Indexed OCR Text
Pages 261-280
SDE ٢٦٠ SERIES مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ * (إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَ الرَّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ) قال السندي: أي من المكسوب الحاصل بالجد والطلب ومباشرة الأسباب، ومال الولد من كسب الولد، فصار من كسب الإنسان بواسطة، فجاز له أكله، والفقهاء قیدوا ذلك بما إذا احتاج إلى مال الولد، فيجوز له الأخذ منه بقدر الحاجة. انتهى. وقال الطيبي: نفقة الوالدين على الولد واجبة؛ إذا كانا محتاجين عاجزين عن السعي عند الشافعي، وغيره لا يشترط ذلك - أي: العجز عن السعي - انتهى. وفي رواية أحمد (ج ٦ ص ١٢٦): ((ولد الرجل من أطيب كسبه؛ فكلوا من أموالهم هنيئًا)) وفي حديث جابر عند ابن ماجه والبزار والطحاوي بإسناد صحيح أن رجلا قال: يا رسول الله إن لي مالًا وولدًا وإن أبي يريد أن يجتاح مالي، فقال: ((أنت ومالك لأبيك). وهكذا وقع في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أحمد وأبي داود وابن ماجه وغيرهم. قال ابن رسلان: اللام للإباحة لا للتمليك؛ لأن مال الولد له وزکاته علیه وهو موروث عنه. وقال الخطابي: معناه: أنه إذا احتاج إلى مالك أخذ منك قدر الحاجة كما يأخذ من مال نفسه، وإذا لم يكن لك مال وكان لك كسب؛ لزمك أن تكتسب وتنفق عليه، فإما أن يكون أراد به إباحة ماله واعتراضه حتى يجتاحه ويأتي عليه لا على هذا الوجه فلا أعلم أحدًا من الفقهاء ذهب إليه. والله أعلم. انتهى. وقال ابن الهمام: ومما يقطع بأن الحديث يعني: ((أنت ومالك لأبيك)) مؤول أنه تعالى ورث الأب من ابنه السدس مع ولد ولده، فلو كان الكل ملكه لم يكن لغيره شيء مع وجوده، انتھی. وقال الترمذي بعد رواية حديث عائشة: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي وَلّ وغيرهم، قالوا: إن يد الوالد مبسوطة في مال ولده يأخذه ما شاء. وقال بعضهم: لا يأخذ من ماله إلا عند الحاجة إليه. انتهى. قلت: واستدل أهل القول الأول بحديثي عائشة وجابر وما روي في معناها من الأحاديث، قال الشوكاني بعد ذكرها: وبمجموع هذه الطرق ينتهز للاحتجاج، فيدل على أن الرجل مشارك لولده في ماله فيجوز له الأكل منه سواء أذن الولد أم لم يأذن، ويجوز له أيضًا أن يتصرف به كما يتصرف بماله ما لم يكن ذلك على وجه السرف والسفه. كِتّابَ البُيُوعِ بَابُ الْكِسْبِ وَطلبِ الْحَلَّالِ ٢٦١ وقد حكي في ((البحر)) الإجماع على أنه يجب على الوالد الموسر مؤنة الأبوين المعسرين. انتهى. قلت: واستدل لأهل القول الثاني أي: لمن اشترط الافتقار والاحتياج وأن لا يأخذ إلا بقدر الحاجة بما روى الحاكم وصححه وقرره الذهبي (ج ٢ ص ٢٨٤) والبيهقي (ج ٧ ص ٤٨٠) من طريق حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة مرفوعا: ((إن أولادكم هبة الله لكم يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور، فهم وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها)). وبما روي عن قيس بن أبي حازم قال: حضرت أبا بكر الصديق أتاه رجل فقال: يا خليفة رسول الله ◌َل، إن هذا يريد أن يأخذ مالي كله فيجتاحه، فقال له أبو بكر: ما تقول؟ قال: نعم، فقال أبو بكر: إنما لك من ماله ما يكفيك، فقال: يا خليفة رسول الله، أما قال رسول الله ◌َّل: ((أنت ومالك لأبيك؟)) فقال أبو بكر: ارضى بما رضي الله به. رواه الطبراني في ((الأوسط)) والبيهقي (ج ٧ ص ٤٨١) قال البيهقي بعد ذكر طرق حديث: ((أنت ومالك لأبيك)) وذكر طرق حديث عائشة: من زعم أن مال الولد لأبيه احتج بظاهر هذا الحديث، ومن زعم أن له من ماله ما يكفيه إذا احتاج إليه، فإذا استغنى عنه لم يكن للأب من ماله شيء، احتج بالأخبار التي وردت في تحريم مال الغير، وأنه لو مات وله ابن لم يكن للأب من ماله إلا السدس، ولو كان أبوه يملك مال ابنه لحازه كله. ويروى عن النبي ◌َّ أنه قال: ((كل أحد أحق بماله من والده وولده والناس أجمعين))، ثم روى البيهقي حديث قيس ابن أبي حازم الذي قدمناه. وقال ابن قدامة: وللأب أن يأخذ من مال ولده ما شاء ويمتلكه مع حاجة الأب إلى ما يأخذه ومع عدمها، صغيرًا كان الولد أو كبيرًا بشرطين: أحدهما: أن لا يجحف بالابن ولا يضر به، ولا يأخذ شيئًا تعلقت به حاجته. الثاني: أن لا يأخذ مال ولده فيعطيه الآخر نص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، وذلك؛ لأنه ممنوع من تخصيص بعض ولده بالعطية من مال نفسه، فلأن يمنع من تخصيصه بما أخذ من مال ولده الآخر أولى. وقد روى أن مسروقًا زوج ابنته بصداق عشرة آلاف، فأخذها وأنفقها في سبيل الله. وقال للزوج: جهز امرأتك. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: ليس له أن يأخذ من مال ولده إلا بقدر حاجته، لأن النبي وَلِّل قال: ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ یَوْمِكُمْ هَذَا، فِي ٢٦٢ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ iE شَهْرِكُمْ هَذَا)) متفق عليه. وروى الحسن أن النبي ◌َّ قال: ((كل أحد أحق بكسبه من والده وولده والناس أجمعين)). رواه سعيد في ((سننه))، وهذا نص. وروى أن النبي ◌َّ قال: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه))، رواه الدار قطني؛ ولأن ملك الابن تام على مال نفسه، فلم يجز انتزاعه منه کالذي تعلقت به حاجته. ولنا ما روت عائشة، فذكر حديثها الذي نحن في شرحه، وحديث عمرو بن شعيب الذي أشرنا إليه، ثم قال: وأما أحاديثهم، فأحاديثنا تخصها وتفسرها، فإن النبي ◌َّ جعل مال الابن مالًا لأبيه بقوله: ((أنت ومالك لأبيك))، فلا تنافي