبي إسحاق الهنائي الذي أخرج له ابن ماجه. وقال البيهقي بعد روايته من طريق سعيد بن منصور . قال المعمري: قال هشام بن عمار - الراوي عن إسماعيل بن عياش - في هذا الحديث: عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي ولا أراه إلا وهم، وهذا حديث يحيى ابن يزيد الهنائي عن أنس، ورواه شعبة ومحمد بن دينار فوقفاه، انتهى. وتعقبه ابن التركماني فقال: إن المزي ذكر في ((أطرافه)) (ج ١ ص ٤٢٦، ٤٢٧) هذا الحديث من روایة یحیی بن أبي إسحاق الهنائي وعزاه إلى ابن ماجه ثم ذکر یحیی بن یزید الهنائي (ج ١ ص ٤٣٢) وأخرج له حديثا عن أنس وعزاه لمسلم وأبي داود وهو غير هذا الحديث، وذكرهما الذهبي في ((الكاشف)) في ترجمتين وعلم لابن أبي إسحاق الهنائي علامة ابن ماجه ولابن يزيد الهنائي علامة مسلم وأبي داود، وذكر عبد الحق في ((أحكامه)) هذا الحديث من طريق بقي بن مخلد عن هشام بن عمار. وفيه أيضًا يحيى بن أبي إسحاق الهنائي. وبهذا يظهر أن الحديث لابن أبي إسحاق لا لابن یزید، انتهى كلام ابن التركماني. وقال البخاري في ((التاريخ الكبير)) (ج ٤ ص ٣١٠): يحيى بن يزيد أبو يزيد الهنائي سمع أنس بن مالك. قال لنا آدم: نا شعبة سمع يحيى بن يزيد قلت لأنس في الرجل يكون له الدين؟ قال: لا يرتدف خلف دابته، وقال أبو معاوية عن أبي قلابة عن النبي ◌َّ وهو خطأ، انتهى. قلت: وحاصل هذه النقول أن حديث أنس في القرض عند البيهقي، و ابن تیمیة شیخ ابن القيم إنما هو من روایة یحیی بن یزید كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربَا ٤٤٧ الهنائي، وهو ثقة معروف من رواة مسلم وأبي داود، وأما ما وقع في سند ابن ماجه من قوله يحيى بن أبي إسحاق فهو وهم من هشام بن عمار، والحديث ليحيى بن يزيد لا ليحيى بن أبي إسحاق. وأما ما وقع في طريق سعيد بن منصور عند البيهقي وفي ((التاريخ)) للبخاري على ما نقله الحافظ في (تهذيبه)) عن ((إعلام ابن القيم)) من قوله: عن يزيد بن أبي يحيى، فقال ابن تيمية: أظنه هو ذاك انقلب اسمه يعني: أن الأصل في سند حديث أنس المذكور هو يحيى بن يزيد وانقلب اسمه فقيل يزيد بن يحيى، وأما عند ابن التركماني فلا وهم في سند ابن ماجه فحديث أنس في القرض عنده ليحيى بن أبي إسحاق لا ليحيى بن يزيد، ولا دليل على دعوى الوهم فهما رجلان: أحدهما : یحیی بن أبي إسحاق الهنائي وهو من رجال ابن ماجه، روی عن أنس حديث القرض، والثاني: يحيى بن يزيد الهنائي من رجال مسلم روى عن أنس حديث القصر في الصلاة. وقال الحافظ في ((النكت الظراف)) (ج ١ ص ٤٢٧): لا يقال: لعل هشام بن عمار شيخ ابن ماجه وَهِمَ في قوله يحيى بن أبي إسحاق الهنائي؛ لأن سعيد بن منصور قد أخرجه عن إسماعيل بن عياش شيخ هشام فقال فيه يحيى بن أبي إسحاق الهنائي كما قال هشام، انتهى. والظاهر عندي هو ما استظهره ابن التركماني، ويؤيده ما نقله الحافظ في ((النكت)) من سياق سعيد بن منصور، وعلى هذا فحديث أنس في القرض ضعيف من وجهين: الأول: من جهة إسماعيل بن عياش فإنه ضعيف في غير الشاميين، والثاني: لجهالة يحيى بن أبي إسحاق الهنائي. ٢٨٥٦ - [٢٧] وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ بَيَِّ قَالَ: ((إِذَا أَقْرَضَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَلَا يَأْخُذ هَدِيَّةً)». [رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِ (تَارِيخِهِ))، هَكَذَا فِي ((الُنْتَقَى))] الشرح ٢٨٥٦ - قوله: (إِذَا أَقْرَضَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ) وفي نسخة القاري التي اختارها للشرح: ((إِذَا أَقْرَضَ الرَّجُلُ أَحَدَكُمْ)) قال القاري: وفي نسخة ((الرجل)) بالنصب على (٢٨٥٦) انظر: ((نيل الأوطار)) حديق رقم (٢٢٩٧). ٤٤٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ #eS المفعولية، انتهى. ولفظ المنتقى: ((إِذَا أَقْرَضَ)) بدون لفظي الفاعل والمفعول. (فَلَا يَأْخُذْ) أي: المقروض من مدينه (هَدِيَّةً) تنوينه للتنكير. (رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ) لم