Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
وقال الحافظ في باب فضل من استبرأ لدينه من كتاب الإيمان: قوله: ((الحلال
بين والحرام بين)) أي: في عينهما ووصفهما بأدلتهما الظاهرة. وقال في البيوع: في
الحديث تقسيم الأحكام إلى ثلاثة أشياء، وهو صحيح؛ لأن الشيء إما أن ينص على
طلبه مع الوعيد على تركه، أو ينص على تركه مع الوعيد على فعله، أو لا ينص
على واحد منهما، فالأول: الحلال البين، والثاني: الحرام البين، فمعنى قوله:
((الحلال بين)) أي: لا يحتاج إلى بيانه أو يشترك في معرفته كل أحد، والثالث:
مشتبه لخفائه فلا يدرى هل هو حلال أو حرام؟ وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه؛
لأنه إن كان في نفس الأمر حرامًا فقد برئ من تبعتها، وإن كان حلالًا، فقد أجر
على تركها بهذا القصد، بأن الأصل في الأشياء مختلف فيه حظرًا وإباحة والأولان
قد يردان جميعًا، فإن علم المتأخر منهما وإلا فهو من حيز القسم الثالث، وسيأتي
ذكرها ما فسر به المشتبه .
(وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ) بكسر الموحدة، أي: أمور ملتبسة غير مبينة؛ لكونها ذات
جهة إلى كل من الحلال والحرام. قال الحافظ: ((مشتبهات)) بوزن مفتعلات بتاء
مفتوحة وعين خفيفة مكسورة، والمعنى: أنها اكتسبت الشبه من وجهين متعارضين
(لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) أي: لا يعلم حكمها، وجاء واضحًا في رواية الترمذي
بلفظ: ((أَمِنَ الحَلَالِ هِيَ أَمْ مِنَ الحَرَامِ؟)) ومفهوم قوله: ((كثير)) أن معرفة حكمها
ممكن لكن للقليل من الناس وهم المجتهدون، فالشبهات على هذا في حق
غيرهم، وقد تقع لهم حيث لا يظهر لهم ترجيح أحد الدليلين قاله الحافظ. وقال
النووي: قوله: ((الحلال بين ... )) إلخ معناه: أن الأشياء ثلاثة أقسام: حلال بين
واضح لا يخفى حله كالخبز والفواكه والزيت والعسل والسمن ولين مأكول اللحم
وبيضته وغير ذلك من المطعومات وكذلك الكلام والنظر والمشي وغير ذلك من
التصرفات فيها حلال بين واضح لا شك في حله، وأما الحرام البين، فكالخمر
والخنزير والميتة والبول والدم المسفوح وكذلك الزنا والكذب والغيبة والنميمة
والنظر إلى الأجنبية وأشباه ذلك، وأما المشتبهات فمعناه: أنها ليست بواضحة
الحل ولا الحرمة، فلهذا لا يعرفها كثير من الناس ولا يعلمون حكمها، وأما
العلماء، فيعرفون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب أو غير ذلك، فإذا تردد
الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن فيه نص ولا إجماع اجتهد فيه المجتهد، فألحقه

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكَسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
٢٢١
بأحدهما بالدليل الشرعي، فإذا ألحقه به؛ صار حلالا، وقد يكون دليله غير خال
عن الاحتمال البين، فيكون الورع تركه ويكون داخلاً في قوله وَلّ: ((فَمَنِ اتَّقَى
الشُّبُهَاتِ، فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ))، وما لم يظهر للمجتهد فيه شيء وهو مشتبه،
فهل يؤخذ بحله أم بحرمته أم يتوقف؟ فيه ثلاثة مذاهب حكاها القاضي عياض
وغيره، والظاهر: أنها على الخلاف المذكور في الأشياء قبل ورود الشرع وفيه
أربعة مذاهب، الأصح أنه لا حل ولا حرمة ولا إباحة ولا غيرها؛ لأن التكليف عند
أهل الحق لا يثبت إلا بالشرع، والثاني: أن حكمها التحريم، والثالث: الإباحة،
والرابع: التوقف. انتهى. (فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ) بالضم جمع شبهة حذر منها
واجتنبها مأخوذ من التقوى، وهي لغة: جعل النفس في وقاية مما يخاف، وشرعًا:
حفظ النفس عن الآثام وما يجر إليها (اسْتَبْرَأَ) بالهمزة بوزي استفعل من البراءة،
أي: طلب البراءة وحصلها (لِدِينِهِ) من الذم الشرعي (وَعِرْضِهِ) بكسر العين أي من
كلام الطاعن. قال البغوي: استبرأ لعرضه أي احتاط لنفسه، وقال الحافظ: قوله:
((استبرأ)) أي: برأ دينه من النقص وعرضه من الطعن فيه لأن من لم يعرف باجتناب
الشبهات لم يسلم لقول من يطعن فيه، وفيه دليل على أن من لم يتوق من الشبهة في
كسبه ومعاشه، فقد عرض نفسه للطعن فيه، وفي هذا إشارة إلى أن المحافظة على
أمور الدين ومراعاة المروءة. انتهى. وفي رواية الترمذي فمن تركها استبرأ لدينه
وعرضه، فقد سلم (وَمَنْ وَقَعَ فِي الشَّبُهَاتِ) أي: هجم عليها ولم يتوقف دونها،
وقيل: يعني فعلها وتعودها (وَقَعَ فِي الْحَرَامِ) أي: كاد أن يقع فيه بدليل ما وقع في
رواية: ((يوشك أن يقع في الحرام)). وفي رواية الترمذي: ((من واقع شيئًا منها
يوشك أن يواقع الحرام)) قال التوربشتي: الوقوع في الشيء: السقوط فيه، وكل
سقوط شديد يعبر عنه بذلك، والمعنى: أن من هون على نفسه الوقوع في الشبهات
حتى يتعود ذلك، فإنه يقع في الحرام؛ تحقيقًا لمداناته الوقوع، كما يقال: من أتبع
نفسه هواها؛ فقد هلك. وقال النووي: هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن من يكثر
تعاطي الشبهات يصادف الحرام وإن لم يتعمده، وقد يأثم بذلك إذا قصر في
التحري، والثاني: أنه يعتاد التساهل ويتمرن عليه ويجسر على شبهته ثم شبهته أغلظ
منها وهلم جرا إلى أن يقع في الحرام عمدًا، وهذا نحو قول السلف: ((المعاصي
بريد الكفر)» أي: تسوق إليه.

