Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
عن إتيان الكاهن يشتمل على النهي عن هؤلاء كلهم وعلى النهي عن تصديقهم
والرجوع إلى قولهم. قال الحافظ: وحلوان الكاهن حرام بالإجماع لما فيه من أخذ
العوض على أمر باطل، وفي معناه التنجيم والضرب بالحصى وغير ذلك مما
يتعاناه العرافون من استطلاع الغيب. وقال الزرقاني: وحكى ابن عبد البر
والمازري وغيرهما الإجماع على حرمة ما يأخذه الكاهن؛ لأنه باطل كذب كله.
قال تعالى: ﴿وَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفٍَّ أَثِمٍ ﴾﴾ [الشُّعَرَاءِ: الآية ٢٢٢] وهو من أكل أموال الناس
بالباطل، وارجع لمزید من التفسیر لحلوان الكاهن وحکمه إلى ((زاد المعاد» (ج ٢
ص ٤٤٠).
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في البيوع، وفي الإجارة، وفي الطلاق، وفي
الطب، ومسلم في البيوع، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤ ص ١١٩، ١٢٠)، ومالك
وأبو داود في البيوع، والترمذي فيه، وفي النكاح، والنسائي في الصيد والذبائح
وفي البيوع، وابن ماجه في التجارات، والحميدي (ج ١ ص ٢١٤) وابن الجارود
في المنتقى (ص ٢٠٠) والبيهقي (ج ٦ ص ٦) والدارمي والبغوي في ((شرح السنة))
(ج ٨ ص ٢٢) وابن أبي شيبة (ج ٦ ص ٣٤٣).
٢٧٩٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ: ((أنَّ النَّبِيَّ ◌َ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّم،
وَثَمَنِ الكَلْبِ، وَكَسْبٍ الْبَغِيِّ، وَلَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَالْوَاشِمَّةَ
وَالمُسْتَوْشِمَةَ وَالمُصَوِّرَ)).
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ]
الشرح
٢٧٩٠ - قوله: (عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) مصغرًا بتقديم الجيم على الحاء المهملة
المفتوحة، واسمه وهب بن عبد الله السوائي وقد مر ترجمته.
(أَنَّ النَّبِيَّ وَّ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّم) وقع في هذا السياق اختصار يبينه ما أخرجه
البخاري في آخر البيوع من وجه آخَر بلفظ: ((قَالَ عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ
(٢٧٩٠) أخرجه البخاري (٢٠٨٦، ٢٢٣٨، ٥٩٤٥، ٥٩٦٢).

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكَسْبٍ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
٢٤١
EXACE
أَبِي اشْتَرَى حَجَّامًا، فَأَمَرَ بِمَحَاجِمِهِ، فَكُسِرَتْ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَ لِّ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّم. وقوله: ((فسألته عن ذلك)) أي: سألت أبي عن
سبب كسر المحاجم، وفي رواية أحمد، فقلت له: أتكسرها؟ ومعناه: لم
تكسرها؟ والمحاجم بفتح الميم وكسر الجيم جمع محجم بكسر الميم وفتح
الجيم، الآلة التي يحجم بها الحجام. قال الحافظ: وفي كسر أبي جحيفة
المحاجم ما يشعر بأنه فهم أن النهي عن ذلك على سبيل التحريم، فأراد حسم
المادة، وكأنه فهم منه ألا يطيع النهي ولا يترك التكسب بذلك، فلذلك كسر
محاجمه، واختلف في المراد بثمن الدم، فقيل: أجرة الحجامة، وأطلق عليه
الثمن تجوزًا. وقيل: هو على ظاهره والمراد: تحريم بيع الدم كما حرم بيع الميتة
والخنزير وهو حرام إجماعًا، أعني بيع الدم وأخذ ثمنه، وقال في ((شرح السنة)) (ج
٨ ص ٢٥) بيع الدم لا يجوز؛ لأنه نجس، وحمل بعضهم نهيه عن ثمن الدم على
أجر الحجام وجعله نهي تنزيه .
(وَكَسْبِ البَغِيِّ) أي: مكسوبها وفي رواية: ((وكسب الأمة)). قال البغوي: وهذا
أي النهي عن كسب الأمة فيمن يخارج أمته ويجعل عليها ضريبة معلومة تؤديها إلى
السيد، فنهي عنه على وجه التنزيه لا على وجه التحريم؛ لأنه لا يؤمن منها الفجور
والكسب بالسفاح خصوصًا إذا لم يكن لها كسب، وقد وردت الرخصة في كسبها
إذا عملت بيديها. وروي عن رافع بن رفاعة قال: ((نهى رسول الله وَل عن كسب
الأمة إلا ما عملت بيدها))، وفي حديث آخر: ((أنه نهى عن كسب الأمة حتى يعلم
من أين هو؟))
(وَلَعَنَ) أي: النبي ◌َِّ (آكِلَ الرِّبَا) أي: آخذه (وَمُوكِلَهُ) والهمز ویبدل واوًا،
أي: معطيه ومطعمه؛ لأنه يعين على أكل الحرام، فهو شريك في الإثم، كما أنه
شريك في الفعل، وإن كان أحدهما مغتبطًا بالربح والآخر مهتضمًا بالنقص،
والمراد من الآكل: آخذه كالمستقرض، ومن المؤكل: معطيه كالمقرض، وخص
الأكل من بين سائر الانتفاعات؛ لأنه أعظم المقاصد. وقال الطبري: وإنما خص
الآكل بالذكر؛ لأن الذين نزلت فيهم آيات تحريم الربا كانت طعمتهم من الربا،
وإلا فالوعيد حاصل لكل من عمل به سواء أكل منه أم لا (وَالوَاشِمَةَ) أي المرأة التي
تَشِمْ يعني تغرز الجلد بالإبر حتى يسيل الدم ثم تحشوه بالكحل أو النيلة فیزرق أثره