أجده فيما تفحصت عنه من مظانه غير ما ذكره البخاري في ((تاريخه)) المطبوع (ج ٤ ص ٣١٠) في ترجمة يحيى بن يزيد أبي يزيد الهنائي كما تقدم. (هَكَذَا فِي المُنْتَقَى) بضم الميم وسكون النون وفتح التاء المثناة الفوقية والقاف بصيغة المفعول من الانتقاء وهو الاختيار، و((المنتقى المختار)) وهو كتاب مشهور في أحاديث الأحكام الشرعية على ترتيب الفقه للإمام المجتهد مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني جد شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني. ولد المجد صاحب ((المنتقى)) سنة تسعين وخمس مائة تقريبا بحران وتوفي بها يوم عيد الفطر سنة اثنتين وخمسين وست مائة، وقال حفيده تقي الدين أبو العباس ابن تيمية: توفي سنة ثلاث وخمسين وستمائة. قال ابن رجب في ترجمة المجد ابن تيمية: ومن تصانيفه ((المنتقى في أحاديث الأحكام))، وهو المشهور انتقاه من الأحكام الكبرى في عدة مجلدات، انتهى. وعليه شرح للعلامة سراج الدين عمر بن علي بن الملقن ولكن لم يتمه، وشرح للعلامة أبي العباس أحمد بن الحسن بن قاضي الجبل الحنبلي، وسماه ((قطر الغمام في شرح أحاديث الأحكام)) ولكن لم يتمه، وشرح عظيم للعلامة محمد بن علي الشوكاني المعروف بـ((نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار))، أجاد فيه وأفاد وأتي بما لم يأت به العلماء الأفراد، وقد بسط هو الكلام في أوله في ترجمة المجد وكشف حال كتابه ((المنتقى)) وكذا العلامة القنوجي في ((إتحاف النبلاء)) (ص ١٦٠، ٢٩٥) و((التاج المكلل)) (ص ٢٤١) والذهبي في ((النبلاء)) وابن رجب في كتاب الذيل على ((طبقات الحنابلة)) (ج ٢ ص ٢٤٩). G تنبيه: قال الشوكاني: قد يلتبس على من لا معرفة له بأحوال الناس المجد صاحب المنتقى بحفيده شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم شيخ ابن القيم الذي له المقالات التي طال بينه وبين أهل عصره فيها الخصام، وأخرج من مصر بسببها، وليس الأمر كذلك. ٤٤٩ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا ٢٨٥٧ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ، فَقَالَ: إِنَّكَ بِأَرْضٍ فِيهَا الرِّبَا فَاشٍ، فَإِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلِ حَقٌّ فَأَهْدَىَ إِلَيْكَ حِمْلَ تِيْنٍ، أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ، أَوَّ حَبلَّ قَتِّ، فَلَا تَأْخُذْهُ، فَإِنَّهُ رِبًّا. [ رَوَاهُ البُخَارِيُّ] الشرح ٢٨٥٧ - قوله: (وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضم الموحدة وسكون الراء (بْنِ أَبِي مُوسَى) الأشعري، تقدمت ترجمته في باب الجمعة. (قَدِمْتُ) بكسر الدال المهملة (المَدِينَةَ) طيبة. (فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَام) بتخفيف اللام تقدمت ترجمته في باب الجمعة، وقد وقع عند عبد الرزاق بیان سبّب قدوم أبي بردة إلى المدينة وبيان زمان قدومه، فأخرج من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبي بردة، قال: أرسلني أبي إلى عبد الله بن سلام أتعلم منه فجئته فسألني من أنت؟ فأخبرته فرحب بي، فقلت: إن أبي أرسلني إليك لأسألك وأتعلم منك، ولفظ البخاري في مناقب عبد الله بن سلام: أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام، فقال: ألا تجيء فأطعمك سويقًا وتمرًا وتدخل في بيت، ورواه في الاعتصام بلفظ: قدمت المدينة فلقيني عبد الله ابن سلام، فقال لي: انطلق إلى المنزل فأسقيك في قدح شرب فيه رسول الله وَلآ، وتصلي في مسجد صلى فيه النبي وَّ، فانطلقت فيه فسقاني سويقًا وأطعمني تمرًا وصليت في مسجده. (فقال) أي: ابن سلام (إِنَّكَ بِأَرْضٍ) يعني: أرض العراق، أي : إنك مقيم بأرض (فِيهَا الرِّبَا فَاشِ) لفظ البخاري: ((الربا بها فاش)) أي: ظاهر وشائع كثير، من الفشو، والجملة الاسمية من المبتدأ والخبر في موضع جر صفة الأرض. (حِمْلَ تِيْنِ) بكسر الحاء المهملة وسكون الميم، ما يحمل على ظهر فرس، أو حمار، أو بغلّ مثلًا، والتبن