بينهما، وقوله: «أحق به من والده وولده)). مرسل، ثم هو يدل على ترجيح حقه على حقه لا على نفي الحق بالكلية، والولد أحق من الوالد بما تعلقت به حاجته - انتهى. قلت: وحديث عائشة عند الحاكم والبيهقي بزيادة ((إذا احتجتم إليه)). قال البيهقي فيه: قال الإمام أحمد: حديث: ((ولد الرجل من أطيب كسبه فكلوا من أموالهم)) رواه حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، وزاد فيه: إذا احتجتم إليه، وهو منكر. قاله أبو داود السجستاني. ثم نقل البيهقي عن عبد الله بن المبارك عن سفيان قال: حدثني به حماد، وهذا وهم منه، وأما حديث قيس بن حازم ففي إسناده المنذر بن زياد وهو ضعيف، قال الهيثمي: (ج ٤ ص ١٥٦) بعد عزوه للطبراني فيه المنذر بن زياد الطائي وهو متروك. وقال البيهقي: المنذر بن زياد ضعيف . (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في ((الأحكام)) من طريق الأعمش عن عمارة بن عمير عن عمته عن عائشة ثم قال: هذا حديث حس وقد روى بعضهم هذا عن عمارة بن عمير عن أمه عن عائشة وأكثرهم قالوا: عن عمته عن عائشة. (وَالنَّسَائِيُّ) في أول البيوع من طريق منصور بن المعتمر وإبراهيم النخعي عن عمارة عن عمته عن عائشة، ومن طريق إبراهيم عن الأسود بن يزيد عن عائشة، (وَابْنُ مَاجَه) في أول التجارات من طريق إبراهيم عن الأسود عن عائشة. وفي أواخر التجارات من طريق الأعمش عن عمارة عن عمته عن عائشة. والحديث رواه أبو داود في البيوع من طريق إبراهيم عن عمارة عن عمته، عنها. ثم من طريق الحكم بن عتيبة عن عمارة عن أمه، ثم قال: حماد بن أبي سليمان زاد فيه: ((إذا احتجم)) وهو منكر. انتهى. وأخرجه أيضا أحمد (ج ٦ ص ٣١، ٤١، ١٩٣، ٢٠١، ٢٢٠) من طريق إبراهيم عن عمارة عن كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْكِسْبِ وَطلبِ الْحَلَالِ ٢٦٣ ey عمته و (ص١٦٢، ١٧٣) من طريق الأعمش عن عمارة عن عمته و(ص ١٢٦، ٢٠٢) من طريق الحكم عن عمارة عن أمه، و (ض ٤٢، ٢٢٠) من طريق إبراهيم عن الأسود عن عائشة، وأخرجه أيضا الحاكم في البيوع (ج ٢ ص ٤٦) من طريق عمارة عن عمته عن عائشة، وفي ((التفسير)) (ج ٢ ص ٢٨٤)) من طريق الأسود بن يزيد عن عائشة، وكذا أخرجه ابن حبان والبيهقي من الطريقين. وصححه الحاكم في الموضعين وقرره الذهبي، وقد تقدم أن الترمذي حسنه، ونقل المنذري تحسينه وسكت عليه، وقال بعد ذكر طريق عمارة عن أمه عن عائشة: وقد أخرجه النسائي وابن ماجه من حديث إبراهيم النخعي عن الأسود بن يزيد عن عائشة، وهو حديث حسن. انتهى. ونقل السندي عن البوصيري أنه قال في ((الزوائد)): إسناده صحيح ورجاله ثقات. وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص٢٣٣): صححه أبو حاتم وأبو زرعة فيما نقله ابن أبي حاتم في ((العلل))، وأعله ابن القطان بأنه عن عمارة عن عمته، وتارة عن أمه وكلتاهما لا يعرفان. انتهى. والظاهر: أن الحديث لا ينحط عن درجة الحسن، كما قال الترمذي والمنذري، ويؤيده ما روي في الباب من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وجابر وسمرة وعمر وابن مسعود وابن عمر ذكرهم الشوكاني في ((النيل)) والهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (ج ٤ ص ١٥٤، ١٥٥)، وفي رواية: أبي داود والدارمي: ((إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه)) أخرجه الدارمي في أوائل البيوع من طريق منصور عن إبراهيم عن عمارة عن عمته عن عائشة بلفظ: ((إن أحق ما أكل الرجل من أطيب كسبه وإن ولده من أطیب کسبه)). ٢٦٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ *E ٢٧٩٦ - [١٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((لا يَكْسِبُ عَبْدٌ مَالَ حَرَامٍ فَيَتَصَدَّقُ مِنْهُ فَيُقْبَلُ مِنْهُ، وَلا يُنْفِقُ مِنْهُ فَيُبَارَكُ لَهُ فِيهِ، وَلا يَتْرُكُهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلََّ كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَِّّيِّ، وَلَكِنْ يَمْحُو السََِّّ بِالْحَسَنِ، إِنَّ الْخَبِيثَ لَا يَمْحُو الْخَبِيثَ)). [رَوَاهُ أَحَمَدُ، وَكَذَا فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)] الشرح ٢٧٩٦ - قوله: (لا يَكْسِبُ عَبْدٌ مَالَ حَرَام فَيَتَصَدَّقُ مِنْهُ) بالرفع عطف على يكسب (فَيُقْبَلُ مِنْهُ) بصيغة المجهول مرفوع أيضًا عطف على ((فيتصدق)) يعني: لا يوجد الكسب الحرام المستعقب للتصدق والقبول، ويحتمل النصب جوابا للنفي على تقدير ((أن)) أي: فلا يكون اجتماع الكسب والتصدق سببا للقبول (وَلا يُنْفِقُ مِنْهُ) قال القاري: بالرفع عطف على قوله: ((فيتصدق)) على تقدير المعطوف لا الانسحاب، وقوله: (فَيُبَارَكُ لَهُ فِيهِ) بصيغة المجهول منصوب على الجواب، وكذا قوله: (وَلا يَتْرُكُهُ) عطف على ((فيتصدق)) (خَلْفَ ظَهْرِهِ) كناية عن الموت (إِلا كَانَ) أي المتروك أو ذلك الكسب الحرام (زَادَهُ إِلَى النَّارِ) أي: حال كونه موصولًا إلى النار، لأنه لما عصى بجمع المال من وجه حرام ثم مات وتركه لورثته كان عليه إثمه إلى يوم القيامة. قال الطيبي: والحديث من التقسيم الحاصر؛ لأن من اكتسب المال إما أن يدخر للآخرة فيتصدق منه أو لا، والثاني: إما أن ينفق على نفسه وعياله أو لا. والثاني: هو ما يدخره لدنياه وأخذه كنزًا لنفسه فبين وَّ أن الحرام لا يجديه ولا ينفعه فيما قصده. وقيل في كون التقسيم المذكور حاصرًا: إن المال إما أن ينفق على الفقراء أو على النفس أو يدخر فجزاء الأول القبول وترتب الثواب، وفي الثاني التعيش والبركة في العيش، والادخار إن كان مع أداء الحق فهو داخل في القسم