Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨٠ * مِرْعَاةُ الْمَفَاتِحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ * الصورة الأولى دون الثانية وأجاز البتي وابن أبي ليلى ذلك في الاقتضاء بسعر صرف يومهم لا لغيره، وعن ابن شبرمة والليث وابن عباس وابن مسعود لا يجوز أخذ عين عن عين أخرى ومنعه طاوس من بيع وأجازه عن قرض، ولم ير أحد من المجيزين أن ذلك من بيع غائب بحاضر في الصورة الأولى ولا من بيع غائب بغائب في الصورة الثانية؛ لأن ما حل أجله ليس بغائب، وإنما حكمه حكم الحاضر بخلاف ما لم يحل أجلہ، فإنہ کحکم الغائب. انتھی. وقال ابن قدامة (ج ٤ ص ٤٧): يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر ويكون صرفًا بعين وذمة في قول أكثر أهل العلم ومنع منه ابن عباس وأبو سلمة بن عبد الرحمن وابن شبرمة؛ لأن القبض شرط وقد تخلف، ولنا ما روى أبو داود والأثرم عن ابن عمر: كنت أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه ... الحديث، وفيه فقال رسول الله وَل: ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء)). قال أحمد: إنما يقضيه إياها بالسعر لم يختلفوا أنه يقضيه إياها بالسعر إلا ما قال أصحاب الرأي: أنه يقضيه مكانها ذهبًا على التراضي؛ لأنه بيع في الحال، فجاز ما تراضيا عليه إذا اختلف الجنس ووجه الأول قول النبي وَلّ لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، فإن كان المقضي الذي في الذمة مؤجلاً، فقد توقف فيه أحمد. وقال القاضي: يحتمل وجهين: أحدهما: المنع وهو قول مالك ومشهور قولي الشافعي؛ لأن ما في الذمة لا يستحق قبله والآخر: الجواز، وهو قول أبي حنيفة لأن الثابت في الذمة بمنزلة المقبوض. قال ابن قدامة: والصحيح الجواز إذا قضاه بسعر يومها إلى آخر ما قال. قال الحافظ: واستدل بقوله: ((مثلا بمثل)) على بطلان البيع بقاعدة مد عجوة وهو أن يبيع مد عجوة ودينارا بدينارين مثلا، وأصرح من ذلك في الاستدلال على المنع حديث فضالة بن عبيد عند مسلم في رد البيع في القلادة التي فيها خرز وذهب حتى تفضل، وفي رواية أبي داود، فقلت: إنما أردت الحجارة، فقال: لا حتى تميز بينهما. انتهى. وسيأتي الكلام على هذا في آخر هذا الفصل حيث ذكر المصنف حديث فضالة هذا. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) وأخرجه أيضًا أحمد (ج ٣ ص ٥٣، ٦١، ٧٣) والترمذي والنسائي ومالك والشافعي وابن الجارود والبيهقي (ج ٥ ص ٢٧٦، ٢٧٩)، والبغوي (ج ٨ ص ٦٤). ٣٨١ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا (وَفِي رِوَايَةٍ) لمسلم (لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ) بزيادة (لَا)) للتأكيد (إِلّ وَزْنًا بِوَزْنٍ) مثلا بمثل سواء بسواء أي: موزونين وزنًا مقابلًا ومماثلًا بموزونين، وقد تقدم أن ذكر الوزن من أفراد مسلم. ٢٨٣٤ - [٥] وَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ وَةِ، يَقُولُ: ((الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ)). [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] ● الشرح ٢٨٣٤ - قوله (وَعَنْ مَعْمَرٍ) بفتح ميمين وسكون مهملة (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن نافع ابن نضلة القرشي العدوي، ويقال فيه: معمر بن أبي معمر صحابي كبير أسلم قديمًا وتأخرت هجرته إلى المدينة؛ لأنه كان هاجر الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة، وقدم المدينة مع أصحاب السفينتين من الحبشة وعاش عمرًا طويلا يعد في أهل المدينة، وجاء أنه حلق رأس رسول الله رَّ في حجة الوداع، روى عن رسول الله وَل وعن عمر بن الخطاب، وعنه سعيد بن المسيب وبسر بن سعيد وغيرهما . (الطَّعَامُ) خص في هذا الحديث بالذكر لما اقتضاهٍ من المقام وليس مخصوصًا كما جاء في حديث آخر من ذكر الأشياء الستة (بِالطَّعَام) هو اسم ما يؤكل، وقد يطلق على البر، فإن أريد به البر قيس عليه غيره عند اتفاقَ الجنس (مِثْلًا بِمِثْلِ) بكسر الميم وسكون المثلثة أي: متساويين إن اتحد الجنس فلا يجوز بيع الطعام بعضه ببعض عند اتحاد الجنس إلا حال كونهما متماثلين أي متساويين وإلا فهو فإن اختلف الجنس جاز التفاضل بشرط الحلول والتقابض. قال الأمير اليماني: ظاهر لفظ الطعام أنه يشمل كل مطعوم، ويدل على أنه لا يباع متفاضلًا، وإن اختلف الجنس، والظاهر أنه لا يقوم أحد بالعموم، وإنما الخلاف في البر والشعير كما تقدم عن مالك، وسيأتي أيضًا، ولكن معمرًا خص (٢٨٣٤) أخرجه مسلم (١٥٩٢). ٣٨٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الطعام بالشعير، وهذا من التخصيص بالعادة الفعلية حيث لم يغلب الاسم، وقد ذهب إلى التخصيص بها الحنفية والجمهور لا يخصصون بها إلا إذا اقتضت غلبة الاسم وإلا حمل اللفظ على العموم ولكنه مخصوص بما تقدم في حديث عبادة من قوله: ((فإذا اختلفت الأجناس؛ فبيعوا كما شئتم)) بعد عده للبر والشعير، فدل على أنهما صنفان، وهو قول الجماهير، وخالف في ذلك مالك والليث والأوزاعي، فقالوا: هما صنف واحد لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا وسبقهم إلى ذلك معمر بن عبد الله راوي الحديث، فأخرج أحمد ومسلم عنه أنه أرسل غلامًا له بصاع قمح، فقال: بعه ثم اشتر به شعيرًا، فذهب الغلام فأخذ صاعًا وزيادة بعض صاع. أي من شعير بدل صاع القمح. فقال له معمر: لم فعلت ذلك؟ انطلق فرده ولا تأخذن إلا مثلا بمثل فإني سمعت رسول الله وَالله ... ثم ساق هذا الحديث المذكور، فقيل له: فإنه ليس مثله أي ليس من جنسه والممنوع التفاضل في الطعام إذا كان من جنس واحد، فقال أي معمر بن عبد الله: إني أخاف أن يضارع أي: يشابه ويشارك أي أخاف أن يكون في معنى المماثل، فيكون له حكمه في تحريم الربا وظاهره أنه اجتهاد منه، ويرد عليه نص حديث أبي داود من حديث عبادة بن الصامت أن النبي وَ لّ قال: ((لا بأس ببيع البر بالشعير، والشعير - أكثرهما يدا بيد)»، وقال النووي: لا حجة لمالك في حديث معمر هذا؛ لأنه لم يصرح بأنهما جنس واحد، وإنما خاف من ذلك فتورع عنه احتياطا. انتهى. هذا وقد تقدم في كلام ابن قدامة أنه استدل بهذا الحديث لما ذهب إليه الشافعي أن علة حرمة الربا فيما عدا الأثمان كونه مطعوم جنس، فيختص بالمطعومات ويخرج منه ما عداها لأنه علق الحكم باسم الطعام فدل على مناط العلة واشتقاقها . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٦ ص ٤٠٠) والدار قطني (ص ٢٩٩) والبيهقي (ج ٥ ص ٢٨٥). كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربأ ٣٨٣ ٢٨٣٥ - [٦] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَه: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًّا إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالْوَرِقُ بِالْوَرِقِ رِبَّا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًّا إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبَّا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبَّا إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ)). [مُتَّفَقٌ عَلَیْهِ] الشرح ٢٨٣٥- قوله: (الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ) كذا في جميع نسخ ((المشكاة)) و((المصابيح))، وهكذا وقع في نسخة العيني والقسطلاني للبخاري برواية ابن عيينة ومالك عن الزهري. قال العيني: قوله: ((الذهب بالذهب))، ويروي: ((الذهب بالورق))، وهي رواية أكثر أصحاب ابن عيينة عن الزهري أي عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر رَوَّهُ، وهي رواية أكثر أصحاب الزهري. وقال القسطلاني: قوله: ((الذهب بالذهب)) لأبي ذر، ((والورق بالورق)) وهي رواية أكثر أصحاب ابن عيينة عنه وهي رواية أكثر أصحاب الزهري. وقال في موضع آخر قوله: ((بالذهب)) ولأبي ذر في نسخة وصحح عليها في الفرع ((بالورق)) قال: وقد ضبب في الفرع على قوله: ((بالذهب))، ورواية الورق مناسبة لسياق القصة، انتھی . ووقع في نسخة الحافظ في حديث ابن عيينة في باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة، وفي حديث مالك في باب بيع الشعير بالشعير: ((الذهب بالورق)) قال الحافظ: في باب ما يذكر في بيع الطعام قوله: ((الذهب بالورق)» هكذا رواه أكثر أصحاب ابن عيينة عنه، وهي رواية أكثر أصحاب الزهري، وقال بعضهم فيه: ((الذهب بالذهب)). انتهى. وقال في باب بيع الشعير: قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك فيه، وحمله عنه الحفاظ وتابعه معمر والليث وغيرهما. وكذلك رواه الحفاظ عن ابن عيينة وشذ أبو نعيم عنه فقال: ((الذهب بالذهب)) وكذلك رواه ابن (٢٨٣٥) أخرجه البخاري (٢١٣٤) دون زيادة: ((والورق بالورق))، ومسلم (١٥٨٦) بلفظ: ((الورق بالذهب ربا ... )). ٣٨٤ ** cesa مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ إسحاق عن الزهري. وقال الزرقاني: ((الذهب بالورق)) هكذا رواه أكثر أصحاب الزهري كمالك ومعمر وابن عيينة لم يقولوا: ((الذهب بالذهب)) في كل حديث عمر، وهم الحجة على من خالفهم، وهو المناسب لسياق القصة. انتهى. قلت: يريد بالقصة ما وقع عند الشيخين وغيرهما عن ابن شهاب عن مالك بن أوس أنه قال: أقبلت أقول: من يصطرف الدراهم؟ فقال طلحة بن عبيد الله وهو عند عمر بن الخطاب: أرنا ذهبك ثم ائتنا إذا جاء خادمنا نعطيك ورقك، في رواية فدعاني طلحة بن عبيد الله فتراوضنا حتى اصطرف مني فأخذ الذهب يقلبها في يده ثم قال: حتى يأتي خادمي من الغابة، فقال عمر: كَلَّا، والله لتعطينه ورقة أو لتردن إليه ذهبه. وفي رواية فقال: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، فإن رسول الله وَالله قال: ((الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء ... )) الحديث. وحديث ابن إسحاق عن الزهري بلفظ: ((الذهب بالذهب)) رواه الدارمي في باب النهي عن الصرف، وكذا أخرجه البيهقي (ج ٥ ص ٢٧٦) برواية الشافعي والقعنبي وأبي مصعب عن مالك عن الزهري بلفظ: ((الذهب بالذهب والورق بالورق» ثم روى (ج ٥ ص ٢٨٣) من طريق الليث وابن عيينة عن الزهري بلفظ: ((الذهب بالورق)، ثم رواه (ج ٦ ص ٢٨٤) من طريق ابن أبي ذئب عن الزهري بلفظ: ((الورق بالورق ربا إلا هاء وهاء، والذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء)). قال البيهقي: كذا في هذه الرواية ((الورق بالورق والذهب بالذهب))، ورواية الجماعة في الحديث المرفوع كما مضى، يعني بلفظ: الذهب بالورق. انتهى. وقوله: ((الذهب)) بالرفع أي بيع الذهب بالذهب ولو متساويين أو بيع الذهب بالورق (رِبًّا) بالتنوين من غير همز (إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ) بالمد وفتح الهمزة فيهما على الأفصح الأشهر وهي اسم فعل بمعنى خذ، تقول: هاء درهمًا أي: خذ درهمًا، فدرهمًا منصوب باسم الفعل كما ينصب بالفعل وقيل: بكسر الهمزة نحو هات، وقيل: بسكونها نحو خذ، والقصر بغير همز، وخطأها الخطابي ورد عليه النووي وقال: هي صحيحة لكن قليلة، والمعنى خذ وهات، وقيل: أصلها هاك بالكاف، فقلبت الكاف همزة، حكاه الماوردي والنووي، وليس المراد بكون الكاف هي ٣٨٥ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا الأصل أنها من نفس الكلمة وإنما المراد أصلها في الاستعمال، وهي حرف خطاب. قال ابن مالك: وحقها أن لا تقع بعد إلا كما لا يقع بعدها خذ، فإذا وقع يقدر قول قبله يكون به محكيًّا أي: إلا مقولًا عنده من المتابعين هاء وهاء إي إلا حال التقابض. قال الطيبي: فإذا محله النصب والمستثنى منه مقدر، يعني بيع الذهب بالذهب ربا في جميع الحالات إلا حال الحضور والتقابض، فكنى عن التقابض بقوله: ((هاء وهاء))، لأنه لازمه. انتهى. وعبر بذلك لأن المعطي قائل ((خذ)) بلسان الحال سواء وجد معه لسان المقال