٢٢٢
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
قال الحافظ: اختلف في حكم الشبهات فقيل: التحريم، وهو مردود، وقيل:
الكراهة، وقيل: الوقف، وهو كالخلاف فيما قبل الشرع.
وحاصل ما فسر به العلماء الشبهات أربعة أشياء: أحدها: تعارض الأدلة.
ثانيها: اختلاف العلماء. وهي منتزعة من الأولى. ثالثها: أن المراد بها مسمى
المكروه؛ لأنه يجتذبه جانب الفعل والترك. رابعها: أن المراد بها المباح ولا
یمکن قائل هذا أن يحمله على متساوي الطرفین من کل وجه، بل یمکن حمله على
ما يكون من قسم خلاف الأولى، بأن يكون متساوي الطرفين باعتبار ذاته راجح
الفعل أو الترك باعتبار أمر خارج، ونقل ابن المنير في مناقب شيخه القباري عنه أنه
كان يقول: المكروه عَقَبَةٌ بين العبد والحرام فمن استكثر من المكروه تطرق إلى
الحرام، والمباح عقبة بينه وبين المكروه، فمن استكثر منه تطرق إلى المكروه،
وهو منزع حسن، ويؤيده رواية ابن حبان من طريق ذكر مسلم إسنادها ولم يسق
لفظها فيها من الزيادة: ((اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال، من فعل ذلك
استبرأ لعرضه ودينه، ومن أرتع فيه كان كالمرتع إلى جنب الحمى يوشك أن يقع
فيه))، والمعنى: أن الحلال حيث يخشى أن يؤول فعله مطلقًا إلى مكروه أو محرم
ينبغي اجتنابه كالإكثار مثلًا من الطيبات، فإنه يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع
في أخذ ما لا يستحق أو يفضي إلى بطر النفس، وأقل ما فيه الاشتغال عن مواقف
العبودية، وهذا معلوم بالعادة مشاهد بالعيان. والذي يظهر لي رجحان الوجه
الأول على ما سأذكره، ولا يبعد أن يكون كل من الأوجه مرادًا ويختلف ذلك
باختلاف الناس، فالعالم الفطن لا يخفى عليه تمييز الحكم، فلا يقع له ذلك إلا في
الاستكثار من المباح أو المكروه كما تقرر قبل ودونه تقع له الشبهة في جميع ما ذكر
بحسب اختلاف الأحوال. ولا يخفى أن المستكثر من المكروه تصير فيه جرأة على
ارتكاب المنهي في الجملة أو يحمله اعتياده ارتكاب المنهي غير المحرم على
ارتكاب المنهي المحرم إذا كان من جنسه أو يكون ذلك لشبهة فيه، وهو أن من
تَعاطَى ما نهى عنه يصير مظلم القلب؛ لفقدان نور الورع، فيقع في الحرام ولو لم
يختر الوقوع فيه، ووقع عند المصنف - يعني البخاري - في البيوع من رواية أبي
فروة عن الشعبي في هذا الحديث، فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان
له أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أو شك أن يواقع ما استبان، وهذا

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكَسْبٍ وَطَلبِ الْحَلَّالِ
٢٢٣
Ex=
يرجح الوجه الأول كما أشرت إليه. انتهى كلام الحافظ. وقال القاضي عياض:
اختلف في حكم المشتبهات فقيل: مواقعتها حرام، وقيل: حلال، لكن يتورع عنه
الاشتباهه، وقيل: لا يقال فيها: لا حلال ولا حرام؛ لقوله: ((الحلال بين والحرام
بين وبينهما أمور مشتبهات)) فلا يحكم لها بشيء من الحكمين. قال: وقد أكثر
العلماء من الكلام على تفسير المشتبهات، ونحن نبينها على أمثل طريقة، فاعلم أن
الاشتباه هو الالتباس، وإنما يطلق في مقتضى هذه التسمية هاهنا على أمر أشبه
أصلًا ما، وهو مع هذا يشبه أصلًا آخر يناقض الأصل الأول، فكأنه كثر اشتباهه،
فقيل: اشتبه بمعنى اختلط حتى كأنه شيء واحد من شيئين مختلفين إذا عرفت
ذلك، فقد يكون أصول الشرع المختلفة تتجاذب فرعًا واحدًا تجاذبًا متساويًا في
حق بعض العلماء ولا يمكنه تصوير بترجيح ورده لبعض الأصول يوجب تحريمه
ورجه لبعضها یوجب حله، فلا شك أن الأحوط هاهنا تجنب هذا و من تجنبه وصف
بالورع والتحفظ في الدين (كَالرَّاعِي) خبر مبتدأ محذوف، أي: مثله كالراعي،
والمعنى: حال من وقع في الشبهات حيث يخاف عليه أنه يقع في المحرمات كحال
الراعي، وضرب المثل به لما كان فيما ذكر قبله نحو خفاء، وفائدة ضرب المثل:
تجلية المعنى المعقول بصورة المحسوس لزيادة الكشف، وفي بعض الروايات أن
النبي ◌َّ قال: ((سأضرب لكم مثلًا)) ثم ذكر هذا الكلام والراعي أصله الحافظ
لغيره، ومنه قيل للوالي: رَاعٍ، والعامة رَعِيَّة، وللزوج رَاعٍ، ثم خص عرفًا بحافظ
الحيوان كما هنا (يَرْعَى) صفَّة للراعي لأنه في المعنى كالنِّرة، ويحتمل أن يكون
حالاً والمفعول محذوف تقديره: كالراعي يرعى حول مواشيه (حَوْلَ الْحِمَى)
بكسر المهملة وفتح الميم المخففة، اسم مصدر وهو المرعي الذي يحميه السلطان
من أن يرتع منه غير رعاة دوابه، وهذا المنع غير جائز إلا للنبي وَّة؛ لقوله: ((لا
حمى إلا لله ورسوله)) (يُوشِك) بضم أوله وكسر الشين المعجمة أي يقرب ويسرع
(أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ) أي: في نفس الحمى، وفي بعض الروايات بلفظ: ((أن يقع فيه)) وفي
لفظ: ((أي يواقعه)) والتشبيه المذكور تشبيه ملفوف؛ لأنه تشبيه بالمحسوس الذي لا
يخفى حاله، شبه المكلف بالراعي والنفس البهيمية بالأنعام والمشتبهات بما حول
الحمى والمحارم، أي: المعاصي بالحمى وتناول المشتبهات والرتع حول
الحمى. ووجه التشبيه: حصول العقاب بعدم الاحتراز في ذلك.

٢٢٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصابِيحِ
قال الحافظ: وفي اختصاص التمثيل بذلك نكتة: وهي أن ملوك العرب كانوا
يحمون لمراعي مواشيهم أماكن مختصة يتوعدون من يرعى فيها بغير إذنهم
بالعقوبة الشديدة، فمثل لهم النبي بَّ بما هو مشهور عندهم، فالخائف من
العقوبة المراقب لرضا الملك يبعد عن ذلك الحمى، خشية أن تقع مواشيه في شيء
منه، فبعده أسلم له ولو اشتد حذره وغير الخائف المراقب يقرب منه ويرعى من
جوانبه، فلا يأمن أن تنفرد الفاذة فتقع فيه بغير اختياره أو يمحل المكان الذي هو فيه
ويقع الخصب في الحمى، فلا يملك نفسه أن يقع فيه، فالله ◌َُّ هو الملك حقًّا،
وحِمَاه محارمه، (أَلَا) مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي لإعطاء معنى التنبيه
على تحقق ما بعدها وصحته (وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكِ حِمَّى) أي: على ما كان عليه الجاهلية،
أو إخبار عما يكون عليه ظلمة الإسلامية. قال العيني: ((الواو)) فيه عطف على مقدر
تقديره: ألا إن الأمر كما تقدم وإن لكل ملك حمى. وقال القاري: الأظهر أن الواو
هي الابتدائية التي تسمي النحاة ((الاستئنافية)) الدالة على انقطاع ما بعدها عما قبلها
ففي الجمل كما ذكره صاحب ((المغني)) (أَلَّا وَإِنَّ حِمَى اللهِ) زاد في رواية: ((في
أرضه)) (مَحَارِمُهُ) وهي أنواع المعاصي، فمن دخله بارتكاب شيء منها استحق
العقوبة عليه، وهو جمع محرم وهو الحرام (أَلَا) في إعادتها وتكريرها دليل على
عظم شأن مدلولها (وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً) بالنصب؛ لأنه اسم ((إن)) وخبرها ((هو))
قوله: ((في الجسد)) مقدما، والمضغة: قطعة من اللحم قدر ما يمضغ وعبر بها
هاهنا عن مقدار القلب في الرؤية. قال العلماء: المراد بتصغير القلب بالنسبة إلى
باقي الجسد مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان له (إِذَا صَلَحَتْ) أي: المضغة وهي
القلب (صَلَحَ الْجَسَدُ كُلَّهُ) أي: أعضاؤه كلها (وَإِذَا فَسَدَتْ) قال الحافظ: قوله:
((وإذا صلحت وإذا فسدت)) هو بفتح عينهما وتضم في المضارع، وحكى الفراء
الضم في ماضي صلح وهو يضم وفاقا؛ إذا صار له الصلاح هيئة لازمة الشرف
ونحوه، والتعبير بـ((إذا)) لتحقق الوقوع غالبًا، وقد تأتي بمعنى ((إن)) كما هنا، أي:
لأن الصلاح غير متحقق لاحتمال الفساد، والقرينة على ذلك ذكر المقابل، وخص
القلب بذلك لأنه أمير البدن وبصلاح الأمير تصلح الرعية وبفساده تفسد. (أَلَا
وَهِيَ) أي: المضغة الموصوفة (الْقَلْبُ) فيه تنبيه على تعظيم قدر القلب والحث
على صلاحه والإشارة إلى أن لطيب الكسب أثرًا فيه، والمراد: المتعلق به من