٢٤٢
**
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أو يخضر. قال في ((النهاية)): الوشم: أن يغرز الجلد بإبرة ثم يحشى بكحل أو نيل
فيزرق أو يخضر.
(وَالمُسْتَوْشِمَةَ) بكسر الشين، التي يفعل ذلك بها، والرجل كالمرأة في ذلك بل
أشد، وإنما عبر بالتأنيث، باعتبار الغالب، وإنما نهى عن ذلك؛ لأنه من عمل
الجاهلية، وفيه تغيير لخلق الله رجات .
(وَالمُصَوِّرَ) فيه أن التصوير من أشد المحرمات؛ لأن اللعن لا يكون إلا على ما
هو كذلك، وأراد به الذي يصور صور الحيوان دون من يصور صور الأشجار
والنبات، ويدخل في اللعن كل من يصور صورة ذي روح في ورقٍ أو قرطاسٍ
أو آنية أو جدار أو سقف أو نمط أو ستر أو درهم أو دينار أو غير ذلك من غير تفريق
بين الرسم باليد، أي: طريقة التصوير التي كانت معروفة في عهد النبي ◌َّ وبين
الطريقة الجديدة من التصوير الشمسي؛ لأنها أيضا تصوير لغة وشرعًا وأثرًا
وضررًا، كما لا يخفى على المتأمل. قال الخطابي: يدخل في النهي كل صورة
مصورة في رِقُّ أو قرطاس مما يكون المقصود منه الصورة وكان الرق تبعا له، فأما
الصور المصورة في الأواني والقصاع، فإنها تبع لتلك الظروف بمنزلة الصور
المصورة على جدر البيوت والسقوف، وفي الأنماط والستور، فالبيع فيها لا يفسد
وفي معناها الدور التي فيها التماثيل، كذا في ((شرح السنة)) ويأتي مزيد الكلام على
مسألة التصوير في باب التصاوير من كتاب اللباس، إن شاء الله.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) أي: بهذا اللفظ من باب من لعن المصور من كتاب اللباس،
وأخرجه أيضا مختصرًا ومطولًا في أوائل البيوع في باب مؤكل الربا وفي أواخره
في باب ثمن الكلب، وفي الطلاق في باب مهر البغي، والنكاح الفاسد، وفي
كتاب اللباس في باب الواشمة. وأخرجه أيضا أحمد (ج ٤ ص ٣٠٨، ٣٠٩)
والبيهقي (ج ٦ ص ٦) والبغوي (ج ٨ ص ١٥)، وابن أبي شيبة (ج ٦ ص ٢٤٤)
والحديث من أفراد البخاري، لم يخرجه مسلم ولا أحد من أصحاب السنن، وقد
وهم المجد ابن تيمية حيث قال في ((المنتقي)) بعد ذكره: متفق عليه.

كِتّاب البُيُوع
ex=X
بَابُ الْكَسْبٍ وَطلبِ الْحَلَالِ
٢٤٣
٢٧٩١ - [٨] وعَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ عَامَ الفَتْح
وَهُوَ بِمَكَّةَ: ((إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ، وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ))،
فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فَإِنَّهُ تُطْلَى بِهَا السُّفُّنُ، وَيُدَّهَنُ بِهَا
الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: ((لاَ، هُوَ حَرَامٌ))، ثُمَّ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ:
(قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٧٩١ - قوله: (عَامَ الفَتْح) أي: فتح بمكة (وَهُوَ بِمَكَّةَ) جملة حالية
والمقصود من ذكرهما تحقيق السماع وتقريره. قال الحافظ: قوله: ((عَامَ الفَتْح)) فيه
بيان تاريخ ذلك، وكان في رمضان سنة ثمان من الهجرة، ويحتمل أن يكون
التحريم وقع قبل ذلك ثم أعاده ◌َآلّ؛ لیسمعه من لم یکن سمعه.
(إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ) هكذا وقع في ((الصحيحين)): ((حَرَّمَ)) بإفراد الفِعل أي
بإعادة الضمير إلى الواحد، وكان الأصل ((حَرَّمَا)، ولأبي داود: ((إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ))
ليس فيه: ((وَرَسُولَهُ)) وفي رواية لابن مردويه في ((تفسيره)): ((إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَا))
بالتثنية. قال الحافظ: التحقيق جواز الإفراد في مثل هذا، ووجهه الإشارة إلى أن
أمر النبي وَ ل﴿ ناشئ عن أمر الله، وهو نحو قوله: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾
[التوبة: الآية ٦٢] والمختار في هذا أن الجملة الأولى حذفت لدلالة الثانية عليها،
والتقدير عند سيبويه: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه، وهو كقول
الشاعر :
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأي مختلف
وقيل: ﴿أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: الآية ٦٢] خبر عن الاسمين، لأن الرسول تابع
لأمر الله. وقال العيني: وجه إفراد ((حرم)) على ما هو المشهور في الرواية أنه لما
(٢٧٩١) أخرجه البخاري (٢٢٣٦، ٤٢٩٦، ٤٦٣٣)، ومسلم (١٥٨١) من طريق يزيد بن أبي حبيب عن
ابن أبي رباح عن جابر بن عبد الله به.

٢٤٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
كان أمر الله هو أمر رسوله وكان النبي ◌َّ لا يأمر إلا بما أمر الله به كان كأن الأمر
واحد. وقال السندي: قوله: ((إن الله ورسوله حرم))، أي: كل واحد منهما، أو
الضمير لله ورسوله بتقدير ((وبلغ أو بين)) أو للرسول وذكر الله للتعظيم.
(بَيْعَ الخَمْرِ) هي ما أسكر وخامر العقل، ويدخل في مسمى الخمر كل مسكر
سائلًا أو جامدًا أخذ من أي شيء سواء كان من عنب أو تمر أو شعير أو غير ذلك،
وهي أم الخبائث حرمت لما فيها من المضار الكبيرة والمفاسد العظيمة على العقل
والدين والبدن والمال وما تجره من الشرور والعداوات والجنايات إلى غير ذلك
من مفاسد لا تخفى، وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على تحريم بيع الخمر.
(وَالمَيْتَةِ) بفتح الميم هي التي ماتت حتف أنفها أو ذكيت ذكاة غير شرعية.
والميتة بكسر: الهيئة وليست مرادًا هنا. ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على
تحريم بيع الميتة ويستثنى من ذلك السمك والجراد.
قال الحافظ: ويستثنى من الميتة عند بعض العلماء ما لا تحله الحياة كالشعر
والصوف والوبر؛ فإنه طاهر، فيجوز بيعه، وهو قول أكثر المالكية والحنفية. وزاد
بعضهم العظم والسن والقرن والظلف، وقال بنجاسة الشعور الحسن والليث
والأوزاعي، ولكنها تطهر عندهم بالغسل، وكأنها متنجسة عندهم بما يتعلق بها من
رطوبات الميتة لا نجسة العين، ونحوه قول ابن القاسم في عظم الفيل أنه يطهر إذا
سُلِق بالماء. انتهى.
وقال ابن القيم في ((زاد المعاد)) (ج ٢ ص ٤٩٢): ويدخل في تحريم بيع الميتة
جميع أجزائها التي تحلها الحياة وتفارقها بالموت كاللحم والشحم والعصب.
وأما الشعر والوبر والصوف، فلا يدخل في ذلك؛ لأنه ليس بميتة، ولا تحله
الحياة، وكذلك قال جمهور أهل العلم: إن شعور الميتة وأصوافها وأوبارها طاهرة
إذا كانت من حيوان طاهر، هذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل والليث
والأوزاعي والثوري وداود وابن المنذر والمزني، ومن التابعين الحسن وابن
سيرين وأصحاب عبد الله بن مسعود، وانفرد الشافعي بالقول بنجاستها، واحتج له
بأن اسم الميتة يتناولها كما يتناول، سائر أجزائها بدليل الأثر والنظر، ثم ذكر ذلك
مع التعقب والرد عليه، ثم بسط الكلام في ذكر دلائل طهارة شعر الميتة، ثم قال:

