Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦٠
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
قال النووي: وأما تسميتها في القُرْآن يثرب، فإنما هو حكاية عن قول المنافقين
والذين فِي قُلُوبِهِم مرض. انتهى. وحكى الباجي عن عيسى بن دينار أنه قال: إنما
القُرْآن على ما يعرف الناس. انتهى. قال الزرقاني: وأجيب عن حديث
((الصحيحين)): ((فَإِذَا هِيَ يَثْرِبُ)) وفي رواية: (لَا أُرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ)) بأنه كان قبل
النهي. انتهى. ويمكن أن يقال: أنه وَل ذكرها بالاسم المعروف فيما بين الناس
ليعرفوه، وقال البُخَارِي في باب هجرة النَّبِي ◌ََّ وأصحابهِ إلى المدينة: وقال أبو
موسى عن النبيِّ وَّهِ: ((وَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضِ بِهَا نَخْلٌ،
فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ)). قال الحافظ: كان
ذلك قبل أن يسميها وَلّ طَيْبة. انتهى. أي: لأن الرؤيا المذكورة كانت قبل الهجرة
أو في ابتدائها ووقع تغيير الأسماء بعد ذلك بكثير.
(تَنْفِي) بفتح الفوقية وسكون النون وكسر الفاء. (النَّاسَ) أي: الخبيث الرديء
منهم يدل عليه التشبيه بقوله: (كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ) بكسر الكاف وإسكان التحتية وفيه
لغة أخرى: ((كور)) بضمِّ الكاف والمشهور بين الناس أنه الزق الَّذِي ينفخ فيه لکن
أكثر أهل اللغة على أنَّ الْمَرَاد بالكير حانوت الحداد والصائغ - أي: ما يبنيه من
الطين - قال ابن التين: وقيل: الكير: هو الزق، والحانوت: هو الكور؛ کَذَا فِي
((الفَتْح)). وقال أبو عمر: الكير: هو موضع نار الحداد والصائغ، وليس الجلد
الَّذِي تسميه العامة كيرًا؛ هكذا قال علماء اللغة.
(خَبَثَ الْحَدِيدِ) بفتح الخاء المعجمة والموحدة بعدها مثلثة والنصب على
المفعولية، أي: وسخه الَّذِي تخرجه النار، والمراد: أنها لا تترك فيها من في قلبهِ
دغل، بل تميزه عن القلوب الصادقة وتخرجه كما يميز الحداد رديء الحديد من
جيده، ونسب التمييز للكير؛ لكونه السبب الأكبر في اشتعال النار التي يقع التمييز
بها. قال التُّورِبَشْتِي: وهذا القول صدر منه وَّرَ على وجهِ التمثيل، فجعل مثل
المدينة وما يصيب ساكنيه من الجهد والبلاء كمثل الكير، وما يوقد عليه في النار،
فيميز به الخبيث من الطيب، فيذهب الخبيث ويبقى الطيب فيه أزكى ما كان
وأخلص، وكذلك المدينة تنفي شرارها بالحمى والوصب والجوع وتطهر خيارهم
وتزكيهم. قال عياض: هَذَا مختص بزمن النَّبِي وَّ؛ لأنَّهُ لم يكن يصبر على
الهجرة والمقام معه بها إلا من ثبت إيمانه، وأما المنافقون وجهلة الأعراب، فلا
١٦١
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ الْمُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
يصبرون على شدةٍ المدينة ولا يحتسبون الأجر في ذلك. وقال النووي: ليس هَذَا
بظاهر؛ لأنَّ عند مسلم ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ
حَبَثَ الْحَدِيدِ)) وهذا وَّ اللَّه أعلم في زمن الدجال كما جاء في الحديث الصحيح
الَّذِي ذكره مسلم في أواخر الكتاب في أحاديث الدجال أنه يقصد المدينة، فترجف
ثلاث رجفات يخرج الله منها كل كافرٍ ومنافقٍ، قال: فيحتملُ أنه مختص بزمن
الدجالِ، ويحتمل أنه في أزمان متفرقة. انتهى.
قال الحافظ: ويحتمل أنْ يَكُون المراد كلّ من الزمنين أي: زمن الشَّبِي ◌َ ◌ّ وز من
الدجال، وكان الأمر في حياته وَّل و كذلك للسبب المذكور، ويؤيده قصة الأعرابي
الآتية، فإنه ◌َّه ذكره معلَّلاً به خروج الأعرابي وسؤاله الإقالة عن البيعةِ، ثم يكون
ذلك أيضًا في آخر الزمان عند ما ينزل بها الدجال، فترجف بأهلها، فلا يبقى منافق
ولا كافر إلا خرج إليه، وأما ما بين ذلك فلا. انتهى.
واسْتُدِلَّ بالحديثِ على أن المدينة أفضل البلاد؛ لأنَّهَا تنفي الخبث، قال
الحافظ: وأجيب عن ذلك: بأن هَذَا إنما هو في خاص من الناس ومن الزمان؛
بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ﴾ [ التوبة: الآية ١٠٢] والمنافق
خبيث بلا شك، وقد خرج من المدينة بعد النَّبِي ◌َّ معاذ وأبو عبيدة وَابْن مسعود
وطائفة ثم علي وطلحة والزبير وعمار وآخرون وهم من أطيب الخلق، فدلَّ على أنَّ
الُمَرَاد بالحدیث تخصیص ناس دون الناس ووقت دون وقت. وقال في موضع
آخر: قال ابنُ بطال: فيه تفضيل المدينة على غيرها بما خصَّها اللهُ تعالى من أنها
تنفي الخبث، ورتب علي ذلك القول بحجية إجماع أهل المدينة، وتعقب بقول ابن
عبد البر: أن الحديث دالٌ على فضل المدينة، لكن ليس الوصف المذكور لها عامًا
في جميع الأزمنة، بل هو خاص بزمن الشَِّي وَّ؛ لأنَّهُ لم يكن يخرج منها رغبةٍ عن
الإقامة معه إلا من لا خير فيه، وقال عياض ونحوه، وأيده بحديث أبي هريرة الَّذِي
أخرجه مسلم: ((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ
الفضَّةِ)). قال: والنار إنما تُخْرِجُ الخبث والرديء وقد خرج من المدينة بعدَ
النبيِّي وَلِّ جماعةٌ من خيار الصَّحَابَة وقطنوا غيرها وماتوا خارجها، فذكر
المذكورين وزاد فيهم: أبا موسى وأبا ذر وحذيفة وعبادة بن الصامت وأبا الدرداء
وغَيْرهم، قال: فدلَّ على أن ذلك خاص بزمنه وَّه بالقيد المذكور، ثم يقع تمام
١٦٢
*)
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
*
إخراج الرديء منها في زمن الدجال، وورد فيه: ((فَلَا يَبْقَى مُنَافِقٌ وَلَا مُنَافِقَةٌ إِلَّا خَرَجَ
إِلَيْهِ)» فذلك يوم الخلاص، انتهى.
(مُتَّفَقُ عَلَيْهِ) أخرجاه في أواخر الحج، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٢: ص ٢٣٧،
٢٤٧) ومالك في ((الجامع)) والنسائي.