٢٢٥
بَابُ الْكِسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَّالِ
كِتّابُ البُيُوعِ
الفهم الذي ركبه الله فيه، وسمي القلب قلبًا؛ لتقلبه في الأمور، أو لأنه خالص ما
في البدن وخالص كل شيء: قلبه، أو لأنه وضع في الجسد مقلوبًا، وبمناسبة
قوله: ((ألا وإن في الجسد مضغة ... )) إلخ لما قبله بالنظر إلى أن الأصل في الاتقاء
والوقوع هو ما كان بالقلب؛ لأنه عماد البدن، وقد عظم العلماء أمر هذا الحديث
فعدوه رابع أربعة تدور عليها الأحكام، كما نقل عن أبي داود، وفيه البيتان
المشهوران، وهما:
أربع من كلام خير البريه
عمدة الدين عندنا كلمات
ليس يعنيك واعملن بِنِيَّه
اتق الشبهات وازهد ودع ما
والمعروف عن أبي داود عد: ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه)) الحديث بدل: «ازهد في
ما أيدي الناس)) وجعله بعضهم ثالث ثلاثة وحذف الثاني، وأشار ابن العربي إلى أنه
يمكن أن ينتزع منه وحده جميع الأحكام. قال القرطبي: لأنه اشتمل على التفصيل
بين الحلال وغيره، وعلى تعلق جميع الأعمال بالقلب، ومن هنا يمكن أن يرد
جميع الأحكام إليه، كذا في ((الفتح))، وقال النووي: أجمع العلماء على عظم هذا
الحديث وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام. قال جماعة:
هو ثلث الإسلام وأن الإسلام يدور عليه، وعلى حديث: ((الأعمال بالنية))،
وحديث: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) وقال أبو داود: يدور على أربعة
أحاديث، هذه الثلاثة، وحديث: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب
لنفسه)) وقيل: حديث: ((ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس
يحبك الناس)) قال العلماء: وسبب عظم موقعه أنه رّ نبه فيه على إصلاح المطعم
والمشرب والملبس وغيرها، وأنها ينبغي أن تكون حلالًا، وأرشد إلى معرفة
الحلال، وأنه ينبغي ترك المشتبهات، فإنه سبب لحماية دينه وعرضه وحذر من
مواقعة الشبهات وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى، ثم بين أهم الأمور وهي
مراعاة القلب، فقال وَّر: ((ألا إن في الجسد مضغة ... )) إلى آخره، فبين وَلجلال أن
بصلاح القلب يصلح باقى الجسد وبفساده يفسد باقيه. انتهى.
قلت: ولعظم موقع حديث النعمان هذا بسط العلماء الكلام في شرحه وأحسنهم
بَسْطًا الحافظ بن رجب كما لا يخفى على من طالع شرحه لأربعين النووي، وهو

٢٢٦
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الحديث السادس من أحاديث ((جامع العلوم والحكم)) فعليك أن تراجعه، وقد أفرد
العلامة الشوكاني لشرحه جزءًا وأتى فيه بأبحاث مفيدة نافعة بعضها مما لم يسبق
إليه .
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البخاري في الإيمان وفي البيوع ومسلم في البيوع.
قال الحافظ: قد توارد أكثر الأئمة المخرجين له على إيراده في كتاب البيوع؛
لأن الشبهة في المعاملات تقع فيها كثيرًا وله تعلق أيضا بالنكاح وبالصيد وبالذبائح
والأطعمة والأشربة وغير ذلك مما لا يخفى. انتهى.
قلت: وأخرجه أيضا أحمد (ج٤ ص ٢٦٧، ٢٦٩، ٢٧٠، ٢٧١، ٢٧٤)، وأبو
داود والترمذي في البيوع والنسائي فيه، وفي الأشربة وابن ماجه في الفتن،
والحميدي (ج ٢ ص ٤٠٨)، والدارمي وابن الجارود في ((المنتقى)) (ص ١٩٤)،
وابن خزيمة في ((صحيحه)) والإسماعيلي وأبو نعيم في ((المستخرج)) وأبو عوانة
والطبراني والبيهقي (ج ٥ ص ٢٦٥)، والبغوي (ج ٨ ص ١٢)، وابن أبي شيبة (ج
٦ ص ٥٦٠) وغيرهم. وفي ألفاظه عندهم بعض الزيادة والنقص، والمعنى واحد
متقارب، وقد روي عن النبي وٍَّّ من حديث ابن عمر وعمار بن ياسر في ((الأوسط))
للطبراني، ومن حديث ابن عباس في ((الكبير)) له، ومن حديث واثلة في ((الترغيب))
للأصبهاني، وفي أسانيدها مقال. قاله الحافظ. وعد ابن رجب فيمن رواه جابر
وابن مسعود أيضا قال: وحديث النعمان أصح أحاديث الباب.

كِتّاب البُيُوعِ
بَابُ الْكِسْبٍ وَطلبِ الْحَلَالِ
٢٢٧
٢٧٨٨ - وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَله: «ثَمَنُ
الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيَّ خَبِيثٌ، وَّسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ]
الشرح
٢٧٨٨ - قوله: (ثَمَنُ الكَلْبِ خَبِيثٌ ... ) إلخ. قال القاضي: الخبيث في
الأصل: ما يكره له لرداءته وخسته ويستعمل للحرام من حيث كرهه الشارع
واسترذله، كما يستعمل الطيب للحلال، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيِثَ بِالَّيِّبِّ﴾.
[النساء: الآية ٢] أي: الحرام بالحلال ولما كان مهر الزانية: وهو ما تأخذه عوضًا عن
الزنا حرامًا كان الخبث المسند إليه بمعنى الحرام، وكسب الحجام لما لم يكن
حرامًا؛ لأنه ◌َّ احتجم وأعطى الحجام أجره كان المراد من المسند إليه الثاني،
وأما نهي بيع الكلب المذكور في حديث ((أبي مسعود وأبي جحيفة)) فمن صححه
كالحنفية؛ فسره بالدناءة ومن لم يصححه كأصحابنا؛ فسره بأنه حرام، انتهى.
وقال التوربشتي: الخبيث: ما يكره رداءة وخساسة، ويستعمل في الحرام، قال الله
تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَمِيثَ بِالطَّيِّبِّ﴾ [النساء: الآية ٢] قيل: الحرام بالحلال، ويستعمل في
الشيء الرديء. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: الآية ٢٦٧] أي :
لا تقصدوا الرديء فتصدقوا به، ويقال للشيء الكريه الطعم أو المنتن الرائحة:
الخبيث. ومنه الحديث: ((من أكل من هذه الشجرة الخبيثة)) وإذ قد علمنا أن فعل
الزنا محرم علمنا أن المراد من الخبيث في مهر البغي هو الحرام؛ لأن بذل العوض
في الزنا ذريعة إلى التوصل، وذلك في التحريم مثله، وقد علمنا أن الحجامة مباحة
وأن النبي وَّل احتجم وأعطى الحجام أجرة علمنا أن المراد من خبث كسبه غير
التحريم، وإنما هو من جهة دناءته ورداءة مخرجه، وقد يطلق اللفظ الواحد على
قرائن شتى، ويختلف فيها المعنى بحسب اختلاف المقاصد فيها. والقول في ثمن
الكلب مبني على هذين القولين حسب اختلاف العلماء، فمن جوز بيعه حمل خبث
ثمنه على الدناءة ومن لم ير بيعه حمله على التحريم. انتهى. قلت: استدل به
(٢٧٨٨) أخرجه مسلم (١٥٦٨).