الأول أو لم يكن معه ففيه الوزر فقط، ولذا جاء بالحصر في قوله: ((إلا (٢٧٩٦) أخرجه أحمد (٣٨٧/١)، والبغوي في ((شرح السنة)) (١٠/٨)، وذكره الدار قطني في ((العلل)) (٢٦٩/٥)، وصحح وقفه. ٢٦٥ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْكَسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَّالِ کان زاده في النار)) . (إِنَّ اللَّهَ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ) معناه: أن التصدق والإنفاق من الحرام سيئ فلا يمحو الإثم الذي حصل من كسب الحرام، وفيه دفع لتوهم كون التصدق حسنًا وكون الإنفاق مباركًا مطلقًا. وقال القاري: قوله: ((إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ)) جملة مستأنفة لتعليل عدم القبول، والمعنى: أن التصدق بالمال الحرام سيئة، ولا يمحو الله الأعمال السيئات بالسيئات (وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ) أي: التصدق بالحلال، وفيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: الآية ١١٤] وهذه الجمل كلها مقدمة وتوطئة لقوله: (إِنَّ الْخَبِيثَ لَا يَمْحُو الْخَبِيثَ) أي: النجس لا يطهر النجس. بل الطهور ويطهره. وقال الطيبي: أي: المال الحرام لا يجدي، البتة فعبر عن عديم النفع بالخبيث، كذا في ((المرقاة)). (رَوَاهُ أَحمَدُ) الحديث المذكور طرف من حديث طويل رواه أحمد (ج ١ ص ٣٨٧) والبغوي (ج ٨ ص ١٠) من طريق أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، والصباح ابن محمد ضعفه ابن حبان جدًّا، وقال: كان يروي الموضوعات عن الثقات، وهو غلو. وقال العقيلي: في حديثه وهم ويرفع الموقوف، وقال الذهبي في ((الميزان)) (ج ١ ص ٤٦٢): رفع حديثين هما من قول ((عبد الله)) يعني: هذا الذي نحن في شرحه، والثاني حديث: ((استحيوا من الله حق الحياء ... )) إلخ. ثم قال الذهبي: قال ابن حبان: يروي الموضوعات وقد ذكره ابن أبي حاتم فقال: روى عنه أبان بن إسحاق الأسدي ولم يزد ولا تعرض له بجرح ولا تعديل. انتهى. والحديث أورده المنذري في ((الترغيب)) (ج ٢ ص ٢٣٨) وقال: رواه أحمد وغيره من طريق أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد وقد حسنها بعضهم وقال بعد ذكر حديث ((استحيوا من الله حق الحياء)) : رواه الترمذي وقال: غريب إنما نعرفه من حديث أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد. قال المنذري: أبان والصباح مختلف فيهما، وقد ضعف الصباح برفعه هذا الحديث، وصوابه عن ابن مسعود موقوفًا عليه. انتهى. وحديث الكتاب أورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (ج ١ ص ٥٣) وقال: رواه أحمد وإسناد بعضهم مستور وأكثرهم ثقات، وذكر نحوه بمعناه أيضًا عن ابن مسعود (ج ١٠ ص ٢٩٢) وقال: رواه البزار وفيه من لم أعرفهم. وعلق الحافظ ابن ٢٦٦ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ حجر على ذلك بخطه في نسخة الأصل من ((مجمع الزوائد)) المحفوظة بدار الكتب المصرية بقوله: ((كلهم معروفون والآفة من الصباح)). (وَكَذَا فِي ((شَرْح السُّنَّةِ))) أي: لصاحب المصابیح بإسناده (ج ٨ ص ١٠) قال المناوي: رواه المصنف - يعني: البغوي في ((شرح السنة)) من حديث الصباح بن محمد عن مرة الهمداني عن ابن مسعود یرفعه - ثم ذکر کلام ابن حبان فيه، وما ذكرنا من كلام الذهبي في ترجمته عن ((الميزان)). والحديث أخرجه أيضا البيهقي في ((الشعب)) والطبراني في ((الكبير)) وابن لال وابن النجار مختصرًا ومطولًا بألفاظ نحوه كما في ((كنز العمال)) (ج ٤ ص ١٠) وله شواهد من حديث أبي هريرة عند ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاکم (ج ١ ص ٣٩٠) ومن حديث ابن عباس عند الطبراني والبيهقي والحاكم، ومن حديث أبي الطفيل عند الطبراني، ومن حديث القاسم بن مخيمرة مرسلا عند أبي داود في المراسيل وابن المبارك وابن عساكر، من أحب الوقوف على ألفاظها رجع إلى ((الترغيب)) للمنذري (ج ٢ ص ٢٣٧) و((كنز العمال)) (ج ٤ ص ١٠). ٢٧٩٧ - [١٤] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنَ السُّحْتِ، وَكُلَّ لَهُمْ نَبَتَ مِنَ السُّحْتِ، كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ)). أَرَوَاهُ أَحَمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالبَنْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإِيمَانِ))] الشرح ٢٧٩٧ - قوله: (لَا يَدْخُلَ الْجَنَّةَ) هذا لفظ أحمد، وللدارمي: ((لن يدخل الجنة)) قال القاري: أي: دخولًا أوليًّا مع الناجين بل بعد عذاب بقدر أكله للحرام ما لم يعف عنه، أولا يدخل منازلها العلية، أو المراد أن لا يدخلها أبدا إن اعتقد حل الحرام وكان معلومًا من الدين بالضرورة. (٢٧٩٧) أخرجه أحمد (٣٩٩/٣)، والدارمي في ((السنن)) (٢٢٨١٨)، والبيهقي في ((الشعب)) (٧] ٥٠٦)، (٢٥/١٢). كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْكسبٍ وَطلبِ الْحَلَالِ ٢٦٧ (لَحْمٌ) أي: صاحب لحم (نَبَتَ مِنَ السُحْتِ) قال المنذري: بضم السين وإسكان الهاء وبضمها أيضًا هو الحرام، وقيل: هو الخبيث من المكاسب. وقال القاري: السحت: الحرام؛ لأنه يسحت البركة، أي: يذهبها، وأسند عدم دخول الجنة إلى اللحم لا إلى صاحبه؛ إشعارًا بالعلية وأنه خبيث لا يصلح أن يدخل الطيب؛ لأن الخبيث للخبيث؛ ولذا أتبعه بقوله: (وَكُلُّ لَحْمٌ نَبَتَ مِنَ السُّحْتِ، كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ) أي: من الجنة لتطهره النار من ذلك بإحراقها إياه، وهذا على ظاهر الاستحقاق، أما إذا تاب أو غفر له من غير توبة وأرضى خصومه أو نالته شفاعة شفيع، فهو