Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦٠ مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ له ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه فيأكل مال أخيه بالباطل ويحصل أخوه على غاية الضرر فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرم الربا ولعن آكله ومؤكله وكاتبه وشاهده وآذن من لم يدعه بحربه وحرب رسوله، ولم يجئ مثل هذا الوعيد في كبيرة غيره؛ ولهذا كان من أكبر الكبائر، سئل الإمام أحمد عن الربا الذي لا يشك فيه فقال: هو أن یکون له دین فيقول له: أتقضي أم تربي؟ فإن لم يقضه زاده في المال، وزاده هذا في الأجل، وقد جعل الله ◌ُعَلَ الربا ضد الصدقة، فالمرابي ضد المتصدق. قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَواْ وَيُرْبِىِ الضَّدَقَتِ﴾ [البقرة: الآية ٢٧٦]. وقال: ﴿وَمَآ ءَاتَّيْتُم مِّن رِّبًا لِيَرْبُواْ فِ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَآ ءَانَيْتُم مِّنِ زَّكَوَةٍ ثُرِيدُونَ وَجْهَ الَّهِ فَأَوْلَكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَوَأْ أَضْعَافًا مُضَعَفَةٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ [الروم: الآية ٣٩] وقال : ﴾ [آل عمران: ١٣٠، ١٣١] ثم ذكر ١٣١ وَأَتَّقُواْ النَّارَ الَِّيَ أُعِدَتْ لِلْكَفِرِينَ ٣٠ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ الجنة التي أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء وهؤلاء ضد المرابين، فنهى الله سبحانه عن الربا الذي هو ظلم للناس، وأمر بالصدقة التي هي إحسان إليهم، وفي ((الصحيحين)) من حديث ابن عباس عن أسامة بن زيد أن رسول الله وَال قال: ((إنما الربا في النسيئة))، ومثل هذا يراد به حصر الكمال، وأن الربا الكامل إنما هو في النسيئة كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا ﴾ [الأنفال: الآية ٢] إلى قوله ﴿أُوْلَئِكَ تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَُّونَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: الآية ٤] وكقول ابن مسعود إنما العالم الذي يخشى الله، وأما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع كما صرح به في حديث أبي سعيد الخدري رَوَّهُ عن النبي ◌َّ: ((لا تبيعوا الدرهم بدرهمين، فإني أخاف عليكم الرما)) والرما هو الربا، فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة، وذلك أنهم إذا باعوا درهما بدرهمين ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين إما في الجودة وإما في السكة وإما في الثقل والخفة وغير ذلك تدرجوا بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر، وهو عين ربا النسيئة وهذه ذريعة قريبة جدا، فمن حكمة الشارع أن سد عليهم هذه الذريعة ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقدًا ونسيئة، فهذه حكمة معقولة مطابقة للعقول وهي تسد عليهم باب المفسدة انتهى كلام ابن القيم. كِتَابُ البُيُوع بَابُ الربا ٣٦١ وقال الشاه ولي الله الدهلوي في ((حجة الله)) (ج ٢ ص ٨٠): اعلم أن الربا على وجهين: حقيقي ومحمول عليه: أما الحقيقي فهو في الديون، وقد ذكرنا أن فيه قلبًا لموضوع المعاملات؛ لأن من شأن المعاملات أن تكون نافعة بالمدن ولا تقع الخصومات فيها بين المتعاملين، فإذا أدخل الربا فيها وقعت المناقشات البتة فصار قلبا للموضوع، وأن الناس كانوا منهمكين في الجاهلية أشد انهماك وكان حدث لأجله محاربات مستطيرة وكان قليله يدعو إلى كثيره، فوجب أن يسد بابه بالكلية؛ ولذلك نزل في القرآن في شأنه ما نزل من قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرَّواْ﴾ [البقرة: الآية ٢٧٥] والثاني: أي المحمول على الحقيقي ربا الفضل، والأصل فيه الحديث المستفيض: ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر ... )) الحديث. وهو أي ربا الفضل مسمي بربا تغليظا وتشبيها له بالربا الحقيقي، وبه يفهم معنى قوله وَله: ((لا ربا إلا في النسيئة)) أي: القرض والدين ثم كثر في الشرع استعمال الربا في هذا المعنى حتى صار حقيقة شرعية فيه أيضًا والله أعلم. انتهى. وارجع إلى كتاب ((البيوع)) للدكتور محمد يوسف موسى المصري. ٣٦٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الفصل الأول ٢٨٣٠ - [١] عَنْ جَابِرِ، قَالَ: ((لَعَنَ رَسُولُ اللهِ وَلَ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ))، وَقَالَ: (هُمْ سَوَاءٌ)). [رَوَاهُ مُسْلِمْ] الشرح ٢٨٣٠ - قوله: (لَعَنَ رَسُولُ اللهِ وَلَه) أصل اللعن من الله تعالى: الطرد والإبعاد من رحمته، ومن الخلق السب والدعاء عليه بالسخط واللعن بالوصف جائز كما هنا. (آكِلَ الرِّبَا) بكسر الكاف والمد اسم فاعل والمراد بالأكل: تعاطيه بأي وجه كان، قال القاري: آكل الربا أي آخذه وإن لم يأكل، وإنما خص بالأكل؛ لأنه أعظم أنواع الانتفاع كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْيَتَمَى ظُلْمًا﴾ [النساء: الآية ١٠] . (وَمُؤْكِلَهُ) بسكون الهمزة بعد الميم ويجوز إبدالها واوا أي معطيه لمن يأخذه وإن لم يأكل منه نظرًا إلى أن الأكل هو الأغلب. وقال المناوي: آكل الربا أي متناوله بأي وجه كان وعبر عنه بالأكل مجازًا. قال الزمخشري: من المجاز فلان أكل غنمي وشربها وأكل مالي وشربه وأكلت أطفالي