٢٢٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الجمهور ومنهم أحمد والشافعي ومالك في المشهور عنه، والحسن البصري
ومحمد بن سيرين وعبد الرحمن بن أبي ليلى وربيعة والحكم وحماد والأوزاعي
وداود وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر على تحريم ثمن الكلب. قالوا: هو دالٌّ على
تحريم ثمن الكلب بالنص، ويدل على تحريم بيعه باللزوم وهو عام لكل كلب من
معلم وغيره، وما يجوز اقتناؤه وما لا يجوز.
قال الطيبي: الجمهور على أنه لا يصح بيعه وأن لا قيمة على متلفه سواء كان
مُعَلَّمًا أو لا، وسواء كان يجوز اقتناؤه أم لا، وأجاز أبو حنيفة بيع الكلب الذي فيه
منفعة، وأوجب القيمة على متلفه، وعن مالك روايات الأولى لا يجوز البيع
وتجب القيمة، والثانية كقول أبي حنيفة، والثالثة كقول الجمهور. انتهى.
قلت: قال مالك في ((الموطأ)) بعد رواية حديث أبي مسعود الآتي ما لفظه: أكره
ثمن الكلب الضاري وغيرها؛ لنهي رسول الله وَل عن ثمن الكلب. أي: بالإطلاق
فشملهما. قال الزرقاني: اختلف في أن الكراهة على بابها، ويؤيده رواية ابن نافع
عنه لا بأس ببيعه في الميراث والمغانم والدين، أو على التحريم وهو المشهور عن
مالك المعتمد في مذهبه؛ خلافا لتشهير بعضهم - كالقرطبي - الكراهية، وقال
الباجي: أما الكلب المباح فاختلف فيه قول مالك فيتأول بعض أصحابه أنه يجوز
بيعه، وروى عنه ابن القاسم أنه كره بيعه، وهي رواية ((الموطأ))، فإذا قلنا بالمنع من
بيع الكلب الضاري، فقد قال القاضي أبو محمد: أن أصحابنا اختلفوا في ذلك،
فمنهم من قال: هذا مكروه، ويصح، ومنهم من قال: لا يجوز، وبه قال الشافعي،
فمن قتله على الوجهين، فعليه لصاحبه قيمته عند مالك. وقال الشافعي: لا قيمة
عليه. والدليل على ما نقوله أن هذا حيوان أبيح الانتفاع به، فإذا لم يجز بيعه كان
علی مستهلكه قیمته کأم الولد. انتهى.
وقال الزرقاني: لا خلاف عن مالك أن من قتل كلب صيد أو ماشية أو زرع،
فعليه قيمته، ومن قتل ما لم يؤذن له فيه لا شيء عليه، وأسقطها الشافعي وأحمد
فيهما وأوجبها أبو حنيفة فيهما. انتهى. وقال ابن قدامة: لا يختلف المذهب في أن
بيع الكلب باطل، أيُّ كلب كان، وبه قال الحسن وربيعة وحماد والأوزاعي
والشافعي وداود، ورخص في ثمن كلب الصيد خاصة جابر بن عبد الله وعطاء

٢٢٩
كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكَسْبٍ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
والنخعي، وجوز أبو حنيفة بيع الكلاب كلها، وأخذ ثمنها، وعنه رواية في الكلب
العقور أنه لا يجوز بيعه، واختلف أصحاب مالك، فمنهم من قال: لا يجوز،
ومنهم من قال: الكلب المأذون في إمساكه يجوز بيعه ويكره، واحتج من أجاز
بيعه بما روي عن جابر أن النبي ◌َّ نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب الصيد،
ولنا حديث أبي مسعود الأنصاري الآتي.
وأما حديثهم، فقال أحمد: هذا من الحسن بن أبي جعفر وهو ضعيف. وقال
الدار قطني: الصحيح أنه موقوف على جابر، وقال الترمذي: لا يصح إسناد هذا
الحديث، وقد روي عن أبي هريرة، ولا يصح أيضا. انتهى. وقال الشوكاني في
((النيل)) بعد ذكر مذهب الجمهور ومذهب أبي حنيفة: وقال عطاء والنخعي: يجوز
بيع كلب الصيد دون غيره ويدل عليه ما أخرجه النسائي من حديث جابر، قال: نهى
رسول الله وَله عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد. قال في ((الفتح)): ورجال إسناده
ثقات إلا أنه طعن في صحته، وأخرج نحوه الترمذي من حديث أبي هريرة لكن من
رواية أبي المهزم وهو ضعيف، فينبغي حمل المطلق على المقيد ويكون المحرم
بيع ما عدا كلب الصيد إن صلح هذا المقيد للاحتجاج به، واختلفوا أيضًا هل تجب
القيمة على متلفه؟ فمن قال بتحريم بيعه، قال: بعدم الوجوب، ومن قال بجوازه،
قال بالوجوب، ومن فصل في البيع؛ فصل في لزوم القيمة - انتهى.
وقال في ((السيل الجرار)): ذهب الجمهور إلى تحريم بيع الكلب وهو الحق،
وأما من استثنى كلب الصيد، فقد استدل له بما أخرجه النسائي من حديث جابر،
قال: نهى رسول الله وَله عن ثمن الكلب إلا كلب صيد. قال في ((الفتح)): رجال
إسناده ثقات إلا أنه طعن في صحته. انتهى. وفي إسناده الحسن بن أبى جعفر. قال
يحيى بن معين: ليس بشيء، وضعفه أحمد. وقال ابن حبان: لا أصل له، وأخرج
نحوه الترمذي من حديث أبي هريرة، وفي إسناده أبو المهزم وهو ضعيف بل
متروك، فلم يصح الاستثناء بدليل يقوم به الحجة، وإذا عرفت هذا فبيع تلك
الأعيان المنصوص عليها في الأحاديث - يعني: الخمر والميتة والخنزير والأصنام
والدم والكلب - حرام باطل، ومن جادل في ذلك وألزم بإلزامات مذهبية فهو
منتصب للرد على رسول الله ◌َّ﴾، وما لنا ولكون فلان لم يعمل بكذا وترك العمل
بكذا، فلزمه كذا، فإن هذه المباحث بالجهل أشبه منها بالعلم، واستعمال القواعد