بكسر المثناة وسكون الموحدة ما قطع من سنابل الزرع كالبر ونحوه. (٢٨٥٧) أخرجه البخاري (٣٨١٤). ٤٥٠ مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ (أَوْ حَبلَ قَتُّ) بفتح المهملة والموحدة فعل بمعنى معفول أي: مشدود بالحبل، وفي ((النهاية)): الحبل محركة مصدر يسمي به المفعول، انتهى. قال القاري: وفي نسخة - يعني: من المشكاة - بسكون الموحدة وهو ظاهر أي: المربوط به، والقت - بفتح القاف وتشديد التاء المثناه من فوق - نوع من علف الدواب، قال الشوكاني: هو الجاف من النبات المعروف بالفصفصة، بكسر الفائين وإهمال الصادين، فما دام رطبًا فهو الفصفصة، فإذا جف فهو القت، والفصفصة هي القضب المعروف فإذا قطعت الفصفصة كبست وضم بعضها على بعض إلى أن تجف وتباع لعلف الدواب كما في بلاد مصر ونواحيها، انتهى. قال الطيبي: وإنما خص الهدية بما تعلف به الدواب مبالغة في الامتناع من قبول الهدية؛ لأنه لا يجوز أن تعلف الدواب بالحرام، و((أو)) في الموضعين للتنويع، وقوله: ((أو حبل قت)) كذا في جميع نسخ ((المشكاة))، ولفظ البخاري: ((أو حمل قت)) وهكذا في ((المنتقى)). (فَلَا تَأْخُذْهُ، فَإِنَّهُ رِبَا) قال العيني: أي: فإن قبول هدية المستقرض جار مجرى الربا من حيث أنه زائد على ما أخذه المستقرض، ويمكن أن يكون رأي عبد الله بن سلام أنه عنده حقيقة الربا، وعلى كل حالٍ الورعُ والتقوى ينفي ذلك. وقال الحافظ: يحتمل أن يكون ذلك رأي عبد الله بن سلام، وإلا فالفقهاء على أنه يكون ربا إذا شرطه، نعم الورع تركه. انتهى. قلت: الظاهر أن ذلك عند عبد الله بن سلام حقيقة الربا، وليس هاهنا قرينة على أنه منعه من أخذ الهدية من المستقرض على سبيل الورع، وقد وافقه على ذلك ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبي بن كعب وغيرهم، كما تقدم في كلام الشوكاني في شرح حديث أنس. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) في مناقب عبد الله بن سلام، وأخرجه في الاعتصام مقتصرًا على قصة إتيان أبي بردة إلى المدينة وطعامه في منزل عبد الله بن سلام، والحديث أخرجه أيضا عبد الرزاق (ج ٨ ص ١٤٤) والبيهقي (ج ٥ ص ٣٤٩). كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الَنْهِيِ عنْهَا مِنَ الْبُيُوع ٤٥١ ٥ - بَابُ الْمِنْهِيِّ عَنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ قوله: (بَابُ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا مِنَ البُيُوعِ) أي: باب بيان البيوع التي نهي عنها، لقوله: ((من البيوع)) بيان للمنهي عنها . الْفَضل الأول ٢٨٥٨ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهَ عَنِ الْمُزَابَنَةِ: أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرِ كَيْلَا، وَإِنْ كَانَ كرْمًا أَنْ يَبِيعَه بِزَبِيبٍ کَیْلَا أَوْ كَانَ - وَعِنْدَ مُسْلِمٍ - وَإِنْ كَانَّ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَام نَهَى عَنَّ ذلَكَ گُله)). [مُتَّفق عَلَيْهِ] - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: نَهَى عَنِ الْمُزَابَةِ قَالَ: ((والمُزابنَة: أنْ يُباعَ مَا فِي رُؤُوسِ النَّخلِ بتمْرٍ بكيلٍ مُسمَّىَّ إِنْ زَادَ فَلِي، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ))(*). الشرح ٢٨٥٨ - قوله: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ) نهي تحريم (عَنِ المُزَابَةِ) بضم الميم وفتح الزاي وبعد الألف باء موحدة مفتوحة ثم نون، مشتقة من الزَّبْن: وهو المخاصمة والمدافعة. قال الحافظ: المزابنة بالزاي والموحدة والنون: مفاعلة من الزَّبْن بفتح الزاي وسكون الموحدة: وهو الدفع الشديد، ومنه سميت الحرب: الزبون؛ لشدة الدفع فيها. وقيل للبيع المخصوص: المزابنة؛ لأن كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقه؛ وذلك لأن مداره على الخرص الذي لا (٢٨٥٨) أخرجه البخاري (٢٢٠٥)، ومسلم (١٥٤٢/ ٤٢). (*) أخرجه البخاري (٢١٧٢)، ومسلم (١٥٤٢ / ٧٥). ٤٥٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ * يؤمن فيه التفاوت، فيقع فيه المخاصمة أكثر من غيره. وقيل: سمي بذلك؛ لأن أحدهما إذا وقف على غبن أراد دفع البيع بفسخه، وأراد الآخر - أي: الغابن - دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع، لكن هذا الوجه يجري في كل بيع ولا يختص ببيع الثمر على الشجر بجنسه موضوعًا على الأرض. وقيل: وجه التخصيص: أن المساواة بين البدلين من جنس شرط في البيع، وما على الشجر إنما يكون مقدرًا بالخرص لا يؤمن فيه من التفاوت، فاحتمال النزاع فيه غالب، فالبائع يحرص على إمضاء العقد والمشتري على فسخه. وقد فسرها في حديث ابن عمر عند الشيخين بأنها بيع الثمر بالتمر كيلًا وبيع الكرم بالزبيب كيلًا. وزاد مسلم: ((وبيع الزرع بالحنطة كيلا)) وفي رواية للشيخين كما سيأتي: ((وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام)). والصورة الثالثة تسمى بالمحاقلة أيضًا والثمر المذكور أولًا في تفسير المزابنة بفتح الثاء المثلثة والميم، والمراد به: الرطب خاصة لا كل الثمار، فإن سائر الثمار يجوز بيعها بالتمر، والثاني بفتح التاء المثناة من فوق وإسكان الميم. قال في ((شرح التقريب)): الأول اسم له وهو رطب على رؤوس النخل، والثاني اسم له بعد الجداد واليبس. ووقع في حديث أبي سعيد عند الشيخين: ((والمزابنة اشتراء التمر في رؤوس النخل بالتمر)). زاد عند الاسماعيلي: ((كيلًا)). وفي حديث جابر عند مسلم: ((المزابنة الثمر بالتمر)) قال البغوي: خص بيع الثمر على رؤوس النخل بجنسه باسم المزابنة؛ لأن المساواة بينهما شرط، وما على الشجر لا يحصر بكيل ولا وزن، وإنما يكون تقديره بالخرص وهو حدس وظن لا يؤمن فيه من التفاوت، فأما إذا باع الثمرة على الشجر بجنس آخر من الثمار على الأرض أو على الشجر يجوز؛ لأن المماثلة بينهما غير شرط والتقابض شرط في المجلس، فقبض ما على الأرض بالنقل وقبض ما على الشجر بالتخلية. انتهى. ومن صور المزابنة أيضًا: ما وقع في رواية لابن عمر كما سيأتي عند الشيخين وأحمد والنسائي بلفظ: (والمزابنة أن يباع ما في رؤوس النخل بتمر بكيل مسمى إن زاد فلي وإن نقص فعلي). فإن كانت هذه التفاسير مرفوعة، فلا إشكال في وجوب الأخذ بها، وإن كانت موقوفة على هؤلاء الصحابة فهم رواة الحديث. وأعرف بتفسيره من غيرهم. قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (ج ٢ ص ٣١٤): ولا مخالف لهم علمته بل قد أجمع العلماء على أن ذلك مزابنة؛ ولذلك أجمعوا على أن كل ما لا يجوز إلا كِتّابُ البُيُوعِ FB بَابُ المُنْهِي عِنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ ٤٥٣ مثلًا بمثل أنه لا يجوز منه كيل بجزاف؛ ولا جزاف بجزاف؛ لأن في ذلك جهل المساواة، ولا يؤمن مع ذلك من التفاضل. قال الولي العراقي: وحقيقتها الجامعة لأفرادها: بيع الرطب من الربوي باليابس منه، وفسرها مالك بأعم من ذلك وهو بيع مجهول بمعلوم من صنف ذلك، سواء كان مما يجوز فيه التفاضل أم لا، وجعله من باب المخاطرة والقمار. وأدخله في معنى المزابنة كما ذكره في ((موطئه)) مفصلًا. وفسر الشافعي المزابنة بأنه بيع ما حرم فيه التفاضل جزافًا بجزاف أو معلومًا بجزاف أو مع التساوي ولكن أحدهما رطب ينقص إذا جف. قال: وأما إذا قال: أضمن لك صبرتك هذه بعشرين صاعًا فما زاد فلي وما نقص فعليَّ تمامها، فهذا من القمار وليس من المزابنة. قال ابن عبد البر (ج ٢ ص ٣١٧): وما تقدم عن أبي سعيد وابن عمر وجابر في تفسير المزابنة يشهد لما قاله الشافعي، وهو الذي تدل عليه الآثار المرفوعة في ذلك. قال: ويشهد لقول مالك - والله أعلم - أصل معنى المزابنة في اللغة؛ لأنه مأخوذ من الزبن: وهو المقامرة والدفع والمغالبة، وفي معنى القمار الزيادة والنقص أيضًا حتى قال بعض أهل اللغة: إن القمر مشتق من القمار لزيادته ونقصانه، فالمزابنة والقمار والمخاطرة شيء واحد يشبه أن يكون أصل اشتقاقها واحدًا، يقول العرب: حرب زبون أي: ذات دفع وقمار ومغالبة. انتهى كلام الولي العراقي مختصرًا، وارجع إلى ((التخصيص)) (ج ٢ ص ٣١٤). وقال