أو لا . فالاستثناء مفرغ من الخبر، وفيه حذف مضاف عن المبتدأ، هذا. وقد بسط الكلام في ضبطها وتحقيق لغتها ومعناها النووي في ((شرح مسلم)) والأزهري في ((تهذيب اللغة)) (ج ٦ ص ٤٧٨، ٤٧٩) والحافظ في ((الفتح)) والبغوي في ((شرح السنة)) (ج ٨ ص ٦٢) والشيخ الدهلوي في ((اللمعات)) وغيرهم في غيرها. (وَالْوَرِقُ بِالْوَرِقِ رِبَّا إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ) لم تقع هذه الجملة إلا عند البيهقي وقد تقدم التنبيه على ذلك (وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًّا إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبَّا إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ) ظاهره أن البر والشعير صنفان كما قال به الجمهور خلافا لمالك والليث والأوزاعي ومعظم علماء المدينة؛ إذ عدوهما صنفًا واحدًا، وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك. قال النووي: في الحديث اشتراط التقابض في بيع الربوي إذا اتفقا في علة الربا سواء اتفق جنسهما كذهب بذهب أم اختلف كذهب بفضة ونبه وَ ل في هذا الحديث بمختلف الجنس على متفقه. وقال الحافظ: في الحديث أن النسيئة لا تجوز في بيع الذهب بالورق، وإذا لم يجز فيهما مع تفاضلهما بالنسيئة، فأحرى أن لا يجوز في الذهب بالذهب وهو جنس واحد وكذا الورق بالورق يعني إذا لم تكن رواية ابن إسحاق ومن تابعه محفوظة، فيؤخذ الحكم من دليل الخطاب، وقد نقل ابن عبد البر وغيره الإجماع على هذا الحكم أي: التسوية في المنع بين الذهب بالذهب وبين الذهب بالورق فیستغنى حينئذ بذلك عن القياس. انتهى. قال النووي: واستدل أصحاب مالك بهذا الحديث على أنه يشترط التقابض عقب العقد حتى لو أخره عن العقد وقبض في المجلس لا يصح عندهم ومذهبنا صحة العقد في المجلس وإن تأخر عن العقد يومًا أو أيامًا أو أكثر ما لم يتفرقا. وبه قال أبو حنيفة وآخرون، وليس في هذا الحديث حجة لأصحاب مالك. انتهى. ٣٨٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وقال الحافظ: استدل به على اشتراط التقابض في الصرف في المجلس، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وعن مالك لا يجوز الصرف إلا عند الإيجاب بالكلام ولو انتقلا من ذلك الموضع إلى آخر لم يصح تقابضهما. ومذهبه أنه لا يجوز تراخي القبض في الصرف سواء كانا في المجلس أو تفرقا، وحمل قول عمر لا يفارقه على الفور حتى لو أخر الصير في القبض حتى يقوم إلى قعود، كأنه ثم يفتح الصندوق لما جاز. وقال ابن قدامة (ج ٤ ص ٤٤): إذا اصطرفا في الذمة نحو أن يقول: بعتك دينارًا مصريًّا بعشرة دراهم فيقول الآخر: قبلت فيصح البيع سواء كانت الدراهم والدنانير عندهما أو لم يكونا إذا تقابضا قبل الافتراق بأن يستقرضا أو غير ذلك، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي. وحكي عن مالك: لا يجوز الصرف إلا أن تكون العينان حاضرتين، وعنه لا يجوز حتى تظهر إحدى العينين وتعين. وعن زفر مثله لأن النبي ◌َّ قال: ((لا تبيعوا غائبا منها بناجز)). ولنا أنهما تقابضا في المجلس فصح كما لو كانا حاضرين. والحديث يراد به أن لا يباع عاجل بآجل أو مقبوض بغير مقبوض، والقبض في المجلس جرى مجرى القبض حالة العقد. وقال أيضا (ج ٤ ص ٥١) في شرح قول الخرقي: ((متى انصرف المتصارفان قبل التقابض فلا بيع بينهما)) ما لفظه: القبض في المجلس شرط لصحة الصرف بغير خلاف . قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد، قال ابن قدامة: ويجزئ القبض في المجلس وإن طال ولو تماشيا مصطحبين إلى منزل أحدهما أو إلى الطرف فتقابضا عنده؛ جاز، وبهذا قال الشافعي وقال مالك: لا خير في ذلك؛ لأنهما فارقا مجلسهما، ولنا أنهما لم يفترقا قبل التقابض فأشبه ما لو كانا في سفينة تسير بهما أو راكبين على دابة واحدة تمشي بهما. انتهى. قال الزرقاني: محمل قول عمر: ((لا تفارقه حتى تأخذ منه)) عند مالك أن ذلك على الفور لا على التراخي وهو المعقول من لفظه وَله: ((هاء وهاء)). وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز التقابض ما لم يفترقا وإن طالت المدة وانتقلا إلى مكان آخر، واحتجوا بقول عمر وجعلوه تفسيرا لما رواه، وبقوله في رواية ((الموطأ)): ((وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره)). قالوا: فعلم منه أن المراعى الافتراق. قاله أبو عمر. قال الأبي: المناجزة قبض العوضين كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا ٣٨٧ عقب العقد، وهي شرط في تمام الصرف لا في عقده، فليس لأحدهما أن يرجع. وصرح بأنها شرط المازري وابن محرز. واختار ابن عرفة أنها ركن لتوقف حقيقته عليها وليست بخارجة. وظاهر كلام ابن القصار أنها ليست بركن ولا شرط، وإنما التأخير مانع من تمام العقد. انتهى. وهذا قد بسط الباجي الكلام في ترجيح مذهب مالك في ((المنتقى)) (ج ٤ ص ٢٧١، ٢٧٣). (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أي على أصل الحديث، وإلا فقوله: ((الورق بالورق ربا إلا هاء وهاء))، ليس عندهما كما تقدم التنبيه على ذلك. والحديث أخرجه أيضا أحمد (ج ١ ص ٢٤، ٣٥، ٤٥) ومالك والشافعي والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه وعبد الرزاق (ج ٨ ص ١١٦) والحميدي (ج ١ ص٨) والدار مي وابن الجارود (ص ٢١٩) والبيهقي (ج ٥ ص ٢٧٦، ٢٨٣، ٢٨٤) والبغوي (ج ٨ ص ٦١). ٢٨٣٦ - [٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَله اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرِ جَنِيبٍ، فَقَالَ: ((أَكُلُّ تَمْرٍ خَيْبَرَ هَكَذَا؟)) قَالَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَتَأْخُّذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بالثَّلاث، فَقَالَ: ((لاَ تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا)»، وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ مِثْلُ ذَلِكَ. [مَتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشرح ٢٨٣٦ - قوله: (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدري (وَأَبِي هُرَيْرَةَ) قال أبو عمر: ذكر أبي هريرة لا يوجد في غير رواية عبد المجيد عن سعيد بن المسيب، وإنما المحفوظ عن أبي سعيد كما رواه قتادة عن ابن المسيب عنه عند أحمد والنسائي ويحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة وعقبة بن عبد الغافر عند مسلم والنسائي عن أبي سعيد. انتهى. قال الزرقاني متعقبا عليه: هي زيادة من ثقة غير منافية، فليست بشاذة كما ادعاه بقوله: ((المحفوظ)) إذ مقابله الشاذ، ولذا لم يلتفت الشيخان لذلك. ورويا الحديث، ومن اقتصر على أبي سعيد، فقد قصر، فلا يقضي به على (٢٨٣٦) أخرجه البخاري (٢٣٠٢)، ومسلم (١٥٩٣). ٣٨٨ * * مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ من ذكرهما، وكأن أبا عمر استشعر هذا بعد ذلك، فقال في ((الاستذكار)): الحديث محفوظ عن أبي سعيد وأبي هريرة. انتهى. وقال الحافظ: قال ابن عبد البر: ذكر أبي هريرة لا يوجد في هذا الحديث إلا لعبد المجيد، وقد رواه قتادة عن سعيد بن المسیب عن أبي سعيد وحده، وكذلك رواه جماعة من أصحاب أبي سعيد عنه. قلت - قائله الحافظ -: رواية قتادة أخرجها النسائي وابن حبان من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، ولكن سياقه مغاير لسياق قصة عبد المجيد، وسياق قتادة يشبه سياق عقبة بن عبد الغافر عن أبي سعيد. (اسْتَعْمَلَ رَجُلًا) قال الزرقاني: هو سواد بخفة الواو ابن غزية بمعجمتين بوزن عطية، كما سماه الدراوردي عن عبد المجيد عند أبي عوانة والدار قطني. وقال الحافظ في البيوع في رواية سليمان بن بلال عن عبد المجيد عند البخاري في الاعتصام: بعث أخا بني عدي من الأنصار إلى خيبر، فأمره عليها وأخرجه أبو عوانة والدار قطني من طريق الدراوردي عن عبد المجيد فسماه سواد بن غزية، وقال في المغازي: وروى الخطيب من وجه آخر أن النبي ◌َّ استعمل على خيبر فلان بن صعصعة، فلعلها قصة أخرى، انتهى. وقال العيني: قوله: ((استعمل رجلًا)) قيل: هو سواد بن غزية، وقيل: هو مالك بن صعصعة الخزرجي ثم المازني . (عَلَى خَيْبَرَ) أي: جعله عاملًا وأميرًا عليها. (فَجَاءَهُ بِتَمْرِ جَنِيبٍ) بفتح الجيم وكسر النون وإسكان التحتية وآخره باء موحدة وزن عظيم، نوع من أعلى أنواع التمر. قال مالك: هو الكبيس، وقال الطحاوي: هو الطيب. وقيل: الصلب، وقيل: الذي أخرج منه حشوه ورديئه، وقيل: هو الذي لا يخلط بغيره بخلاف الجمع . (فَقَالَ) أي: النبي ◌َِّ (أَكُلَّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟) أي: هل كل تمرها مثل هذا الجيد؟ (إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا) أي: الجنيب (بِالصَّاعَيْنِ) أي: من الجمع، كما زاده سليمان بن بلال عند الشيخين (وَالصَّاعَيْنِ) من الجنيب (بِالثَّلاث) أي: من الجمع، وفي رواية ((بالثلاثة)) بالثاء وكلاهما جائز؛ لأن الصاع يذكر ويؤنث. (فَقَالَ: لاَ تَفْعَلْ) هكذا بل (بعِ الجَمْعَ) الذي عندك وهو بفتح الجيم وسكون كِتَابُ البُيُوعِ بَابُ الربا ٣٨٩ الميم. قال الحافظ: هو التمر المختلط بغيره، وقال النووي: هو تمر رديء، وقد فسره في الرواية الأخيرة بأنه الخلط من التمر ومعناه مجموع من أنواع مختلفة (بِالدَّرَاهِم) أي: مثلًا أولًا (ثُمَّ ابْتَعْ) أي: اشتر (بِالدَّرَاهِم جَنِيبًا) ليكون صفقتين، فلا يدخله الربا فليس هذا في بيع الربوي بجنسه متفاضلاً؛ لأنه حرام بل توصل إلى تحصیل تملكه. (وَقَالَ فِي المِيزَانِ) أي فيما يوزن من الربويات إذا احتيج إلى بيع بعضها ببعض (مِثْلُ ذَلِك) بالرفع على أنه مبتدأ مؤخر و((في الميزان)) خبره، والجملة مقول ((قال)). قال القاري: وفي بعض النسخ بالنصب على أنه صفة مصدر محذوف، أي: قال فيه قولًا مثل ذلك الذي قاله في الكيل: من أن غير الجيد يباع ثم يُشترى بثمنه الجيد، ولا يؤخذ جيد برديء مع تفاوتهما في الوزن واتحادهما في الجنس. قال العيني: قوله: ((وقال في الميزان مثل ذلك)) معناه أن الموزونات حكمها في الربا حكم المكيلات، فلا يباع رطل برطلين. قال الحافظ: وهو أمر مجمع عليه لا خلاف بين أهل العلم فيه، كل يقول على أصله أن كل ما دخله الربا من جهة التفاضل فالكيل والوزن فيه واحد، يعني: لا تجوز فيه الزيادة لا في كيل ولا في وزن، والوزن والكيل في ذلك سواء عندهم، ولكن ما كان أصله الكيل لا يباع إلا کیلًا و کذلك الوزن، ثم ما کان أصله الوزن لا يصح أن يباع بالكيل بخلاف ما كان أصله الكيل، فإن بعضهم يجيز فيه الوزن ويقول: إن المماثلة تدرك بالوزن في كل شيء. انتھی. قال الشوكاني: والحديث يدل على أنه لا يجوز بيع رديء الجنس بجيده متفاضلاً، وهذا أمر مجمع عليه لا خلاف بين أهل العلم فيه. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن التمر بالتمر لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثلًا بمثل وسواء فيه الطيب والدون، وأنه كله على اختلاف أنواعه جنس واحد، وأما سكوت من سكت من الرواة عن فسخ البيع المذكور، فلا يدل على عدم الوقوع إما ذهولا وإما اكتفاء بأن ذلك معلوم، وقد ورد الفسخ من طريق أخرى، كأنه يشير إلى ما أخرجه مسلم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد نحو هذه القصة، وفيه: فقال: ((هَذَا الرِّبَا)) فردوه، قال: ويحتمل تعدد القصة وأن القصة التي لم يقع فيها الرد ٣٩٠ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ كانت قبل تحريم ربا الفضل، والله أعلم، انتهى. والحديث قد استدل به الحنفية على أن علة الربا الكيل والوزن لا الطعم والنقد؛ لأنه وَّ لما بين حكم التمر وهو المكيل ألحق به حكم الميزان: أي الموزون، ولو كانت العلة النقدية والمطعومية لقال: والنقد كذلك والمطعوم كذلك. قال