٢٣٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
الجدلية عند الكلام على الأدلة الشرعية من التلاعب الذي لا يرضاه متدين، وإذا
جاء نهر الله؛ بطل نهر معقل.
وقال الشيخ محمد عابد السندي في ((المواهب اللطيفة)): الأحاديث في النهي
عن ثمن الكلب قد كثرت وتعددت، منها: ما رواه الشيخان من حديث أبي
مسعود، ومنها: ما رواه مسلم من حديث جابر، ومنها: ما رواه أبو هريرة عند أبي
داود والنسائي، ومنها: حديث ابن عمر عند الحاكم في ((مستدركه))، وعنده من
حديث ابن عباس بلفظ: ((ثمن الكلب، خبيث وهو أخبث منه)) وعند أبي داود من
حديث ابن عباس مرفوعًا ((نهى عن ثمن الكلب)) وقال: ((إن جاء يطلب ثمن الكلب
فاملا کفه ترابًا)) قال الحافظ: وإسناده صحيح. وعند أحمد من حديث ابن عمر،
نهى عن ثمن الكلب، وقال: ((طعمة جاهلية)) ونحوه للطبراني من حديث ميمونة
بنت سعد، وظاهر النهي تحريم بيعه فعمم الشافعي التحريم في كل كلب؛ مُعَلَّمًا
كان أو غيره مما يجوز اقتناؤه وما لا يجوز. وقال: لا قيمة على متلفه وهو قول أكثر
العلماء، والعلة في ذلك عند الشافعي نجاسته مطلقًا، وهي قائمة في المعلَّم
وغيره، وعند من لا يرى بنجاسته النهي عن اتخاذه والأمر بقتله، وهذا قول لمالك،
وله قول آخر أنه لا يجوز بيعه وتجب القيمة على متلفه، ووافق في قول ما حكى أبو
حنيفة أنه يجوز بيعه وتجب القيمة، وفي ((الكافي)) عن أبي يوسف لا يصح بيع
الكلب العقور؛ لأنه لا ينتفع به، فصار كالهوام المؤذية، وشرط شمس الأئمة
لجواز بيع الكلب أن يكون مُعَلَّمًا أو قابلًا للتعليم. وفي ((فتاوى قاضي خان)) أن بيع
الكلب المعلم جائز عندنا ومفهومه عدم جواز بيع الكلب إذا لم يكن مُعَلَّمًا، وهو
المطابق لروايات حديث الباب، وأما ما وقع في حديث ابن عمر عند ابن أبي حاتم
بلفظ: ((نهي عن بيع ثمن الكلب وإن كان ضاريًّا)) - يعني: مما يصيد، فسنده
ضعيف، كما قاله الحافظ: فالعمل على عدم جواز بيع الكلب إلا كلب الصيد؛ لما
دلت عليه الأحاديث المذكورة في أول البحث؛ ولأنه قد ثبت عن النبي وقّ الإذن
في اتخاذه. والله أعلم. انتهى.
قلت: أراد السندي بالأحاديث المذكورة حديث أبي هريرة، وحديث جابر
المذكورين في كلام الشوكاني وابن قدامة وحديث ابن عباس قال: رخص
رسول الله ◌َّيه في ثمن كلب الصيد، ذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج ٤ ص

٢٣١
كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكِسْبٍ وَطَلَبِ الْحَلَّالِ
٥٣) قال: روى أبو حنيفة في ((مسنده)) عن الهيثم بن حبيب عن عكرمة عن ابن
عباس قال: أرخص رسول الله وَّل في ثمن كلب الصيد. قال الزيلعي: وهذا سند
جيد، فإن الهيثم ذكره ابن حبان في ((الثقات)) من أثبات التابعين، ورواه ابن عدي
في ((الكامل)) حدثنا أحمد بن علي المدائني، ثنا أبو علي أحمد بن عبد الله
الكندي، ثنا علي بن معبد ثنا محمد بن الحسن عن أبي حنيفة عن الهيثم به، أن
النبي ◌َّ رخص في ثمن كلب الصيد، انتهى. وأعله بأبي علي الكندي وهو
المعروف باللجلاج. قال: وله أشياء ينفرد بها من طريق أبي حنيفة.
وقال ابن القطان: اللجلاج لم تثبت عدالته وقد حدث بأحاديث كثيرة لأبي
حنيفة كلها مناكير لا تعرف. انتهى. وأما حديث أبي هريرة، فقد تقدم أن الترمذي
رواه من طريق أبي المهزم عن أبي هريرة وأبو المهزم هذا ضعيف متروك، ورواه
البيهقي (ج ٦ ص ٦) من طريق حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء عن أبي
هريرة، ((نهى عن مهر البغي وعسب الفحل، وعن ثمن السنور وعن الكلب إلا
كلب الصيد)).
قال البيهقي: هكذا رواه قيس بن سعد عن عطاء عنه، ورواية حماد عن قيس فيها
نظر. انتهى. وتعقبه ابن التركماني بأن حمادًا وقيسا من رجال مسلم، وفيه: أن
البيهقي لم يتكلم فيهما، بل نظر في رواية حماد عن قيس خاصة وكونهما من رجال
مسلم لا يستلزم صحة هذه الرواية ويؤيد ذلك ما في ((تهذيب الحافظ)). قال
القطان: حماد عن قيس بن سعد ليس بذاك.
وقال عبد الله: عن أبيه أو يحيي عن القطان: إن كان ما يروي حماد عن قيس بن
سعد؛ فهو كذا. قال عبد الله: قلت لأبي: لأي شيء؟ قال: لأنه روى عنه أحاديث
رفعها، وقال أبو داود: لم يكن لحماد بن سلمة كتاب غير كتاب قيس بن سعد يعني
كان يحفظ علمه، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ضاع كتاب حماد عن قيس بن
سعد، وكان يحدثهم من حفظه. انتهى. ورواه الدار قطني (ص ٣١٩) من طريق
الوليد بن عبيد الله بن أبي رباح، عن عمه عطاء عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّه قال:
((ثلاث كلهن سحت: كسب الحَجَّام، ومهر البغي، وثمن الكلب إلا الكلب
الضاري)) . قال الدارقطني: الوليد بن عبيد الله ضعيف، وكذا قال البيهقي (ج ٦

٢٣٢
**
مِزْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
ص ٦) قال ابن التركماني بعد ذكر كلام البيهقي: الوليد بن عبد الله ضعفه
الدار قطني، وكأن البيهقي تبعه ولم يضعفه المتقدمون فيما علمت، بل حكى ابن
أبي حاتم في كتاب ((الجرح والتعديل)) (ج ٤ ص ٩) عن ابن معين أنه ثقة، وأخرج
له ابن حبان في «صحيحه» والحاکم في ((مستدركه)) انتهى. قلت: للوليد بن
عبيد الله بن أبي رباح ترجمة في ((الميزان)) (ج ٣ ص ٢٧٢)، و((اللسان» (ج ٦ ص
٢٢٣) ذكرا فيها تضعيف الدار قطني له، وليس فيها ذكر توثيق ابن معين، وذكر
الزيلعي في ((نصب الراية)) (ج ٤ ص ٥٢) تضعيف الدار قطني وسكت عليه. وقال
قبل ذلك: أخرجه الدار قطني بسند فيه ضعف ثم ذكر الحديث عن الدار قطني بسند
الوليد بن عبيد الله.
واعلم أنه وقع في نسختي ((الميزان)) و((اللسان)) والمطبوعتين ((الوليد بن
عبيد الله)) أي: مُكَبَّرًا، والترتيب فيهما يبين أنه ((ابن عبيد الله)) وأما حديث جابر،
فأخرجه النسائي من طريق حجاج بن محمد عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير عن
جابر أن النبيِ وَّ نهى عن ثمن السنور والكلب إلا كلب صيد.
قال النسائي: هذا حديث منكر، وقال مرة: ليس بصحيح، انتهى. وقد تقدم
عن الحافظ أنه قال: رجال إسناده ثقات إلا أنه طعن في صحته. انتهى. ولعل وجه
الطعن أن أبا الزبير لم يصرح فيه بالسماع من جابر وهو مدلس وليس من رواية
الليث عنه. قال الحافظ في ((طبقات المدلسين)): أبو الزبير وصفه النسائي وغيره
بالتدليس، وقال الخزرجي في ((الخلاصة)): أبو الزبير يدلس عن جابر، وقد ذكر
الحافظ في ((تهذيب التهذيب)) (ج ٩ ص ٤٤٢) أيضًا قصة تدليسه عن جابر، وبذلك
أعل ابن حزم هذا الحديث كما في ((زاد المعاد)) (ج ٢ ص ٢٣٥) والحديث رواه
أحمد والدار قطني أيضا من طريق الحسن بن أبي جعفر عن أبي الزبير عن جابر،
قال: ((نهى رسول الله وَّل عن ثمن الكلب والهر إلا الكلب المعلم)).
قال الدارقطني: الحسن بن أبي جعفر ضعيف. وقال يحيي: ليس بشيء وضعفه
أيضا أحمد. وقال ابن حبان: هذا الخبر بهذا الإسناد لا أصل له. ورواه البيهقي من
طريق عبد الواحد بن غياث، ثنا حماد، ثنا أبو الزبير عن جابر، قال: نهى عن ثمن
الكلب والسنور إلا كلب صيد. قال البيهقي: هكذا رواه عبد الواحد وسويد بن