الحافظ في باب بيع المزابنة: وهذا - يعني: ما ذكره البخاري من تفسير المزابنة بأنها بيع الثمر بالتمر وبيع الزبيب بالكرم - أصل المزابنة، وألحق الشافعي بذلك كل بيع مجهول بمجهول أو بمعلوم من جنس يجري الربا في نقده. قال الحافظ: ومن صور المزابنة أيضًا بيع الزرع بالحنطة كيلاً. وقد رواه مسلم كما تقدم قال: وقال مالك: المزابنة: كل شيء من الجزاف لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده إذا بيع بشيء مسمى من الكيل وغيره، سواء كان من جنس يجري الربا في نقده أم لا، وسبب النهي عنه ما يدخله من القمار والغرر. قال ابن عبد البر: نظر مالك إلى معنى المزابنة لغة: وهي المدافعة، ويدخل فيها القمار والمخاطرة، وفسر بعضهم المزابنة بأنها بيع الثمر قبل بدو صلاحه، وهو خطأ. فالمغايرة بينهما ظاهرة من حديث سالم عن ابن عمر عند البخاري في باب بيع المزابنة بلفظ : ٤٥٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ((لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحها، ولا تبيعوا الثمر بالتمر))، وقيل: هي المزارعة على الجزء، وقيل غير ذلك، والذي تدل عليه الأحاديث في تفسيرها أولى، قال: وظاهر ما وقع في طريق نافع عن ابن عمر من تفسير المزابنة - عند الشيخين وغيرهما - أنه من المرفوع، ومثله في حديث أبي سعيد، وأخرجه مسلم من حديث جابر كذلك، ويؤيده كونه مرفوعًا رواية سالم المتقدمة وإن لم يتعرض فيها لذكر المزابنة، وعلى تقدير أن يكون التفسير من هؤلاء الصحابة، فهم أعرف بتفسيره من غيرهم. وقال ابن عبد البر: لا مخالف لهم في أن مثل هذا مزابنة، وإنما اختلفوا هل يلتحق بذلك كل ما لا يجوز إلا مثلًا بمثل، فلا يجوز فيه كيل بجزاف ولا جزاف بجزاف، فالجمهور على الإلحاق، وقيل: يختص ذلك بالنخل والكرم. والله أعلم. انتھی. ورجح صاحب ((تيسير العلام)) تفسير الإمام مالك؛ حيث قال بعد ذكر تفسيري الشافعي ومالك ما لفظه: ويترجح عندي تفسير مالك؛ لأنه جامع لكثير من البيوع المنهية تحت أصل واحد؛ فالمزابنة: هي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه، وأما التفاسير المذكورة في الأحاديث فلا تنافي؛ لأن عادة السلف أنهم يفسرون الشيء بمثاله وهو جزء منه، ولا يريدون به حصره في هذا النوع، وإنما يريدون به المثال. فالتفاسير المذكورة أمثلة ذكرت لتوضيح المزابنة وتبيينها. وحكمة النهي عنها ما فيها من المخاطرة والقمار؛ لأنها بيع المعلوم بمجهول، ولما فيها من بيع النوعين الربويين المجهولين، ولا بد في صحة بيعهما من العلم بالتساوي، فأما مع الجهل بتساويهما، فهو مظنة الربا الراجحة فيحرم. انتهى بتصرف يسير. (أَنْ يَبِيعَ) بدل عن المزابنة أو بيان لها (ثَمَرَ حَائِطِهِ) بفتح الثاء المثلثة والميم : أراد به الرطب، والحائط: هو البستان من النخل أو غيرها إذا كان عليه حائط: وهو الجدار وجمعه حوائط (إِنْ كَانَ) أي: الثمر (نَخْلًا) أي: رطبًا أو ثمر نخل، وقيل: أي: إن كان الحائط نخلاً (وَإِنْ كَانَ) أي: التمر (كَرْمًا) أي: عِنَبًا وهو بسكون الراء: شجر العنب، لكن المراد هنا نفس العنب (أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا) قال الطيبي: الشروط كلها تفصيل للبيان ويقدر جزاء الشرط الثاني ((نهى))؛ لقرينة السياق؛ لعدم استقامة المذكور أن يكون جزاءً. وكذا في الشرط الأول يقدر نهي أن يبيعه لقرينة ٤٥٥ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْمَنْهَى عَنْهَا مِنَ الْبُيُوع الشرط الثاني، وقوله: ((كيلا)) ليس تقييدًا للنهي بهذه الحالة، فإنه متى كان جزافًا، فلا كيل بل كان أولى بالمنع، وكأنه إنما قيد بذلك؛ لأنها صورة المبايعة التي كانوا يتعاملون بها، فلا مفهوم له لخروجه على سبب أوله مفهوم لكنه مفهوم الموافقة؛ لأن المسكوت عنه أولى بالمنع من المنطوق، ويستفاد منه أن معيار التمر والزبيب الكيل، وفيه جواز تسمية العنب كرمًا، وقد ورد النهي عنه، وتبين بهذا الحديث جوازه وأن ذلك النهي إنما هو للأدب والتنزيه دون المنع