الطيبي: والجواب أن هذا إرشاد لمن ضل السبيل، فوقع في الربا، فهداه إلى التخلص منه بطريق العمل، والمفهوم فيه مسدود وفاقًا. انتهى. واستدل بعض الشافعية بهذا الحديث على جواز بيع العينة - بكسر العين المهملة، ثم ياء تحتية ساكنة ثم نون من العين، والعين: المال الحاضر - وهو أن يبيع السلعة من رجل إلى أجل ثم يشتريها منه بثمن نقدًا بالمجلس بأقل من الثمن الذي باعه به؛ لأنه لم يخص بقوله: (ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيًّا» غير الذي باع له الجمع. قال النووي: احتج بهذا الحديث أصحابنا وموافقوهم في أن مسألة العينة ليست بحرام، وهي الحيلة التي يعملها بعض الناس توسلًا إلى مقصود الربا؛ بأن يريد أن يعطيه مائة درهم بمائتين، فيبيعه ثوبا بمائتين ثم يشتريه بمائة، وموضع الدلالة من الحديث أن النبي ◌َّ قال له: ((بعْ هَذَا وَاشْتَرِ بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا)) ولم يفرق بين أن يشتري من المشتري أو من غيره فدل على أنه لا فرق. وهذا كله ليس بحرام عند الشافعي وأبي حنيفة وآخرين. وقال مالك وأحمد: هو حرام، انتهى. وتعقب الاستدلال به على جواز بيع العينة: بأنه مطلق، والمطلق لا يشمل ولكن يشيع، فإذا عمل به في صورة سقط الاحتجاج به فيما عداها، ولا يصح الاستدلال به على جواز الشراء ممن باعه تلك السلعة بعينها. وقيل: إن وجه الاستدلال به لذلك من جهة ترك الاستفصال، فإن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ینزل منزلة العموم في المقال، ولا يخفى ما فيه، كذا في ((الفتح)). وقال ابن قدامة (ج ٤ ص ٥٢): إذا باع مُدّي تمر رديء بدرهم ثم اشترى بالدرهم تمرًا جنيبًا من غير مواطأة ولا حيلة، فلا بأس به. وقال ابن أبي موسى: لا يجوز إلا أن يمضي إلى غيره ليبتاع منه، فلا يستقيم له فيجوز أن يرجع إلى البائع فيبتاع منه. وقال أحمد في رواية الأثرم: يبيعها من غيره أحب إليّ، قلت له: قال: لم يعلمه أنه يريد أن يبيعها منه؟ فقال: يبيعها من غيره فهو أطيب لنفسه، فظاهره أن ٣٩١ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا هذا على وجه الاستحباب لا الإيجاب، ولعل أحمد إنما أراد اجتناب المواطأة على هذا، ولهذا قال: إذا كان لا يبالي؛ اشترى منه أو من غيره فنعم، وقال مالك: إن فعل ذلك مرة جاز وإن فعله أكثر من مرة لم يجز؛ لأنه يضارع الربا، ولنا حديث أبي سعيد في قصة بلال وحديث أبي سعيد وأبي هريرة - يعني: الذي نحن في شرحه - ولم يأمره أن يبيعه من غير من يشتري منه، فلو كان ذلك محرمًا لبينه له وعرفه إياه، وكأنه باع الجنس بغيره من غير شرط ولا مواطأة، فجاز كما لو باعه من غيره، ولأن ما جاز من البياعات مرة جاز على الإطلاق كسائر البياعات، فأما إن تواطآً على ذلك لم يجز وكان حيلة محرمة، وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز ما لم يكن مشروطًا في العقد. ولنا أنه إذا كان عن مواطأة؛ كان حيلة، والحيل كلها محرمة، وهو أن يظهر عقدًا مباحًا يريد به محرمًا مخادعة وتوسلًا إلى فعل ما حرم الله واستباحة محظوراته أو إسقاط واجب أو دفع حق ونحو ذلك، قال أيوب السختياني: إنهم ليخادعون الله كأنما يخادعون صبيًّا لو كانوا يأتون الأمر على وجهه كان أسهل علي، وبهذا قال مالك. وقال أبو حنيفة والشافعي: ذلك جائز إذا لم يكن مشروطًا في العقد. وقال بعض أصحاب الشافعي: يكره أن يدخلا في البيع على ذلك؛ لأن كل ما لا يجوز شرطه يكره أن يدخلا عليه، انتهى مختصرا. وارجع لمزيد البسط إلى ((الشرح الكبير)) وإلى ((المغني)) أيضًا (ج ٤ ص ١٧٤، ١٧٥، ١٧٦). وقال القرطبي: قد استدل بهذا الحديث من لم يقل بسد الذرائع؛ لأن بعض صور هذا البيع يؤدي إلي بيع التمر بالتمر متفاضاًا ويكون الثمن لغوًا، قال: ولا حجة في هذا الحديث؛ لأنه لم ينص على جواز شراء التمر الثاني ممن باعه التمر الأول ولا يتناوله ظاهر هذا السياق بعمومه بل إطلاقه، والمطلق يحتمل التقييد إجمالًا فوجب الاستفسار، فإذا كان كذلك فتقییده بأدنى دليل كاف، وقد دل الدليل على سد الذرائع فلتكن هذه الصورة ممنوعة، واستدل بعضهم على الجواز بما أخرجه سعيد بن منصور من طريق ابن سيرين أن عمر خطب فقال: إن الدرهم بالدرهم سواء بسواء يدًا بيد، فقال له ابن عوف: فنعطي الجنيب ونأخذ غيره ؟ قال: لا، ولكن ابتع بهذا عرضًا فإذا قبضته وكان له فيه نية فاهضم ما شئت وخذ أيَّ ٣٩٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ نقدٍ شئت. واستدل أيضًا بالاتفاق على أن من باع السلعة التي اشتراها ممن اشتراها منه بعد مدة فالبيع صحيح، فلا فرق بين التعجيل، في ذلك والتأجيل فدل على أن المعتبر في ذلك وجود الشرط في أصل العقد وعدمه، فإن تشارطا على ذلك في نفس العقد؛ فهو باطل، أو قبله ثم وقع العقد بغير شرط؛ فهو صحيح ولا يخفى الورع، كذا في ((الفتح)). قلت: واستدل لمنع بيع العينة بما روى أحمد والدار قطني (ص ٢١١) وعبد الرزاق (ج ٨ ص ١٨٤، ١٨٥) والبيهقي (ج ٥ ص ٣٣٠، ٣٣١) ورزين: أن أم ولد زيد بن أرقم أخبرت عائشة أنها باعت غلامًا من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة إلى العطاء، ثم اشترته منه قبل حلول الأجل بست مائة، وكانت شرطت عليه أنك إن بعتها، فأنا اشتريتها منك، فقالت لها عائشة: بئسما شريت وبئسما اشتريت، أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله وَ ال إلا أن يتوب. قالت: ما يصنع؟ قالت: فقالت عائشة: ﴿فَمَنْ جَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِهِ، فَأَنْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ﴾ [البقرة: الآية ٢٧٥] قالوا: لم ينكر أحد على عائشة والصحابة متوفرون. والظاهر أنها لا تقول مثل هذا باجتهاد منها؛ لأن هذا التغليظ لا يكون إلا بتوقيف من النبي وَّ. قال الشوكاني: في الحديث دليل على أنه لا يجوز لمن باع شيئا بثمن نسيئة أن يشتريه من المشتري بدون ذلك الثمن نقدا قبل قبض الثمن الأول، أما إذا كان المقصود التحيل لأخذ النقد في الحال ورد أكثر منه بعد أيام فلا شك أن ذلك من الربا المحرم الذي لا ينفع في تحليله الحيل الباطلة . قال: والصورة المذكورة هي صورة بيع العينة. وليس في الحديث ما يدل على أن النبي ◌َّ نهى عن هذا البيع ولكن تصريح عائشة بأن مثل هذا الفعل موجب لبطلان الجهاد مع رسول الله وَ ليه يدل على أنها قد علمت تحريم ذلك بنص من الشارع: إما على جهة العموم كالأحاديث القاضية بتحريم الربا الشامل لمثل هذه الصورة، أو على جهة الخصوص كحديث العينة الآتي، ولا ينبغي أن يظن بها أنها قالت هذه المقالة من دون أن تعلم بدليل يدل على التحريم؛ لأن مخالفة الصحابي لرأي صحابي آخر لا يكون من الموجبات للإحباط. انتهى. وأجيب عن هذا الحديث بوجوه: منها أن في سنده العالية بنت أيفع امرأة أبي إسحاق السبيعي. قال الدارقطني: هي مجهولة لا يحتج بها، وقد روي عن الشافعي أنه لا يصح هذا الحدیث وقرر كلامه ابن كثير في ((إرشاده)) ورد بما قال صاحب ((التنقيح)) بعد ذكر كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا ٣٩٣ الحديث عن ((مسند الإمام أحمد)): أن هذا إسناد جيد، وإن كان الشافعي قال: لا يثبت مثله عن عائشة، وكذلك الدار قطني قال في العالية: هي مجهولة لا يحتج بها. فيه نظر فقد خالفه غيره، ولولا أن عند أم المؤمنين علمًا من رسول الله وعليه أن هذا محرم؛ لم تستجز أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد. انتهى. وقال ابن الجوزي: قالوا: العالية امرأة مجهولة لا يقبل خبرها. قلنا: بل هي امرأة معروفة جليلة القدر: ذكرها ابن سعد في ((الطبقات)) (ج ٨ ص ٣٥٧) فقال: العالية بنت أيفع بن شراحيل امرأة أبي إسحاق السبيعي سمعت من عائشة، وقال ابن التركماني: العالية معروفة روى عنها زوجها وابنها - يونس بن أبي إسحاق - وهما إمامان وذكرهما ابن حبان في ((الثقات))، ومنها ما في ((شرح السنة)). قال الشافعي: لو كان هذا ثابتًا فقد تكون عائشة عابت البيع إلى العطاء؛ لأنه أجل غير معلوم. انتهى. قال الطيبي: ويمكن أن يمنع تجهيل الأجل؛ فإن العطاء هو ما يخرج للجندي من بيت المال في السنة مرة أو مرتين وأكثر ما يكون في أجل مسمى، ويدل عليه قولها في هذا الحديث قبل حلول الأجل، ومنها أنه يمكن أن يكون لجمعه بين البيع والشرط أو لكونه باع ما لم يقبضه ولا يخفى ما فيه، واستدل أيضا للمنع من العينة بما رواه ابن عمر عن النبي ◌َّر قال: ((إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلَّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ))، أخرجه أحمد (ج ٢ ص ٨٤) وأبو داود والطبراني وابن القطان وصححه. قال الحافظ في ((بلوغ المرام)»: ورجاله ثقات. وقال في ((التلخيص)): وعندي أن إسناد الحديث الذي صححه ابن القطان معلول، ثم بسط الكلام في تعليله، وسكت أبو داود عنه. وقال المنذري: في إسناده إسحاق بن أسيد أبو عبد الرحمن الخراساني نزيل مصر لا يحتج بحديثه. وفيه أيضا عطاء الخراساني وفيه مقال. انتهى. قال الذهبي في ((الميزان)): إن هذا الحديث من مناكيره. وقال الشوكاني بعد ذكر طرق حديث النهي عن العينة: وهذه الطرق يشد بعضها بعضًا، ومن شاء مزيد البسط؛ فَعلَيك أن تراجع إلى ((إعلام الموقعين)) (ج ٢ ص ٧٣، ٧٤، ٩٤، ٩٥، ٩٦، ٩٧، ٩٨، ٩٩) واستدل بحديث أبي سعيد وأبي هريرة على جواز مسألة ٣٩٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ BEX التورق وهي أن يشتري ما يساوي مائة درهم بمائة وعشرين مؤجلة لا لينتفع به بل ليبيعه وينتفع بثمنه. وقد اختلف العلماء في جوازها على قولين: أحدهما: أنها ممنوعة وهي رواية للإمام أحمد واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية كما ذكره مرارًا في ((فتاواه)). قال ابن القيم: كان شيخنا ابن تيمية يمنع من مسألة التورق وسئل عنها مرارًا وأنا حاضر فلم يرخص فيها، وقال: المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بالشراء والبيع والخسارة فيها. والقول الثاني للعلماء: جواز هذه المعاملة وهو المشهور عند الحنابلة وكان يجيزها أيضا العلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي تَخُّْهُ وهو من علمائهم، ويرى أن عموم هذا الحديث يتناولها بالحل. وقال في أحد كتبه: لأن المشتري لم يبعها على البائع عليه، وعموم النص تدل على جوازها وكذلك المعنى؛ لأنه لا فرق بين أن يشتريها ليستعملها في أكل وشرب أو استعمال أو يشتريها لينتفع بثمنها وليس فيها تحيل على الربا بوجه من الوجوه مع دعاء الحاجة إليها، وما دعت الحاجة إليه وليس فيه محذور شرعي؛ لم يحرمه الشارع على العباد. انتهى. ويجيزها أيضا العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز كما صرح به في بعض فتاواه وقررها بنحو ما قررها الشيخ عبد الرحمن السعدي، قال صاحب ((تيسير العلام)): والمانعون من العينة جعلوها من باب الذرائع المحرمة وجعلوا الحديث من باب المطلق الذي يقيد بصور البيع الصحيح وليس من باب العام الذي يشمل كل صورة للبيع حتى ولو كانت مع البائع، وهكذا إطلاقات الشارع تقيد بما أذن فيه وأباح، فإن قوله: ((بع)) الجمع مطلق ويقيد بالعقود الصحيحة وليس بعام ليدخل فيه الصورة التي تعقد من مشتري الجمع في هذا الحديث وبهذا تبين فساد قول الذين يحاولون الاستدلال على وجود الحيل في الشرع، فإن الشارع لما نهاه عن معاملة محرمة؛ فتح أمامه الباب إلى معاملة غيرها مباحة لا علاقة بينها بوجه من الوجوه. واعلم أنه أطال السرخسي الكلام في شرح الحيلة وجوازها في كتاب الحيل من ((المبسوط)) واستدل بقوله تعالى في قصة أيوب ظلِّلاَ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْئًا فَأَضْرِبِ بِّهِ، وَلَا تَّحْنَثْ﴾ [ص: الآية ٤٤] وبقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ اُلسّقَايَةَ فِ رَحْلِ أُخِيهِ﴾ [يُوسُف: الآية ٧٠] في قصة يوسف عْلَّا وبغير ذلك من الآيات والآثار، وقد رد كِتّابُ البُيُوعِ بابٌ الربا ٣٩٥ على جميع ما احتجوا به العلامة ابن القيم وشيخه الإمام ابن تيمية، فعليك أن تراجع ((إعلام الموقعين)) و((مجموع فتاوى ابن تيمية)). وفي الحديث من الفوائد: قيام عذر من لا يعلم التحريم حتى يعلمه. وفيه: جواز الرفق بالنفس وترك الحمل على النفس لاختيار أكل الطيب على الرديء خلافًا لمن منع ذلك من المتزهدين. وفيه: جواز الوكالة في البيع وغيره، وفيه: أن البيوع الفاسدة ترد. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في البيوع وفي الوكالة وفي المغازي وفي الاعتصام ومسلم في البيوع. وأخرجه أيضا فيه النسائي ومالك والشافعي والدارمي والدار قطني (ص ٢٩٦) والبيهقي (ج ٥ ص ٢٨٥، ٢٩١) وأبو عوانة وابن حبان في (صحيحه)) والبغوي (ج ٨ ص ١٧) بألفاظ. ٢٨٣٧- [٨] وعن أبي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَ بِلاَلٌ إِلَى النَّبِيِّ بَ بِتَمْرِ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَّهُ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((مِنْ أَيْنَ هَذَا؟))، قَالَ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، فَقَالَ: ((أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا، لاَ تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ ◌ّفَبعِ الثَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ». [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] الشرح ٢٨٣٧ - قوله: (جَاءَ بِلاَلٌ) المؤذن (بِتَمْرِ بَرْنِيٍّ) بفتح الموحدة وسكون الراء وكسر النون بعدها ياء مشددة، قال صاحب ((المحكم)): هو ضرب من التمر أصفر مدود وهو أجود التمور، وقال صاحب ((تيسير العلام)): هو من تمر المدينة الجيد، وهو معروف بها حتى إلى الآن، بسره أصفر فيه طول. قال الحافظ: وقد وقع عند أحمد مرفوعا: ((خير تمراتكم البرني يذهب الداء ولا داء فيه)). انتهى. وذكره السيوطي في ((الجامع الصغير))، وقال: أخرجه الروياني في ((مسنده)) وابن عدي والبيهقي في ((الشعب)) والضياء المقدسي في ((المختارة)) عن بريدة والعقيلي (٢٨٣٧) أخرجه البخاري (٢٣١٢)، ومسلم (١٥٩٤). ٣٩٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ * والطبراني في ((الأوسط)) وابن السني وأبو نعيم في الطب والحاكم عن أنس والطبراني في الأوسط والحاكم وأبو نعيم عن أبي سعيد وقد ذكر المناوي ما في أسانيدهم من الكلام فارجع إلى ((فيض القدير)) (ج ٣ ص ٤٨٤) وأورده الشيخ الألباني في ((صحيح الجامع الصغير)) (ج ٣ ص ١٢٧) وقال بعد ذكره: حديث حسن. قال العيني: وليست الياء فيه للنسبة، فكأنه موضوع هكذا، مثل كرسي ونحوه . (فَقَالَ لَّهُ النَّبِيُّ ◌َِّ: مِنْ أَيْنَ هَذَا؟) أي: التمر البرني لك، (قَالَ: كَانَ عِنْدَنَا) وفي رواية ((كان عندي)) (تَمْرٌ رَدِيٌّ) بتشديد المثناة التحتية وروي ((رديء)) بالهمزة على وزن فعيل على الأصل، فإنه مهموز اللام من رُدؤ الشيء يردؤ رداءة فهو رديء أي : فاسد، وأردأته أفسدته، قاله الجوهري، ولكن لما كثر استعماله؛ حسن فيه التخفيف بأن قلبت الهمزة ياء بانكسار ما قبلها وأدغمت الياء في الياء فصارت (ردي)) بتشديد الياء. قال القاري: رديء: فعيل من الرداءة، فيجوز الهمز والإدغام، وهو المشهور (فَبِعْتُ مِنْهُ) أي: من الرديء (صَاعَيْنِ بِصَاع) وفي البخاري بعده ((لنطعم النبي وَ ليّ) أي: لأجل أن نطعم، واللام فيه مكسورةً والنون مضمومة من الإطعام، ولفظ النبي منصوب به. قال العيني كالحافظ ابن حجر: وهذه رواية أبي ذر، ولغيره ((ليطعم)) بفتح التحتية والعين من طعم يطعم والنبي رفع به، وفي رواية مسلم ((لمطعم النبي ◌َّ)) بالميم. (فَقَالَ) أي: النبي ◌َِّ عند ذلك القول الصادر من بلال (أَوَّوْ) كذا في جميع نسخ ((المشكاة)) مرة، وهکذا وقع عند مسلم، وفي البخاري وقع بالتكرار مرتین، وهو كلمة تقال عند التوجع والتحزن، وفيها لغات، الفصيحة المشهورة في الروايات ((أوه)) بهمزة مفتوحة، وواو مفتوحة مشددة وهاء ساكنة. قال ابن الأثير: ((أوه)) كلمة يقولها الرجل عند الشكاية والتوجع وهي ساكنة الواو مكسورة الهاء، وربما قلبوا الواو فقالوا: آهٍ من كذا. وربما شددوا الواو وكسروها وسكنوا الهاء فقالوا: أوِّه، وربما حذفوا الهاء، فقالوا: أوِّ، وبعضهم يفتح الواو مع التشديد فيقول: أوَّه (عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبًا) كذا عند البخاري بالتكرار مرتين، ووقع في مسلم مرة واحدة، ومراده بعين الربا نفسه، أي: هذا البيع نفس الربا المحرم حقيقة، وكرره؛ تأكيدًا وتشديدا، قال ابن التين: إنما تأوّه؛ ليكون أبلغ في الزجر، وقاله: كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا ٣٩٧ إما للتألم من هذا الفعل، وإما من سوء الفهم، زاد مسلم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد في نحو هذه القصة ((فردوه)) ومعلوم أن بيع الربا يجب رده (لاَ تَفْعَلْ) أي کذا . (وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ) أي: التمر الجيد (فَبع التَّمْرَ) أي: الرديء (بِبَيْع آخَرَ) أي: ببيع شيء آخر بأن تبيعه بحنطة أو شعير مثلاً (ثُمَّ اشْتَرٍ) أي: الجيد (بِهِ} أي: بثمن الرديء حتى لا تقع في الربا، ويُرْوَى ((ثم اشتر)) أي: التمر الجيد وعلى الرواية الأولى مفعول ((اشتر)) محذوف كما تقدم تقديره، ويدل على ما قلناه ما قد روي ((ثم اشتره)) أي: التمر الجيد وعلى الرواية الأولى مفعول اشتر محذوف كما تقدم تقديره، ويدل على ما قلنا ما قد روي عن بلال في هذا الخبر ((انطلق فرده على صاحبه، وخذ تمرك وبعه بحنطة أو شعير ثم اشتر به من هذا التمر ثم جئني به)). رواه الطبراني من طريق سعيد بن المسيب عن بلال. وحديث