٢٤٥
كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكِسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
فإن قيل: فهل يدخل في تحريم بيعها تحريم بيع عظامها وقرونها وجلدها بعد
الدباغ لشمول اسم الميتة لذلك؟ قيل: الذي يحرم بيعه منها هو الذي يحرم أكله
واستعماله، كما أشار إليه النبي وَلَه بقوله: ((إن الله تعالى إذا حرم شيئًا؛ حرم ثمنه)).
وفي اللفظ الآخر: ((إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه))، فنبه على أن الذي يَحْرُمُ بيعه
يَحْرُمُ أكله.
وأما الجلد إذا دبغ فقد صار عينًا طاهرة ينتفع به في اللبس والفرش وسائر وجوه
الاستعمال، فلا يمنع جواز بيعه ثم ذكر اختلاف الفقهاء في بيع الجلد بعد الدبغ،
ثم قال: وأما عظمها فمن لم ينجسه بالموت كأبي حنيفة وبعض أصحاب أحمد
واختيار ابن وهب من أصحاب مالك فيجوز بيعه عندهم وإن اختلف مأخذ
الطهارة. فأصحاب أبي حنيفة قالوا: لا يدخل في الميتة ولا يتناوله اسمها ومنعوا
كون الألم دليل حياته، قالوا: وإنما تؤلمه لما جاوره من اللحم لا ذات العظم،
وحملوا قوله تعالى: ﴿قَالَ مَن يُخِي الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ [يس: الآية ٧٨] على حذف
مضاف، أي: أصحابها. ثم ذكر ضعف هذا المأخذ ثم قال: فمأخذ الطهارة أن
سبب تنجيس الميتة منتفٍ في العظام فلم يحكم بنجاستها، ولا يصح على اللحم؛
لأن احتقان الرطوبات والفضلات الخبيثة يختص به دون العظام، كما أن ما لا نفس
له سائلة لا ينجس بالموت وهو حيوان كامل لعدم سبب التنجيس فيه فالعظم أولی،
وهذا المأخذ أصح وأقوى من الأول، وعلى هذا فيجوز بيع عظام الميتة إذا كان من
حيوان طاهر العين، وأما من رأي نجاستها، فإنه لا يجوز بيعها؛ إذ نجاستها عينية .
قال ابن القاسم: قال مالك: لا أرى أن يشرى عظم الميتة ولا يباع ولا أنياب
الفيل ولا يتجر فيها ولا يمشط بأمشاطها، ولا يدهن بمداهنها، وأجاز مطرف وابن
الماجشون بيع أنياب الفيل مطلقًا. انتهى. وقد ذهب شيخ الإسلام الحافظ ابن
تيمية أيضًا إلى أن طهارة شعر الميتة وعظمها وقرنها وظفرها وحافرها وبسط الكلام
في إثبات ذلك، من شاء الوقوف عليه رجع إلى ((مجموعة فتاواه)) (ج ٢١ ص ٩٦
إلى ص ١٠١ طبعة الرياض) قلت: واستدل من ذهب إلى طهارة الشعر والظفرٍ
والسن القرن والحافر والعظم من الميتة بما روى الدار قطني عن ابن عباس موقوفا
قال: إنما حرم من الميتة ما يؤكل منها وهو اللحم. فأما الجلد والسن والعظم
والشعر فهو حلال. قال: يحيى بن معين تفرد به أبو بكر الهزلي عن الزهري وهو

٢٤٦
era
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ليس بشيء .
وقال الدارقطني: هو ضعيف. وبما روی أحمد (ج ٥ ص ٢٧٥) وأبو داود عن
ثوبان مولى رسول الله وَّله في حديث طويل أن رسول الله وَل قال: ((يَا ثَوْبَانُ، اشْتَرِ
لِفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاج)). انتهى. والعاج: هو عظم الفيل.
وقيل: ناب الفيل. وفي إسناده حميد الشَّامي وسليمان المنبهي، قال يحيى بن
معين: لا أعرفهما، وبما روى عن الزهري أنه قال في عظام الموتى نحو الفيل
وغيره: أدركت ناسًا من سلف العلماء يمتشطون بها ويدهنون فيها لا يرون به بأسًا،
وقال ابن سيرين وإبراهيم: لا بأس بتجارة العاج، ذكره البخاري معلقًا. قلت:
ومما نهي عن بيعه جيف الكافر إذا قتل. قال ابن المنذر: إذا أجمعوا على تحريم
بيع الميتة فبيع جيفة الكافر من أهل الحرب كذلك. قال العيني: وقال شيخنا -
يعني الزين العراقي: استدل بالحديث على أنه لا يجوز بيع ميتة الآدمي مطلقًا سواء
فيه المسلم والكافر. أما المسلم فلشرفه وفضله، حتى أنه لا يجوز الانتفاع بشيء
من شعره وجلده وجميع أجزائه، وأما الكافر، فلأن نوفل بن عبد الله بن المغيرة
لما اقتحم الخندق وقتل غلب المسلمون على جسده، فأراد المشركون أن يشتروه
منهم، فقال ◌َله: ((لا حاجة لنا بجسده ولا بثمنه)) فخلي بينهم وبينه، ذكره ابن
إسحاق وغيره من أهل السير. قال ابن هشام: أعطوا رسول الله وَل بجسده عشرة
آلاف درهم فيما بلغني عن الزهري، وروى الترمذي من حديث ابن عباس أن
المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين، فأبى النبي وَلّر أن يبيعهم.
انتهى. وارجع إلى ((شرح الأربعين)) (ص ٣٠٥) لابن رجب.
(وَالخِنْزِيرِ) فيه دليل على تحريم بيعه بجميع أجزائه. وقد حكى الحافظ
الإجماع على ذلك، وحكى ابن المنذر عن الأوزاعي وأبي يوسف وبعض المالكية
الترخيص في القليل من شعره للخرز، فعلى هذا يجوز بيعه، والعلة في تحريم بيع
الخنزير وبيع الميتة؛ هي النجاسة عند جمهور العلماء، فيتعدى ذلك إلى كل
نجاسة، ولكن المشهور عن مالك طهارة الخنزير.
(وَالأَصْنَام) أي: وإن كانت من ذهب وفضة وهي جمع صنم. قال الجوهري:
هو الوثن، وقال غيره: الوثن: ما له جثة، والصنم: ما كان مصورًا، فبينهما على