كِتّابُ البُيُوع
بَابُ الْكَسْبِ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
٢٣٣
عمرو عند الدار قطني (ص ٣١٩، ٣٢٠) عن حماد، ولم يذكر حماد عن النبي ◌َّله
انتهى. قال ابن التركماني: مثل هذا مرفوع عند أهل الحديث وان لم يذكر
النبي ◌َّله، وهو قول أكثر أهل العلم، ومنه قول أنس: ((أمر بلال أن يشفع الأذان))
ذكره ابن الصلاح، وتأيد ذلك فيما تقدم عن أبي هريرة انتهى.
قال محمد عابد السندي بعد ذكر رواية الدارقطني والصحابي: لا يريد من
الناهي والآمر إلا النبي وقالله كقوله: ((أمر بلال أن يشفع الأذان)) فله حكم الرفع -
انتهى. قال البيهقي: ورواه عبيد الله بن موسى عن حماد عن أبي الزبير عن جابر
بالشك في ذكر النبي وَ الر. قال ابن التركماني: أخرج الدار قطني هذه الرواية
ولفظها: عن جابر لا أعلمه إلا عن النبي وَ ليّ، وهذا مرفوع لا شك فيه. انتهى.
ورواه الدار قطني أيضا من طريق الهيثم بن جميل عن حماد عن أبي الزبير عن جابر
قال: نهى رسول الله ◌َله عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد. قال ابن
التركماني: لو سلمنا أن تلك الرواية موقوفة، فرواية الهيثم هذه مرفوعة، وقال فيه
ابن حنبل: وابن سعد ثقة. زاد العجلي: صاحب سنة. وقال الدارقطني: ثقة
حافظ، وأخرج له ابن حبان في ((صحيحه)) والحاكم في ((مستدركه))، والرفع زيادة
ثقة، وزيادة الثقة مقبولة. انتهى. وفيه أنه ليس ذلك مجمعًا عليه، بل فيه خلاف
مشهور، فمن الناس من يقبل زيادة الثقة مطلقا ومنهم من لا يقبلها. قال الزيلعي:
والصحيح التفصيل وهو أنها تقبل في موضع، دون موضع إلي آخر ما قال. وقال
البيهقي بعد ذكر طرق حديث أبي هريرة وحديث جابر المتقدمة: الأحاديث
الصحاح عن النبي ◌َّل في النهي عن ثمن الكلب خالية عن هذا الاستثناء، وإنما
الاستثناء في الأحاديث الصحاح في النهي عن الاقتناء، ولعله شبه على من ذكر في
حديث النهي عن ثمنه من هؤلاء الرواة الذين هم دون الصحابة والتابعين. انتهى.
ذكر الزيلعي كلام البيهقي هذا وسكت عليه، وقال ابن التركماني بعد ذكر كلام
البيهقي : هذا الاستثناء روي من وجهين جيدين: من طريق الوليد بن عبيد الله عن
عطاء عن أبي هريرة، ومن طريق الهيثم عن أبي الزبير عن جابر، وقد أخرجه
الدار قطني من طريق الهيثم ثم أخرجه من رواية سويد بن عمر، وعن حماد بن سلمة
عن أبي الزبير عن جابر، قال: نهي عن ثمن السنور والكلب إلا كلب صيد، ولم
يذكر حماد عن النبي ◌ّ، وهذا أصح من الذي قبله. وهذا لفظ الدار قطني، وقد

٢٣٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قدمنا أن هذا في حكم المرفوع فقد تابع سويد الهيثم، وتابعه أيضًا عبد الواحد بن
غياث كما ذكر البيهقي. وتابعهم أيضًا الحجاج بن محمد مع التصريح بالرفع عند
النسائي، وقد تقدم سنده ومتنه. قال التركماني: وهذا سند جيد، فظهر أن الحديث
بهذا الاستثناء صحيح، والاستثناء زيادة على أحاديث النهي عن ثمن الكلب،
فوجب قبولها والله أعلم. انتهى.
وقال محمد عابد السندي بعد ذكر الطرق المذكورة: فقد تابع سويدًا الهيثم
وتابعه أيضًا عبد الواحد بن غياث وتابعهما أيضًا أبو نعيم كما ذكر الطحاوي
وتابعهم الحجاج بن محمد مع التصريح بالرفع عند النسائي. قال الحافظ: ورجاله
ثقات والحديث إذا صح من طريق فلا يضر مجيئه من طرق أخرى ضعيفة، ولا
صحة للحديث إلا بعد توثيق الرواة، وقد وجد ذلك في حديث الباب والحمد لله،
فالحكم حينئذ بالتضعيف تعصب لا محالة. انتهى. وقال ابن الهمام: حديث ابن
عباس في الرخصة في ثمن كلب الصيد يصلح مخصصًا على رأيهم، وتعليل إخراج
كلب الصيد ظاهر، أنه لكونه منتفعًا به، فصار المنتفع به مطلقًا مخصصًا وبقي
العقور على المنع ومن مشي من أهل المذهب على التعميم في الجواز، يقول: كل
كلب يتأتي منه الحراسة، فيجوز بيعه ويرد عليه أنه نسخ بموجب العام بالتعليل بأن
لا يبقى منه فرد، ولا نسخ بالقياس كذا في ((المحلی)). وقد ظهر بما ذكرنا من كلام
شراح الحديث وغيرهم أن أحاديث الاستثناء بجميع طرقها ضعيفة عند المحدثين.
قال النووي: كلها ضعيفة باتفاق أئمة الحديث وقد أوضحتها في ((شرح المهذب))
في باب ما يجوز بيعه، وقال الزرقاني بعد ذكر حديث جابر في الاستثناء عند
النسائي: هو حديث ضعيف باتفاق المحدثين. انتهى. وعلى هذا فلا يصلح لتقييد
أحاديث النهي الصحيحة وتخصيصها، وقد ظهر أيضا أن الحنفية تصدت لتقوية
بعض طرقها، وقالوا: إنها لقوتها وجودتها صالحة للتخصيص والتقييد، ولا يخفى
ما فيه. قلت: واستدل الإيجاب القيمة على قاتل الكلب المأذون فيه بما روى
البيهقي من طريق الشافعي. قال: أخبرني بعض أصحابنا عن محمد بن إسحاق،
عن عمران بن أبي أنس، أن عثمان أَغْرَمَ رجلًا ثمن كلب قتله عشرين بعيرًا. قال
البيهقي: هذا الذي روي عن عثمان في تضمين الكلب منقطع. وقد روي من وجه
آخر عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه ذكره عن عثمان في قضية ذكرها منقطعة.