٢٧٦٣ - [١١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ وَلَه
يَقُولُ: ((إِنَّ اللَّهَ سَمَّى الْمَدِينَةَ طَأَبَّةَ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمْ] {صحيح}
الشرح
٢٧٦٣ - قوله: (إِنَّ اللهَ سَمَّى الْمَدِينَة طَابَةَ) أي: إن اللَّه سماها في اللوح
المحفوظ أو في التوراة أو أمر نبيه أن يسميها بها؛ ردًّا على المنافقين في تسميتها
بيثرب، وطَابَة: بتخفيف الموحدة كشامة تأنيث طاب وأصلها طيبة، قلبت الياء
ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها. قال النووي: فيه استحباب تسميتها طابة وليس فيها
أنها لا تسمى بغيرها، فقد سمَّاها اللَّه تعالى المدينة في مواضع من القُرْآن، وسماها
الشَّبِي وَلَ طيبة في حديث زيد بن ثابت عند مسلم. انتهى. وروى البُخَارِي من
حديث أبي حميد الساعدي قال: أقبلنا مع النَّبِي وَّ من تَبوك حتى أشرفنا على
المدينةِ فقال: ((هَذَهُ طَابَةُ)). قال الحافظ: وفي بعض طرقه: ((طيبة))، وللمدينة
أسماء غير ما ذكر. منها: المطيبة، كما روى عمر بن شبة في أخبار المدينة من
رواية زيد بن أسلم قال: قال الشَِّي وَّهِ: (لِلْمَدِينَةِ عَشْرَةُ أَسْمَاءَ، هِيَ الْمَدِينَةُ وَطَابَةُ
وَطَيْبَةُ وَالْمَطَيِّبَةُ ... )) إلخ. وهذه الثلاثة أي: طابة وطيِية بتشديد المثناة التحتية وطَيْبة
بسكونها كهيبة وشيبة مع المطيبة أخوات لفظًا ومعنى، مختلفات صيغة ومبنى.
قال السمهودي: تسميتها بهذه الأسماء إما من الطَّيِّب بتشديد المثناة وهو الطاهر
لطهارتها من أدناس الشرك أو لموافقتها من قوله تعالى: ﴿بِرِيج طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: الآية ٢٣]
أو لحلول الطيب بها ◌َّيّ أو لكونها كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها، وإما من
الطيب بكسر الطاء وسكون المثناة؛ لطيب أمورها كلها وطيب رائحتها ووجود ريح
(٢٧٦٣) مُسْلِم (١٣٨٥/٤٩١)، وَالنَّسَائِي في ((الكبرى)) (٤٢٦٠) فِي الحَجِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةً.
كِتَاب المُنَاسِكِ
باب خزم المدينةِ حرمها الله اخالي
الطيب بها. قال ابنُ بطال: من سكنها يجد من تربتها وحيطانها رائحة حسنة. وقال
الأشبيلي: لتربة المدينة نفحة ليس طيبها كما عهد من الطيب، بل عجب من
الأعاجيب. وقال الحافظ: الطاب والطيب لغتان بمعنى، واشتقاقهما من الشيء
الطيب، وقيل: لطهارة تربتها، وقيل: لطيبها لساكنها، وقيل: من طيب العيش
بها. وقال بعض أهل العلم: وفي طيب ترابها وهوائها دليل شاهد على صحّة هذه
التسمية؛ لأن من أقام بها يجد من تربها وحيطانها رائحة طيبة لا تكاد توجد في
غيرها .
(رَوَاهُ مُسْلِمٌ) في أواخر الحجِّ، وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٥: ص ٩٤، ٩٦، ٩٧،
١٠٢، ١٠٨) والنسائي.
٢٧٦٤ - [١٢] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ
وَّهِ فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْكَ بِالْمَّدِينَةِ، فَأَتَى النَّبِيّ ◌َّهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقِلْنِي
بَيْعَتِي، فَأَبَى رَسُولُ اللّهِ وَهِ، ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبِّى، ثُمَّ جَاءَهُ،
فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَّى، فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((إِنَّمَا
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَثَهَا، وَتُنْصِعُ طَيِّبَهَا)).
الشرح
٢٧٦٤- قوله: (أَنَّ أَعْرَابِيًّا) قال الحافظ: لم أقف على اسمه إلا أن
الزمخشري ذكر في ((ربيع الأبرار)) أنه قيس بن أبي حازم وهو مشكل؛ لأنَّهُ تابعي
كبير مشهور صرَّحُوا بأنه هاجر، فوجدَ النَّبِي وَّ قد مات، فإن كان محفوظًا، فلعلَّه
آخر وافق اسمه واسم أبيهِ، وفي ((الذيل)) لأبي موسى في ((الصحابة)): قيس بن أبي
حازم المنقري، فيحتمل أنْ يَكُون هو هَذَا. قال الزرقاني: أي زيد في اسم أبيه أداة
الكنية؛ سهوًا أو غلطًا.
(بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ وَ له) من المبايعة: وهي عبارة عن المعاقدةِ على الإسلام
(٢٧٦٤) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٨٨٣) (٧٢١١)، ومُسْلِم (١٣٨٣/٤٨٩) عَنْ جَابِرٍ، والنَّسَائِي (٧)
١٥١).
١٦٤
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والمعاهدةِ كأن كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خلاصة نفسه وطاعته
ودخيلة أمره، وزاد في رواية البخاري: ((عَلَى الْإِسْلَام)). (فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعْلُك)
بفتح الواو وسکون المهملة، وقد تُفتح بعدها کاف الحمی، وقيل: ألمها، وقيل:
إرعادها. وقال الأصمعي: أصله شدة الحر، فأطلق على الحمى وشدتها، كَذَا فِي
((الفَتْح)). وفي رواية للبخاري: ((فجَاءَ مِنَ الغدِ مَحْمُومًا)). (أَقِلْنِي بَيْعَتِي) استعارة
من إقالةِ البيع وهو إبطاله. قال القسطلاني: (أَقِلْنِي بَيْعَتِي) أي: على الإسلام.
وقال السمهودي: أقلني بيعتي أي: انقض العهد حتى أرجع إلى وطني، وكأنه قد
بايع على هجرةٍ الإقامة. وقال الحافظ في الحج: قوله: ((فبايعه على الإسلام ... ))
إلخ. ظاهره أنه سأل الإقالة من الإسلام، وبه جزم عياض، وقال غيره: إنما استقاله
من الهجرة وإلا لكان قتله على الردة، يعني أنه لم يرد الأعرابي الارتداد عن
الإسلام، قال ابن بطال: بدليل أنه لم يرد حل ما عقده إلا بموافقة التَّبِي وَّ على
ذلك، ولو أراد الردة ووقع فيها لقتله إذ ذاك ولكنه خرج عاصيًا، وقال الحافظ في
((الأحكام)): قوله: ((عَلَى الْإِسْلَام)) ظاهر في أنَّ طلبه الإقالة كان فيما يتعلَّق بنفس
الإسلام، ويحتملُ أنْ يَكُون في شَيء من عوارضه كالهجرةِ وكانت في ذلك الوقت
واجبة، ووقع الوعيد على مَن رجع أعرابيًّا بعد هجرته.
(فَأَبَى) أي: امتنع. (رَسُولُ اللَّهِ وََّ) أن يقيله، قال النووي: قال العلماء: إنما
لم يقله الشَّبِي ◌َّ بيعته؛ لأنَّهُ لا يجوزُ لمن أسلم أن يترك الإسلام ولا لمن هاجر إلى
التَّبِي وَّ للمقام عنده أن يترك الهجرة ويذهب إلى وطنه أو غيره، قالوا: وهذا
الأعرابي كان ممن هاجر وبايعَ النبيَّ نَّر على المقام معه. قال القاضي: ويحتمل
أن بيعة هَذَا الأعرابي كانت بعد فتح مكة وسقوط الهجرة إليه ◌ََّ، وإنما بايعَ على
الإسلام وطلب الإقالة منه فلم يقله، والصحيح الأول. انتهى كلام النووي.