خارج من هذا الوعيد، وفي الحديث الترهيب من أكل الحرام. (رَوَاهُ أَحمَدُ) هو قطعة من حديث طويل رواه أحمد (ج ٣ ص ٣٢١، ٣٩٩) (وَالدَّارِمِيُّ) في الرقاق. (وَالبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))) وأخرجه أيضا ابن حبان في ((صحيحه)) في حديث والبغوي في ((شرح السنة)) (ج ٨ ص ٩)، وسياق الحديث الذي ذكره المصنف تبعا للبغوي ليس لأحمد ولا للدارمي، فلفظ أحمد (ج ٣ ص ٣٢١): ((لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به)) و(ص ٣٩٩) ((لا يدخل الجنة من نبت لحمه من سحت، النار أولى به))، ولفظ الدارمي: ((لن يدخل الجنة لحم نبت من سحت)) وفي الباب عن كعب بن عجرة، رواه الترمذي في أواخر الصلاة وابن حبان في ((صحيحه))، في حديث ولفظ الترمذي: ((يا كعب بن عجرة إنه لا يربو لحم نبت من سحت؛ إلا كانت النار أولى به)). وعن عقبة بن عامر عند البيهقي في ((الشعب)) كما في ((الكنز))، وعن أبي بكر كما سيأتي في الفصل الثالث، وعن حذيفة عند الطبراني في ((الأوسط))، وعن ابن عباس عند الطبراني في ((الكبير)). ٢٦٨ مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ٢٧٩٨ - [١٥] وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَه: ((دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَّا لَا يَرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الكَذِبَ [ْرَوَاهُ أَحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ الفَصْلَ الْأَوَّلَ] رِيبٌ)). الشرح ٢٧٩٨ - قوله: (وعن الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) سبط رسول الله بَِّ (قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ و ◌َ(1) روى هذا الحديث أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم من طريق أبي الحوراء السعدي، قال: قلت للحسن بن علي رَضَِّهُ: ما حفظت من رسول الله وَلَه؟ قال: حفظتُ منه: ((دع ما يريبك ... )) إلخ. ولفظ أحمد: ((قال: قلت للحسن بن علي: ما تذكر من رسول الله وَليه؟ قال: أذكر أني أخذت تمرة من تمر الصدقة فألقيتها في فمي، فانتزعها رسول الله وَ ل بلعابها، فألقاها في التمر، فقال له رجل: ما عليك لو أكل هذه التمرة فقيل: وفي رواية، فقيل: يا رسول الله وَلخيرله ما كان عليك من هذه التمرة لهذا الصبي؟ قال: ((إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة)) قال: وكان يقول: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ... )) الحديث. وفيه قال: وكان يعلمنا هذا الدعاء، ((اللهم اهدني فيمن هديت ... )» إلخ. (دَعْ) أي: اترك (مَا يَرِيبُكَ) بفتح الياء وضمها والفتح أشهر وأفصح، والريب: الشك. قال الحافظ: يريبك بفتح أوله ويجوز الضم، يقال: رابه يريبه بالفتح، وأرابه يريبه بالضم ريبة وهي الشك والتردد، والمعنى: إذا شككت في شيء فدعه. وترك ما يشك فيه أصل عظيم في الورع، وقد روى الترمذي من حديث عطية السعدي مرفوعًا: ((لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به البأس)). انتهى. (إِلَى مَا لَا يَرِيبُك) قال المناوي: أي: اترك ما تشك في كونه حسنًا أو قبيحًا أو حلالا أو حرامًا وأعدل إلى ما لا تشك فيه يعني ما تيقنت حسنه وحله لما سبق: ((أن (٢٧٩٨) أخرجه أحمد (٢٠٠/١)، والترمذي (٢٥١٨)، والنسائي (٥٢٠١)، وابن حبان (٢٣٤٨)، والحاكم (٧٠٤٦). ٢٦٩ كِتّاب البُيُوعِ بَابُ الْكِسْبٍ وَطلبِ الْحَلَالِ من اتقى الشبهات، فقد استبرأ لعرضه ودينه)). وقال التوربشتي: أي: دع ما اعترض لك الشك فيه منقلبًا عنه إلى ما لا شك فيه، يقال: دع ذلك إلى ذلك أي: استبدله به. انتهى. قال القاري: والمعنى: اترك ما تشك فيه من الأقوال والأعمال أنه منهي عنه أولا أو سنة أو بدعة واعدل إلى ما لا تشك فيه منهما، والمقصود: أن يبني المكلف أمره على اليقين البحث، والتحقيق الصرف، ويكون على بصيرة في دينه. انتهى. وقال المناوي: في هذا الحديث وما في معناه عموم يقتضي أن الريبة تقع في العبادات والمعاملات وسائر أبواب الأحكام وأن ترك الريبة في ذلك كله ورع. قال الخطابي: كل ما شكَّكْتَ فيه فالورع اجتنابه، ثم هو على ثلاثة أقسام: واجب، ومستحب، ومكروه، فالواجب: اجتناب ما يستلزمه ارتكاب المحرم، والمندوب: اجتناب معاملة من أكثر ماله حرام، والمكروه: اجتناب الرخص المشروعة على سبيل التنطع، ذكره الحافظ في ((الفتح)). ((فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ) بضم الطاء وسكون الهمزة بعد الميم وكسر النون بعدها تحتية فنون مفتوحة، أي: إن الصدق يطمئن إليه القلب ويسكن، وفيه إضمار أي: محل طمأنينة أو سبب طمأنينة (وَإِنَّ الكَذِبَ) بفتح الكاف وكسر الذال ويحتمل أن يكون بكسر الكاف وسكون الذال (رِيبَةٌ) بكسر الراء وحقيقتها: قلق النفس واضطرابها، فإن كون الأمر مشكوكًا فيه مما يقلق له النفس، وكونه صحيحًا صادقًا مما تطمئن له. قال التوربشتي: جاء هذا القول ممهدًا لما تقدمه من الكلام. ومعناه إذا وجدت نفسك ترتاب في الشيء فاتركه، فإن نفس المؤمن تطمئن إلى الصدق وترتاب من الكذب، فارتيابك في الشيء منبئ عن كونه باطلًا أو مظنة للباطل فاحذره، واطمئنانك إلى الشيء مشعر بكونه حقًّا فاستمسك به، والصدق والكذب يستعملان في المقال والفعال وما يحق أو يبطل من الاعتقاد، وهذا مخصوص بذوي النفوس الشريفة القدسية المطهرة من أوضار الذنوب وأوساخ الآثام. انتهى. وقال ابن رجب: قوله: إن الصدق طمأنينة ... إلخ، يشير إلى أنه لا ينبغي الاعتماد على قول كل قائل كما قال في حديث وابصة الآتي ((وإن أفتاك الناس)) وإنما يعتمد على قول من يقول الصدق، وعلامة الصدق أن تطمئن به القلوب، وعلامة الكذب أنه تحصل به الريبة، فلا تسكن القلوب إليه بل تنفر منه، ولفظ ابن حبان: ((فَإِنَّ الخَيْرَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الشَّرَّ رِيبةٌ)) يعني أن الخير تطمئن به القلوب والشر ٢٧٠ مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ ترتاب به ولا تطمئن إليه. وفي هذا إشارة إلى الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه. قال ابن رجب: ومعنى الحديث يرجع إلى الوقوف عند الشبهات واتقائها. فإن الحلال المحض لا يحصل لمؤمن في قلبه منه ريب، والريب بمعنى القلق والاضطراب، بل تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب. وأما المشتبهات فيحصل بها للقلوب القلق والاضطراب الموجب للشك. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) (ج ١ ص ٢٠٠) في حديث طويل فيه ذكر القنوت كما تقدم (وَالتِّرْ مِذِيُّ) في أواخر الزهد. وقال: وفي الحديث قصة (وَالنَّسَائِيُّ) في أواخر الأشربة (وَرَوَى الدَّارِمِيُّ) في أول البيوع (الفَصْلَ الأَوَّلَ) أي: الجملة الأولى فقط وهي ((دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ))، قال القاري: وسماه فصلًا؛ لأن الأخير مفرع والأول مفرع عليه فصار كالفصلين من الكلام، وإن كان بينهما ارتباط تام. انتهى. والحديث صححه الترمذي وأخرجه أيضًا ابن حبان في ((صحيحه)) وعبد الرزاق (ج ٣ ص ١١٧) والحاكم (ج ٢ ص ١٣) والبيهقي (ج ٥ ص ٣٣٥) والبغوي (ج ٨ ص ١٦ - ١٧) وصححه الحاكم وأقره الذهبي، وفي الباب عن أنس عند أحمد، وعن ابن عمر عند الطبراني في ((الصغير))، وكذا روى من حديث أبي هريرة وواثلة بن الأسقع، وزاد في حديثه فقيل له: فَمَنِ الْوَرِعْ؟ قال: الذي يقف عند الشبهة. قال ابن رجب: وقد روي نحو هذا الكلام، أي: ((دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ)) موقوفًا على جماعة من الصحابة منهم عمر وابن عمر وأبو الدرداء. كِتّابُ البُيَّوعِ بَاب الْكِسْبٍ وَطلبِ الْحَلَالِ ٢٧١ ٢٧٩٩ - [١٦] وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلَ قَالَ: ((يَا وَابِصَةُ، جِئْتَ تسألُ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْم؟)) قُلْتُ: نَعَمْ، قال: فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ فَضَرَبَ بِهَا صَدْرَه، وَقَالَّ: ((اسْتَفْتِ نَفْسَكَ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، ثلاثًا. الْبِرُّ مَا اْمَأَنَتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاَكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَقْتَ النَّاسُ)». [رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ] الشرح ٢٧٩٩ - قوله: (وَعَنْ وَابِصَةَ) بكسر الموحدة فصاد مهملة (بْنِ مَعْبَدٍ) بفتح الميم وإسكان العين المهملة وفتح الموحدة الأسدي صحابي أسلم سنة تسع تقدم ترجمته (ج ٢ ص ٢٢) وقد كان كثير البكاء لا يملك دمعته، توفي بالرقة، وكان له بها عقب من ولده عبد الرحمن بن صخر قاضي الرقة أيام هارون الرشيد أن رسول الله ◌َّه قال: (يَا وَابِصَةُ، جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْم؟) البر بكسر الموحدة أي: الفعل المرضي الذي هو في تزكية النفس كالبر في تغذية البدن وضده الفجور والإثم ولذا قابله به، وهو بهذا المعنى عبارة عما اقتضاه الشارع وجوبًا أو ندبًا، والإِثم ما ينهى عنه (قُلْتُ: نَعَمْ) أي: قال وابصة: قلت: نعم، والسياق المذكور في الكتاب للدارمي، رواه هكذا مختصرًا من طريق حماد بن سلمة عن الزبير بن عبد السلام عن أيوب بن عبد الله بن مكرز عن وابصة بن معبد، ورواه أحمد (ج ٤ ص ٢٢٨) من هذا الطريق مطولًا بلفظ قال: أتيت رسول الله وَله وأنا أريد أن لا أدع شيئًا من البر والإثم إلا سألته عنه، وإذا عنده جمع، وفي رواية: وحوله عصابة من المسلمين يستفتونه. فذهبت أتخطى، فقالوا: إليك يا وابصة عن رسول الله مَلآ ، إليك يا وابصة، فقلت: دعوني أدنو منه، فإنه من أحب الناس إلى أن أدنو منه، فقال لي: ((ادْنُ يَا وَابِصَةُ، ادْنُ يَا وَابِصَةُ)) ، فدنوت منه حتى مست ركبتي ركبته، فقال: (يَا وَابِصَةُ أُخْبِرُكَ مَا جِئْتَ تَسْأَلُ عَنْهُ - أَوْ تَسْأَلَنِي)) فقلت: يا رسول الله، فأخبرني قال: ((جِئْتَ تَسْأَلَنِي ... )) قلت: نعم، وفي رواية أخرى لأحمد مختصرة (٢٧٩٩) أخرجه أحمد (٢٢٨/٤)، والدارمي (٢٥٧٥). ٢٧٢ *** ENE مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ * فقلت: والذي بعثك بالحق ما جئتك أسألك عن غيره. وهذا من دلائل النبوة، لأنه أخبره عما أضمر قبل أن يتكلم به. قال التوربشتي: هذا الحديث يدخل في أعلام النبوة لأن وابصة أتاه وقد أَسَرَّ في نفسه أن يسأله عن ذلك فلم يلبث أن قال: ((جِئْتَ تَسْأَلُ ... )) الحديث. (قال) أي: وابصة (فجمع) أي: النبي ◌ّ (أصابعه) أي: أصابع يده (فضرب بها صدره) ضمير صدره يرجع إلى وابصة على طريق الالتفات. قال الطيبي: ويجوز أن يكون قوله: ((قال)) من كلام الراوي غير وابصة وهو أولى بسياق المعنى انتهى. قلت: لفظ أحمد في رواية: فجمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها في صدري ويقول: ((يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ ... )) إلخ. وفي أخرى له أيضا: فجمع أنامله فجعل ينكت بهن في صدري ويقول: ((يا وابصة ... )) إلخ. قال ابن الملك: أي: وضعها عليه. ليبين أن القلب في الصدر - يعني بإزائه وجانبه من الشق الأيسر - وليحصل له بمماسة اليد الكريمة التهيؤ التام لفهم الكلام في ذلك