أبي سعيد هذا يدل على ما دل عليه الحديث الذي قبله. قال الحافظ: في الحديث البحث عما يستريب به الشخص حتى ينكشف حاله، وفيه النص على تحريم ربا الفضل واهتمام الإمام بأمر الدين وتعليمه لمن لا يعلمه وإرشاده إلى التوصل إلى المباحات وغيرها واهتمام التابع بأمر متبوعه وانتقاء الجيد له من أنواع المطعومات وغيرها، وفيه أن صفقة الربا لا تصح. انتهى. واستدل بهذا الحديث أيضا من ذهب إلى جواز بيع العينة وبيع التورق وقد تقدم تقرير الاستدلال والجواب عنه (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الوكالة في باب إذا باع الوكيل شيئًا فاسدًا فبيعه مردود، وأخرجه مسلم في البيوع وكذا النسائي، وروى الدارمي والبيهقي نحوه، وفي الباب عن بلال عند الطبراني في ((الكبير)) وأبي نعيم وعن سعيد بن المسيب مرسلا عند عبد الرزاق (ج ٨ ص ٣٣). * ٣٩٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ * * ٢٨٣٨- [٩] وَعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ عَبْدٌ، فَبَايَعَ النَّبِيَّ وَ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَجَاءً سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ، فَقَالَ لَّهُ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((بِعْنِيهِ))، فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنٍ، وَلَمْ يُبَابِعْ أَحَدًا بَعْده حَتَّى يَسْأَلَهُ: ((أَعَبْدٌ هُوَ أَوْ حٌُّ؟)). [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] الشرح ٢٨٣٨ - قوله (جَاءَ عَبْدٌ، فَبَايَعَ النَّبِيَّ ◌َلَ عَلَى الْهِجْرَةِ) ضمن باع معنى عاهد فعداه بـ((على)) (وَلَمْ يَشْعُرْ) أي: ولم يدر النبي ◌َِّ (أَنَّهُ عَبْدٌ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ) أي: يطلبه (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َهِ: بِعْنِيهِ) كأنه ◌َ لَّ كره أن يرده بعد وقوع المبايعة على الهجرة خائبًا من الهجرة. والله أعلم. (فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنٍ) وفي رواية أحمد: ((فاشتراه منه فأعتقه)). قال النووي: هذا محمول على أن سيده كان مسلمًا ولهذا باعه بالعبدين الأسودين، والظاهر أنهما كانا مسلمين ولا يجوز بيع العبد المسلم لكافر، ويحتمل أنه كان كافرًا وأنهما كانا كافرين، ولا بد من ثبوت ملكه للعبد الذي بايع على الهجرة إما ببينة وإما بتصديق العبد، وفيه ما كان عليه النبي ◌َّ من مكارم الأخلاق والإحسان العام، فإنه كره أن يرد ذلك العبد خائبا مما قصده من الهجرة وملازمة الصحبة، فاشتراه ليتمِ ما أراده (وَلَمْ يُبَابِعْ) أي: النبي ◌ِِّ (أَحَدًا بَعْده) أي: بعد هذا العبد (حَتَّى يَسْأَلَهُ) أي ذلك الأحد (أَوْ حُرٌّ؟) هذه الزيادة ليست في نسخ مسلم والحميدي و((جامع الأصول» (ج ١ ص ٤٧٣) ولم تقع أيضا في «مسند الإمام أحمد» (ج ٣ ص ٣٤٩، ٣٥٠) والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي، ووقعت في ((المصابيح)) بلفظ: ((أم حر)) وفي ((شرح السنة)) و((مسند الشافعي)) بلفظ: ((أو حر)) كم في ((المشكاة))، وعند أحمد (ج ٣ ص ٣٧٢) بلفظ: ((حر أو عبد)). قال الطيبي: و(أو)) هنا أوقع؛ لأن ((أم)) يؤتى بها إذا ثبت أحد الأمرين ويحصل التردد في التعيين، و ((أو)) سؤال عن نفس الثبوت، يعني عبديته ثابتة أو حريته. قال النووي: في (٢٨٣٨) أخرجه مسلم (١٦٠٢). كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا ٣٩٩ الحديث جواز بيع عبد بعبدين سواء كانت القيمة متفقة أو مختلفة، وهذا مجمع عليه إذا بيع نقدًا، وكذا حكم سائر الحيوان فإن كان باع عبدًا بعبدين أو بعيرًا ببعيرين إلى أجل، فذهب الشافعي والجمهور جوازه. وقال أبو حنيفة والكوفيون لا يجوز، وفيه مذهب لغیرهم. وقال ابن القيم في ((تهذيب السنن)) (ج ٥ ص ٣٠): اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أربعة أقوال - وهي أربع روايات عن أحمد - إحداها: أن ما سوى الكيل والموزون من الحيوان والنبات ونحوه يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا ومتساويًا وحالا ونساء وأنه لا يجري فيه الربا بحال وهذا مذهب الشافعي وأحمد في إحدى رواياته، واختارها القاضي وأصحابه وصاحب المغني. والرواية الثانية: عن أحمد أنه يجوز التفاضل فيه يدا بيد ولا يجوز نسيئة وهي مذهب أبي حنيفة كما دل عليه حديث جابر مرفوعا: ((الحيوان اثنان بواحد لا يصلح نساء، ولا بأس به يدا بيد))، أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن، وحديث ابن عمر أن رجلا قال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس والبختية بالإبل، قال: ((لا بأس إذا کان یدا بید)). قال أحمد والبخاري: حديث ابن عمر هذا المعروف مرسل. والرواية الثالثة: عنه أنه يجوز فيه النساء إذا كان متماثلًا ويحرم مع التفاضل، وعلى هاتين الروايتين، فلا يجوز الجمع بين النسيئة والتفاضل بل إن وجد أحدهما حرم الآخر وهذا أعدل الأقوال في المسألة وهو قول مالك فيجوز عبد بعبدين حالًّا وعبد بعبد نساءً إلا أن لمالك فيه تفصيلًا، والذي عقد عليه أصل قوله: إنه لا يجوز التفاضل والنساء معًا في جنس من الأجناس، والجنس عنده معتبر باتفاق الأغراض والمنافع، فيجوز بيع البعير البختي بالبعيرين من الحمولة، ومن حاشية إبله إلى أجل؛ لاختلاف المنافع وإن أشبه بعضها بعضا، اختلفت أجناسها أو لم تختلف، فلا يجوز منها اثنان بواحد إلى أجل، فسر مذهبه أنه لا يجتمع التفاضل والنساء في الجنس الواحد عنده، والجنس ما اتفقت منافعه وأشبه بعضه بعضًا وإن اختلفت حقيقته. قال ابن القيم: وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص - يعني الذي في آخر الفصل الثاني من هذا الباب - صريح في جواز المفاضلة والنساء وهو حديث حسن، ولكن مالك يحمله على اختلاف المنافع والأغراض، فإن الذي كان يأخذه