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكَسْبٍ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
٢٣٥
وقال البيهقي أيضًا: ثم الثابت عن عثمان بخلافه، فإنه خطب فأمر بقتل الكلاب.
قال الشافعي: فكيف يأمر بقتل ما يغرم من قتله قيمته. انتهى.
واستدل لذلك أيضا بما روى البيهقي من طريق ابن جرير عن عمرو بن شعيب
عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قَضَى في كلب صيد قتله رجل بأربعين
درهما وقضى في كلب ماشية بكبش.
قال البيهقي: هذا موقوف، وابن جرير لا يرون له سماعا عن عمرو. قال
البخاري: لم يسمعه. انتهى. وأثر عبد الله بن عمرو هذا رواه البيهقي أيضا من
طريق سعيد بن منصور عن هشيم عن يعلى بن عطاء عن إسماعيل بن جستاس عن
عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قضى في كلب الصيد أربعين درهما، وفي
كلب الغنم شاة وفي كلب الزرع بفرق من طعام، وفي كلب الدار فرق من تراب،
حق على الذي قتله أن يعطيه، وحق على صاحب الكلب أن يقبل مع نقص الأجر،
ورواه أيضا ابن أبي شيبة وابن حزم وعبد الرزاق، قال البيهقي: إسماعيل بن
جستاس ليس بالمشهور، ثم رواه البيهقي من طريق البيهقي من طريق البخاري عن
قتيبة عن هشيم، عن يعلى بن عطاء عن إسماعيل بن جستاس أنه سمع عبد الله بن
عمرو قضى في كلب الصيد أربعين درهمًا. قال البخاري في ((التاريخ)) (ج ١ ص
٣٤٩): هذا حديث لم يتابع عليه. انتهي.
وتعقبه ابن التركماني بأن إسماعيل هذا ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وكيف يقول
البخاري: لم يتابع عليه، وقد أخرجه البيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه
عن عبد الله بن عمرو، وذكر ابن عدي في ((الكامل)) كلام البخاري، ثم قال: لم
أجد لما قال البخاري فيه أثرًا فأذكره، انتهى. قلت: إسماعيل بن جستاس ضعفه
الأزدي وذكره العقيلي في ((الضعفاء)) كما في ((اللسان)). وذكر الذهبي في ((الميزان))
(ج ١ ص ١٠٤) في ترجمة إسماعيل بن جستاس كلام البخاري وسكت عليه، وأما
حديث عمرو بن شعيب، فقد تقدم أنه منقطع وسيجيء مزيد الكلام في مسألة بيع
الكلب في شرح حديث أبي مسعود الآتي.
(وَمَهْرُ الْبَغِيِّ) بفتح الياء الموحدة وكسر الغين المعجمة وتشديد الياء، قال
الحافظ: هو فعيل بمعنى فاعلة وجمع البغي بغايا، والبغاء بكسر أوله: الزنا
والفجور، وأصل البغاء: الطلب غير أنه أكثر ما يستعمل في الفساد، ومهر البغي

٢٣٦
** Be
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
هو ما تأخذه الزانية على الزنا سَمَّاه مهرًا مجازًّا. وقال السندي: هو ما تأخذه الزانية
على الزنا سمى مهرا لكونه على صورته، والبغي الزانية وأصله بغوي على وزن
صبور؛ فلذلك استوي فيه التذكير والتأنيث. وقال العيني: البغاء بكسر الباء
ممدودًا: الزنا. قال تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [الثور: الآية ٣٣] يقال: بغت
المرأة، تبغي بغاء. والبغي يجيء بمعنى الطلب، يقال: ابغني، أي: اطلب لي.
قال الله تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِئْنَةَ﴾ [التوبة: الآية ٤٧]. قال الخطابي: وأكثر ما يأتي ذلك
في الشر، ومنه الفئة الباغية من البغي: وهو الظلم وأصله الحسد، والبغي: الفساد
أيضًا والاستطالة والكبر، والبغي في الحديث الفاجرة. وأصله بغوي على وزن
فعول بمعنى فاعلة، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو
ياء وأدغمت الياء، فصار بَغي بضم الغين، فأبدلت الضمة كسرة لأجل الياء، وهو
صفة لمؤنث، فلذلك جاء بغير هاء، كما يجيء إذا كانت بمعنى مفعول نحو ركوب
وحلوب، ولا يجوز أن يكون بغي هنا على وزن فعيل؛ إذ لو كان كذلك للزمتة الهاء
كامرأة حليمة وكريمة يجمع البغي على بغايا (خَبِيثٌ) أي: حرام بإجماع
المسلمين؛ لأنها تأخذه عوضًا عن الزنا المحرم ووسيلة الحرام حرام. قال العيني:
هذا مجمع على تحريمه لا خلاف فيه بين المسلمين (وَكَسْبُ الْحَجَّام) بتشديد
الجيم، وهو الذي حرفته الحجامة بكسر الحاء المهملة ككتابة. قال عياض: ليس
المراد بالحجام المزين بل من يخرج الدم (خَبِيثٌ) أي: غير طيب، فهو مكروه
الدناءته ولا يحرم؛ لأن النبي ◌َّ أعطاه أجره، ولو كان حرامًا لم يعطه، وإطلاق
الخبيث عليه باعتبار حصوله بأدنى المكاسب يعني أنه إنما سَمَّى كسب الحجام
خبيثًا؛ لأنه مكسب دني ومهنة رزيئة، والشارع يرغب في معالى الأمور والمكاسب
الطيبة الشريفة، فيكون كسب الحَجّام خبيثا من جانب الآخذ مع أنه حلال له.
ويأتي مزيد من الكلام عليه في شرح حديث أنس في آخر هذا الفصل، وفي شرح
حديث محيصة في الفصل الثاني (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في البيوع، وأخرجه أيضا أحمد (ج
٣ ص ٤٦٤، ٤٦٥) و(ج ٤ ص ١٤٠، ١٤١)، وأبو داود في الإجارة والترمذي في
البيوع، والبيهقي (ج ٦ ص ٦) والدارمي وابن أبي شيبة (ج ٦ ص ٢٤٦، ٢٧٠)
ورواه النسائي في الصيد والذبائح، وأحمد أيضًا بلفظ: ((شر الكسب مهر البغي
وثمن الكلب وكسب الحَجَّام)) .

كِتّابُ البُيُوعِ
بَابُ الْكَسْبٍ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
٢٣٧
٢٧٨٩ - [٦] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ نَهَى
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ)).
الشرح
٢٧٨٩ - قوله: (وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنَّصَارِيِّ) البدري اسمه عقبة بن عمرو،
وتقدم ترجمته في (ج ١ ص ٣١٢)، (نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ) قال الزرقاني: أي
المنهي عن اتخاذه اتفاقًا؛ لورود النهي عنه وعن بيعه والأمر بقتله وما لا ثمن له لا
قيمة له إذا قتل، والمأذون في اتخاذه ككلب الصيد والحراسة على المشهور عن
مالك المعتمد في مذهبه للحديث، ولأن إباحة المنفعة لا تبيح البيع كأم الولد ينتفع
بها، ولا تباع، وروي عن مالك أيضًا وبه قال سحنون وأبو حنيفة وصاحباه: يجوز
بيع الكلاب التي ينتفع بها؛ لأنه حيوان منتفع به حراسةً واصطيادًا حتى قال
سحنون: أبيعه وأحج بثمنه، وحملوا هذا الحديث على غير المأذون في اتخاذه؛
لحديث النسائي عن جابر نهى ◌ّ عن ثمن الكلب إلا كلب صيد، لكنه حديث
ضعيف باتفاق أئمة الحديث. انتهى. وقال السندي: ظاهر الحديث حرمة بيعه
وعليه الجمهور، ولعل من لا یقول به یحمله على أنه کان حین کان الأمر بقتله وقد
علم نسخه. انتهى. يعني: فنسخ النهي عن ثمن الكلب. وقال القاري: هو محمول
عندنا على ما كان في زمنه وَّ حين أمر بقتله، وكان الانتفاع به يومئذٍ محرمًا ثم
رخص في الانتفاع به. انتهى.
وهكذا أجاب الطحاوي عن هذا الحديث ونحوه مما فيه النهي عن ثمن الكلب
وأنه سحت، فقال: إن هذا إنما كان حين كان حكم الكلاب أن تقتل، ولا يحل
إمساك شيء منها ولا الانتفاع بها، ولا شك أن ما حرم الانتفاع به؛ كان ثمنه
حرامًا، فلما أباح رسول الله وَّه الانتفاع بها للاصطياد ونحوه، ونهى عن قتلها؛
نسخ ما كان من النهي عن بيعها وتناول ثمنها. فإن قلت: ما وجه هذا النسخ؟
(٢٧٨٩) أخرجه البخاري (٢٢٣٧، ٢٢٨٢، ٥٣٤٦، ٥٣٤٧، ٥٧٦١)، ومسلم (١٥٦٧) من طريق ابن
شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي مسعود الأنصاري به.