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابَ الْكسبٍ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
٢٤٧
هذا عموم وخصوص من وجه، ومادة اجتماعهما؛ إذا كان الوثن مصورًا، وقيل:
الفرق بينهما أن الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب
والحجارة وغيرها للعبادة، والصنم: الصورة بلا جثة اتخذت للعبادة، ومنهم من
لم يفرق بينهما وأطلقهما على المعنيين، وقد يطلق الوثن على الصليب. قال
الحافظ: والعلة في منع بيع الأصنام عدم المنفعة المباحة، فعلى هذا إن كانت
بحيث إذا كسرت ينتفع برضاضها جاز بيعها عند بعض العلماء من الشافعية
وغيرهم، والأكثر على المنع حملًا للنهي على ظاهره، والظاهر أن النهي عن بيعها
للمبالغة في التنفير عنها. وقال الأمير اليماني: الأولى أن يقال: لا يجوز بيعها وهي
أصنام للنهي ويجوز بيع كسرها؛ إذ هي ليست بأصنام، ولا وجه لمنع بيع الأكسار.
انتهى. قال الحافظ: ويلتحق بها في الحكم الصلبان التي تعظمها النصارى ويحرم
تحت جميع ذلك وصنعته. انتهى. قيل: ويلتحق بها أيضًا التماثيل التي تصنع
للزعماء والوزراء والملوك وغيرهم من العظماء. وقال ابن القيم: يستفاد من تحريم
بيع الأصنام تحريم بيع كل آلة متخذة للشرك على أي وجه كانت، ومن أي نوع
كانت صنمًا أو وثنًا أو صليبًا، وكذلك الكتب المشتملة على الشرك وعبادة
غير الله، فهذه كلها يجب إزالتها وإعدامها، وبيعها ذريعة إلى اقتنائها واتخاذها،
فهو أولى بتحريم البيع من كل ما عداها، فإن مفسدة بيعها بحسب مفسدتها في
نفسها، والنبي ◌َّ لم يؤخر ذكرها لخفة أمرها، ولكنه تدرج من الأسهل إلى ما هو
أغلظ منه إلى أن قال بعد بيان ذلك وتوضيحه: ثم ذكر بعدُ تحريم بيع الأصنام وهو
أعظم تحريما وإثما وأشد منافاة للإسلام من بيع الخمر والميتة والخنزير.
(فَقِيلَ) في رواية لأحمد: ((فقال رجل)) (أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ؟) أي: أخبرني عن
حكمها (فإنه) الضمير للشأن، وفي بعض النسخ، ((فإنها)) بالتأنيث أي: شحومها
(تُطْلَى) وفي بعض النسخ ((يطلى)) أي: بالتذكير (بِهَا السُّفُنُ) بضمتين جمع السفينة
(وَيُدَّهَنُ) بتشديد الدال، وقوله: ((يطلى)) بضم أوله وفتح ثالثه كيُدَّهَن مبنيان
للمفعول (وَيَسْتَصْبِحُ) بكسر الموحدة (بِهَا النَّاسُ) أي: يستضيئون بها حين
يجعلونها في المصابيح وهي السرج. قال الأمير اليماني: لما أطلق نَل تحريم بيع
الميتة جوز السامع أنه قد يخص من العام بعض مع يصدق عليه، فقال السائل :
أرأيت شحوم الميتة؟ وذكر لها ثلاث منافع، أي: أخبرني عن الشحوم هل تخص

٢٤٨
*
see
se
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
من التحريم لنفعها أم لا، فأجاب ي ليه أنه حرام فأبان له أنها خارجة عن الحكم،
وقال القسطلاني أخذًّا من العيني والحافظ: أي: أخبرني هل يحل بيعها؛ لأن فيها
منافع مقتضية لصحة البيع كالحمر الأهلية؟ فإنها وإن حرم أكلها يجوز بيعها لما
فيها من المنافع.
(فَقَالَ: لاَ) أي: فقال النبي ◌َّ: ((لا تبيعوها)). (هُوَ حَرَامٌ) أي: بيعها حرام،
هكذا فسر بعض العلماء منهم الشافعي جعل بعض العلماء الضمير راجعًا إلى
الانتفاع، فقال: يحرم الانتفاع بها، فلا يجوز الانتفاع من الميتة أصلًا عندهم إلا ما
خص بالدليل وهو الجلد المدبوغ. قال الأمير اليماني: الضمير في قوله: ((هو
حرام)) يحتمل أنه للبيع، أي: بيع الشحوم حرام، وهذا هو الأظهر؛ لأن الكلام
مسوق له، ولأنه قد أخرج الحديث أحمد على ما ذكره الحافظ وفيه: ((فما ترى في
بيع شحوم الميتة ... )) الحديث.
فهذا ظاهر في أن السؤال وقع عن بيع الشحوم، ويحتمل أنه للانتفاع المدلول
عليه بقوله: ((فإنها تطلى بها السفن ... )) إلى آخره.
وحمله الجمهور عليه، فقالوا: لا ينتفع من الميتة بشيء إلا بجلدها، إذا دبغ فهو
يخص هذا العموم. ومن قال: الضمير يعود إلى البيع، استدل بالاجماع على جواز
إطعام الميتة الكلاب ولو كانت كلاب الصيد لمن ينتفع بها، وقد عرفت أن الأقرب
عود الضمير إلى البيع فيجوز الانتفاع بالنجس مطلقًا، ويحرم بيعه لما عرفت وقد
يزيده قوة قوله مَّر في ذم اليهود: ((إنهم جملوا الشحم ثم باعوه وأكلوا ثمنه)) فإنه
ظاهر في توجه النهي إلى البيع الذي ترتب عليه أكل الثمن. وإذا كان التحريم
للبيع؛ جاز الانتفاع بشحوم الميتة والأدهان المتنجسة في كل شيء غير أكل الآدمي
ودهن بدنه فيحرمان كحرمة أكل الميتة والترطب بالنجاسة، وجاز إطعام شحوم
الميتة الكلاب وإطعام العسل المتنجس النحل وإطعامه الدواب، وجوز جميع ذلك
مذهب الشافعي، ونقله القاضي عياض عن مالك وأكثر أصحابه، وأبي حنيفة
وأصحابه، والليث، ويؤيد جواز الانتفاع ما رواه الطحاوي، أنه وَّ سئل عن فأرة
وقعت في سمن، فقال: ((إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا
فاستصبحوا به أو انتفعوا به)). قال الطحاوي: إن رجاله ثقات، وروي ذلك عن

٢٤٩
كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكِسْبٍ وَطلبِ الْحَلَالِ
جماعة من الصحابة منهم على وابن عمر وأبو موسى ومن التابعين القاسم بن
محمد وسالم بن عبد الله بن عمر. وهذا هو الواضح دليلًا، وأما المتنجس فإن كان
یمکن تطهيره فلا كلام في جواز بیعه، وإن کان لا یمکن فیحرم بيعه، قاله ابن حنبل
انتهى. وقال الحافظ: اختلفوا فيما يتنجس من الأشياء الطاهرة فالجمهور على
الجواز. وقال أحمد وابن الماجشون: لا ينتفع بشيء من ذلك في شيء من الأشياء،
واستدل الخطابي على جواز الانتفاع بإجماعهم على أن من ماتت له دابة ساغ له
إطعامها لكلاب الصيد فكذلك يسوغ دهن السفينة بشحم الميتة، ولا فرق انتهى.
وقال ابن القيم (ج ٢ ص ٤٢٩): بعد ذكر القولين في مرجع الضمير في في قوله:
((هو حرام)) وذكر مرجحاتهم، وذكر مذهب الشافعي وأحمد واختلاف مذهب
أصحابه ما لفظه المقصود أنه لا يلزم من تحريم بيع الميتة تحريم الانتفاع بها في غير
ما حرم الله ورسوله منها كالوقيد وإطعام الصقور والبزاة. وقد نص مالك على
جواز الاستصباح بالزيت النجس في غير المساجد، وعلى جواز عمل الصابون منه
وينبغي أن يعلم أن باب الانتفاع أوسع من باب البيع، فليس كل ما حرم بیعه؛ حرم
الانتفاع به، بل لا تلازم ينهما، فلا يؤخذ تحريم الانتفاع من تحريم البيع. انتهى.
وارجع لمزيد من الإيضاح إلى (شرح الأربعين)) لابن رجب (ص ٣٠٢، ٣٠٣).
(ثُمَّ قَالَ) أي: النبي ◌َِّ (عِنْدَ ذَلِكَ) أي: عند قوله: ((هو حرام)) تحذيرًا لهم مما
وقع فيه اليهود من استحلال المحرمات بالحيل الدنيئة السافرة؛ لئلا يقعوا مثلهم
فدعا على اليهود باللعن، أو أخبر بذلك؛ ليشعرهم عظم جريمة اليهود بارتكاب
الحيل.
(قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ) أي: أهلكهم أو لعنهم أو قتلهم، ويحتمل إخبارًا ودعاءً وهو
من باب عاقبت اللص. وقيل: صيغة المفاعلة للمبالغة. قال الحافظ: قال
الهروي: معنى: ((قاتلهم)) قتلهم، قال: وفَاعَلَ أصلها أن يقع الفعل بين اثنين وربما
جاء من واحد، كسافرت وطارقت النعل. انتهى. وقال البيضاوي في ((تفسير)) سورة
التوبة: ﴿قَالَلَهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: الآية ٠ ٣] دعاء عليهم بالهلاك، فإن من قاتله الله؛ هلك.
وفسر البخاري في رواية المستملي باللعنة، واستشهد بأن قوله تعالى: ﴿قُئِلَ
اْخَرَّصُونَ ﴾ [الذاريات: الآية ١٠] معناه: لعن، وهو تفسير ابن عباس في ((قتل)).