وقال ابن التين: إنما امتنع النَّبِي وَّهِ من إقالتهِ؛ لأنَّهُ لا يعين على معصية؛ لأن
البيعة في أول الأمر كانت على أن لا يخرج من المدينة إلا بإذن، فخروجه عصيان،
قال: وكانت الهجرة فرضًا قبل فتح مكة على كل من أسلم ومن لم يهاجر لم يكن
بينه وبين المؤمنين موالاة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِن وَلَتِهِم مِّن
شَىْءٍ حَّ يُّهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٣] فلما فُتحت مكة قال ◌َّهِ: ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ)) ففي هذا
إشعار بأن مبايعة الأعرابي المذكورة كانت قبل الفتح. انتهى.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ الْمُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
١٦٥
(فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ) أي: من المدينة راجعًا إلى البدو. (إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرٍ تَنْفِي)
بفتح أوله. (خَبَثَهَا) بمعجمة وموحدة مفتوحتين. قال السمهودي: قوله: ((تَنْفِي
خَبَثَهَا)) يحتمل أنْ يَكُون بمعنى الطرد والإبعاد لأهل الخبث، وقصة الأعرابي
المذكور ظاهرة فيه، وخصَّهُ ابنُ عبد البر بز منه ◌َّهَ، والظاهر كما قال النووي: عدم
التخصيص، وقد طهَّرها اللَّه تعالى ممن كان بها من أرباب الأديان المخالفين لدين
الإسلام، وأهلك من كان بها من المنافقين، وهؤلاء هم أهل الخبث الكامل ومن
عداهم من أهل الخبث والذَّنُوب قد يكون طرده وإبعاده إن استمرَّ على ذلك بآخرة
الأمر بنقل الملائكة له إلى غيرها من الأرض، ويحتملُ أنْ يَكُون بمعنى: طردٍ أهل
الخبث الكامل، وهم أهل الشقاء والكفر لا أهل السعادة والإسلام؛ لأن القسم
الأول ليس قابلًا للشفاعة ولا للمغفرة، وقد وَعَد ◌َّه مَن يموت بها بالشفاعة؛ لهذا
وجب انتفاء القسم الأول منها، ويحتمل أنْ يَكُون بمعنى: تخليص النفوس من
شرها وميلها إلى اللذات؛ لما فيها من اللأواء والشدة، ويؤيده رواية أنها طيبة تنفي
الذُّنُوب ويكون نفيها للذُّنُوبِ على ظاهره، ويحتمل أنْ يَكُون بمعنى: أنها لا يخفى
حال من انطوى فيها على خبثٍ، بل تظهر طويته كما هو مشاهد بها، ويؤيده ما في
غزوة أحد في الصحيح من أنه وَّ لما خرجٍ إلى أحد رجعَ ناس من أصحابه أي:
وهم المنافقون؛ فقالَ بَّ: ((الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ ... )) - الحديث. ولهذا سميت
بالفاضحة. قال السمهودي: والذي ظهر لي من مجموع الأحاديث واستقراء أحوال
هذه البلدة الشريفة أنها تنفي خبثها بالمعاني الأربعة.
(وَتُنْصِعُ) بضم التاءِ على بناءِ الفاعل من بابِ التفعيل والإفعال أي: تخلص.
(طَيِّبَهَا) بالنصب على المفعولية وهو بفتح الطاء وتشديد التحتية، وروي ((يَنْصَع))
بفتح التحتية وسكون النون وفتح الصاد المهملة من النصوع وهو الخلوص، أي:
يصفو ويخلص ويتميَّز، والناصع الصافي الخالص، وعلى هَذَا ((طيبها)) مرفوع على
أنه فاعل ((ينصع))، ومعنى الحديث: أنه يخرج من المدينة من لم يخلص إيمانه،
ويبقى فيها من خلص إيمانه.
وقال الحافظ: والمعنى أنها إذا نفت الخبث؛ تميز الطيب واستقر فيها. قال
الأبي: فإن قيل: قد استقر بها المنافقون، أجيب: بأنهم انتفوا بالموت، والموت
أشد النفي. وقال العَيْنِي: فإن قلت: إن المنافقين قد سكنوا المدينة وماتوا فيها ولم
١٦٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
FX E
تنفهم؟! قلت: كانت المدينة دارهم أصلًا ولم يسكنوا بها بالإِسْلَام ولا حبًّا له،
وإنما سكنوها؛ لما فيها من أصلٍ معاشهم، ولم يرد ◌َّ بضرب المثل إلا من عقد
الإِسلام راغبًا فيه ثم خبث قلبه. انتهى.
قال ابنُ المنير: ظاهرُ الحديث ذمُّ مَن خرج من المدينةِ، وهو مشكل، فقد خرج
منها جمع كثير من الصَّحَابَة وسكنوا غيرها من البلاد، وكذا من بعدهم من
الفضلاءِ. والجواب: أن المذموم من خرج عنها كراهة فيها ورغبة عنها، كما فعل
الأعرابي المذكور، وأما المشار إليهم، فإنما خرجوا لمقاصد صحيحة كنشر العلم
وفتح بلاد الشرك والمرابطة في الثغور وجهاد الأعداء، وهم مع ذلك على اعتقاد
فضل المدينة وفضل سكناها.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجه البُخَارِي في الحج وفي الأحكام، ومُسْلِم في الحج،
وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج٣: ص ٣٠٦، ٣٠٧، ٣٦٥) ومالك في الجامع والَّسَائِي
والترمذي في أواخر المناقب.
٢٧٦٥ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَا تَقُومُ
السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)).
[رَوَاهُ مُسْلِمٌ] {صحيح}
الشرح
٢٧٦٥ - قوله: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ) أي: تخرج. (شِرَارَهَا كَمَا
يَنْفِي الْكِيرُ) أي: يذهب. (خَبَثَ الْحَدِيدِ) أي: وسخه. وقال الطيبي: يحتمل أنْ
يَكُون ذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام؛ لأن بعثته من أشراط الساعة وأن يكون
حين خروج الدجال وقصده المدينة. انتهى. وقد تقدم الكلام عليه مفصلًا. (رَوَاهُ
مُسْلِمٌ) في الحج، والحديث من أفراد مسلم لم يخرجه البُخَارِي ولا أصحاب
السنن .
(٢٧٦٥) مُسْلِم (٤٨٧/ ١٣٨١) فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ فِي الحَجِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ الْمُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
١٦٧
٢٧٦٦ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلِ: ((عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الْدَّجَّالُ)).
الشرح
٢٧٦٦ - قوله: (عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ) طيبة، بفتح الهمزة وسكون النون جمع
قلة لنَقَب، بفتح النون والقاف بعدها موحدة، ووقع في حديث أنس وأبي سعيد
عند البُخَارِي على ((نِقَابِهَا)) بكسر النون جمع نَقْب بالسكون، وهما بمعنی. قال ابن
وهب: المراد بها مداخلها، وهي أبوابها وفوهات طرقها التي يدخل منها كما جاء
في الحديث الآخر: ((عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْهَا مَلَكَ))، وقيل: طرقها، وأصل النقب:
الطريق بين الجبلين، وقيل: الأنقاب: الطرق التي يسلكها الناس. (مَلَائِكَةٌ)
يحرسونها. (لَا يَدْخُلُهَا) قال الطيبي: جملة مستأنفة بيان لموجبٍ استقرار الملائكة
على الأنقاب. (الطَّاعُونُ) قال الحافظ في ((باب ما يذكر في الطاعون))، من ((كتاب
الطب)): بوزن فاعول، عدلوا به عن أصله ووضعوه دالاً على الموت العام كالوباءِ،
ويقال: طعن، فهو مطعون وطعين؛ إذا أصابه الطاعون، وإذا أصابه الطعن
بالرمح، فهو مطعون. هَذَا كلام الجوهري. وقال صاحب ((النهاية)): الطاعون:
المرض العام الَّذِي يفسد له الهواء وتفسد به الأمزجة والأبدان. وقال ابن العربي:
الطاعون: الوجع الغالب الَّذِي يطفئ الروح كالذبحة، وسمي بذلك لعموم مصابه
وسرعة قتله. وقال الداودي: الطاعون: حبة تخرج من الأرقاعِ، وفي كل طي من
الجسد، والصحيح أنه الوباء.