الحجارة. انتهى. وقال المناوي: وبه يستغني عن قولهم عبر بالأكل؛ لأنه يأخذه ليأكله أو لأنه المقصد الأعظم من المال. انتهى. قال الخطيب: سوى بين الآكل والمؤكل في الوعيد لاشتراكهما في الفعل وتعاونهما عليه وإن كان أحدهما مغتبطا والآخر مهتضما ولله وال حدود فلا تتجاوز عند الوجود والعدم والعسر واليسر فضرورة المؤكل لا تبيح له أن يؤكله الربا لإمكان إزالتهما بوجه من وجوه المعاملة والمبايعة، فإن فرض تعذره فعليه أن يتجوز عن صريح الربا بضرب من ضروب الحيل المعروفة. (٢٨٣٠) أخرجه مسلم (١٥٩٨). كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا ٣٦٣ قال الطيبي: لكن مع وجل وخوف شديد عسى الله أن يتجاوز عنه لا كذلك الآكل. (وَكَاتِبَهُ) أي الذي يكتب الوثيقة بين المترابيين. (وَشَاهِدَيْهِ) أي: الذيْن يتحملان الشهادة عليهما وإن لم يؤديا، كما قال بعض شراح مسلم. (وَقَالَ) أي النبي ◌َِّ (هُمْ سَوَاءٌ) أي في أصل الإثم وإن كانوا مختلفين في قدره. قيل: وإنما سوى بينهم في اللعن؛ لأن العقد لا يتم إلا بالمجموع واستحق هؤلاء اللعن من حيث رضاهم به وإعانتهم عليه، وهذا إذا كانوا يعلمون به كما جاء التقييد بالعلم في حديث ابن مسعود عند النسائي وابن حبان: ((آكل الربا ومؤكله وشاهده وكاتبه إذا علموا ذلك؛ ملعونون على لسان محمد ◌َله يوم القيامة)) فقوله: ((إذا علموا ذلك)) يعني: علم كل منهم أنه ربا وأن الربا حرام. قال الشوكاني: فيه دلیل على تحريم كتابة الربا إذا علم ذلك، وكذلك الشاهد لا يحرم عليه الشهادة إلا مع العلم فأما من كتب أو شهد غير عالم فلا يدخل في الوعيد. انتهى. قال النووي: في الحديث تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابيين والشهادة عليهما، وفيه تحريم الإعانة على الباطل. قال الله تعالى: ﴿وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْرِ وَاُلْعُدْوَنِ﴾ [المائدة: الآية ٢] . (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣ ص ٣٠٤) وابن الجارود (ص ٢١٧) والبيهقي (ج ٥ ص ٢٧٥) وفي الباب عن عبد الله بن مسعود أخرجه أحمد (ج ١ ص ٣٩٣، ٣٩٤، ٤٠٢، ٤٠٩، ٤٥٣) ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وأبو يعلى والدارمي وابن حبان والحاكم والبيهقي والبغوي وابن أبي شيبة والطبراني في ((الكبير)) بألفاظ مختلفة مختصرًا ومطولًا، وعن علي كما سيأتي في الفصل الثالث، وعن أبي جحيفة قال: لعن رسول الله وَّة الواشمة والمستوشمة وآكل الربا ومؤكله ... الحديث. أخرجه أحمد (ج ٤ ص ٣٠٨، ٣٠٩) والبخاري وأبو داود وابن أبي شيبة (ج ٦ ص ٥٦٣). ٣٦٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٢٨٣١- [٢] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ إِلّهِ: ((الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلِ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدَّا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ اَلْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ». [ رواه مسلم] الشرح ٢٨٣١ - قوله: (الذَّهَبُ) بالرفع أي بيع الذهب فحذف المضاف للعلم به، أو مبتدأ حذف خبره أي الذهب يباع أو بإسناد الفعل المبنى للمفعول إليه يباع الذهب ويجوز نصبه أي: بيعوا الذهب، والذهب يطلق على جميع أنواعه المضروبة وغيرها. قال الحافظ: يدخل في الذهب جميع أصنافه من مضروب ومنقوش وجيد ورديء وصحيح ومكسر وحلي وتبر وخالص، ومغشوش، ونقل النووي تبعا لغيره في ذلك الإجماع. (بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ) المراد بالفضة: جميع أنواعها مضروبة وغيرها (وَالْبُرُّ) بضم الموحدة ثم راء، من أسماء الحنطة (بِالْبُرِّ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ) بفتح أوله، معروف وحكي بجواز كسره. (مِثْلًا بِمِثْلٍ) مصدر في موضع الحال، أي حال كونهما متماثلين أي متساويين في القدر (سَّوَاءً بِسَوَاءٍ) تأكيد، وقال القاري: المماثلة أعم من أن تكون في القدر بخلاف المساواة أي حال كونهما متساويين في القدر (يَدًا بِيَدٍ) أي: نقدًا غير نسيئة. وقال القاري: أي: مقبوضين يدًا بيد، ويستفاد منه الحلول والتقابض في المجلس، وهما من الشروط الثلاثة؛ إذ المراد بالأول المماثلة بالوزن والكيل، وبالثاني اتحاد مجلس تقابض العوضين بشرط عدم افتراق الأبدان، وبالثالث: الحلول لا النسيئة. وقال المناوي: قوله: ((سواء بسواء)) أي: عينًا بعين حاضرًا بحاضر، وقوله: ((يدا بيد)) أي: مقابضة في المجلس وجمع بينهما، تأكيدًا ومبالغة في الإيضاح. (٢٨٣١) أخرجه مسلم (١٥٨٧). ٣٦٥ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربَا (فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ) قال القاري: المعنى أنه إذا بيع شيء منها ليس بما ليس من جنسه لكن يشاركه في العلة كبيع الحنطة بالشعير، فيجوز التفاضل فيه، وهذا معنى قوله: (فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ) أي: متساويًا أو متفاضلًا، لكن بشرط وجود الشرطينٍ الآخرين من الشروط المتقدمة. لقوله: (إِذَا كَانَ) أي: البيع (يَدًا بِيَدٍ) أي: حالًا مقبوضًا في المجلس قبل افتراق أحدهما عن الآخر. انتهى. فقوله: ((يدا بيد)) احتراز عن النسيئة، فإنه لا يجوز وإن اختلف الجنس. وفي الحديث: دليل على تحريم التفاضل فيما اتفقا جنسا من الستة