٢٥٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
(إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا) بصيغة الإفراد والضمير يعود إلى الميتة، أي: لما
حرم أكل شحوم الميتة، وقيل: الضمير يعود إلى غير مذكور، والمراد منه البقر
والغنم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: الآية
١٤٦] فالضمير في قوله: ((شحومهما)) يعود إلى كل واحدة منهما، والبقر والغنم اسم
جنس يجوز تأنيثه باعتبار المعنى.
(أَجْمَلُوهُ) بالجيم، أي: أذابوه واستخرجوا دهنه، والضمير راجع إلى الشحوم
على تأويل المذكور، وقيل: راجع إلى الشحم المفهوم من الشحوم. قال في
((النهاية)): جملت الشحم وأجملته: أذبته. وقال في ((القاموس)): جمل الشحم:
أذابه كأجمله واجتمله. انتهى. واحتالوا بذلك في تحليله، وذلك لأن الشحم
المذاب لا يطلق عليه لفظ الشحم في عرف العرب بل يقولون: إنه الودك بفتح
الواو المهملة.
(ثُمَّ بَاعُوهُ) هذا مشعر بقوة ما أوله الأكثر أن المراد بقوله: ((حرام))، البيع لا
الانتفاع، ويؤيده ما روى أحمد والطبراني من حديث ابن عمر مرفوعًا ((الويل لبني
إسرائيل إنه لما حرمت عليهم الشحوم باعوها فأكلوا ثمنها)) . ويؤيده أيضا ما
أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس أنه وَ لّ قال وهو عند الركن: ((قاتل الله اليهود
إن الله حرم عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل
شيء علیھم ثمنه)).
(فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ) قال في ((شرح السنة)» (ج ٨ ص ٣٠): في الحدیث دليل على بطلان
كل حيلة يحتال بها للتوصل إلى محرم وأنه لا يتغير حكمه بتغيير هيئته وتبديل اسمه
انتهى. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في البيوع، وأخرج في ((المغازي)) وفي
((التفسير)) ببعضه، وأخرجه مسلم في البيوع، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣ ص ٣٢٤،
٣٢٦)، وأبو داود والترمذي والنسائي في البيوع وفي ((الفرع)) و((العتيرة)) وابن
ماجه في التجارات وابن الجارود (ص ٢٠٠)، والبيهقي (ج ٥ ص ٢٧٤، ٢٧٥ وج
٦ ص ١٢) والبغوي (ج ٨ ص ٢٦) وابن أبي شيبة (ج ٧ ص ٣٤).

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكِسْبِ وَطلبِ الْحَلَالِ
٢٥١
٢٧٩٢ - [٩] وَعَنْ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّه ◌ِثَ قَالَ: ((قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ
حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٧٩٢ - قوله: (قَاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا) بالتخفيف
أي: أذابوها بالنار، ليزول عنها اسم الشحم ويصير ودكا (فَبَاعُوهَا) في الحديث
إبطال الحيل والوسائل إلى المحرم، وإنها لا تغير الحقائق ولو سميت الأشياء بغير
أسمائها أو أزيلت بعض صفاتها، وفيه: أن التحيل على محارم الله سبب لغضبه
ولعنه، فإن من يأتي الأمر عالمًا تحريمه أخف ممن يأتيه متذرعا إليه بالحيل، وفيه
أن الحيل سنة اليهود المغضوب عليهم، وأن حبهم للمال حملهم على الحيل
وغشيان المحرمات.
قال الحافظ: واستدل بالحديث عن منع كل محرم نجس، ولو كان فيه منفعة
كالسرقين، وأجاز ذلك الكوفيون، وذهب بعض المالكية إلى جواز ذلك للمشتري
دون البائع لاحتياج المشتري دونه.
قال القرطبي: اختلف في جواز بيع كل محرم نجس فيه منفعة كالزبل والعذرة
فمنع من ذلك الشافعي ومالك وأجازه الكوفيون والطبري، وذهب آخرون إلى
إجازة ذلك للمشتري دون البائع، ورأوا أن المشتري أعذر من البائع؛ لأنه مضطر
إلى ذلك، روى ذلك عن بعض الشافعية. كذا ذكر العيني.
وقال ابن القيم: قال ابن الماجشون: لا بأس ببيع العذرة؛ لأن ذلك من منافع
الناس. وقال ابن القاسم: لا بأس ببيع الزبل. قال اللخمي: وهذا يدل من قوله
على أنه يرى بيع العذرة. وقال أشهب في الزبل: المشتري أعذر فيه من البائع يعني
في اشترائه. وقال ابن عبد الحكم: لم يعذر الله أحدًا فيهما وهما سيان في الإثم.
قال الحافظ ابن القيم: وهذا هو الصواب. وأن بيع ذلك حرام، وإن جاز الانتفاع
(٢٧٩٢) أخرجه البخاري (٢٢٢٣، ٣٤٦٠)، ومسلم (١٥٨٢).