وقال ابن عبد البر: الطاعون: غدة تخرج في المراق والآباط، وقد تخرج في
الأيدي والأصابع وحيث شاء الله، وقال النووي في ((الروضة)): قيل: الطاعون
انصباب الدم إلى عضو. وقال آخرون: وهو هيجان الدم وانتفاخه. وقال النووي
أيضًا في ((تهذيبه)): هو بثر وورم مؤلم جدًّا يخرج مع لهب ويسود ما حواليه أو
(٢٧٦٦) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٨٨٠)، ومُسْلِم (١٣٧٩/٤٨٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، والنَّسَائِي في
«الكبرى» (٤٢٧٣).
١٦٨
*
Better
*
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
يخضر أو يحمر حمرة شديدة بنفسجية كدرة ويحصل معَهُ خفقان وقيء ويخرج
غالبًا في المراق والآباط، وقد يخرج في الأيدي والأصابع وسائر الجسدِ. وقال
جماعة من الأطباء منهم أبو علي بن سيناء: الطاعون مادة سمية تحدث ورمًا قتالًا
يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما تكون تحت الإبط أو
خلف الأذن أو عند الأرنبة. قال: وسببه دم رديء مائل إلى العفونة والفساد يستحيل
إلى جوهر سُمِي يفسد العضو ويغير ما يليه، ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة،
فيحدث القيء والغثيان والغشي والخفقان، وهو لرداءته لا يقبل من الأعضاء إلا ما
كان أضعف بالطبع وأودؤه ما يقع في الأعضاء الرئيسة، والأسود منه قل من يسلم
منه، وأسلمه الأحمر ثم الأصفر، والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوبئة،
ومن ثم أطلق على الطاعون وباء.
وذكر الحافظ أقوالاً أخرى، ثم قال: هَذَا ما بلغنا من كلامِ أهلِ اللغةِ وأهل الفقه
والأطباء في تعريفِه، والحاصلُ: أنَّ حقيقته ورم ينشأ عن هيجان الدم أو انصباب
الدم إلى عضو فيفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء
يسمى طاعونًا بطريق المجاز؛ لاشتراكهما في عموم المرض أو كثرة الموت،
والدليل على أنَّ الطاعون غير الوباءِ: حديث أن الطاعون لا يدخل المدينة. وقد
وردَ في حديث عائشة: قدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله. وفيه قول بلال:
أخرجونا إلى أرض الوباء. وغير ذلك من الأحاديث الدالة على أنَّ الوباء كان
موجودًا بالمدينة، وقد صرَّح في الحديثِ بأن الطاعون لا يدخلها، فدلَّ على أن
الوباء غير الطاعون وأن من أطلق على كلِّ وباء طاعونًا فبطريق المجاز، قال:
والذي يفترقُ به الطاعون من الوباءِ أصل الطاعون الَّذِي لم يتعرَّض له الأطباء ولا
أكثر من تكلّم في تعريف الطاعون، وهو كونه من طعن الجن، ولا يخالف ذلك ما
قال الأطباء من كون الطاعون ينشأ عن هيجان الدم أو انصبابه؛ لأنَّهُ يجوزُ أنْ يَكُون
ذلك يحدث عن الطعنة الباطنة، فتحدث منها المادة السمية، ويهيج الدم بسببها أو
ينصبٍ، وإنما لم يتعرض الأطباء؛ لكونه من طعن الجن؛ لأنَّهُ أمر لا يدرك بالعقل
العقل، وإنما يعرف من الشارع فتكلَّموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم.
وقال الكلاباذي في ((معاني الأخباء)): يحتملُ أنْ يَكُون الطاعون على قسمين:
قسم يحصل من غلبة بعض الأخلاط من دم أو صفراء محترقة أو غير ذلك، وقسم
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
١٦٩
يكون من وخز الجن كما تقع الجراحات من القروح التي تخرج في البدن من غلبة
بعض الأخلاط. انتهى.
ومما يؤيد أنَّ الطاعون يكون من طعن الجن وقوعه غالبًا في أعدلِ الفصولِ،
وفي أصح البلاد هواء وأطيبها ماء، ولأنَّه لو كان بسبب فساد الهواء لدام في
الأرض؛ لأن الهواء يفسد تارة ويصح أخرى، وهذا يذهب أحيانًا ويجيء أحيانًا
على غير قياس ولا تجربة، فربما جاء سنة على سنة، وربما أبطأ سنين، وبأنه لو كان
كذلك لعم الناس والحيوان، والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير ولا يصيب من
هم بجانبهم مما هو في مثل مزاجهم، ولو كان كذلك لعم جميع البدن، وهذا
يختص بموضع من الجسد ولا يتجاوزه، ولأن فساد الهواء يقتضي تغير الأخلاط
وكثرة الأسقام، وهذا في الغالب يقتل بلا مرض، فدلَّ على أنه من طعنِ الجِنِ،
كما ثبتَ في الأحاديث الواردة منها: حديث أبي موسى رفعه: ((فَنَاءُ أُمَّتِي بِالطَّغْنِ
وَالطَّاعُونِ)) قيل: يا رسول اللّه هَذَا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال: ((وَخْزُ
أَعْدَائِكُمْ مِنَ الجِنِّ، وَفِي كُلِّ شَهَادَةٌ)). أخرجه أحمد من رواية زياد بن علاقة عن
رجل عن أبي موسى. وفي روايةٍ له عن زياد: حدَّثه رجلٌ من قومي قال: كنا على
بابٍ عُثمان ننتظرُ الإذن، فسمعتُ أبا موسى، قال زياد: فلم أرض بقولهِ فسألتُ
سيدَ الحي فقال: صَدَق. وأخرجه البزار والطَّبَرَاني من وجهين آخرين عن زياد
فسميا المبهم يزيد بن الحارث، وسماه أحمد في رواية أخرى أسامة بن شريك،
ولا معارضة بينه وبين من سماه يزيد بن الحارث؛ لأنَّهُ يحمل على أن أسامة هو سيد
الحي الّذِي أشار إليه في الرواية الأخرى، واستثبته فیما حدثه به الأول، وهو یزید
ابن الحارث، ورجاله رِجَال الصَّحِيحين إلا المبهم، وأسامة بن شريك صحابي
مشهور، والذي سماه وهو أبو بكر النهشلي من رجال مسلم؛ فالحديث صحيح
بهذا الاعتبار، وقد صحّحه ابن خزيمة والْحَاكِم وأخرجاه، وأحمد والطَّبَرَانِي من
وجه آخر عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري، قال: سألتُ عنه رسولَ اللَّه ◌َه
فقال: ((هُوَ وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَهُوَ لَكُمْ شَهَادَةٌ)) .
ثم ذكر الحافظُ للْحَدِيث طريقين أخريين وشاهدين من حديث عائشة وحَدِيث
ابنِ عُمَر وضعفهما ثم قال: والعمدةُ في هَذَا الباب على حديث أبي موسى، فإنه
يحكم له بالصحَّة؛ لتعدُّد طرقِهِ إليه. ثم قال: قال العلماء: أراد ◌َليل أن يحصل لأمته
١٧٠
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
أرفع أنواع الشهادة، وهو القتل في سبيل الله بأيدي أعدائهم: إما من الإنس، وإما
من الجن. وقوله: ((وَخْز)) بفتح أوله وسكون المعجمة بعدها زاي، قال أهل اللغة:
هو الطعن إذا كان غير نافذ، ووصف طعن الجن بأنه وخز؛ لأنه يقع من الباطن إلى
الظاهر، فيؤثر في الباطن أولًا ثم يؤثر في الظاهر وقد لا ينفذ، وهذا بخلاف طعن
الإنس، فإنه يقع من الظاهر إلى الباطن، فيؤثر في الظاهر أولًا ثم يؤثر في الباطن،
وقد لا ينفذ .