المذكورة التي وقع عليها النص، وإلى تحريم الربا فيها ذهبت الأمة كافة، واختلفوا فيما عداها فقصرت طائفة التحريم على الستة المذكورة وأقدم من يروى هذا عنه قتادة، وهو مذهب أهل الظاهر واختيار ابن عقيل في آخر مصنفاته مع قوله بالقياس، قال : لأن علل القياسيين في مسألة الربا ضعيفة، وإذا لم تظهر فيه علة؛ امتنع القياس، وقد بسط ابن حزم الكلام في ((المحلى)) (ج ٨ ص ٤٦٩، ٤٨٦) لتحقيق مذهب أهل الظاهر وتزييف أدلة مخالفيهم، واختاره أيضا الأمير اليماني الصنعاني حيث قال في ((السبل)) (ج ٣ ص ٣٨): ذهب الجمهور إلى ثبوته فيما عداها مما شاركها في العلة ولكن لما لم يجدوا علة منصوصة اختلفوا فيها اختلافًا كثيرًا يقوى للناظر العارف أن الحق ما ذهبت إليه الظاهرية من أنه لا يجري الربا إلا في الستة المنصوص عليها، قال: وقد أفردنا الكلام على ذلك في رسالة مستقلة سميتها ((القول المجتبي)). انتهى. ويظهر من صنيع الشوكاني في ((السيل الجرار)) أنه أيضا اختار قول الظاهرية حيث قال بعد الكلام على ما استدل به للحنفية والشافعية والمالكية ما لفظه: والحاصل أنه لم يرد دليل يقوم به الحجة على إلحاق ما عدا الأجناس المنصوص عليها بها، ولكنه روى الدار قطني والبزار عن عبادة وأنس أن النبي وَلّه قال: ((ما وزن مثلًا بمثل إذا كان نوعًا واحدًا وما كيل فمثل بمثل ذلك ، فإذا اختلف النوعان فلا بأس به))، وقد ذكره ابن حجر في ((التلخيص)) ولم يتكلم عليه و وفي إسناده الربيع بن صبيح، قال أحمد: لا بأس به. وقال ابن معين: في رواية عنه أنه ضعيف. وفي أخرى ((ليس به بأس ربما دلس)) وقال ابن سعد والنسائي: ضعيف. وقال أبو زرعة: شيخ صالح. وقال أبو حاتم: رجل صالح. انتهى. ولا يلزم من وصفه بالصلاح أن ٣٦٦ مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ يكون ثقة في الحديث، وقال في ((التقريب)): صدوق سيئ الحفظ ولا يخفاك أن الحجة لا تقوم بمثل هذا الحديث لاسيما في مثل هذا الأمر العظيم، فإنه حكم بالربا الذي هو من أعظم معاصي الله سبحانه على غير الأجناس التي نص عليها رسول الله وعليه وذلك يستلزم الحكم على فاعله بأنه مرتكب لهذه المعصية التي هي من الكبائر ومن قطعيات الشريعة، ومع هذا فإن هذا الإلحاق قد ذهب إليه الجمع الجم والسواد الأعظم ولم يخالف في ذلك إلا الظاهرية. انتهى. وصنيعه في ((شرح المنتقى)) يدل على جنوحه إلى قول الجمهور حيث قال في حديث أنس المذكور: إنه يشهد لصحته حديث عبادة المذكور أولًا - يعني الذي نحن في شرحه - وغيره من الأحاديث، قال: وهو يدل على كون العلة في جميعها اتفاق الجنس والتقدير بالکیل والوزن، فإنه حكم فيه على كل موزون مع اتحاد نوعه، وعلى كل مكيل كذلك بأنه مثل بمثل، فأشعر بأن الاتفاق في أحدهما مع اتحاد النوع موجب لتحريم التفاضل بعموم النص لا بالقياس، وبه يرد على الظاهرية لأنهم إنما منعوا من الإلحاق لنفيهم القياس، ومما يؤيد ذلك ما سيأتي في حديث أبي سعيد وأبي هريرة أن النبي ◌َّ- قال في الميزان مثل ما قال في المكيل - انتھی . قلت: ويدل أيضا على مذهب الجمهور من أن الربا يثبت في غير الأجناس المذكورة حديث ابن عمر في ((الصحيحين))، قال: نهى رسول الله وَل عن المزابنة أن يبيع الرجل ثمر حائطه إن كان نخلاً بتمر كيلاً، وإن كان كرمًا أن يبيعه بزبيب كيلًا، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله وفي لفظ لمسلم: (وعن كل ثمر بخرصه)) فإن هذا الحديث يدل على ثبوت الربا في الكرم والزبيب، ورواية مسلم تدل على أعم من ذلك، وهذا ظاهر في أن استدلال الجمهور بعموم النص لا بالقياس، وأما اختلاف الجمهور في التعليل وتعيين العلة فسيأتي تفصيله مع ذكر دلائلهم في ما نذكره من عبارات كتب شروح الحديث والفقه. قال البغوي في ((شرح السنة)) (ج ٨ ص ٥٧): اتفق العلماء على أن الربا يجري في الأشياء الستة التي نص الحديث عليها وذهب عامتهم إلى أن حكم الربا غير مقصور عليها بأعيانها إنما ثبت لأوصاف فيها ويتعدى إلى كل مال توجد فيه تلك كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا ٣٦٧ الأوصاف، ثم اختلفوا في تلك الأوصاف، فذهب أكثر أهل العلم إلى أن الربا ثبت في الدراهم والدنانير بوصف، وفي الأشياء الأربعة المطعومة بوصف آخر، ثم اختلفوا في ذلك الوصف، فقال الشافعي: ثبت في الدراهم والدنانير بوصف النقدية وقال أبو حنيفة: بعلة الوزن، حتى إن الربا يجري في الحديد والنحاس والقطن ونحوها، وأما الأشياء الأربعة، فقال الشافعي في القديم: ثبت فيها أن الربا بوصف الطعم مع الكيل أو الوزن كما قال سعيد بن المسيب. وفي الجديد: ثبت فيها بوصف الطعم فقط، وأثبت في جميع الأشياء المطعومة مثل الثمار والفواكه والبقول والأدوية ونحوها سواء كانت مكيلة أو موزونة أو لم تكن، وإنما قال ذلك في الجديد لقوله ◌َّيّة: ((الطعام بالطعام مثلا بمثل))، علق الحكم باسم الطعام، فدل على أن مأخذ الاشتقاق علته. وقال أبو حنيفة: ثبت في الأشياء الأربعة بوصف الكيل حتى إن الربا يجري في جميع ما يباع كيلا في العادة مثل الجص والنورة ونحوهما، وأما مالك فقال في الذهب والفضة كقول الشافعي وقال في الأربعة: العلة فيها كونها تدخر للقوت وتصلح له فعداه إلى الزبيب لأنه كالتمر وإلى القطنية؛ لأنها في معنى البر والشعير . وقال أحمد: العلة في الأربعة كونها مطعومة موزونة أو مكيلة بشرط الأمرين، فعلى