والتحريم. (أَوْ كَانَ - وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: وَإِنْ كَانَ) أي: بدل ((أو كان))، وحاصله أن في رواية البخاري: ((أو كان زرعًاً)) وفي رواية مسلم: (وإن كان زرعا يَبِيعَهُ بِكَيْلٍ طَعَامِ)) بالإضافة أي: من جنسه، أو المراد بالطعام: الحنطة، وقد تقدم أنه وقع في رواية لمسلم: ((وبيع الزرع بالحنطة كيلًا)). (نَهَى عَنْ ذَلِكَ) أي: ما ذكر (كُلِّهِ) تأكيد الشمول أفراده، والجملة تأكيد للنهي السابق. قال ابن بطال: أجمع العلماء على أنه لا يجوز بيع الثمر في رؤوس النخل بالتمر لأنه مزابنة وقد نهي عنه، أما رطب ذلك بيابسه إذا كان مقطوعًا أمكن فيه المماثلة، فجمهور العلماء لا يجيزون بيع شيء من ذلك بجنسه لا متماثلاً ولا متفاضلًا؛ خلافًا لأبي حنيفة. قال: وقد أجمعوا أيضًا على أنه لا يجوز بيع الزرع قبل أن يقطع بالطعام؛ لأنه بيع مجهول بمعلوم، وأما بيع رطب ذلك بيابسه بعد القطع وإمكان المماثلة، فالجمهور لا يجيزون بيع شيء من ذلك بجنسه لا متفاضلاً ولا متماثلاً، وقال أبو حنيفة: يجوز بيع الحنطة الرطبة باليابسة والتمر بالرطب مثلًا، ولا يجيزه متفاضلاً. انتهى. قال الحافظ في باب بيع الزرع بالطعام كيلاً: واحتج الطحاوي لأبي حنيفة في جواز بيع الزرع الرطب بالحب اليابس، بأنهم أجمعوا على جواز بيع الرطب بالرطب مثلًا بمثل، مع أن رطوبة أحدهما ليست كرطوبة الآخر، بل تختلف اختلافًا متباينًا، وتعقب بأنه قياس في مقابلة النص فهو فاسد، وبأن الرطب بالرطب وإن تفاوت لكنه نقصان يسير نهي عنه لقلته بخلاف الرطب بالتمر، فإن تفاوته تفاوت كثير. والله أعلم. وقال الحافظ أيضا في باب بيع المزابنة: واستدل بحديث ابن عمر وما في معناه على تحريم بيع الرطب باليابس منه ولو تساويا في الكيل والوزن؛ لأن الاعتبار بالتساوي؛ إنما يصح حالة الكمال، والرطب قد ينقص إذا جف عن اليابس نقصًا لا يتقدر، وهو قول الجمهور. ٤٥٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ وعن أبي حنيفة الاكتفاء بالمساواة حالة الرطوبة، وخالفه صاحباه في ذلك؛ لصحة الأحاديث الواردة في النهي عن ذلك، وأصرح من ذلك حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي ◌َّ سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال: ((أَيَتْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟)) قالوا: نعم، قال: ((فَلَا إِذَا))، أخرجه مالك وأصحاب السنن، وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم. انتهى. وتقدم حديث سعد هذا مع شرحه في الفصل الثاني من باب الربا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري باللفظ المذكور في باب: بيع الزرع بالطعام كيلًا. ومسلم في باب: تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٢ ص ١٢٣) والنسائي وابن ماجه والبيهقي (ج ٥ ص ٣٠٧) والبغوي (ج ٨ ص٨١) وحديث ابن عمر في النهي عن المزابنة رواه أحمد في مواضع ورواه أيضًا مالك والشافعي في ((المسند)) و((السنن))، و((الرسالة)) والبخاري ومسلم من طرق، والترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه وعبد الرزاق (ج ٨ ص ١٠٤) والبيهقي مطولًا بذكر تفاسير المزابنة، ومختصرًا بذكر بعض صورها أو بدون ذكر التفسير. (وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا) أي: الشيخين. (وَالمُزَابَنَةُ: أَنْ يُبَاعَ) كلمة ((أن)) مصدرية في محل الرفع على الخبرية وتقديره: المزابنة بيع. (مَا فِي رُؤوسِ النَّخْلِ) أي: عليها على حد ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] (بِتَمْرٍ) متعلق بـ((يباع)). (بِكَيْلِ) بدل بإعادة الجار. (مُسَمَّى) أي: معين صفة لكيل (إِنَّ زَادَ) حال بتقدير القول من البائع الذي يفهم من ((يباع)) أي: يبيع قائلًا إن زاد أي: التمر المخروص على ذلك الكيل المسمى (فَلِي) أي: فالزائد لي (وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ) بتشديد الياء أي: أكمله لك أيها المشتري، واللفظ المذكور لمسلم، ولفظ البخاري: ((نهى عن المزابنة)) قال: والمزابنة: أن يبيع الثمر بكيل إن زاد فلي وإن نقص فعليّ. ورواه أحمد (ج ٣ ص٥) والنسائي في باب بيع الثمر بالتمر بلفظ مسلم، والبيهقي (ج ٥ ص ٣٠٧) بلفظ البخاري. وروى أحمد أيضًا (ج ٢ ص ١١) والشافعي في ((الأم)) وفي ((المسند)) وفي ((السنن)) من طريق عمرو بن دينار عن إسماعيل الشيباني قال: بعت ما في رؤوس نخلي - أي: من الرطب - بمائة وسق - أي: من التمر - إن زاد فلهم وإن نقص فعليهم، فسألت ابن عمر فقال: نهى عنه رسول الله وَله . ٤٥٧ كِتّابُ البُيُوع بَابُ الْمَنْهِي ◌َنْهَا مِنَ الْبُيُوع ٢٨٥٩ - [٢] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَ ل ◌َ عَنِ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَةِ. وَالْمُحَاقَلَةُ: أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الزَّرْعَ بِمِائَةٍ فَرَقٍ حِنطَةً. والْمُزَابَنَةُ: أَنْ يَبِيعَ التَّمْرَ فِي رُؤوسِ النَّخْلِ بِمِائَةٍ فَرَقٍ. وَالْمُخَابَرَةُ: كِرَاءُ الْأَرْضِ بِالثُّلُثِ والرُّبُعِ. [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] الشرح ٢٨٥٩ - قوله: (نَھَى رَسُولُ اللَّهِ وَالله عَنِ المُخَابَرَةِ) بالخاء المعجمة على وزن المفاعلة، قيل: هي المزارعة على نصيب معين كالثلث والربع، مأخوذة من الخُبر بضم الخاء، وهو النصيب من سمك أو لحم، وقيل: هي من الخُبرة بضم الخاء وكسرها: وهي النصيب أيضًا، وقيل: هي مشتقة من الخبار بفتح الخاء وتخفيف الباء: وهي الأرض اللينة القابلة للزرع، قيل: من الخبير كالعليم: وهو الأّار بفتح الهمزة وتشديد الكاف: وهو الذي يحسن حرث الأرض. وقيل: مشتقة من خيبر؛ لأن النبي ◌َّلّ أقرها في أيدي أهلها على النصف من محصولها، فقيل: خابرهم أي: عاملهم في خيبر فتنازعوا فنهى عن ذلك ثم جازت بعدُ. قال ابن الأعرابي اللغوي: إن أصل المخابرة معاملة أهل خيبر، فاستعمل ذلك حتى صار إذا قيل : خابرهم، عرف أنه عاملهم نظير معاملة أهل خيبر. قيل: المخابرة والمزارعة متقاربتان وهما: المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها من الزرع كالثلث والربع وغير ذلك من الأجزاء المعلومة، وفسرت المخابرة في الحديث بذلك. قال النووي: لكن يكون البذر فيها من العامل، وفي المزارعة من مالك الأرض. قلت: وهكذا قاله جمهور الشافعية: وهو ظاهر نص الشافعي، وقال بعضهم وجماعة من أهل اللغة وغيرهم: هما بمعنى، وإلى ذلك يشير صنيع البخاري في ((صحيحه)) حيث ترجم ((باب المزارعة بالشطر ونحوه)) ثم أورد فيه آثارًا تدل على جواز ذلك. منها أنه عامل عمر الناس على إن جاء عمر بالبذر من عنده، فله الشطر (٢٨٥٩) أخرجه مسلم (١٥٣٦/ ٨٢). ٤٥٨ eSH مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وإن جاءوا بالبذر، فلهم كذا. قال الحافظ: في إيراد البخاري هذا الأثر وغيره في هذه الترجمة ما يقتضي أنه يرى أن المزارعة والمخابرة بمعنى واحد، وهو وجه للشافعية، والوجه الآخر أنهما مختلفا المعنى. فالمزارعة: العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من المالك، والمخابرة مثلها لكن البذر من العامل، ثم أورد البخاري بعد باب حديث ابن عباس في جواز أخذ أجرة الأرض، وفيه أنه قال عمرو بن دينار: قلت لطاوس: لو تركت المخابرة، فإنهم يزعمون أن النبي وَّ نهى عنها ... الحديث. قال الحافظ: إدخال البخاري هذا الحديث في هذا الباب مشعر بأنه ممن يرى أن المزارعة والمخابرة بمعنى. وقد روى الترمذي من وجه آخر عن عمرو ابن دينار بلفظ: ((لو تركت المزارعة» ويقوي ذلك قول ابن الأعرابي اللغوي فذكره، وقد تقدم قبل ذلك. وفي صحة المزارعة والمخابرة خلاف مشهور للسلف سيأتي في باب المساقاة والمزارعة إن شاء الله تعالى. قال المجد ابن تيمية في ((المنتقى)): ما ورد من النهي المطلق عن المخابرة والمزارعة يحمل على ما فيه مفسدة، كالغرر والجهالة، كما بينته هذه الأحاديث أي: التي ذكرها في باب فساد العقد أي: عقد المزارعة المخابرة إذا شرط أحدهما لنفسه التبن أو بقعة