المقام. انتهى. (وَقَالَ: اسْتَفْتِ نَفْسَكَ) أي: النفس المطمئنة الموهوبة نورا يفرق بين الحق والباطل والصدق والكذب؛ إذ الخطاب لوابصة وهو يتصف بذلك (اسْتَفْتِ قَلْبَكَ) أي: عول على ما فيه؛ لأن للنفس شعورًا بما تحمد عاقبته أو تذم (ثلاثًا) ظرف لـ((قال)) تأكيدًا، وفي رواية لأحمد ثلاث مرات. قال حجة الإسلام: ولم يرد كل أحد لفتوى نفسه، وإنما ذلك لوابصة في واقعة تخصه. قال بعض العلماء: وبفرض العموم فالكلام فیمن شرح الله صدره بنور الیقین فأفتاه غيره بمجرد حدس أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي وإلا لزمته اتباعه وإن لم ينشرح له صدره، وسيأتي مزيد الكلام على ذلك. (الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاَ فِي النَّفْسِ) أي: أثر فيها ورسخ، من حاك يحيك، والحيك: أخذ القول في القلب، يقال: ما يحيك فيه الملام إذا لم يؤثر فيه، وقيل: أي تحرك فيها وتردد ولم ينشرح له الصدر وحصل في القلب منه الشك وخوف كونه ذنبًا. ويحتمل أن يكون ((حاك)) بكاف مشددة، ويؤيده ما وقع في بعض الرويات. الإثم ما حك في الصدر، يقال: حك الشيء في نفسي إذا لم تكن منشرح الصدر به، وكان في قلبك منه شيء من الشك ٢٧٣ كِتّابُ البُيُوع بَابُ الْكِسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ والريب وأوهمك أنه ذنب وخطيئة، وهذا معنى قوله: (وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ) أي: ولم ينشرح له، (وَإِنْ أَفْتَ) أي عنه كما في رواية لأحمد: (النَّاسُ) وفي الدارمي بعده ((وَأَفْتَوْلَكَ)) وكذا وقع في رواية لأحمد وهو بفتح التاء وسكون الواو تأكيد لـ(أفتاك))، وهو جملة شرطية قطعت عن الجزاء؛ تتميما للكلام السابق وتقريرًا له على سبيل المبالغة، والمعنى: وإن أفتاك الناس بخلافه؛ لأنهم إنما يَطَّلِعُونَ على الظواهر. قال ابن رجب في ((شرح الأربعين)): دل حديث وابصة وما في معناه على الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه فما سكن إليه القلب وانشرح إليه الصدر فهو البر والحلال، وما كان خلاف ذلك فهو الإثم والحِرام، وقوله في حديث النواس بن سمعان: ((الإِثْمُ مَا حَالَ فِي الصَّدْرِ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ النَّاسُ عَلَيْهِ) إشارة إلى أن الإثم ما أثر في الصدر حرجًا وضيقًا وقلقًا واضطرابًا فلم ينشرح له الصدر ومع هذا فهو عند الناس مستنكر بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإِثم عند الاشتباه، وهو ما استنكر الناس فاعله وغير فاعله، وقوله في حديث وابصة وأبي ثعلبة عند أحمد: ((وَإِنْ أَفْتََكَ المُفْتُونَ)) يعني: أن ما حاك في صدر الإنسان، فهو إثم وإن أفتاه غيره بأنه ليس بإثم. فهذه مرتبة ثانية، وهو أن يكون الشيء مستنكرًا عند فاعله دون غيره، وقد جعله أيضا إثما، وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شرح صدره للإيمان وكان المفتي يفتي بمجرد ظن أو ميل إلى هوئٍّ من غير دليل شرعي فأما ما كان مع المفتي به دليل شرعي فالواجب على المستفتي الرجوع إليه، وإن لم ينشرح له صدره، إلى آخر ما قال. وقال القاضي: معنى الحديث أن الشيء إذا أشكل على السالك والتبس ولم يتبين أنه من أي القبيلين هو، فليتأمل فيه إن كان من أهل الاجتهاد وليسأل المجتهدين إن كان من المقلدين، فإن وجد ما يسكن إليه نفسه ويطمئن به قلبه وينشرح به صدره فليأخذ به وليختره لنفسه وإلا فليدعه وليأخذ بما لا شبهة فيه ولا ريبة، وهذا طريقة الورع والاحتياط وحاصله: راجع إلى حديث الحسن بن علي ها، ولعله عطف إطمئنان القلب على إطمئنان النفس للتقرير والتأكيد، فإن النفس إذا ترددت في أمر وتحيرت فيه وزال عنها القرار استتبع ذلك خفقانًا للقلب للعلاقة التي بينها وبين القلب الذي هو المتعلق الأول لها فتنقل العلاقة إليه من تلك الهيئة أثرًا فيحدث فيه خفقان واضطراب ثم يسري هذا الأثر إلى سائر القوى، EECH ٢٧٤ مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ فتحس بها الحلال والحرام، فإذا زال ذلك عن النفس وحدث لها قرار وطمأنينة؛ انعكس الأمر وتبدلت الحال على ما لها من الفروع والأعضاء. وقيل: المعني بهذا الأمر أرباب البصائر من أهل النظر والفكر المستقيمة وأصحاب الفراسات من ذوي النفوس المرتاضة والقلوب السليمة، فإن نفوسهم بالطبع تصبو إلى الخير وتنبو عن الشر فإن الشيء ينجذب إلى ما يلائمه وينفر عما يخالفه ويكون ملهمة في أكثر الأحوال. انتهى. وقال التوربشتي: قد رأى بعض أهل النظر أن الإمارة التي أشار إليها رسول الله وَلّة للتمييز بين الأمرين ليست من جملة ما يدخل في حكم العموم بل هو شيء يختص بأهل النظر وأصحاب الفراسات من ذوي القلوب السليمة والنفوس المرتاضة، وهذا القول وإن كان غير مستبعد، فإن القول بحمله على العموم فيمن يجمعهم كلمة التقوى وتحيط بهم دائرة الدين أحق وأهدى، ولا ضرورة بنا إلى صرف قوله إلى الخصوص، ونحن نجد لحمله على العموم مساغًا، وقد روى هذا الحديث بمعناه غير واحد من الصحابة، منهم النواس بن سمعان عند مسلم والترمذي مرفوعًا: ((الِإِثْمُ مَا حَاَكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعِ النَّاسُ عَلَيْهِ)). فنقول قد تحقق لنا من جواب النبي ◌َّ أن وابصة لم يسأله عن أمر تبين رشده ولا عن أمر تبين غيه؛ إذ لم يكن له في الحق الواضح والباطل الجلي أن يعدل عن قول المفتي إلى استفتاء قلبه ونفسه، وإنما سأله عما أشكل عليه من الأمرين واشتبه عليه من النوعين، فأحاله على الأخذ بما هو عن الاشتباه بمعزل، وذلك لأن اطمئنان قلب المؤمن ونفسه إنما يكون بزوال التردد