هذا لا ربا في البطيخ والسفرجل ونحوه مما لا يأكل ولا يوزن. انتهى بتصرف وزيادة، قال النووي: وأجمع العلماء على جواز بيع الربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلًا ومؤجلًا وذلك كبيع الذهب بالحنطة وبيع الفضة بالشعير وغيره من المكيل، وأجمعوا على أنه لا يجوزٍ بيع الربوي بجنسه وأحدهما مؤجل، وعلى أنه لا يجوز التفاضل إذا بيع بجنسه حالًا كالذهب بالذهب، وعلى أنه لا يجوز التفرق قبل التقابض إذا باعه بجنسه أو بغير جنسه مما يشاركه في العلة كالذهب بالفضة والحنطة بالشعير، وعلى أنه يجوز التفاضل باختلاف الجنس إذا کان يدًا بيد کصاع حنطة بصاعي شعير. انتهى. وقال القاضي والطيبي: هذا الحديث عمدة باب الربا، عد أصولاً وصرح بأحكامها وشروطها على الوجوه التي يتعامل بها، ونبه على ما هو العلة لكل واحد ٣٦٨ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ منها؛ ليتوصل به المجتهد إلى أن يستنبط منها حكم ما لم يذكر من أخواتها، فإنه ذكر النقدين والمطعومات الأربع إشعارا بأن الربا فيما يكون نقدًا أو مطعومًا، فإن العلة فيه النقد والطعم للمناسبة واقتران الحكم، وذكر من المطعوم الحب والتمر وما يقصد مطعوما لنفسه ولغيره ليعلم أن الكل سواء في الحكم، ثم قسم التعامل على ثلاثة أوجه: أن يباع شيء منها بجنسه كَبُرِّ بِيُرِّ، وبغيره من هذه الأجناس المشاركة في علة الربا كبر بشعير وبما ليس من جنسه ولا بما يشاركه في العلة كبيع بر بذهب أو نحاس وصرح بالقسمين الأولين؛ لأنهما المقصودان بالبيان لمخالفتهما لسائر العقود في الشروط، فشرط في الأول التماثل في القدر، وأكده بقوله سواء بسواء؛ لأن المماثلة أعم من كونها في القدر بخلاف المساواة، والحلول والتقابض بالمجلس بقوله: ((يدًا بيد))، وفي الثاني الحلول والتقابض لا التماثل، وسكت عن الثالث إما لأنه جار على قياس جميع المبايعات، فلا حاجة لبيانه أو لأن أمره معلوم مما ذكر مدلول عليه بالمفهوم. فإن تقييد اعتبار الحلول بالمشاركة في علة الربا بقوله: ((فإذا اختلفت هذه الأجناس))، في اعتبار المماثلة بها مع اتحاد الجنس يدل على عدم اعتبارها فيما ليس كذلك كذا في ((فيض القدير)). وقال ابن رشد في ((البداية)) (ج ٢ ص ١٠٥): اتفق العلماء على أن الربا يوجد في شيئين: في البيع وفيما تقرر في الذمة من بيع أو سلف أو غير ذلك، فأما الربا فيما تقرر في الذمة فهو صنفان: صنف متفق عليه، وهو ربا الجاهلية الذي نهي عنه، وذلك أنهم كانوا يسلفون بالزيادة وينظرون فكانوا يقولون: أنظرني أزدك، وهذا هو الذي عناه عليه الصلاة والسلام بقوله في حجة الوداع: ((ألا وإن ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب)). والثاني: ضع وتعجل وهو مختلف فيه كما ذكر في موضعه. وأما الربا في البيع، فإن العلماء أجمعوا على أنه صنفان: نسيئة وتفاضل إلا ما روي عن ابن عباس من إنكاره الربا في التفاضل لما رواه عن النبي ◌َّر أنه قال: ((لا ربا إلا في النسيئة))، وإنما صار جمهور الفقهاء إلى أن الربا في هذين النوعين؛ لثبوت ذلك عنه رَّةَ، وأجمع العلماء على أن التفاضل والنساء مما لا يجوز واحد منهما في الصنف الواحد من الأصناف التي نص عليها في حديث عبادة بن الصامت إلا ما حُكي عن ابن عباس، وحديث عبادة هو قال: سمعت رسول الله رَّله ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا ٣٦٩ والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى. فهذا الحديث نص في منع التفاضل في الصنف الواحد من هذه الأعيان، وأما منع النسيئة فيها فثابت من غير ما حديث أشهرها حديث عمر بن الخطاب رَضِّلَهُ قال: قال رسول الله وَله: ((الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء))، فتضمن حديث عبادة منع التفاضل في الصنف الواحد وتضمن أيضًا حديث عبادة منع النساء في الصنفين من هذه وإباحة التفاضل، وذلك في بعض الروايات الصحيحة، وذلك أن فيها بعد ذكره منع التفاضل في تلك الستة، وبيعوا الذهب بالورق كيف شئتم يدًا بيد، والبر بالشعير كيف شئتم يدًا بيد، وهذا كله متفق عليه بين الفقهاء إلا البر بالشعير، واختلفوا فيما سوى هذه الستة المنصوص عليها، فقال قوم منهم أهل الظاهر: إنما يمتنع التفاضل في هذه الأصناف الستة فقط، وأن ما عداها لا يمتنع في الصنف الواحد منها التفاضل، وقالوا أيضا: إن النساء ممتنع في هذه الستة فقط اتفقت الأصناف أو اختلفت. وهذا أمر متفق عليه، أعني امتناع النساء فيها مع اختلاف الأصناف إلا ما حكي عن ابن علية أنه قال: إذا اختلف الصنفان؛ جاز التفاضل والنسيئة ما عدا الذهب والفضة. فهؤلاء جعلوا النهي المتعلق بأعيان هذه الستة من باب الخاص أريد به الخاص، وأما الجمهور من فقهاء الأمصار، فإنهم اتفقوا على أنه من باب الخاص أريد به العام، واختلفوا في المعنى العام الذي وقع التنبيه عليه بهذه الأصناف أعني في مفهوم علة التفاضل ومنع النساء فيها، فالذي استقر عليه حذاق المالكية أي: سبب منع التفاضل إما في الأربعة فالصنف الواحد من المدخر المقتات وقد قيل: الصنف الواحد المدخر، وإن لم يكن مقتاتا ومن شرط الادخار عندهم أن يكون في الأكثر. وقال بعض أصحابه: الربا في الصنف المدخر وإن كان نادر الادخار، وأما العلة عندهم في منع التفاضل في الذهب والفضة، فهو الصنف الواحد أيضا مع كونهما رؤوسا للأثمان وقيما للمتلفات، وهذه