٢٥٢
*
#eesa
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ges
به. وارجع إلى ((المغني)) (ج ٤ ص ٢٥٦) والسيل الجرار (ورقة ٤ و ٧ و٨ ج ٢ من
المخطوطة) و((المسائل الماردينية)) لشيخ الإسلام ابن تيمية. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه
البخاري في البيوع وفي ذكر بني إسرائيل ومسلم في البيوع. وأخرجه أيضًا أحمد
(ج ١ ص ٢٥) والنسائي في الفرع والعتيرة، وابن ماجه في الأشربة والحميدي (ج
١ ص ٩) وابن الجارود في ((المنتقى)) (ص ٢٠٠) والبيهقي (ج ٦ ص ١٢) والبغوي
(ج ٨ ص ٣٠).
٢٧٩٣ - [١٠] وَعَنْ جَابِرِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لَهَ نَّهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ
وَالسِّنَّوْرِ)»
[رَوَاهُ مُسْلِمْ]
الشرح
٢٧٩٣- قوله: (نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ) كذا ذكر البغوي في
((المصابيح)) وفي ((شرح السنة)) (ج ٨ ص ٢٤) وهكذا ذكر الجزري في ((جامع
الأصول))، وبهذا السياق رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم، ولفظ
مسلم من طريق معقل عن أبي الزبير، قال: سألت جابرًا عن ثمن الكلب والسنور
فقال: زجر النبي وَّ عن ذلك. والسِّنَّوْر بكسر السين المهملة وفتح النون المشددة
وسكون الواو بعدها راء يعني: القط بكسر القاف كما فسر بذلك في رواية لأحمد.
والحديث يدل على أن ثمن السنور حرام، کثمن الكلب، وفي ذلك خلاف عند
العلماء، فذهب جماعة إلى تحريم بيعه منهم أبو هريرة وطاوس ومجاهد وجابر بن
زيد وذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة إلى جواز بيعه إن كان مما ينتفع به
وحملوا النهي على ما إذا كان لا ينتفع به أو على التنزيه .
وقال ابن الملك: حمله الأكثرون على السنور الوحشي؛ للعجز عن تسليمه،
فإنه لو ربط لا ينتفع به؛ لأن نفعه صيد الفارة، ولو لم يربط لربما ينفر، فيضيع
المال المصروف في ثمنه. انتهى. وقال النووي: النهي عن ثمن السنور محمول
على ما لا ينفع أو على أنه نهي تنزيه حتى يعتاد الناس هبته وإعارته والسماحة به،
(٢٧٩٣) أخرجه مسلم (١٥٦٩).

٢٥٣
كِتَابُ البُيُوعِ
بَاب الْكسبِ وَطَلبِ الْحَلَالِ
كما هو الغالب، فإن كان مما ينفع وباعه؛ صح البيع وكان ثمنه حلالاً ، هذا مذهبنا
ومذهب العلماء كافة إلا ما حكى ابن المنذر عن أبي هريرة وطاوس ومجاهد وجابر
ابن زيد أنه لا يجوز بيعه واحتجوا بالحديث، وأجاب الجمهور عنه بأنه محمول
على ما ذكرناه، وهو الجواب المعتمد. وأما ما ذكره الخطابي وأبو عمر بن عبد
البر من أن الحديث في النهي عنه ضعيف، فليس كما قالا، بل الحديث صحيح،
رواه مسلم وغيره. وقول ابن عبد البر: إنه لم يروه عن أبي الزبير غير حماد بن
سلمة غلط منه أيضا؛ لأن مسلمًا قد رواه في ((صحيحه)) من رواية معقل بن عبيد الله
عن أبي الزبير، فهذان ثقتان روياه عن أبي الزبير وهو ثقة أيضا. انتهى.
وقال الشوكاني: في الحديث دليل على تحريم بيع الهر، وبه قال أبو هريرة
ومجاهد وجابر بن زيد، حكى ذلك عنهم ابن المنذر، وحكاه المنذري أيضًا عن
طاوس، وذهب الجمهور إلى جواز بيعه، وأجابوا عن هذا الحديث بما تقدم من
تضعيفه، وقد عرفت دفع ذلك. وقيل: إنه يحمل النهي على كراهة التنزيه، وأن
بيعه ليس من مكارم الأخلاق ولا من المروءات، ولا يخفى أن هذا إخراج النهي
عن معناه الحقيقي بلا مقتضٍ. انتهى.
وقال الأمير اليماني: حمل النهي على التنزيه خلاف ظاهر الحديث. وقال ابن
القيم: دل على تحريم بيع السنور الحديث الصحيح الصريح الذي رواه جابر وأفتى
بموجبه، كما رواه قاسم بن أصبغ. قال أبو محمد: فهذه فتوى جابر بن عبد الله أنه
كره بما رواه ولا يعرف له مخالف من الصحابة، وكذلك أفتى أبو هريرة رَي ◌ْنَهُ وهو
مذهب طاوس ومجاهد وجابر بن زيد وجميع أهل الظاهر وإحدى الروايتين عن
أحمد، وهي اختيار أبي بكر عبد العزيز، وهو الصواب لصحة الحديث بذلك،
وعدم ما يعارضه، فوجب القول به، قال البيهقي: ومن العلماء من حمل الحديث
على أن ذلك حين كان محكوما بنجاستها، فلما قال النبي ◌َّه: ((الهرة ليست
بنجسة))، صار ذلك منسوخًا في البيع، ومنهم من حمله على السنور إذا توحش
ومتابعة ظاهر السنة أولى، ولو سمع الشافعي الخبر الواقع فيه لقال به إن شاء الله،
وإنما لا يقول به من توقف في تثبيت روايات أبو الزبير، وقد تابعه أبو سفيان عن
جابر على هذه الرواية من جهة عيسى بن يونس وحفص عن الأعمش عن أبي
سفيان. انتهى كلامه، ومنهم من حمله على الهر الذي ليس بمملوك، ولا يخفى ما

٢٥٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
في هذه المحامل من الوهن. انتهى كلام ابن القيم.
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في البيوع، وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي
وابن ماجه وابن الجارود (ص ٢٠١)، والبيهقي (ج ٦ ص ١٠) وقد تقدم أن السياق
والمذكور ليس لمسلم، بل هو لأحمد وغيره.
٢٧٩٤ - [١١] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: ((حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ، فَأَمَرَ
لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرِ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنَّ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ)»
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٧٩٤ - قوله: (حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ) وفي رواية للشيخين
وغيرهما: ((احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ وََّ، حَجَمَهُ أَبُو طَيِّبَةَ)) قال في ((المحلى شرح
الموطأ»: كانت هذه الحجامة لسبع عشرة من رمضان، كما في حديث ذكره ابن
الأثير من رواية يحيى بن أبي أنيسة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن
عباس، قال: لقيت أبا طيبة لسبع عشرة من رمضان فسألته من أين جئت؟ قال:
حجمت رسول الله وَله. وللطبراني ((أن ذلك بعد العصر من رمضان)) - انتهى.
وقال في ((الإصابة)): أخرج ابن أبي خيثمة بسند ضعيف عن جابر قال: خرج علينا
أبو طيبة لثمان عشرة خلون من رمضان، فقلنا له: أين كنت؟ قال: حجمت
رسول الله ێ .
قال الزرقاني: احتجم رسول الله ◌َّ من وجع كان به، ولأحمد عن بريدة
أنه وَخله ربما أخذته الشقيقة، فيمكث اليوم واليومين لا يخرج، وكان يحتجم في
مواضع مختلفة، لاختلاف في أسباب الحاجة إليها. انتهى. وللبخاري في باب
خراج الحجام من كتاب الإجارات من رواية عمرو بن عامر، قال: سمعت أنسا
يقول: كان النبي وَلّ يحتجم. قال الحافظ: فيه إشعار بالمواظبة بخلاف الأول.
(٢٧٩٤) أخرجه البخاري (٢١٠٢، ٢٢١٠، ٢٢٨١، ٥٦٩٦)، ومسلم (١٥٧٧) من طريق حميد
الطويل عن أنس به.