G تنبيه:
يقعُ في الألسنةِ وهو في ((النهايةٍ)) لابن الأثير بلفظ: ((وَخْزُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الجِنِّ)
ولم أره بلفظِ ((إخوانكم)) بعد التتبع الطويل البالغ في شيءٍ من طريق الحديث
المسندة لا في الكتب المشهور ولا الأجزاء المنثورة، وقد عزاه بعضهم ـ((مسند
أحمد)) والطَّبَرَاني، وكتاب ((الطواعين)) لابن أبي الدنيا، ولا وجود لذلك في واحد
منها، كَذَا فِي ((الفَتْح))؛ قال الزرقاني: فإن قيل: إذا كان الطعن من الجن، فكيف
يقعُ في رمضان والشياطين تصفد فيه وتسلسل؟ أجيب: باحتمال أنهم يطعنون قبل
دخول رمضان ولا يظهر التأثير إلا بعد دخولهِ، وقيل غير ذلك، ويمكن أن يقال إن
المصفد بعض الشياطين كما وقع في بعض الروايات وهم المردة لا كلهم، فإنَّ
تصفيد الشياطين لا يستلزمُ تصفيد الجان كلهم، وقد استشكل عدم دخول الطاعون
المدينة مع كون الطاعون شهادة، وكيف قرن بالدجال ومدحت المدينة بعدم
دخولهما؟
قال الحافظ: والجواب: أن كون الطاعون شهادة ليس المراد بوصفه بذلك
ذاته، وإنما المراد أن ذلك يترتب عليه وینشأ عنه؛ لكونه سببه، فإذا استحضر ما
تقدَّم من أنه طعن الجن؛ حسن مدح المدينة بعدم دخوله إياها، فإن فيه إشارة إلى
أن كفار الجن وشياطينهم ممنوعون من دخول المدينة، ومن اتفق دخوله إليها لا
يتمكن من طعن أحد منهم. فإن قيل: طعن الجن لا يختص بكفارهم، بل قد يقع
من مؤمنيهم، قلنا: دخول كفار الإنس المدينة ممنوع، فإذا لم يسكن المدينة إلا
من يظهر الإسلام جرت عليه أحكام المسلمين ولو لم يكن خالص الإسلام،
فحصل الأمن من وصول الجن إلى طعنهم بذلك، فلذلك لم يدخلها الطاعون
كتاب المناسك
باب زم المدينة سرضي الله فعال
أصلًا. وقد أجاب القرطبي في ((المفهم)) عن ذلك فقال: المعنى لا يدخلها من
الطاعون مثل الَّذِي وقع في غيرها كطاعون عمواس والجارف. وهذا الَّذِي قاله
يقتضى تسليم أنه دخلها في الجملة، وليس كذلك فقد جزم ابن قتيبة في ((المعارف))
وتبعه جمع جم من آخرهم الشيخ محيي الدين النووي في ((الأذكار)) بأن الطاعون
لم يدخل المدينة أصلًا ولا مكة أيضًا، لكن نقل جماعة أنه دخل مكة في الطاعون
العام الَّذِي كان في سنة تسع وأربعين وسبعمائة بخلاف المدينة فلم يذكر أحد قط
أنه وقعَ بها الطاعون أصلًا.
ولعل القرطبي بنى على أن الطاعون أعم من الوباءِ أو أنه هو، وإنه الَّذِي ينشأ عن
فساد الهواء فيقع به الموت الكثير، وقد مضى في الجنائز من ((صحيح البُخَارِي))
قول أبي الأسود: قدمت المدينة وهم يموتون بها موتًا ذريعًا، فهذا وقع بالمدينة،
وهو وباءٌ بلا شكّ، ولكن الشأن في تسميته طاعونًا، والحقُّ أنَّ الْمَرَاد بالطاعون في
هَذَا الحديث المنفي دخوله المدينة الَّذِي ينشأ عن طعن الجنِّ، فيهيجُ بذلك الطعن
الدم في البدن فيقتل، فهذا لم يدخل المدينة قط، فلم يتضح جواب القرطبي،
وأجاب غيره: بأن سبب الترجمة لم ينحصر في الطاعون، وقد قال ◌َله: ((وَلَكِنْ
عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي)). فكان منع دخول الطاعون المدينة من خصائص المدينة ولوازم
دعاء النَّبِي وَلّلها بالصحة، وقال آخر: هَذَا من المعجزات المحمدية؛ لأن الأطباء
من أولهم إلى آخرهم عجزوا أن يدفعوا الطاعون عن بلد بل عن قرية، وقد امتنع
الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة.
قلت - قائله الحافظ: هو كلام صحيح، ولكن ليس هو جوابًا عن الإشكالِ،
ومن الأجوبةِ: أنه إِّلِّ عوَّضهُم عن الطاعون بالحمى؛ لأن الطاعون يأتي مرة بعد
مرة والحمى تتكرر في كل حين، فيتعادلان في الأجر، ويتمُّ المراد من عدم دخول
الطاعون لبعض ما تقدَّم من الأسبابِ، ويظهرُ لي جواب آخر بعد استحضار
الحديث الَّذِي أخرجَهُ أحمد من رواية أبي عسيب - بمهملتين آخره موحدة وزن
عظيم - رفعه: ((أتاني جبريل بالحِمى والطاعون، فأمسكت الحمى بالمدينة
وأرسلت الطاعون إلى الشام)). وهو أن الحكمة في ذلك أنه ◌َّ لما دخل المدينة
كان في قلَّة من أصحابهِ عددًا ومددًا، وكانت المدينة وبئة كما سبقَ من حديثٍ
عائشة، ثُمَّ خير النبيِّ ◌َ في أمرين يحصل بكلِّ منهم الأجر الجزيل، فاختار
١٧٢
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَضَابِيحِ
الحمى حينئذٍ لقلّة الموت بها غالبًا بخلافِ الطاعون، ثم لما احتاج إلى جهاد
الكفار، وأذن له في القتال، كانت قضية استمرار الحمى بالمدينة أن تضعف أجساد
الَّذِين يحتاجون إلى التقوية لأجل الجهاد، فدعا بنقل الحمى من المدينة إلى
الجحفةِ، فعادت المدینة أصح بلاد الله بعد أن كانت بخلاف ذلك، ثم كانوا من
حينئذٍ من فاتته الشهادة بالطاعون ربما حصلت له بالقتل في سبيل اللهِ، ومن فاته
ذلك؛ حصلت له الحمى التي هي حظّ المؤمن من النارِ، ثم استمر ذلك بالمدينة،
تمييزًا لها عن غيرها لتَحَقَقَ إجابة دعوته وظهور هذه المعجزة العظيمة بتصديق خبره
هذه المده المتطاولة، والله أعلم. انتهى.