عنهما، والمؤمن إذا أخبر بالأمر المجمع عليه عن الله وعن رسوله فمن حق الإيمان أن يطمئن كل الطمأنينة، وإذا أخبر بالأمر المختلف فيه لمعنى يوجب الاختلاف فمن حق الورع أن يأخذ منهما بما هو أقوى وأتقى فذلك الذي يزيل التردد عنه فيطمئن إليه، وإذا لم يجد إلى ذلك سبيلاً لاستواء الأمرين، فالترك أولى به وإن أفتاه الناس، فمعنى قوله: ((اسْتَفْتٍ قَلْبَكَ، اسْتَفْتِ نَفْسَكَ)) أي: اختر لنفسك ما تطمئن إليه لزوال الشبهة وانفصال التردد عنه، ولا ترض برخصة تعدل بك عن اليقين إلى الشك وإن أفتاك المفتون، وهذا القول راجع في المراد منه إلى ما يرجع إليه حديث الحسن بن علي ◌ًا . انتهى. ٢٧٥ كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْكسبٍ وَطَلَبِ الْحَلَالِ تنبيه: فسر البر بمعانٍ شتى، ففي حديث وابصة وغيره فسر بما اطمأنت إليه النفس والقلب، وفي حديث النواس بن سمعان بحسن الخلق، وفسر في موضع بالإِيمان، وفسر الإيمان بما ذكر في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِلَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْآَخِ﴾ [البقرة: الآية ١٧٧] فالبر بهذا المعنى يدخل فيه جميع الطاعات الباطنة كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والطاعات الظاهرة كإنفاق الأموال فيما يحبه الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهد والصبر على الأقدار كالمرض والفقر، وعلى الطاعات كالصبر على لقاء العدو، وقد يكون جواب النبي وَّليل في حديث النواس ابن سمعان شاملا لهذه الخصال كلها؛ لأن حسن الخلق قد يراد به التخلق بأخلاق الشريعة والتأدب بآداب الله التي أدب بها عباده في كتابه، كما قال لرسوله وَله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القَلَم: الآية٤] وقالت عائشة مَّا: كان خلقه وَِّ القرآن، يعني أنه يتأدب بآدابه فيفعل أوامره ويتجنب نواهيه، فصار العمل بالقرآن له خُلُقًا كالجبلة والطبيعة لا يفارقه (رَوَاهُ أَحمَدُ) مختصرًا (ج ٤ ص ٢٢٧)، ومطولًا (ج٤: ص ٢٢٨) (وَالدَّارِمِيُّ) في أول البيوع وأخرجه أيضا البزار والطبراني في ((الكبير)). والحديث حسنه النووي في ((رياض الصالحين)) والمنذري في ((الترغيب))، وفي الباب عن أبي أمامة، أخرجه أحمد وابن حبان في (صحيحه)) والحاكم، وعن النواس بن سمعان أخرجه مسلم والبخاري في ((الأدب المفرد)) والترمذي والحاكم، وعن أبي ثعلبة أخرجه أحمد بإسناد جيد، وعن واثلة بن الأسقع، أخرجه الطبراني بإسناد ضعيف. ٢٧٦ * مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ se ٢٨٠٠ - [١٧] وعَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَةَ: ((لَا ◌َبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ، حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ؛ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ)). [رَوَاهُ الِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه] الشرح ٢٨٠٠ - قوله: (وعَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ) هو عطية بن عروة، وقيل: ابن عمرو، وقيل: ابن سعد، وقيل: ابن قيس السعدي من بني سعد بن بكر، وقيل: من بني جشم بن سعد، صحابي معروف له ثلاثة أحادیث، نزل الشام. روی عنه ابنه محمد وربيعة بن يزيد الدمشقي وعطية بن قيس. وجزم ابن حبان بأنه عطية بن عروة بن سعد، ووقع عند الطبراني في ((الكبير)) والحاكم عطية بن سعد، كأنه نسبه إلى جده . (لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ) أي: لا يصل (أَنْ يَكُونَ) أي كونه (مِنَ الْمُتَّقِينَ) قال الطيبي: قوله: ((أن يكون)) ظرف ((يبلغ)) على تقدير مضاف، أي: درجة المتقين، ولفظ الحاكم: ((إن الرجل لا يكون من المتقين)). (حَتَّى يَدَعَ) أي: يترك (حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ) مفعول له، أي: خوفًا من أن يقع فيما فيه بأس، أو حتى لا يعتاد المستلذات من الحلال؛ خوفًا من إفضاء ذلك إلى الحرام إذا لم يتيسر الحلال بسبب غلبة العادة. وقال المناوي: أي: حتى يترك فضول الحلال حذرًا من الوقوع في الحرام. قال الغزالي: الاشتغال بفضول الحلال والانهماك فيه يجر إلى الحرام ومحض العصيان شره النفس وطغيانها وتمرد الهوى وطغيانه، فمن أراد أن يأمن الضرر في دينه اجتنب الخطر فامتنع عن فضول الحلال حذرا أن يجره إلى محض الحرام فالتقوى البالغة الجامعة لكل ما لا ضرر فيه للدين. وقال الطيبي: إنما جعل المتقي من يدع ذلك لذلك؛ لأن المتقي لغة: اسم فاعل من وقاه فاتقى، والوقاية: فرط الصيانة. ومنه فرس واق، أي: (٢٨٠٠) أخرجه الترمذي (٢٤٥١)، وابن ماجه (٤٢١٥)، وابن أبي شيبة (٥٩١). كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْكِسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ ٢٧٧ يقي حافره أن يصيبه أدنى شيء من بوله، وشرعًا: من يقي نفسه تعاطي ما يستوجب العقوبة من فعل أو ترك، والتقوى على ثلاث مراتب: الأولى: التوقي عن العذاب المخلد بالتبري من الشرك، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْزَّمَهُمْ كَلِمَةَ النَّقْوَى﴾ [الفَتْحِ: الآية ٢٦] الثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر، وهو المتعارف بالتقوى في الشرع والمعني بقوله رَك: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىَ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ﴾ [الأعراف: الآية ٩٦] الثالثة: أن يتنزه عما يشغل سره عن ربه ويقبل بشراشره إليه، وهي التقوى الحقيقية المطلوبة بقوله تعالى: ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: الآية ١٠٢] والمرتبة الثانية هي المقصودة بالحديث، ويجوز تنزيله على الثالثة أيضًا. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في أواخر الزهد (وَابْنُ مَاجَه) في ((الزهد))، وأخرجه أيضا الحاكم (ج ٤ ص ٣١٩) والبيهقي (ج ٥ ص ٣٣٥) كلهم من رواية عبد الله بن يزيد الدمشقي عن ربيعة بن يزيد وعطية بن قيس عن عطية السعدي. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، ونقل المنذري تصحيح الحاكم وسکت علیه . ٢٨٠١ - [١٨] وَعَنْ أَنَس، قَالَ: ((لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ فِي الخَمْرِ عَشَرَةً: عَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِّبَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا، وَالمُشْتَرِي لَهَا، وَالمُشْتَرَى لَهُ)). [رواه الترمذي، وابن ماجه] الشرح ٢٨٠١ - قوله: (فِي الخَمْرِ) ظرفية مجازية أو تعليلية، أي: في شأنها أو لأجلها (عَشَرَةً) أي: عشرة أشخاص (عَاصِرَهَا) بالنصب بدلًا عن المفعول به وهو من يعصرها بنفسه لنفسه أو لغيره (وَمُعْتَصِرَهَا) أي: من يطلب عصرها لنفسه أو لغيره (وَالمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ) أي: من يطلب أن يحمله أحد إليه. قال القاري: وأصله المحمولة هي إليه، وحذف إعلام بجواز حذفه عند عدم الالتباس (وَبَائِعَهَا) أي : عاقدها ولو كان وكيلاً أو دلالًا (وَآكِلَ ثَمَنِهَا) بالمد أي: متناوله بأي وجه كان، (٢٨٠١) أخرجه الترمذي (١٢٩٥)، وابن ماجه (٣٣٨١)، والبزار (٧٥١٦)، والطبراني (١٣٥٥). ٢٧٨ gers مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ وخص الأكل؛ لأنه أغلب وجوه الانتفاع (وَالمُشْتَرِي) أي: للشرب أو التجارة بالوكالة وغيرها (لَهَا) أي: للخمر. قال القاري: و((اللام)» للتعدية أو زائدة في المفعول للتقوية (وَالمُشْتَرَى لَهُ) بصيغة اسم المفعول، أي: الذي اشترى له بالوكالة. قال القاري: والظاهر أن يقال: والمشتراة له لكن حذف التاء من المشتراة له لغة على ما في ((التسهيل)) وغيره، ويحتمل أن يكون تذكير الضمير للخمر باعتبار مرادفها وهو العقار أو الراح أو المدام، وهو باعتبار معناها وهو المشروب، وقيل: تذكير الخمر لغة. انتهى. قلت: قوله: ((المشترى له)) هکذا وقع بالتذكير في جميع نسخ ((المشكاة)) الموجودة عندنا، وكذا ذكره المنذري في ((الترغيب)) والحافظ في ((التلخيص))، والظاهر أنه من خطأ الناسخ، فإن لفظ ((المصابيح)) المشتراة له أي بصيغة التأنيث على ما هو الأصل، وكذا في ((المنتقى)) للمجد وهكذا وقع في الترمذي، ولفظ ابن ماجه: ((والمبيوعة له))، قال الطيبي: لعن من سعى فيها سعيا ما على ما عدد من العصر والمعتصر وما أردفهما، وإنما أطنب فيه؛ ليستوعب من زاولها مزاولة ما بأي وجه کان، قال: ومن باع العنب من العاصر، فأخذ ثمنه، فهو أحق باللعن. انتهى. وترجم المجد في ((المنتقى)) لحديث أنس هذا وحديث ابن عمر الذي يليه باب تحريم بيع العصير ممن يتخذه خمرًا، وكل بيع أعانه على معصية . قال الشوكاني في ((النيل)): قد استدل المصنف بحديثي الباب على تحريم بيع العصير ممن يتخذه خمرًا، وتحريم كل بيع أعان على معصية قياسًا على ذلك، وليس في الحديثين تعرض لتحريم بيع العنب ونحوه ممن يتخذه خمرًا؛ لأن المراد بلعن بائعها وآكل ثمنها بائع الخمر وآكل ثمن الخمر، وكذلك بقية الضمائر المذكورة هي للخمر ولو مجازًّا، كما في ((عاصرها ومعتصرها)) فإنه يؤول المعصور للخمر. والذي يدل على تحريم بيع العنب ممن يتخذه خمرًا حديث بريدة عند الطبراني في ((الأوسط)) بلفظ: ((من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يتخذه خمرًا، فقد تقحم النار على بصيرة)) حسنه الحافظ في ((بلوغ المرام)) وأخرجه البيهقي بزيادة: ((أو ممن يعلم أن يتخذه خمرًا» وذلك لترتيب الوعيد الشديد على من باع العنب إلى من يتخذه خمرًا، ولكن قوله: كِتّابُ البُيُوعِ بَابُ الْكَسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ ٢٧٩ ((حبس)) وقوله: ((أو ممن يعلم أن يتخذه خمرًا)) يدلان على اعتبار القصد والتعمد للبيع إلى من يتخذه خمرا، ولا خلاف في التحريم مع ذلك، وأما مع عدمه فذهب جماعة من أهل العلم إلى جوازه مع الكراهة ما لم يعلم أنه يتخذه لذلك، ولكن الظاهر أن البيع من اليهودي والنصراني لا يجوز؛ لأنه مظنة لجعل العنب خمرًا، ويؤيد المنع من البيع مع ظن استعمال المبيع في معصية ما أخرجه الترمذي من حديث أبي أمامة في النهي عن بيع القينات المغنيات واشترائهن. انتهى. قال ابن العربي: قد لعن المصطفى وَّر في حديث أنس في الخمر عشرة ولم ينزله ولم يرتبه أحد من الرواة، وتنزيله يفتقر إلى علم وافر، وذلك أن يكون لشيئين: أحدهما: الترتيب من جهة تصوير الوجود، الثاني: من جهة كثرة الإثم، أما تنزيلها وترتيبها من جهة الوجود فهو المعتصر ثم العاصر ثم البائع ثم الآكل من الثمن ثم المشتري ثم الحامل ثم المحمول إليه ثم المشتراة له ثم الساقي ثم الشارب، وأما من جهة كثرة الإثم فالشارب ثم الآكل لثمنها ثم البائع ثم الساقي وجميعهم يتفاوتون في الدركات في الإثم، وقد يجتمع الكل منها في شخص واحد، وقد يجتمع البعض، ذكره المناوي في ((فيض القدير)). (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) في البيوع (وَابْنُ مَاجَه) في الأشربة. قال الحافظ في التلخيص والمنذري في ((الترغيب))، رواته ثقات. وفي الباب عن أبي هريرة عند أبي داود وعن ابن عباس عند أحمد وابن حبان والحاكم، وعن ابن مسعود عند الحاكم وعن ابن عمر عند أحمد وأبي داود وابن ماجه كما سيأتي.