٢٥٥
كِتّابُ البُيُوع
بَابُ الْكِسْبٍ وَطلبِ الْحَلَالِ
انتهى. قلت: قد ورد في الأحاديث احتجامه عليه بمواضع مختلفة لاختلاف في
الأسباب. قال ابن القيم: قال أنس: كان رسول الله مثّة يحتجم في الأخدعين
والكاهل وفي ((الصحيحين)) عنه: كان رسول الله مثل يحتجم ثلاثا واحدة على
كاهله، واثنتين على الأخدعين وفي ((الصحيح)) عنه أنه احتجم وهو محرم في رأسه
الصداع كان به، وفي سنن ابن ماجه عن علي، نزل جبريل على النبي وَلّ بحجامة
الأخدعين والكاهل. وفي ((سنن أبي داود)) من حديث جابر أن النبي ◌َّ احتجم في
وركه من وثي كان به. انتهى. وتقدم في باب ما يجتنبه المحرم من كتاب الحج،
احتجامه ◌َّ في وسط رأسه وعلى ظهر القدم. وأبو طيبة، بفتح الطاء المهملة
والموحدة بينهما تحتية ساكنة مولى بني حارثة من الأنصار، ثم مولى محيصة بن
مسعود، وقيل: مولى بني بياضة كما في حديث ابن عباس عند مسلم وغيره،
وروى عنه ابن عباس وجابر وأنس واسمه نافع، وقيل: دينار وقيل: ميسرة.
قال الحافظ في ((الفتح)): اسم أبي طيبة: نافع على الصحيح، فقد روى أحمد (ج
٥ ص ٤٣٥) وابن السكن والطبراني من حديث محيصة بن مسعود أنه كان له غلام
حجام يقال له: نافع أبو طيبة فانطلق إلى النبي وَلّ يسأله عن خراجه - الحديث.
وحكى ابن عبد البر في اسم أبي طيبة أنه دينار ووهموه في ذلك؛ لأن دينارًا الحجام
تابعي روى عن أبي طيبة لا أنه اسم أبي طيبة، وأخرج حديثه ابن مندة من طريق
بسام الحجام عن دينار الحجام عن أبي طيبة الحجام، قال: حجمت النبي وَله
... الحديث. وبذلك جزم أبو أحمد الحاكم في ((الكنى)) أن دينارًا الحجام يروي
عن أبي طيبة لا أنه أبو طيبة نفسه. وذكر البغوي في ((الصحابة)) بإسناد ضعيف أن
اسم أبي طيبة؛ ميسرة.
وأما العسكري فقال: الصحيح أنه لا يعرف اسمه، وذكر ابن الحذاء في ((رجال
الموطأ)) أنه عاش مائة وثلاثا وأربعين سنة. وقال في ((الإصابة)): أبو طيبة الحجام
مولى الأنصار من بني حارثة، وقيل: من بني بياضة يقال: اسمه دينار. حكاه ابن
عبد البر. ولا يصح، فقد ذكر الحاكم أبو أحمد أن دينارًا الحجام آخر تابعي.
ويقال: اسمه ميسرة. ذكره البغوي في ((معجم الصحابة)) عن أحمد بن عبيد بن أبي
طيبة أنه سأله عن اسم جده أبي طيبة، فقال: ميسرة، ويقال اسمه نافع. قال
العسكري: قيل اسمه نافع، ولا يصح ولا يعرف اسمه. قال الحافظ: كذا قال،

٢٥٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ووقع مسمى كذلك في مسند محيصة بن مسعود من مسند أحمد: كما تقدم.
(فَأَمَرَ لَهُ) أي: لأبي طيبة (بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ) أي: أجرة لحجامته، هكذا أخرجه
البخاري في البيوع من رواية مالكً عن حميد عن أنس بتعيين الصاع، وأخرج في
الإجارة من رواية سفيان عن حميد بلفظ: ((فأمر له بصاع أو صاعين من طعام)) أي:
بالشك، وفي الطب من رواية عبد الملك بن المبارك عن حميد عن أنس ((فأعطاه
صاعين من طعام)) من غير شك، وفي الإجارة أيضا من رواية شعبة عن حميد بلفظ:
((فأمر له بصاع أو صاعين أو مد أو مدين)). قال الحافظ: شك من شعبة، وقد تقدم
في رواية سفيان ((صاعًا أو صاعين)) على الشك أيضا ولم يتعرض لذكر المد. وقد
تقدم في البيوع من رواية مالك عن حميد ((فأمر له بصاع من تمر)) ولم يشك، وأفاد
تعيين ما في الصاع، وأخرج أحمد وابن ماجه من حديث علي قال: ((أمرني
النبي ◌َّليّ فأعطيت الحجام أجره)) فأفاد تعيين من باشر العطية.
(وَأَمَرَ) النبي ◌َِّ (أَهْلَهُ) أي: ساداته، وفي رواية سفيان عن حميد عند البخاري
((وكلم مواليه، فخفف عن غلته أو ضريبته)). قال في ((المحلى)): هم بنو حارثة على
الصحيح، وقيل: بنو بياضة. انتهى. وقال الحافظ: مواليه هم بنو حارثة على
الصحيح. ومولاه منهم محيصة بن مسعود كما تقدم قريبًا. وإنما جمع الموالى
مجازا كما يقال: بنو فلان قتلوا رجلا ويكون القاتل منهم واحدًا. وأما ما وقع في
حديث جابر أنه مولى بني بياضة، فهو وهم، فإن مولى بني بياضة آخر يقال له: أبو
هند. انتهى .
(أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ) ببناء المعلوم من التخفيف (مِنْ خَرَاجِهِ) قال الزرقاني: بفتح
الخاء المعجمة: ما يقرره السيد على عبده أن يؤديه إليه كل يوم أو شهر أو نحو ذلك
- انتهى. ويقال له: ضريبة بفتح المعجمة، وغلة بالغين المعجمة وأجر وقد وقع
جميع ذلك في الحديث. قال في ((المحلى)): كان خراجه ثلاثة آصع فوضع عنه
لهذه الشفاعة صاع بيته حديث ابن عمر في ((الشمائل)). وصح في رواية أن خراجه
صاعان. انتهى. وقال الحافظ: ولابن أبي شيبة (ج ٦ ص ٢٦٧) وعبد الله بن أحمد
في زيادات ((المسند)) (ج ١ ص ١٣٥) من حديث علي أنه وَّ قال للحجام: كم
خراجك؟ قال: صاعان، قال: فوضع عنه صاعًا وكأن هذا هو السبب في الشك