وارجع إلى ((وفاء الوفاء)) للسمهودي (ص٦٤ - ٦٧) فإنه قد بسط الكلام على
ذلك وأحسن. وقال الزرقاني: قد أمتنعَ الطاعون عن المدينةِ بدعائه وخبره هذه
المدد المتطاولة فهو خاص بها. وجزم ابنُ قتيبة في ((المعارف)) والنووي في
((الأذكار)) بأن الطاعون لم يدخل مكة أيضًا معارضًا بما نقله غير واحدٍ بأنه دخلها في
سنة سبع وأربعين وسبعمائة؛ لكن في ((تاريخ مكة)) لعمر بن شبة برجالِ الصحيحِ
عن أبي هريرة مَرفوعًا: «الْمَدِينَةُ وَمَكَّةُ مَحْفُوفَتَانِ بِالْمَلَائِكَةِ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَكَ،
فَلَا يَدْخُلُهُمَا الدَّجَّالُ وِلَا الطَّاعُونُ)). وحينئذٍ فالذي نقل أنه دخل مكّةٍ في التاريخ
المذكور ليس كما ظنَّ أو يقال: إنه لا يدخلهما من الطاعونِ مثل الَّذِي يقع في
غيرهما كالجارف وعمواس، وفي حديث أنسٍ عند البُخَارِي في الفتن: (فَيَجِدُ
الْمَلَائِكَةَ يَحْرُسُونَهَا - يعني: المدينة - فَلاَ يَقْرَبُهَا الدَّجَّالُ وَلَا الطَّاعُونُ إِنْ شَاءَ
اللهُ)) .
وقد اختلف في هَذَا الاستثناء، فقيل: هو للتبرُّك فيشملهما، وقيل: هو للتعليق
وأنه يختص بالطاعون ومقتضاه جواز دخول الطاعون المدينة. قال الحافظ في
الفتن: وكونه للتبرك هو أولى. وقال السمهودي بعد ذكر هذه الرواية: هَذَا يقتضي
جواز دخول الطاعون المدينة ويرده الجزم في سائرِ الأحاديث، والصواب حفظها
منه، كما هو المشاهد، وقيل: المراد بالطاعون في هَذَا الحديث المنفي دخوله
المدينة طاعون العذاب. فتأمل.
(وَلَا الدَّجَّالُ) هو فعال بفتح أوله وتشديد الجيم من الدجل: وهو التغطية،
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابٌ حَرَمِ المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهِ تَعَالَى
١٧٣
والمراد: المسيح الأعور، وسمي الكذاب دجالًا؛ لأنه يغطي الحق بباطلهِ،
ويقال: دجل البعير بالقطران؛ إذا غطاه والإناء بالذهب؛ إذا طلاها. وقال ابن
دريد: سمي دجالًا؛ لأنَّهُ يغطي الحق بالكذبِ. وقيل: لضربه نواحي الأرض.
وقيل: بل قيل ذلك؛ لأنَّهُ يغطي الأرض فرجع إلى الأول. وقال القرطبي في
((التذكرة)): اختلف في تسميته دجالًا على عشرة أقوال. وقال صاحب ((القاموس)):
إنه اجتمع له من الأقوال في سبب تسميته الدجال المسيح خمسون قولًا، كَذَا فِي
((الفَتْح)). ويأتي مزيد الكلام على عدم دخول الدجال المدينة في شرح حديث أنس
الَّذِي يليه.
(مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ) أخرجه البُخَارِي في الحج وفي الطب وفي الفتن، وأخْرَجَه أيضًا
أَحْمَد (ج٢: ص ٢٣٧) ومالك في ((الجامع)) والنسائي.
٢٧٦٧ - [١٥] وعَنْ أَنَس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا
سَيَطَؤُهُ الدَّجَّلُ إِلَّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَّةَ، لَيْسَ نَقْبٌ مِنْ أَنْقَابِهَا إِلَّا عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ
صَافِّينَ، يَحْرُ سُونَهَا، فَيَنْزِلُ الْسَِّخَةَ، فَتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ،
فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٧٦٧ - قوله: (لَيْسَ مِنْ بلدٍ إِلا سَيَطَوْهُ الدَّجَّالُ) أي: يدوسه ويدخلها
ويفسده. قال الحافظ: هو على ظاهره وعمومه عند الجمهور، وشذ ابن حزم فقال:
المراد لا يدخله بعثه وجنوده، وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد
لقصر مدته، وغفل عما في ((صحيح مسلم)) أن بعض أيامه يكون قدر السنة. قلت:
لا إشكال في طي الدجال جميع البلاد في المدة التي ذكرت في الأحاديث، ولا
مجال لاستبعاده حيث اخترعت في عصرنا هَذَا سيارات سريعة وقطارات بخارية
وكهربائية في البر وبواخر سريعة الجري في البحر وطيارات ونفاثات وصواريخ
ذرية تقطع في أقصر وقت من الأبعاد والمسافات ما كان لا يتصوره الإنسان قبل
(٢٧٦٧) مُسْلِم (١٢٣ / ٢٩٤٣) فِي الحَجِّ عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.
١٧٤
seas
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
ذلك، وروى الحاكم من حديث أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد رفعه: ((إِنَّهُ يَخْرُجُ
- يَعْنِي الدَّجَّال - في نَقْصٍ مِنَ الدُّنْيَا وَخِفَّةٍ مِنَ الدِّينِ، وَسُوءٍ ذَاتِ بَيْنِ، فَيَرِدُ كُلَّ
مَنْهَل وَتُطْوَى لَهُ الْأَرْضُ طِّي فَرْوَة الْكَبْشِ حَتَّى يَأْتِي الْمَدِينَةِ، فَيَغْلِبُ عَلَّى خَارِجِهَا
وَيُمْنِّعُ دَاخِلَهَا ثُمَّ يَأْتِي إِيلْيَاءَ، فَيُحَاصِرُ عصَابَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) فهذا فيه نوع آخر لطي
الأرضِ.
(إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ) بالنصب على الاستثناء. قال الزرقاني: وعند الطبريٍ عن ابن
عمرو مَرْفُوعًا: ((إِلَّا الْكَعْبَةَ وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ)) وزاد الطحاوي: ((وَمَسْجِدَ الطّورِ)) وفي
بعض الروايات: (فَلَا يَبْقَى مَوْضِعٌ إِلَّا وَيَأْخُذُهُ الدَّجَّالُ غَيْرَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ
الْمَقْدِسِ وَجَبَلِ الطُّورِ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَطْرُدُهُ عَنْ هَذِهِ الْمَوَاضِع)»، انتهى. ونسبَ
الحافظُ حديث عبد الله بن عمرو إلى الطَّبَرَاني والرواية الثانية إلى أحمد، قال:
ورجالُهُ ثقاتٌ. (لَيْسَ نَقْبٌ مِنْ أَنْقَابِهَا) أي: أنقاب المدينة أو أنقاب كل واحدة
منهما. (إِلَّا عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ) أي: على ذلك النقب. (يَحْرُسُونَهَا) أي: يحفظون
أهلها. (فَيَنْزِلُ) أي: الدجال بعد أن منعته الملائكة. (السَّبِخَة) بكسر الباء صفة:
وهي الأرض التي تعلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر، وبفتحها
اسم، وهو موضع قريب من المدينة. (فَتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ) بضم الجيم، أي:
تضطرب. (بِأَهْلِهَا) أي: ملتبسة بهم، وقيل: الباء للتعدية أي: تحركهم
وتزلزلهم. (ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ) بفتح الجيم. (فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ) أي: إلى الدجال، وفي
رواية ((فَيُخْرِجُ اللَّهُ)). (كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ) قال الطيبي: الباء يحتمل أن تكونَ للسببية،
أي: تتزلزل وتضطرب بسبب أهلها لينَفض إلى الدجال الكافر والمنافق، وأن يكون
حالًا، أي: ترجف ملتبسة، ثم نقل عن المظهر ((تَرْجِفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا)) أي:
تحركهم وتلقي ميل الدجال في قلب من ليس بمؤمن خالصٍ، قال: فعلى هَذَا الباء
صلة الفعل، وقال الحافظ في الحج: قوله: ((ثُمَّ تَرْجِفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ
رَجَفَاتٍ .. )) إلخ. أي: يحصل لها زلزلة بعد أخرى ثم ثالثة حتى يخرج منها من
ليس مخلصًا في إيمانه ويبقى بها المؤمن الخالص، فلا يسلط عليه الدجال، ولا
يعارض هَذَا ما في حديث أبي بكرة عند البُخَارِي أنه: ((لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ
الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ))؛ لأنَّ الْمَرَاد بالرعب: ما يحدث من الفزع من ذكره، والخوف
من عتوه، لا الرجفة التي تقع بالزلزلة لإخراج من ليس بمخلصٍ، وحمل بعض
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
بَابُ حَرَم المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهُ تَعَالَى
١٧٥
العُلَمَاءِ الحديث الَّذِي فيه أنها تنفي الخبث على هذه الحالة دون غيرها، وقد تقدم
أن الصحيح في معناه أنه خاص بناس وبزمان، فلا مانع أنْ يَكُون هَذَا الزمان هو
المراد، ولا يلزم من كونه مرادًا نفي غيره، وقال في باب ذكر الدجال من کتاب
الفتن: الجمع بين قوله: ((ترجف ثلاث رجفات)) وبينَ قوله: ((لا يدخلُ المدينة
رعب المسيح الدجال)) أن الرعب المنفي هو الخوف والفزع حتى لا يحصل لأحد
فيها بسبب نزوله قربها شيء منه، أو هو عبارة عن غايته وهو غلبته عليها، والمراد
بالرجفة الإرفاق وهو إشاعة مجيئه، وأنه لا طاقة لأحد به، ويسارع حينئذ إليه من
كان يتصف بالنفاق أو الفسق، فيظهر حينئذ تمام أنها تنفي خبثها. انتهى.