العلة هي التي تعرف عندهم بالقاصرة؛ لأنها ليست موجودة عندهم في غير الذهب والفضة، وأما علة منع النساء عند المالكية في الأربعة المنصوص عليها فهو الطعم والادخار دون اتفاق الصنف ولذلك إذا اختلفت أصنافها؛ جاز عندهم التفاضل دون النسيئة، ولذلك يجوز التفاضل عندهم ٣٧٠ * BNa مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ في المطعومات التي ليست مدخرة أعني في الصنف الواحد منها، ولا يجوز النساء، وأما الشافعية فعلة منع التفاضل عندهم في هذه الأربعة هو الطعم فقط مع اتفاق الصنف الواحد، وأما علة النساء فالطعم دون اعتبار الصنف مثل قول مالك، وأما الحنفية: فعلة منع التفاضل عندهم في هذه الستة واحدة وهو الكيل أو الوزن مع اتفاق الصنف، وعلة النساء فيها اختلاف الصنف ما عدا النحاس والذهب، فإن الإجماع انعقد على أنه يجوز فيها النساء، ووافق الشافعي مالكًا في علة منع التفاضل والنساء في الذهب والفضة أعني أن كونهما رؤوسا للأثمان وقيما للمتلفات هو عندهم علة منع النسيئة إذا اختلفت الصنف، فإذا اتفقا منع التفاضل. انتھی . وقال الباجي في ((المنتقى)) (ج ٤ ص ٢٣٩): ذهب فقهاء الأمصار وجماعة الناس إلى أن هذه المسميات أصول في تحريم التفاضل لفروع لاحقة بها على اختلافهم في أعيان تلك الفروع لاختلاف المعاني المتعدية إليها، وذهب أهل الظاهر إلى أن تحريم التفاضل مقصور عليها دون سائر المطعومات، واختلف الناس في علة تحريم التفاضل في الأربع المسميات، فروى مالك عن سعيد بن المسيب أن العلة عنده الكيل أو الوزن فيما يؤكل أو يشرب. وقال أبو حنيفة: العلة في ذلك جنس مكيل أو موزون. وقال الشافعي: علة ذلك أنه مطعوم جنس فاختلفت عبارات أصحابنا في ذلك، فاختار القاضي أبو إسحاق أنه مقتات جنس. ومذهب مالك في ((الموطأ)): أن العلة الاقتيات والادخار للأكل غالبًا، وإليه ذهب ابن نافع، قال مالك: فلا تجوز الفواكه التي تيبس وتدخر إلا مثلا بمثل يدًا بيد إذا كانت من صنف واحد، وجيء على ما روى عن مالك أيضا أن العلة الادخار للاقتيات فلا يجري الربا فلا يجري الربا في الفواكه التي تيبس لأنها ليست بمقتاتة ولا يجري الربا في البيض؛ لأنها وإن كانت مقتاتة، فليست بمدخرة . قال الباجي: وهذا القول عندي أجرى على المذهب، فالخلاف بيننا وبين أبي حنيفة في فصلين: أحدهما: أننا نراعي الاقتيات وهو لا يراعيه بل يعدى ذلك إلى كل موزون، والفصل الثاني: أننا نعدي العلة إلى قليل المقتات الذي لا يتأتى فيه ٣٧١ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا الكيل وهو لا يعديها إليه، ويجوز فيه التفاضل والخلاف بيننا وبين الشافعي في فصل واحد وهو أنه يعدي العلة إلى كل مطعوم من السقمونيا وشحم الحنظل والأدوية وغيرها، ونحن نقصرها على ما يقتات من المطعوم، ثم بسط الباجي الكلام في الاستدلال لمذهب المالكية من أحب الوقوف عليه رجع إلى ((المنتقى)). وقال ابن قدامة في ((المغني)) (ج ٤ ص ١): الربا على ضربين: ربا الفضل، وربا النسيئة، وأجمع أهل العلم على تحريمهما، وقد كان في ربا الفضل اختلاف بين الصحابة، فحكي عن ابن عباس وأسامة بن زيد، وزيد بن الأرقم وابن الزبير أنهم قالوا: إنما الربا في النسيئة لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا ربا إلا في النسيئة)) رواه البخاري. والمشهور من ذلك قول ابن عباس، ثم إنه رجع إلى قول الجماعة، روى ذلك الأثرم بإسناده، وقاله الترمذي وابن المنذر وغيرهم: والصحيح قول الجمهور؛ لحديث أبي سعيد الخدري يعني الذي نحن في شرحه . قال ابن قدامة: وقول النبي وَالثير: ((لا ربا إلا في النسيئة)) محمول على الجنسين، وقد روي عن النبي ◌َّلير في الربا أحاديث كثيرة، ومن أتمها ما روى عبادة بن الصامت عن النبي ◌َّر، فهذه الأعيان المنصوص عليها يثبت الربا فيها بالنص والإجماع. واختلف أهل العلم فيما سواها فحكي عن طاوس وقتادة أنهما قصرا الربا عليهما وقالا: لا يجري في غيرها، وبه قال داود ونفاة القياس، وقالوا: ما عداها على أصل الإباحة، واتفق القائلون بالقياس على أن ثبوت الربا فيها بعلة، وأنه يثبت في ما وجدت فيه علتها، ثم اتفق أهل العلم على أن ربا الفضل لا يجري إلا في الجنس الواحد، إلا سعيد بن جبير، فإنه قال: كل شيئين يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا، كالحنطة بالشعير والتمر بالزبيب والذرة بالدخن؛ لأنهما يتقارب نفعهما فجريا مجرى نوعي جنس واحد. وهذا يخالف قول النبي وَل: ((بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد، وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم)) فلا يعول عليه، واتفق المعللون على أن علة الذهب والفضة واحدة وعلة الأعيان الأربعة واحدة ثم اختلفوا في علة كل واحد منهما فروي عن أحمد في ذلك ثلاث روايات أشهرهن أن علة الربا في الذهب والفضة كونه موزون جنس، وعلة الأعيان الأربعة مكيل جنس، نقلها عن أحمد الجماعة، وذكرها الخرقي وابن أبي موسى وأكثر الأصحاب، وهو قول النخعي والزهري والثوري، وإسحاق ٣٧٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ses وأصحاب الرأي، فعلى هذه الرواية يجري الربا في كل مكيل أو موزون بيع بجنسه مطعوما كان أو غير مطعوم، كالحبوب والأشنان والنورة والقطن والصوف والكتان والورس والحناء والعصفر والحديد والنحاس ونحو ذلك ولا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن، أي: لا يجري الربا في غير المكيل أو الموزون وإن كان مطعوما؛ لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله مَله: ((لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الرماء وهو الربا)). رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (ج ٢ ص ١٠٩) بإسناد ضعيف، وعن أنس أن النبي وَ يّ قال: ((ما وزن مثلا بمثل إذا كان نوعًا واحدًا، وما كيل مثلًا بمثل إذ كان نوعًا واحدا، فإذا اختلف النوعان فلا بأس به)) رواه الدار قطني (ص ٢٩٦) وعن عمار أنه قال: العبد خير من العبدين والثوب خير من الثوبين، فما كان يدا بيد، فلا بأس به، إنما الربا في النساء إلا ما كيل أو وزن، ولأن قضية البيع المساواة، والمؤثر في تحقيقها الكيل والوزن والجنس، فإن الوزن أو الكيل يسوى بينهما معنى، فكانا علة، ووجدنا الزيادة في الكيل محرمة دون الزيادة في الطعم بدليل بيع الثقيلة بالخفيفة، فإنه جائز إذا تساويا في الكيل. والرواية الثانية: أي عن أحمد أن العلة في الأثمان الثمنية وفيما عداها كونه مطعوم جنس، فيختص بالمطعومات ويخرج منه ما عداها. قال أبو بكر: روى ذلك عن أحمد جماعة ونحو هذا قال الشافعي فإنه قال: العلة الطعم والجنس شرط، والعلة في الذهب والفضة جوهرية الثمنية غالبًا، فيختص بالذهب والفضة لما روى معمر بن عبد الله أن النبي ◌َّ- نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل. رواه مسلم، فقد علق الحكم باسم الطعام، فدل على مناط العلة، فالطعام اسم مشتق من الطعم وكل حكم علق باسم مشتق من معنى يكون ذلك المعنى علة فيه كما قال تعالى: ﴿الزَِّيَةُ وَالزَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَحِدٍ مِنْهُمَا مِاْتَ جَلْدَةٍ﴾ [الثُّور: الآية ٢]، وقال: ﴿وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: الآية ٣٨] والزاني والسارق اسمان مشتقان من الزنى والسرقة، وقد علق وجوب الجلد والقطع باسم الزاني والسارق كان الزنى والسرقة علة في وجوبهما. والرواية الثالثة: العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوم جنس مكيلاً أو كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا ٣٧٣ موزونًا، فلا يجري الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالتفاح والرمان والخوخ والبطيخ والكمثرى والأترج والسفرجل والإجاص والخيار والجوز والبيض ولا فيما ليس بمطعوم من المكيلات والموزونات كالزعفران والأشنان والحديد والرصاص ونحوه، فلا بد من اعتبار الأمرين؛ لأن الكيل وحده أو الوزن وحده لا يقتضي وجوب المماثلة كما أن الطعم وحده لا تتحقق به المماثلة؛ لعدم المعيار الشرعي فيه، وإنما تتحقق المماثلة في المعيار الشرعي الذي هو الكيل والوزن. قال ابن قدامة: ويروى هذا القول عن سعيد بن المسيب، وهو قديم قولي الشافعي، قال: والأحاديث الواردة في هذا الباب يجب الجمع بينهما وتقييد كل واحد منهما بالآخر، فنهي النبي وَ لّر عن بيع الطعام إلا مثلا بمثل يتقيد بما فيه معيار شرعي وهو الكيل والوزن ونهيه عن بيع الصاع بالصاعين يتقيد بالمطعوم المنهي عن التفاضل فيه. وقال مالك: العلة: القوت أو ما يصلح به القوت من جنس واحد من المدخرات. قال ابن قدامة: والحاصل أن ما اجتمع فيه الكيل والوزن والطعم من جنس واحد، ففيه الربا رواية واحدة، كالأرز والدخن والذرة والقطنيات والدهن والخل واللبن واللحم ونحوه، وهذا قول أكثر أهل العلم. قال ابن المنذر: هذا قول علماء الأمصار في القديم والحديث سوى قتادة، فإنه بلغني أنه شذ عن جماعة الناس فقصر تحريم التفاضل على الستة الأشياء، وما انعدم فيه الكيل والوزن والطعم واختلف جنسه، فلا ربا فيه رواية واحدة. وهو قول أكثر أهل العلم، وما وجد فيه الطعم وحده أو الكيل أو الوزن من جنس واحد، ففيه روايتان واختلف أهل العلم فيه والأولى إن شاء الله تعالى حله؛ إذ ليس في تحريمه دليل موثوق به، ولا معنى يقوي التمسك به، وهو مع ضعفها يعارض بعضها بعضًا، فوجب اطراحها أو الجمع بينها والرجوع إلى أصل الحل الذي يقتضيه الكتاب والسنة والاعتبار، انتهى بتصرف يسير، هذا وقد رجح الحافظ ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) (ج ١ ص ٢٠٢، ٢٠٣) مذهب الإمام مالك وبسط الكلام في تحقيقه وتقويته، فعليك أن تراجعه، وكذا رجحه الشاه ولي الله الدهلوي، قال في ((حجة الله)) (ج ٢ ص ٨٠) بعد بيان سر تحريم الربا: تفطن ٣٧٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ الفقهاء أن الربا المحرم يجري في غير الأعيان الستة المنصوص عليها، وأن الحكم متعد منها إلى كل ملحق بشيء منها، ثم اختلفوا في العلة والأوفق بقوانين الشرع أن تكون في النقدين الثمنية وتختص بهما وفي الأربعة المقتات المدخر، وأن الملح لا يقاس عليه الدواء والتوابل؛ لأن للطعام إليه حاجة ليست إلى غيره ولا عشر تلك الحاجة، فهو جزء القوت وبمنزلة نفسه دون سائر الأشياء، وإنما ذهبنا إلى ذلك؛ لأن الشرع اعتبر الثمنية في كثير من الأحكام، كوجوب التقابض في المجلس، ولأن الحديث ورد بلفظ الطعام والطعام يطلق في العرف على معنيين: أحدهما: البر وليس بمراد، والثاني: المقتات المدخر؛ ولذلك يجعل قسيما للفاكهة والتوابل، وإنما أوجب التقابض في المجلس لمعنيين: أحدهما: أن الطعام والنقد والحاجة إليهما أشد الحاجات وأكثرها