بعينها ونحوه ((من كتاب المساقاة والمزارعة)) أو يحمل على اجتنابها ندبًا و استحبابًا، فقد جاء ما يدل على ذلك، فروی عمرو بن دينار. قال: قلت لطاوس: لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن النبي وَلَّ نهى عنها، فقال: إن أعلمهم - يعني: ابن عباس - أخبرني أن النبي ◌َّهلم ينه عنها، وقال: ((لِأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خِرَاجًا مَعْلُومًا)). رواه أحمد والبخاري. انتهى. (وَالمُحَاقَلَة) بالميم والقاف: مفاعلة من الحقل: وهو الزرع إذا تشعب من قبل أن يغلظ سوقه، ومنه حقل يحقل؛ إذا زرع، وإلى هذا المعنى التفت من ذهب في تفسير المحاقلة إلى أنها بيع الزرع في سنبله بالبر، وعلى ذلك فسر بما في هذا الحديث. والحقل أيضا: القراح من الأرض: وهي الساحة الطيبة التربة الخالصة من شائبة السبخ الصالحة للزرع. وإلى هذا المعنى التفت من قال: هو اكتراء الأرض بالحنطة، ومن قال: إنها المزارعة بالثلث والربع والأقل والأكثر منهما. قلت: فسرت المحاقلة في حديث أبي سعيد وأبي هريرة عند أحمد ومالك والشافعي ومسلم بأنها استكراء الأرض بالحنطة. وفي حديث سعيد بن المسيب ٤٥٩ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ المُنْهِي عِنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ عند الشافعي ومالك ومسلم أيضًا أنها اشتراء الزرع بالحنطة واستكراء الأرض بالحنطة. واختلف العلماء في تفسيرها، فقال أبو عبيد: هو بيع الطعام في سنبله بالبر. وقال الليث: الحقل: الزرع إذا تشعب قبل أن يغلظ سوقه، والمنهي عنه بيع الزرع قبل إدراكه، وقيل: هو بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وقيل: بيع ما في رؤوس النخل من الرطب بالتمر، وعن مالك هو: كراء الأرض بالحنطة أو بكيل طعام أو إدام، والمشهور: أن المحاقلة كراء الأرض ببعض ما تنبت، كذا في ((الفتح)). وقال في ((القاموس)): المحاقل: المزارع، والمحاقلة: بيع الزرع قبل بدو صلاحه. أو بيعه في سنبله بالحنطة، أو المزارعة بالثلث أو الربع أو أقل أو أكثر أو اكتراء الأرض بالحنطة. انتهى. وجاء في ((النهاية)) مثل ما جاء في ((القاموس))، وزاد في ((النهاية)): وإنما نهى عنها؛ لأنها من الكيل، ولا يجوز فيه إذا كانا من جنس واحد إلا مثلًا بمثل يدًا بيد، وهذا مجهول لا يُدرى أيهما أكثر. انتهى. وارجع لمزيد من التفصيل إلى ((التمهيد)) (ج ٢ ص ٣١٨، ٣٢٠). (وَالمُزَابَنَةُ) تقدم الكلام عليها في حديث ابن عمر. (وَالمُحَاقَلَةُ: أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الزَّرْعَ) أي: بعد خروج حبه. (بِمَائَةٍ فَرَقٍ) بفتحتين أي: مثلًا فهو تصوير لا تقدير. قال الطيبي: وبما يأتون في المثال بما يصوره عند السامع مع زيادة توضيح، نعم لو قال: بمائة مثلًا لم يكن فيه مقال. وهذا القدر مما لا بأس به عند البلغاء. (حِنْطَةً) بالنصب على التمييز، وفي بعض النسخ بالجر بإضافة ما قبلها إليها، والمراد ببيع الزرع بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية من التبن يابسة، وإنما نهى عنها؛ لعدم معرفة التماثل بين الحنطة اليابسة والرطبة. قال في ((النهاية)): الفَرَق بالتحريك: مكيال يسع ستة عشر رطلًا وهو اثنا عشر مدًّا أو ثلاثة آصع عند أهل الحجاز. (وَالمُزَابَنَةُ: أَنْ يَبِيعَ الثَّمْرَ) أي: الكائن أو كائنًا (فِي رُؤُوسِ النَّخْلِ) أي: عليها. (بِمَائَةٍ فَرَقٍ) أي: مثلًا يعني من التمر في الأرض. (وَالمُخَابَرَةُ: كِرَاءُ الأَرْضِ) بكسر الكاف أي: إجارتها. (بِالثُّلُثِ وَالرُّبُع) الواو بمعنى ((أو))، قال ابن حجر الهيتمي: والمعنى أن يعطي الرجل أرضه لغيرَه ليزرعها، والبذر والعمل من الزارع ليأخذ صاحب الأرض ربع الغلة أو ثلثها، وإنما فسد؛ لجهالة الأجرة، ولكونها معدومة. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في باب النهي عن المحاقلة والمزابنة وعن المخابرة ... إلخ. وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣ ص ٣٩١، ٣٩٢) والشافعي والبخاري في