وقال السمهودي بعد ذكر حديث أنس وأبي بكرة وغير ذلك مما ورد في الباب ما
لفظه: ويستفاد منه أنَّ الْمَرَاد من قوله في الأحاديث المتقدمة ((فَتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ))
يعني: بسبب الزلزلة، فلا يشكل بما تقدم من أنه لا يدخل المدينة رعب المسيح
الدجال، فيستغنى عما جمع به بعضهم من أن الرعب المنفي هو أن لا يحصل لمن
بها بسبب قربه منها خوف، أو هو عبارة عن غايته وهو غلبته عليها، والمراد بالرجفة
إشاعة مجيئه وأن لا طاقة لأحد به فيتسارع حينئذ عليه من كان يتصف بالنفاق أو
الفسق؛ قاله الحافظ ابن حجر. وما قدمناه أولى. انتهى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجَهُ البخاريُّ في الحجِّ وفي الفتن، ومُسْلِم في آخر الكتاب في
أحاديث الدجال، وأخرجه أيضًا النسائي، وأخرج أحمد نحوه.
٢٧٦٨ - [١٦] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ: ((لَا يَكِيدُ أَهْلَ
الْمَدِينَةِ أَحَدٌ إِلَّ انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٧٦٨ - قوله: (لَا يَكِيدُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ) أي: لا يريد بأهلها سوءًا،
(٢٧٦٨) مُتَفَقٌ عَلَيْهِ: الْبُخَارِي (١٨٧٧)، ومُسْلِم (٤٩٤ / ١٣٨٧) فِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَاللَّفْظُ
لِمُسْلِمِ.
١٧٦
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
والكيد: المكر والحيلة في المساءة. وقال القسطلاني: أي: لا يفعل بهم كيدًا من
مكر وحرب وغير ذلك من وجوه الضرر بغير حقٌّ. (إِلَّا انْمَاعَ) بسكون النون بعد
همزة الوصل آخره مهملة، أي: ذاب. قال في ((النهاية)): ماع الشيء ويميع
وانماع؛ إذا ذاب وسال. (كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ) وفي رواية مسلم من طريق
أبي عبد الله القراظ عن أبي هريرة وسعد جميعًا فذكر حديثًا فيه: ((مَنْ أَرَادَ أَهْلَهَا
بِسُوءٍ؛ أَذَابَهُ اللَّهُ، كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ))، وفي رواية مسلم من طريق عامِر بن
سعد عن أبيه في أثناء حديث: ((وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ، إِلَّا أَذَابَهُ اللَّهُ فِي
النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ)). قال عياض: هذه الزيادة أي قوله:
((في النار))، تدفع إشكال الأحاديث التي لم تذكر فيها، وتبين أن هَذَا حكمه في
الآخرة. قال: ويحتمل أنْ يَكُون المراد به أن من أرادها في حياة التَِّي ◌َّ؛ كفى
المسلمون أمره، واضمحل أمره كما يضمحل الرصاص في النار، فيكون في اللفظ
تقديم وتأخير، ويؤيده قوله: ((أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ)). قال: ويحتمل أنْ يَكُون
المراد من كادها اغتيالاً وطلبًا لغرتها، فلا يتمَ له أمر بخلاف من أتی ذلك جهارًا،
قال: ويحتمل أنْ يَكُون ذلك لمن أرادها في الدنيا بسوءٍ، فلا يمهله اللَّه ولا يمكن له
سلطانًا، بل يذهبه عن قرب، كما انقضى شأن من حاربها أيام بني أمية مثل مسلم
ابن عقبة، فإنه عوجل عن قرب، فأهلك في منصرفه من المدینة، ثم هلك یزید بن
معاوية مرسله على أثر ذلك وغَيْرهما ممن صنع صنيعهما. انتهى.
قال السمهودي: وهذا الاحتمال الأخير هو الأرجح، وليس في الحديث ما
يقتضى أنه لا يتم له ما أراد منهم، بل الوعد بإهلاكِهِ، ولم يزل شأن المدينة على
هَذَا حتى في زماننا هذا لما تظاهرت طائفة العياشي لإرادة السوء بالمدينة الشريفة
الأمر اقتضى خروجهم منها حتى أهلك الله عتاتهم مع كثرتهم في مدة يسيرةٍ، وقد
يقال: المراد من الأحاديث الجمع بين إذابته بالإهلاك في الدنيا وبين إذابته بالنار
في الأخرى، والمذكور في هَذَا الحديث هو الثاني، وفي غيره الأول، ففي رواية
لأحمد بِرِجَال الصَّحِيحِ من جملة حديث: مَنْ أَرَادَهَا بِسُوءٍ - يعني المدِينَة -
أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ»، وكذا في مسلم أيضًا وفي رواية له: «مَنْ
أَرَادَ أَهْلَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ بَدَهْمٍ أَوْ بِسُوءٍ)» بالشك، والدهم بفتح الدال المهملة وإسكان
الهاء أي: بغائلة وأمر عظّم؛ ولذا قيل: المراد غازيًا مغيرًا عليها، وروى النسائي
كِتَابُ المُنَاسِكِ
بَابُ حَرَمِ المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهِ تَعَالَى
١٧٧
من حديث السائب بن خلاد رفعه: ((مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ظَالِمًا لَهُمْ؛ أَخَافَهُ اللَّهُ،
وَكَانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَهُ اللَّهِ .. )) الحديث. ولابن حبان نحوه من حديث جابر، والحديث
فيه دليل على فضل المدينة، واستدل به بعضهم على أن المدينة أفضل من مكة ولا
يخفى ما فيه، قال ابن حزم: إنما فيه الوعيد على من كاد أهلها ولا يحل كيد مسلم،
فليس فيه أنها أفضل من مكة، وقد قال تعالى عن مكة: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامِ
يُظُلْمِ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٦] فصحَّ الوعيد على مَن ظلم بمكة كالوعيد على
من كاد أهل المدينة.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) أخرجاه في الحج وأخْرَجَه أيضًا أَحْمَد (ج ١: ص ١٨٠) والنسائي.