٢٥٧
كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكِسْبٍ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
الماضي يعني مقدار الأجرة. وهذه الرواية تجمع الخلاف. وفي حديث ابن عمر
عند ابن أبي شيبة (ج ٦ ص ٢٦٦) أن خراجه كان ثلاثة آصع. وكذا لأبي يعلى عن
جابر، فإن صح جمع بينهما بأنه كان صاعين وزيادة فمن قال صاعين ألغى الكسر،
ومن قال ثلاثة جبره. انتهى.
قلت: وروى أحمد (ج ١ ص ٢٤١ و ٣٣٣) من حديث ابن عباس أن رسول الله
وَالخيّ حجمه عبد لبنى بياضه وكان أجره مدًّا ونصفًا، فكلم أهله حتى وضعوا عنه
نصف مد، وفي رواية وأعطى الحجام أجره مدًّا ونصفًا، قال: وكلم مواليه،
فحطوا عنه نصف مد. وهذا ينافي ما تقدم من أن خراجه كان ثلاثة آصع أو صاعين
ووضع عنه صاع، فقيل في الجمع بينهما باحتمال أن هذا الحجام غير ذلك،
والضرائب تختلف باختلاف القوة وكثرة العمل. والله تعالى أعلم.
وفي الحديث دليل على جواز أخذ الأجرة على الحجامة، واختلف العلماء في
ذلك، فذهب الجمهور إلى أنه حلال، واحتجوا بحديث أنس هذا، وبحدیث ابن
عباس عند الشيخين، قال: احتجم النبي ◌َّ- وأعطى الحجام أجره، ولو كان سحتا
لم يعطه. وحملوا النهي على التنزيه؛ لأن في كسب الحجام دناءة والله يحب
معالي الأمور؛ ولأن الحجامة من الأشياء التي تجب للمسلم على المسلم إعانة له
عند الاحتياج إليها، فما كان ينبغي له أن يأخذ على ذلك أجرًا، يؤيد هذا إذنه ولاء لما
سأله محيصة عن أجرة الحجامة أن یطعم منها ناضحه ورقیقه، ولو كانت حراما لما
جاز الانتفاع بها بحال، ومن أهل هذا القول من زعم أن النهي منسوخ وجنح إلى
ذلك الطحاوي، وقد علم أن صحة النسخ متوقفة على العلم بتأخر الناسخ وعدم
إمكان الجمع بوجه والأول غير ممكن هنا. والثاني ممكن بحمل النهي على كراهة
التنزيه بقرينة إذنه وَ الر بالانتفاع بها في بعض المنافع وبإعطائه بَّر الأجر لمن حجمه
ولو كان حرامًا لما مكنه منه.
وقال آخرون: يجوز للمحتجم إعطاء الحجام الأجرة، ولا يجوز للحجام
أخذها، رواه ابن جرير عن أبي قلابة وعلته أن النبي ◌َّ أعطى الحجام أجرًا، فجائز
لهذا الاقتداء بالنبي وَّ في أفعاله، وليس للحجام أخذها للنهي عن كسبه، وبه قال
ابن جرير إلا أنه قال: إن أخذ الأجرة رأيت له أنه يعلف به ناضحه ومواشيه، ولا

٢٥٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يأكله فإن أكله لم أر بأكله حراما، وذهب أحمد وجماعة إلى الفرق بين الحر والعبد
فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة ويحرم عليه الإنفاق على نفسه منها، ويجوز له
الإنفاق على الرقيق والدواب منها. وأباحوها للعبد مطلقا، وعمدتهم حديث
محيصة الآتي في الفصل الثاني وجمع ابن العربي بين الأحاديث بأن محل الجواز
إذا كانت الأجرة على عمل معلوم، ومحل الزجر والنهي على ما إذا كانت على
عمل مجهول. وقيل في الجمع: إن النهي عن كسب الحجام محمول على ما
يكتسبه من بيع الدم، فقد كانوا في الجاهلية يأكلونه ولا يبعد أن يشتروه للأكل،
فيكون ثمنه حرامًا، ولكن الجمع بهذا الوجه بعيد، فيتعين المصير إلى الجمع
بالوجه الأول، وأطلق اسم الخبيث والسحت على المكروه؛ تنزيها وهو كسب
الحجام ههنا لكون الحجامة من المكاسب الدنيئة، وارجع لمزيد من التفصيل إلى
((التمهيد)) (ج ٢ ص ٢٢٤، ٢٢٧) لابن عبد البر وفي الحديث جواز مخارجة السيد
لعبده برضاه وهو أن يقول لعبده: اكتسب وأعطني من كسبك كل يوم كذا، والباقي
لك فیقول العبد: رضيت به، وفيه إباحة نفس الحجامة ويلتحق به ما یتداوی به من
إخراج الدم وغيره، وفيه إباحة الأجرة على المعالجة للطبيب والشفاعة إلى
أصحاب الحقوق والديون أن يخففوا منها.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في البيوع، وفي الإجارة وفي الطب ومسلم في
البيوع، وأخرجه أيضا أحمد (ج ٣ ص ١٧٣، ١٨٢، ١٨٣) ومالك في كتاب
الجامع والترمذي وأبو داود في البيوع وابن ماجه في التجارات والحميدي (ج ٢
ص ٥١١) والدارمي في البيوع والبيهقي (ج ٨ ص ٩) وابن أبي شيبة (ج ٦ ص
٢٦٦) .

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابِ الْكِسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
٢٥٩
الفصل الثاني
٢٧٩٥ - [١٢] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ بَّهِ: ((إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ
مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ)).
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةٍ أَبِيِ دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيِّ: ((إِنَّ مِنْ أَطْيُبٍ مَا أَكَلَ
الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنَّ كَسْبِهِ)]
الشرح
٢٧٩٥ - قوله: (إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ) أي: أحله وأهنأه، و((ما)) موصولة أو
موصوفة أو مصدرية، والمصدر بمعنى المفعول.
(مِنْ كَسْبِكُمْ) قال المناوي: يعني أن أطيب أكلكم مما كسبتموه بغير واسطة؛
لقربه للتوكل، وتعدي نفعه وكذا بواسطة أولادكم كما بينه بقوله: ((وإن أولادكم
من کسیکم))، لأن ولد الرجل بعضه وحکم بعضه حکم نفسه، وسمي والولد كسبًا
مجازًا؛ وذلك لأن والده سعى في تحصيله أي: تسبب في وجوده واكتسبه بفعله،
والكسب. الطلب والسعي في الرزق. وقوله: ((مِنْ كَسْبِكُمْ)) خبر ((إن)) يعني أن
أطيب أكلكم مبتدأ وناشئ مما كسبتموه بغير واسطة أو بواسطة من كسب
أولادكم. وقال السندي: الطيب: الحلال والتفضيل فيه بناء على بعده عن الشبهات
ومظانها، والكسب: السعي في تحصيل الرزق وغيره. والمراد: المكسوب
الحاصل بالطلب والجد في تحصيله بالوجه المشروع.
(وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ) أي: من جملته؛ لأنهم حصلوا بواسطة تزوجكم
فيجوز لكم أن تأكلوا من كسب أولادكم، كما تأكلون من كسب أنفسكم، والسياق
المذكور للترمذي وابن ماجه في أواخر التجارات وأحمد (ج ٦ ص ١٦٢) ولفظ
النسائي وابن ماجه في أول التجارات.
(٢٧٩٥) أخرجه الترمذي (١٣٥٨)، والنسائي في ((الكبرى)) (٦٠٠١)، وابن ماجه (٢٢٩٠)، والدارمي
في («السنن» (٢٥٧٩).