وقوعا، والانتفاع بهما لا يتحقق إلا بالإفناء والإخراج من الملك، وربما ظهرت خصومة عند القبض ويكون البدل قد فني وذلك أقبح المناقشة، فوجب أن يسد هذا الباب بأن لا يتفرقا إلا عن قبض ولا يبقى بينهما شيء، وقد اعتبر الشرع هذه العلة في النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفي وحيث قال في اقتضاء الذهب من الورق ما لم تتفرقا وبينكما شيء، والثاني: أنه إذا كان النقد في جانب والطعام أو غيره في جانب فالنقد وسيلة لطلب الشيء كما هو مقتضى النقدية فكان حقيقا بأن يبذل قبل الشيء، وإذا كان في كلا الجانبين النقد أو الطعام كان الحكم يبذل أحدهما تحكما، ولو لم يبذل من الجانبين كان بيع الكالئ بالكالئ، وربما يشح بتقديم البذل، فاقتضى العدل أن يقطع الخلاف بينهما ويؤمرا جميعا أن لا يتفرقا إلا عن قبض، وإنما خص الطعام والنقد؛ لأنهما أصلا الأموال وأكثر تعاورا ولا ينتفع بهما إلا بعد إهلاكهما، فلذلك كان الحرج في التفرق عن بيعهما قبل القبض أكثر وأفضي إلى المنازعة، والمنع فيهما أرجع عن تدقيق المعاملة. واعلم: أن مثل هذا الحكم إنما يراد به أن لا يجرى الرسم به وأن لا يعتاد به تكسب ذلك الناس لا أن لا يفعل شيء منه أصلا، ولذلك قال ◌َلَّلا لبلال: ((بع التمر ببيع آخر ثم اشتره)) - انتهى. ورجح الغزالي مذهب الشافعي حيث قال بعد ذكر الحكمة في تحريم الربا على طريق أهل التصوف والكشف ما لفظه: فهذه حكمة الشرع في تحريم الربا، وقد انكشف لنا بعد إعراضنا عن فن الفقه، فيلحق به، فإنه أقوى من كل ما ذكر في الخلافيات، كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا ٣٧٥ وبه يتضح رجحان مذهب الشافعي في التخصيص بالأطعمة دون المکیلات؛ إذ لو دخله الحصر كانت الثياب والدواب أولى بالدخول، ولولا الملح لكان مذهب مالك أقوم المذاهب فيه؛ إذ خصصه بالأقوات لكن كل معنى رعاه الشرع يمكن أن يضبطه بحد وتحديد هذا كان ممكنًا بالقوت وبالمطعوم، فرأى الشرع التحديد بجنس المطعوم أولى بكل ما هو ضرورة للبقاء. انتهى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ٣١٤، ٣٢٠) والترمذي والبيهقي (ج ٥ ص ٢٨٤) وابن الجارود (ص ٢١٨، ٢١٩) والطبراني في ((الأوسط)) والبغوي (ج ٨ ص ٥٦) ولأبي داود والنسائي وابن ماجه والشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة نحوه، وفي آخره: وأمرنا أن نبيع البر بالشعير والشعير بالبر يدا بيد كيف شئنا. قال المجد ابن تيمية: وهو صريح في كون البر والشعير جنسين. انتھی . وقال الشوكاني: فيه تصريح كما قال المصنف بأن البر والشعير جنسان، وهو مذهب الجمهور، وحكي عن مالك والليث والأوزاعي أنهما جنس واحد وبه قال معظم علماء المدينة وهو محكي عن عمر وسعد وغيرهما من السلف وتمسكوا بقوله وَلخير: ((الطعام بالطعام)) كما في حديث معمر بن عبد الله عند أحمد ومسلم، ويجاب عنه بما في آخر الحديث من قوله: وكان طعامنا يومئذ الشعير، فإنه في حكم التقييد لهذا المطلق وأيضا التصريح بجواز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا كما في حديث عبادة، وكذلك عطف أحدهما على الآخر، كما في غيره من أحاديث الباب مما لا يبقى معه ارتياب في أنهما جنسان. انتهى. وسيأتي مزيد الكلام على ذلك في شرح حديث معمر الذي أشار إليه الشوكاني. ٣٧٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٢٨٣٢- [٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّهِ. ((الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالثَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدَا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ، أَوِ اسْتَزَادَ، فَقَدْ أَرْبَى، الْآَخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ)). [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] الشرح ٢٨٣٢ - قوله: (فَمَنْ زَادَ) في الدفع على مقدار المبيع الآخر من جنسه (أَوِ اسْتَزَادَ) أي: طلب الزيادة وأخذها (فَقَدْ أَرْبَى) أي: أوقع نفسه في الربا المحرم، وقال التوربشتي: أي: أتى الربا وتعاطاه، ومعنى اللفظ: أخذ أكثر مما أعطاه، من ربا الشيء يربو؛ إذا زاد. وقال السندي: أي أتى بالربا فصار عاصيًا، يريد أن الربا لا يتوقف على أخذ الزيادة بل يتحقق بإعطائها أيضا فكل من الآخذ والمعطي عاص. انتهى. وقال النووي: معناه فقد فعل الربا المحرم فدافع الزيادة وآخذها عاصيان مربيان (الآخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ) أي: في أصل إثم الربا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣ ص ٥٠، ٥٨، ٦٦) والبيهقي (ج ٥ ص ٢٧٨) وقوله: ((فمن زاد أو استزاد؛ فقد أربى)) قد وقع أيضا في حديث أبي هريرة وعبادة بن الصامت وشرحبيل بن سعد عن ابن عمر وأبي رافع عن أزواج النبي بَلآل، أما حديث أبي هريرة فأخرجه أحمد (ج ٢ ص ٢٣٢، ٤٣٧)، ومسلم والنسائي والبيهقي (ج ٥ ص ٢٨٢) وابن أبي شيبة (ج ٦ ص ١٥٧) وأما حديث عبادة، فأخرجه أحمد (ج ٥ ص ٣١٤) ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي والبيهقي. وأما حديث شرحبيل بن سعد فأخرجه أحمد (ج ٣ ص ٥٨) من طريق عاصم عن شرحبيل أن ابن عمر وأبا هريرة وأبا سعيد حدثوا أن النبي وَالر قال: ((الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلاً بمثل عينًا بعين، من زاد أو ازداد؛ فقد أربى)). فقال