٢٧٦٩ - [١٧] وَعَنْ أَنَسِ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَنَظَرَ
إِلَى جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ؛ أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ؛ حَرَّكَهَا مِنَّ حُبِّهَا.
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ] {صحيح}
الشرح
٢٧٦٩ - قوله: (فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ) بضمِّ الجیم والدال جمع جدر
بضمتين جمع سلامة، والجدر جمع جدار. (أَوْضَعَ) بفتح الهمزة: وسكون الواو
وبالضاد المعجمة أي: أسرع، يقال: وضع البعير أي: أسرع في مشيه وأوضعه
راكبه أي: حمله على السير السريع. (رَاحِلَتَهُ) وفي رواية: ((ناقتَهُ))، أي: حملها
على السير السريع. قال القاري: الإيضاع مخصوص بالبعير، والراحلة: النجيب
والنجيبة من الإبل، في الحديث: ((النَّاسُ كَإِبِلِ مِائَةٍ لَا تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً)). (وَإِنْ كَانَ
عَلَى دَابَّةٍ) سوى الناقة كالبغل والفرس والدابة أعم من الناقة. (حَرَّكَهَا) جواب
((إن)). (مِنْ حُبِّهَا) أي: حرك الدابة لسرعة السير من أجل حبه وَ لَه المدينة أو أهلها؛
فـ((من)) سببية متعلقة بقوله: ((حركها)). قال القسطلاني: وقد استجابَ اللهُ تعالى
دعاء نبيِّهِ وَِّ حيث دعا: ((اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبَّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ)) حتى كان
يحرك دابته إذا رآها من حبها)).
(٢٧٦٩) المسند (١٢٦١٩) البخاري (١٨٨٦).
١٧٨
eess
مِرْعَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ
SE *
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ) في الحج في باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة، وفي فضائل
المدينة قبل باب كراهية التَّبِي وَِّ أن تعرى المدينة، وأخرجَهُ أيضًا الترمذي في
الدعوات بعد: باب ما يقول إذا رجع من سفره.
٢٧٧٠ - [١٨] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ، فَقَالَ: ((هَذَا جَبَلٌ
يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي أَحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا)).
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]
الشرح
٢٧٧٠ - قوله: (طَلَعَ) أي: ظهر. (لَهُ أُحُدٌ) قال السهيلي: سمي أحدًا لتوحده
وانقطاعه عن جبال أخرى هناك أو لما وقع من أهله من نصر التوحيد. (فَقَالَ: هَذَا)
إشارة إلى جبل أحد. (جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ) قال الحافظ: ظهرَ من هذه الرواية أنه مَّ
قال ذلك لما رآه في حالٍ رجوعِهِ من الحجِّ. انتهى. قلت: ويظهر من رواية عمرو
عن أنسٍ عند البُخَارِي في باب من غزا بصبي للخدمة من كتاب الجهادِ: أنه ◌َّه قال
ذلك لما رآه في حال رجوعه من خيبر، ووقع في رواية أبي حميد عند البُخَارِي أيضًا
في باب خرص التمر من كتاب الزكاة أنه قال لهم ذلك لما رجع من تبوك وأشرف
على المدينة قال: ((هَذِهِ طَابَةُ)). فلما رأي أحدًا قال: ((هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ)).
قال الحافظُ: فكأنه ◌َِّ تكرَّر منه ذلك القول، وللعلماء في معنى ذلك أقوال:
أحدها: أنه على حذف مضاف، والتقدير: أهل أحد والمراد بهم الأنصار؛ لأنهم
جيرانه. ثانيها: أنه قال ذلك للمسرة بلسان الحال إذا قدم من سفرٍ؛ لقربه من أهله
ولقياهم، وذلك فعل من يحب بمن يحب. ثالثها: أنَّ الحب من الجانبين على
حقيقته وظاهره لكون أحد من جبال الجنة، كما ثبت في حديث أبي عبس بن جبر
مَرْفُوعًا: ((جَبَلُ أُحُدٍ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، وَهُوَ مِنْ جِبَالِ الْجَنَّةِ)) أخرجه أحمد. ولا مانع في
جانب البلد من إمكان المحبة منه كما جاز التسبيح منها - أي: الجبال - وقد
(٢٧٧٠) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ: عَنْ أَنسٍ؛ البُخَارِيُّ (٤٠٨٤) فِي المَغَازِي، مُسْلِم (١٣٩٣) فِي الحَجِّ، والتِّرْمِذِي
(٣٩٢٢).
١٧٩
كِتَابُ الْمُنَاسِكِ
HU BaxX :
بَابُ حَرَم المُدِينَةِ حَرَسَهَا اللَّهِ تَعَالَى
خاطبه وَاية مخاطبة من يعقل فقال لما اضطرب: ((اسْكُنْ أَحُدُ ... )) الحديث. وقال
السهيلي: كان لا يحب الفأل الحسن والاسم الحسن ولا اسم أحسن من اسم
مشتق من الأحدية. قال: ومع كونه مشتقًّا من الأحدية، فحركات حروفه الرفع،
وذلك يشعر بارتفاع دين الأحد وعلوه، فتعلق الحب من الشَِّي وَلّ به لفظًا ومعنىَ،
فخص من بين الجبال بذلك. والله أعلم .
وقال الحافظ أيضًا في باب من غزا بصبي للخدمة: قيل: هو على الحقيقة ولا
مانع من وقوع مثل ذلك بأن يخلق اللَّه المحبة في بعض الجمادات، وقيل: هو
على المجاز والمراد أهل أحد على حد قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]
وقال الشاعر:
وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَا
وَمَا حُبُّ الدِّيَارِ شَغَفْنَ قَلْبِي
انتهى. وقال السمهودي: قيل: المراد يحبنا أهله ونحبهم، فحذف أهله؛ لدلالة
اللفظ عليه؛ كما في قَوْلِه تعالى: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: الآية ٨٧] أي :
حبه ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: الآية ٨٢] وقيل: هو ضرب من المجاز، أي: نحن نحبه
ونستبشر برؤيته، ولو كان ممن يعقل لأحبنا على سبيل مطابقة الكلام، وقيل:
يحتمل أنْ يَكُون ذلك حقيقة، وأن الله تعالى جعل فيه أو في بعضه إدراكًا ومحبة
كما جعل في تسبيح الحصى وحنين الجذع ويكون من خوارق العاداتِ، ويحتملُ
أنْ يَكُون يحبنا هنا عبارة عن نفعه لنا في الحماية والنصرة كمن يحبنا. انتهى.
وقال النووي: الصحيح المختار أن معناه أن أحدًا يحبنا حقيقة، جعل الله
تعالى فيه تمييزًا يحب به كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةٍ
اللّهِ﴾ [البقرة: الآية ٦٩] وكما حن الجذع اليابس وكما سبح الحصى وكما فرَّ الحجرُ بثوبٍ
موسى وَلَهَ. قال: وهذا وما أشبهه شواهد لما اخترناه واختاره المحققون في معنى
الحديث، وأن أحدًا يحبنا حقيقة. وقيل: المراد يحبنا أهله فحذف المضاف وأقام
المضاف إليه مقامه. انتهى. وقال الزرقاني: قوله: ((يُحِبُّنَا)) حقيقة كما رجَّحه
جماعة، وقد خاطبه وَلّ مخاطبة مَن يعقل فقال لما اضطرب: ((اسْكُنْ)) فوضعَ اللهُ
الحبَّ فيه، كما وضع التسبيح في الجبال مع داود، والخشية في الحجارة التي قال
فيها ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْبَةِ اُللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] وكما حنَّ الجذع لفراقه حتى سمع