٢٣٨
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قلت: وجهه ظاهر وهو أن الأصل في الأشياء الإباحة، فلما ورد النهي عن اتخاذ
الكلاب، وورد الأمر بقتلها علمنا أن اتخاذها حرام، وأن بيعها حرام أيضًا؛ لأن ما
كان انتفاعه حرامًا قيمته حرام كالخنزير ونحوه، ثم لما وردت الإباحة بالانتفاع بها
للاصطياد ونحوه، وورد النهي عن قتلها علمنا أن ما كان قبل ذلك من الحكمين
المذكورين قد انتسخ بما ورد بعده، ولا شك أن الإباحة بعد التحريم نسخ لذلك
التحريم ورفع لحكمه، كذا ذكر العيني. وفيه: أن ثبوت النسخ يحتاج إلى النقل
الصحيح الصريح، والقول بأن النهي عن ثمن الكلب كان حين كان الأمر بقتله
مجرد ظن وتخمين والنسخ لا يثبت بالظن، وقال ابن القيم في ((الزاد)) (ج ٢ ص
٤٣٥).
فإن قيل: كان النهي عن ثمنها حين كان الأمر بقتلها، فلما حرم قتلها وأبيح اتخاذ
بعضها نسخ النهي، فنسخ تحريم البيع. قيل: هذه دعوى باطلة ليس مع مدعيها
لصحتها دليل ولا شبهة وليس في الأثر ما يدل على صحة هذه الدعوى البتة بوجه
من الوجوه، ويدل على بطلانها أن أحاديث تحريم بيعها وأكل ثمنها مطلقة عامة
كلها، وأحاديث الأمر بقتلها والنهي عن اقتنائها نوعان: نوع كذلك وهو المتقدم،
ونوع مقيد مخصص وهو المتأخر، فلو كان النهي عن بيعها مقيدًا مخصوصًا
لجاءت به الآثار كذلك، فلما جاءت عامة مطلقة علم أن عمومها وإطلاقها مراد،
فلا يجوز إبطاله. والله أعلم.
وقال أيضًا في (ج ٢ ص ٤٤٢): قال الطحاوي في احتجاجه للكوفيين في إباحة
بيع الكلاب وأكل أثمانها: لما أمر النبي وَله بقتل الكلاب ثم قال: ((مالي
والكلاب؟» ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم وكان بيع الكلاب إذ ذاك
والانتفاع به حرامًا وكان قاتله مؤديًا للفرض عليه في قتله ثم نسخ ذلك وأباح
الاصطياد به، فصار كسائر الجوارح في جواز بيعه، قال: ومثل ذلك نهيه مَ ل عن
كسب الحجام. وقال: ((كسب الحجام خبيث)) ثم أعطى الحجام أجره، وكان ذلك
ناسخًا لمنعه وتحريمه ونهيه. انتهى كلامه. وأسهل ما في هذه الطريقة أنها دعوى
مجردة لا دليل عليها فلا تقبل، وكيف وفي الحديث نفسه ما يبطلها فإنه والله أمر
بقتل الكلاب ثم قال: ((ما بالهم وبال الكلاب؟)) ثم رخص لهم في كلب الصيد.
وقال ابن عمر ظها: أمر رسول الله وي ليه بقتل الكلاب إلا كلب الصيد أو كلب غنم

كِتّابُ البُيُوع
بَابُ الْكِسْبٍ وَطَلَبِ الْحَلَالِ
٢٣٩
أو ماشية. وقال عبد الله بن مغفل: أمرنا رسول الله ◌َ الله بقتل الكلاب، ثم قال: ((ما
بالهم وبال الكلاب؟)). ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم، والحديثان في
الصحيح، فدل على أن الرخصة في كلب الصيد والغنم وقعت بعد الأمر بقتل
الكلاب، فالكلب الذي أذن فيه رسول الله ◌َّليس في اقتنائه هو الذي حرم ثمنه،
وأخبر أنه خبيث دون الكلب الذي أمر بقتله، فإن المأمور بقتله غير مستثنى حتى
تحتاج الأمة إلى بيان حكم ثمنه، ولم تَجْرِ العادة ببيعه وشرائه بخلاف الكلب
المأذون في اقتنائه فإن الحاجة داعية إلى بيان حكم ثمنه أولى من حاجتهم إلى بيان
ما لم تَجْرِ عادتهم ببيعه، بل قد أمروا بقتله، ومما يبين هذا أنه مَّ ذكر الأربعة التي
تبذل فيها الأموال عادة لحرص النفوس عليها، وهي ما تأخذه الزانية والكاهن
والحجام وبائع الكلب. فكيف يحمل هذا على كلب لم تجر العادة بيعه، وتخرج
منه الكلاب التي إنما جرت العادة ببيعها؟ هذا من الممتنع البين امتناعه. (وَحُلْوَانِ
الكَاهِنِ) بضم الحاء المهملة وسكون اللام، مصدر حلوته إذا أعطيته، وحبوته
بشيء، والمراد ما يعطى الكاهن ويجعل له على كهانته. قال أبو عبيد الهروي: قال
بعضهم: أصله من الحلاوة شبه ما يعطى الكاهن بالشيء الحلو؛ لأخذه إياه سهلًا
دون كلفة ومشقة، يقال: حلوته؛ إذا أطعمته الحلو، كما يقال: عسلته؛ إذا أطعمته
العسل، ويقال أيضا للرشوة: حلوان. قال أبو عبيد: ويطلق الحلوان أيضا على غير
هذا، وهو أن يأخذ الرجل مهر ابنته لنفسه، وذلك عيب عند النساء. قالت امرأة
تمدح زوجها: ((لا يأخذ الحلوان عن بناتنا)). والكاهن: هو الذي يتعاطى الأخبار
عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار، وقد كان في عرب
الجاهلية كهنة كـ((شِقٌّ)) وسطيح وغيرهما يدعون أنهم يعرفون كثيرًا من الأمور
الكائنة، فمنهم: من كان يزعم أن له تابعًا من الجن يلقي إليه الأخبار، ومنهم: من
كان يزعم أنه يعرف الأمور ويدركها بفهم أعطيه، ومنهم: من كان يزعم أنه كان
يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله
أو حاله كالشيء يسرق، فيعرف المظنون به السرقة، والمرأة تتهم بالزنية فيعرف
من صاحبها ونحو ذلك، وهذا يخصونه باسم العراف، ومنهم: من يسمي المنجم
كاهنًا حيث أنه يخبر عن الأمور كإتيان المطر، ومجيء الوباء وظهور القتال، وطالع
نحس أو سعيد وأمثال ذلك، والحديث شامل لهؤلاء كلهم، وكذا حديث النهي