شرحبيل: إن لم أكن سمعته فقد أدخلني الله النار. وأورده الهيثمي (ج ٤ ص ١١٣، ١١٥) وقال: حديث أبي هريرة وأبي سعيد في الصحيح، ثم قال: رواه (٢٨٣٢) أخرجه مسلم (٨٢ - ١٥٨٤). كِتّابُ البُيُوع بَابُ الربا ٣٧٧ أي: الحديث المذكور أحمد قال: وشرحبيل بن سعد وثقة ابن حبان والجمهور على تضعيفه - انتهى . قلت: شرحبيل هذا قال في ((التقريب)) في ترجمته: صدوق اختلط بأخرة. وقال في ((تهذيب التهذيب)): حكى مضر بن محمد عن ابن معين أنه وثقه وقال: ذكره ابن حبان في ((الثقات)). وخرج ابن خزيمة وابن حبان حديثه في ((صحيحيهما)). انتهى. ولأبي يعلى من رواية عبد المؤمن عن ابن عمر بذكر الأشياء الستة، أورده الهيثمي (ج ٤ ص ١١٤) ثم قال: لم أعرف عبد المؤمن، وبقية رجاله ثقات وأما حديث أبي رافع عن أزواج النبي وه لر فأخرجه أيضا أحمد (ج ٥ ص ٢٧١). قال الهيثمي: (ج ٤ ص ١١٥): وفيه يحيى البكاء، وهو ضعيف. ٣٧٨ es ** * eese مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ ٢٨٣٣- [٤] وَعَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلِ، وَلاَ تُشِقُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا الوَرِقَ بِالوَرِقِ إِلَّ مِثْلًا بِمِثْلٍّ، وَلاَ تُشِفُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ)). [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] وَفِي رِوَايَةٍ: (لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ، إِلَّ وَزْنًا بِوَزٍْ». الشرح ٢٨٣٣- قوله: (لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ) أي إلا حال كونهما متماثلين أي: متساوين في الوزن (وَلاَ تُشِفَّوا) بضم التاء وكسر الشين المعجمة وتشديد الفاء من الإشفاف أي: لا تفضلوا، وهو تأكيد لما قبله، والشف بكسر الشين الزيادة ويطلق أيضا على النقصان، فهو من الأضداد، يقال: شف الدرهم بفتح الشين يشف بكسرهما؛ إذا زاد وإذا نقص وأشفه غيره يشفه (بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ) قال الطيبي: الضمير للذهب وقال الجوهري: الذهب معروف وربما أنث، والقطعة منه ذهبة. انتهى. وقال في ((المنتهى)): ربما أنث في اللغة الحجازية والقطعة منه ذهبة ويجمع على أذهاب وذهوب. وفي ((تهذيب الأزهري)): لا يجوز تأنيثه إلا أن يجعل جمعا لذهبة وفي ((الموعب)) عن صاحب ((العين)): الذهب: التبر، والقطعة منه: ذهبة يذكر ويؤنث، وعن ابن الأنباري الذهب - انتهى. وربما ذكر، وعن الفراء جمعه ذهبان ذكره العيني . وقال القاري: والأظهر أن التأنيث للجنس إشعارًا بأن أصناف الذهب لا يعتبر شرعا تمييزها، أو المعنى: لا تزيدوا في البيع بعض العين المبيعة التي هي الذهب على بعض. قال في ((شرح السنة)): في الحديث دليل على أنه لو باع حليًّا من ذهب يذهب لا يجوز إلا متساويين في الوزن ولا يجوز طلب الفضل للصنعة؛ لأنه يكون (٢٨٣٣) أخرجه البخاري (٢١٧٧)، ومسلم (٧٥ - ١٥٨٤). كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الربا ٣٧٩ بیع ذهب بذهب. (وَلاَ تَبِيعُوا الوَرِقَ بِالوَرِقِ) بكسر الراء فيهما أي: الفضة بالفضة. قال الحافظ : الورق الفضة وهو بفتح الواو وكسر الراء وبإسكانها على المشهور. ويجوز فتحهما، وقيل: بكسر الواو المضروبة وبفتحها المال، والمراد هنا جميع أنواع الفضة مضروبة وغير مضروبة (إِلَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ) كذا في رواية مالك عن نافع عن أبي سعيد، ووقع في رواية سهيل بن أبي صالحَ عن أبيه عن أبي سعيد عند مسلم: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء»، وذكر الوزن من أفراد مسلم، نبه عليه عبد الحق في كتابه ((الجمع بين الصحيحين)). قال النووي: قوله: ((وزنا بوزن ... )) إلخ. يحتمل أن يكون الجمع بين هذه الألفاظ توكيدا ومبالغة في الإيضاح. (وَلاَ تَبِيعُوا مِنْهَا) أي: من كل شيئًا (غَائِبًا) أي: غير حاضر (بِنَاجِزٍ) أي: حاضر من النجز، بالنون والجيم والزاي، يقال: نجز ينجز نجزًا؛ إذا حضر وأنجز الوعد أي أحضره. يعني فلا بد من التقابض في المجلس، وفيه أن الزيادة وإن قلت حرام؛ لأن الشفوف إنما يستعمل في الزيادة القليلة. ومنه شفافة الإناء وهو البقية القليلة من الماء. قال الشوكاني: قوله: ((لا تبيعوا منها غائبا بناجز)) أي: مؤجلا بحال، ويحتمل أن يراد بالغائب أعم من المؤجل كالغائب عن المجلس مطلقًا مؤجلاً كان أو حالًا، والناجز: الحاضر. قال ابن بطال: فيه حجة للشافعي في قوله: من كان له على رجل دراهم ولآخر عليه دنانير لم يجز أن يقاص أحدهما الآخر بماله؛ لأنه يدخل في معنى بيع الذهب بالورق دينا؛ لأنه إذا لم يجز غائب بناجز فأحرى أن لا يجوز غائب بغائب، انتهى. وبقول الشافعي قال أحمد كما جزم به ابن قدامة في ((المغني)) (ج ٤ ص ٤٦) قال: وحكى ابن عبد البر عن مالك وأبي حنيفة جوازه. انتهى. وحكى الأبي عن عياض أن الغائب ما كان لأجل أو غاب عن المجلس، والناجز: الحاضر، ولا خلاف في منع انعقاد بيع العين بالعين على هذا الوجه إلا في دينار في ذمة آخر صرفه الآن أو في دينار في ذمة وصرفه في ذمة آخر فيتقاصَّان معا فذهب مالك وأصحابه إلى جواز الصورتين بشرط حلول ما في الذمة وأن يتناجزا في المجلس، وأجاز أبو حنيفة وأصحابه الصورتين وإن لم يحل ما في الذمة فيهما وراعوا في ذلك براءة الذمم، وأجاز الشافعي وابن وهب وابن كنانة