Indexed OCR Text
Pages 301-320
- ٣٠١ - وبها يقول حسان رضي الله عنه : حريق بالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ وهانَ على سَرَاةِ بِي لُؤَيّ وفي ذلك نزلت ( ما قطعتم من لينةٍ(١) أو تركتموها قائمة على أصولها ) الآية . ( م ١٤٥/٥ ) باب : أخذ الطعام في أرض العدو ١١٣٩ - عن عبد الله بن مُغَفَّل رضي الله عنه قال: أصبت جراباً (٢) من شحم يوم خيبر قال: فالْتَزَّمْتُه، فقلت: لا أعطي اليومَ أحداً من هذا شيئاً، قال: فالْتَفَتُّ فإذا رسولُ اللّه عَلَّمٍ مُتَبَسِّماً. ( م ١٦٣/٥ ) باب : تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة ١١٣٧ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله البائع: ((غزا في(٣) من الأنبياء، فقال لقومه لا يَتْبَعْني رَجُلٌ قَدْ ملك بُضْع امرأة وهو يريد أن يَبْني بها(٤) ولمّا يَبْن (٥)، ولا آخر قد بَنى بنياناً (٦)، ولما يرفع سُقُفَها، ولا آخرُ قد اشترى غنماً أو خَلِفات (٧) وهو منتظر ولادها، قال: فغزى فأدْنى للقرية(٨)، حين صلاة العصر، أو قريباً من ذلك، فقال للشمس: أنتِ مأمورة ، وأنا مأمور ، اللهم احبسها علي شيئاً ، قال : فحبست عليه حتى فتح اللّه عليه، قال: فجمعوا ما غَنِمُوا، فأقْبَلَت النار لتأكله ، فأبت أن تَطْعَمَهُ ، فقال : فيكم ◌ُغُدْول ، فليبايعني من كل قبيلة رجل. فبايعوه فَلَصِقَتْ يد رجل بيده، فقال: فيكم الغُلول، فَلْتُبايعني قبيلتُك فبايعته ، قال: فَلَصِقَتْ بيد رجلين أو ثلاثة ، فقال : فيكم الغُلول ، أنتم غَلَلْتُم ، قال: فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب ، قال : فوضعوه في المال ، وهو بالصعيد، فأقْبَكَت النارُ فأكلته، فلم تَحِلَّ الغنائمُ لأحدٍ مِن قَبَلِنا، ذلك بأن اللّه تَعالى رأى ضعفنا وعجزنا ، فَطَيِّبَها لنا)). ( م ١٤٥/٥ ) باب : في الانفال ١١٣٨ - عن مُصْعَبٍ بن سعد عن أبيه قال: نزلت فيَّ أربع آيات: أصبت سيفاً فأتى به النبي حاله فقال: يا رسول اللّه نَفِّلْنِيه، فقال: ((ضعه))، [ ثم قام، فقال له النبي عَلِله: ضعه من حيث أخذته](٩)، ثم قام فقال: نفلنيه يا رسول الله، فقال: ((ضعه))، فقام فقال: يا رسول اللّه نفلنيه أأجعل (١) هي النخلة الناعمة. وتمام الآية ( فبإذن الله وليخزي الفاسقين ). (٢) بكسر الجيم وفتحها لغتان ، الكسر أفصح وأشهر ، وهو وعاء من جلد . (٣) هو يوشع بن نون كما هو في رواية لأحمد بإسناد جيد، خرجته في: ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) ٢٠١ طبع المكتب الاسلامي. (٤) أي ملك فرجها بالنكاح ، ( وهو يريد أن يبني بها) أي أن يدخل بها ويطأها. (٥) أي ولم يدخل بها بعد فنفسه متعلقة بها . (٦) وفي رواية البخاري ((بنى بيوتاً )). (٧) جمع خلفة ككلمة وهي الحامل من الإبل . (٨) هي بيت المقدس كما في رواية احمد المشار اليها. وأما ما في ((الفتح)) أنها (اريحا) فمن أوهامه كما بينته في المصدر السابق. (٩) ما بين الهلالين، لم يرد في مسند أحمد، وقد رواه عن شيخ شيخ مسلم كما يأتي ، فلعلها مقحمة من بعض النساخ . - ٣٠٢ - كمن لا غناء له؟ فقال له النبي ◌ِ اللهِ: ((ضعه من حيث أخذته))، قال: فنزلت هذه الآية : ( يسألونك عن الأنفال ◌ُقُلِ الأنفال الله والرسول(١) ). ( م ١٤٦/٥ ) باب : تنفیل السرايا ١١٣٩ - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بَعَثَ رسول اللّه ◌ِ المِ سريّةً إلى نَجْدٍ، فخرجتُ فيها ، فأصبنا إبلاً وغنماً ، فبلغت سُهمانُنا اثني عَشَر بعيراً، ونَفّلنا رسول اللّه عَ المه بعيراً بعيراً. ( م ١٤٦/٥) باب : تخميس الأنفال ١١٤٠ - عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صل التع قد كان ينفل بعض من يبعث من السرايا ( م ١٤٧/٥) لأنفسهم خاصةً سوى قَسْمِ عامة الجيش ، والخمس في ذلك واجبٌ كُلِّه (٢). باب : إعطاء القاتل سلب المقتول ١١٤١ - عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول اللّه ◌َ ائل عام حُنّين، فلما التقينا كان للمسلمين جولة ، قال : فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين ، فاستدرت اليه حتى أتيته من ورائه فضربتُهُ على حَبْلِ عاتِقِهِ (٣)، وأقبل عليَّ، فضمني ضمةً وجدتُ منها ريح الموت، ثمّ أدركه الموت فأرسلني ، فَلَحِقْت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: ما للناس ؟ فقلت: أمرُ اللّه عز وجل ، ثم إن الناسَ رجعوا، وجلس رسول اللّه ◌ُعْطِئٍ فقال: ((من قَتّلَ قَتِيلاً، له عليه بَيِّنَةٌ فله سَلَبُهُ))، قال: فقُمتُ فقُلْتُ: من يَشْهَدُ لي؟ ثم جلستُ، ثم قال مثل ذلك قال : فقمت فقلت (١) هكذا الحديث في ((مسلم)) ليس فيه ذكر الآيات الأخرى، وهو اختصار من شيخ مسلم محمد بن المتني قال: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن سماك بن حرب عن مصعب بن سعد به. وقد تابعه الامام أحمد فقال (١٨٥/١): حدثنا محمد بن جعفر به. إلا أنه ذكر آيتين أخريين، إحداهما: ( إنما الخمر والميسر والانصاب والأزلام رجس ... )، والأخرى: (ووصينا الإنسان بوالديه حسناً ... ) وقال أحمد (١٨١/١) حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة به. فهذه ثلاث آيات فقط، وكذلك رواه زهير بن حرب عن سماك بن حرب به لم يذكر الآية الرابعة. أخرجه مسلم في ((الفضائل)) وهناك أورده المصنف (رقم ١٦٤٩)، وقد ذكر الشارح وغيره تبعاً للنووي رحمه الله أن الآية الرابعة هي: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم)، وذكروا أنها عند مسلم في ((الفضائل)) أيضاً، يشيرون بذلك الى الحديث الآتي هناك برقم (١٦٥٠)، وهو وإن كان من طريق أخرى عن سعد، فالظاهر ما ذكروا والله أعلم . ثم إن في رواية لأحمد (١ / ١٨٠) من طريق أخرى عن سعد أن القضية كانت يوم بدر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له بعد زول سورة الأنفال: ((اذهب فخذ سيفك)). ورجاله ثقات رجال الشيخين لولا أن فيه انقطاعاً. وعنده (١٧٨/١) من طريق أخرى عن مصعب أنه قال له: (( كنت سألتني السيف وليس هو لي، وإنه قد وهب لي فهو لك . قال : وأنزلت هذه الآية ( يسألونك عن الانفال ... ))). وإسناده حسن. ( فائدة ) قال العلماء : الانفال هي العطايا من الغنيمة غير السهم المستحق بالقسمة، واحد نفل ، بفتح الفاء على المشهور ، وحكي إسكانها . (٢) مجرور تأكيد لقوله : ( في ذلك ) . (٣) هو ما بين العنق والكتف . - ٣٠٣ - من يشهد لي ؟ ثم جلست ، ثم قال ذلك الثالثة، قال: فقمت، فقال رسول الله عبالفمٍ: ((ما لك يا أبا قتادة)) فقصصت عليه القصة ، فقال رجل من القوم : صدق يا رسول الله ، سَلَبُ ذلك القتيل عندي فأرْضِه من حقه ، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لا ها (١) اللّه، إذاً لا يَعْمِدُ إلى أسَدٍ من أُسْدِ اللّه يقاتل عن اللّه، وعن رسولِهِ مَ لِ فيعطيكَ سَلَبَهُ، فقال رسول اللّه عَ لمِ: ((صدق، فأعطِهِ إياه))، فأعطاني قال : فبعت الدرع فابْتَعْتُ به مَخْرَفَاً(٢) في بني سَلَمَة، فإنه لَأوَّلُ مالٍ تَأْثّلْتُهُ(٣) في الإسلام . ( م ١٤٨/٥ ) باب : إعطاء السلب بعض القاتلين بالاجتهاد ١١٤٢ - عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه قال: بينا أنا واقفٌ في الصَّفِّ يوم بدرٍ ، نظرت عن يميني وشمالي ، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما ، تمنّيْتُ لو كنتُ بين أَضْلَعَ منهما (٤) فغمزني أحدهما فقال : يا عم هل تعرف أبا جهل ؟ قال: قُلتُ : نعم ، وما حاجَتُك اليه يا ابن أخي؟ قال: أُخبِرتُ أنه يسب رسولَ اللّه عَ لَّهِ، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموتَ الأعْجَلُ منا . قال : فتعجبتُ لذلك، فغمزني الآخر ، فقال مثلها ، قال : فلم أنشب أن نظرتُ إلى أبي جهل يزول(٥) في الناس ، فقلتُ : ألا تريان ؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه ، قال : فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه ، ثم انصرفا إلى رسول اللّه عالمٍ، فأخبراه، فقال: ((أيكما قتله)) ؟ فقال كل واحد منهما : أنا قتلتُه، فقال: ((هل مسحتما سيفيكما)) ؟ قالا : لا، فنظر في السيفين ، فقال: ((كلاكما قَتَّلَه))، وقضى بسلَبِه لمعاذ بن عمرو بن الجموح(٦)، والرجلان: معاذ بن عمرو بن ( م ١٤٩/٥ ) الجموح ، ومعاذ بن عَفْراء . باب : منع القاتل السلب بالاجتهاد ١١٤٣ - عن عوف بن مالك رضي اللّه عنه قال: قَتَلَ رجلٌ من حِمْيَرَ رجلاً من العدو ، فأراد سَكَبَهُ، فمنعه خالدُ بن الوليد رضي الله عنه، وكان والياً عليهم، فأتى رسولَ اللّه مَ الِ عوف بن مالك فأخبره ، فقال لخالد: (( ما منعك أن تعطيه سَلَبَهُ))؟ قال: استكثرتُه يا رسول الله، قال: ((ادفعه اليه))، فمرَّ خالد بعوف فجر بردائه (٧) ، ثم قال: هل أَنْجَزْتُ لك ما ذكرتُ لك من رسول اللّه عَل التع (٨) (١) قالوا: (ها) بمعنى الواو التي يقسم بها، أي: لا والله . (٢) أي اشتريت به بستاناً. (٣) أي اقتنيته وجعلته أصل مالي. (٤) معناه بين رجلين أقوى من اللذين كنت بينهما وأشد. (٥) أي يتحرك وينزعج ولا يستقر على حالة ولا في مكان. (٦) لأنه كان هو الذي أثخنه أو لا، فاستحق بذلك السلب، وابن عفراء إنما كان له مشاركة في قتله، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: ((كلاكما قتله». تطييباً لقلبه ، وقد جاء أن ابن مسعود أجهز عليه كما في الحديث (١١٦٩). (٧) أي جذب عوف برداء خالد ووبخه على منعه السلب . (٨) يشير بذلك إلى ما في رواية لاحمد: قال عوف: لئن رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأذكرن ذلك له. وفيها أن هذه الغزوة كانت الى طرف الشام . - ٣٠٤ - فسمعه رسول اللّه عَاقلٍ فاستُغْضِبَ فقال: ((لا تُعطه يا خالد، لا تعطه يا خالد! هل أنتم تاركون لي أُمرائي؟ إنما مثلكم ومثلُهم كمثل رجل استرعى إبلاً أو غنماً ، فرعاها ، ثم تحين سَقْها فأوردها حوضاً فشرعت فيه ، فَشَرِبَتْ صَفْوَهُ وتركَتْ كَدْرِه ، فَصَفْوُه لكم ، وكَدْرُه عليهمْ)). ( م ١٤٩/٥ ) باب : في إعطاء جميع السلب للقاتل ١١٤٤ - عن سَلَمَةَ بن الأكوع رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول اللّه صَ لِ هوازن ، فبينا نحن نتضحى (٢) مع رسول اللّه عَ لٍ، إذ جاء رجلٌ على جمل أحمر، فأناخه، ثم انتزعَ طَلَقاً من حَقَبِهِ (٣) فقيّد به الجمل ، ثم تقدم ، يَتَغدى مع القوم ، وجعل ينظر وفينا ضَعْفَةٌ ورِقّةٌ من الظهر ، وبعضنا مشاةٌ، إذ خرج يَشْتَدُّ ، فَأتى جمله ، فأطلق قيده . ثم أناخه فقعد عليه ، فأثاره فاشتد به، فاتّبعه رجل على ناقةٍ ورقاءَ (٤)، قال سلمة: وخرجتُ أشتدُّ ، وكنت عند ورك الناقة ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل ، ثم تقدَّمْتُ حتى أخذت بخطام الجمل ، فأنختُهُ ، فلما وضع رُكبَنُه في الأرض اخترَطْتُ سيفي فضربت رأسَ الرجل ، فندر، ثم جئت بالجمل أقوده ، عليه رَحْلُهُ وسلاحه ، فاستقبلني رسول اللّه مَّالتِّ والناس معه، فقال: ((من قَتَلَ الرجل؟)). قالوا: ابن الأكوع، قال: ((له سَلَبُهُ أجْمَعُ)). ( م ١٥٠/٥) باب : في التنفیل وفداء المسلمین بالاسارى ١١٤٥ - عن إياس بن سلمة عن أبيه رضي الله عنه قال: غزونا فَزَارةَ وعلينا أبو بكر، أمّرَهُ رسولُ اللّه ◌ُالٍ علينا، فلما كان بيننا وبين الماء ساعة"، أَمَرَنا أبو بكر فَعَرَّسْنا، ثم شَنَّ الغارة، فورد الماء، فَقَتَّل من قتل عليه ، وسبى وأنظُرُ إلى عُنُقٍ من الناس فيهم الذراري(٥) فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فَرَمَيْتُ بسهم بينهم وبين الجبل ، فلما رأوا السهم وقفوا ، فجئتُ بهم أسوقُهم ، وفيهم امرأة من بني فَزَارة عليها قَشْعٌ من أدَمٍ ( قال القشع: النطع ) معها ابنةٌ لها من أحسن العرب، فَسُقْتُهُمْ حتى أتيتُ بهم أبا بكر، فَنَفّلني أبو بكر ابنتَها، فقدمنا المدينَةَ، وما كشفت لها ثوباً، فلقيني رسول اللّه ح الهم في السوق، فقال: ((يا سَلَمة هب لي المرأة))(٦)، فقلت: يا رسول اللّه والله لقد أعْجَبَتْني وما كشفتُ لها ثوباً ، ثم لقيني رسول اللّه عَ اه من الغد في السوق فقال لي: ((يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك))، فقلت: هي لك يا رسول الله، فوالله ما كشفتُ لها ثوباً، فبعث بها رسولُ اللّهِ صَ الِ إلى أهل مكة فقدى بها ناساً ن المسلمين ، كانوا أُسِروا بمكة . ( م ١٥٠/٥) (١) هكذا هو في بعض النسخ من ((مسلم)) بغير نون. وفي بعضها باثباتها. وهذا هو الأصل، والأول صحيح. كما قال النووي. (٢) أي نأكل في وقت الضحى، كما يقال: نتغدى، مأخوذ من الضحاء بالمد وفتح الضاد، وهو بعد امتداد النهار، وهو الضحى بالضم والقصر . (٣) الطلق بفتح الطاء واللام والقاف هو النعال من جلد، و (الحقب) بفتح الحاء والقاف حبل يشد على حقو البعير. (٤) هي ما في لونها سواد كالغبرة . (٥) هي النساء والصبيان . (٦) في الأصل هنا زيادة ((لله أبوك))، وليست في ((مسلم)) ولا في ((المسند)) إلا في الموضع الآتي، فحذفتها. - ٣٠٥ - باب : السُّهمان والخمس فيما افتتح من القُرى بقتال ١١٤٦ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه عَ لِ: ((أُبما قريةٍ أتيتُمُوها وأقَمْتُم فيها، فسهمكم فيها، وأيما قَريةٍ عَصَتِ اللّهَ ورسوله فإن خمسها لله ولرسوله ثم هي لكم)). (٢ ١٥١/٥) باب : فيما يصرف الفيء إذا لم يوجَبْ عليه بِقتال ١١٤٧ - عن مالك بن أوس قال : أرسل إلي عمر بن الخطاب رضي الله عنه فجئته حين تعالى النهار قال : فوجدته في بيته جالساً على سرير مُفْضياً إلى رماله (١) متكئاً على وسادة من أَدَمٍ ، فقال لي : يا مالُ (٢) ! إنه قد دَفَّ أهل أبياتٍ من قومك، وقد أمرتُ فيهم بِرَضْخٍ (٣) فخذه فاقسمه بينهم ، قال: قلتُ : لو أمرتَ بهذا غيري، قال: خذه يا مالُ! قال: فجاء يرفا(٤) فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد ؟ فقال عمر : نعم ، فأذن لهم ، فدخلوا ، ثم جاء فقال : هل لك في عباس وعلي ؟ قال : نعم ، فأذنَ لهما ، فقال عباس : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا ( وذكر كلاماً)(٥) قال : فقال القوم : أجل يا أمير المؤمنين فاقض بينهم وأَرِحْهُم (فقال مالك بن أوس: يخيل إلى (٦) أنهم قد كانوا قَدَّموهم لذلك) فقال عمر: اتئدا، أَنْشُدُكُم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون أن رسول اللّه عَزالفمٍ قال: ((لا نُورَثُ، ما تركنا صدقة))؟ قالوا: نعم، ثم أقبل على العباس وعلي رضي الله عنهما فقال: أَنْشُدُ كما باللّه الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمان أن رسول اللّه عالٍ قال: ((لا نورث، ما تركنا صدقة))؟ قالا: نعم، فقال عمر: إن اللّه جل وعز كان خص رسول اللّه ◌َ الِ بخاصة لم يُخَصِّصْ بها أحداً غيره، قال: ( ما (٧) أفاء اللّهُ على رسولِهِ من أهل القرى، فلله وللرسول ) ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا؟ قال: فَقَسَمَ رسول اللّه عَّ المِ بينكم أموال بني النضير فوالله ما استأثر عليكم، ولا أخذها دونكم، حتى بقي هذا المال، فكان رسولُ اللّه ◌َ التلم يأخذ منه نفقة سنةٍ، ثم يجعلُ ما بقي أُسْوَةَ المال، ثم قال: أنْشُدُكُمْ باللّهِ الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم ، ثم نَشَدَ عباساً وعلياً بمثل ما نشد به القوم : أتعلمان ذلك ؟ قالا : نعم ، قال: فلما توفي رسول اللّه ◌َ اتٍ قال أبو بكر رضي الله عنه: أنا ولي رسول اللّه مَ لالٍ فجئتما، تَطلبُ ميراثك من ابن أخيك ، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها ، فقال أبو بكر : قال رسول اللّه عَالبائع : (١) أي موصلاً جسده إلى رمال السرير ليس بينه وبينه شيء من نحو فراش، كما صرحت به رواية البخاري، ورمال السرير هو ما ينسج في وجهه بالسعف وهو ورق النخل . (٢) تر خيم مالك . (٤) هو حاجب عمر رضي الله عنه. (٣) أي عطية قليلة . (٥) هذا من المصنف رحمه اللّه تعالى يشير به الى أن في الرواية كلاماً حذفه لشدته، ولا نرى بأساً من روايته لأن ذلك مما يقتضيه علم الرواية، لا سيما وفيما يأتي مثل هذا الكلام يرويه عمر رضي الله عنه عن العباس وعلي رضي الله عنهما أنهما قالا ذلك في أبي بكر وعمر، ولعل ذلك من طريق الالزام منه لهما، وهذا هو الكلام المحذوف ((الكاذب الآثم الغادر الخائن))، وليس هذا الكلام على ظاهره، لأن علياً أرفع من أن يكون فيه شيء من ذلك، بل هو مؤول على ما هو مبين في الشرح. وأما الطعن في القصة والتكذيب بها كما فعل المحشي هنا على صحيح مسلم، فليس من صنيع العلماء العارفين بقدر المحدثين ورواة هذا الحديث خاصة وهم مالكو الزهري ومالك بن أوس. (٦) أي أظن وأتوهم ( أنهم) يعني القوم (قد كانوا قدموهم ) أي سبقوا العباس وعلياً بالحضور بترتيب منهم. (٧) الأصل (وما ) وهو خطأ . - ٣٠٦ - ((ما نُورث، ما تركنا صدقة)) فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً! والله يعلم إنه لصادقٌ بارٌ راشد تابع للحق. ثم توفي أبو بكر وأنا وليُّ رسول اللّه ◌ِ التّهِ ووليّ أبي بكر ، فرأيتماني كاذباً آثماً غادراً خائناً ! والله يعلم إني لصادق بار راشد تابع للحق ، فوليتها ، ثم جئتني أنت وهذا ، وأنتما جميع وأمركما واحد فقلتما: ادْفعها الينا (١) ، فقلتُ: إن شئتم دفعتها اليكما على أن عليكما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول اللّه عَاتٍ ، فأخذتماها بذلك، قال: أكذلك ؟ قالا: نعم ، قال: ثم جئتماني لأقْضيَ بينكما!؟ ولا والله لا أقْضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فرداها إلي. (١٥١/٥٢-١٥٣) ١١٤٨ - عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها: أن فاطمة بنت رسول اللّه صل الترٍ أرسلت إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه تسأله ميراثها من رسول الله بع المٍ مما أفاء الله عليه بالمدينة وفَدَكَ وما بقي من خمسٍ خيبر، فقال أبو بكر: إن رسول اللّه عَ الٍ قال: ((لا ◌ُنُورَتُ، ما تركنا صدقةٌ، إنما يأكل آل محمد عد اله في هذا المال)) وإني والله لا أُغَيَّرُ شيئاً من صدقة رسول اللّه ◌َ لٍ عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول اللّه عَّ اتٍ ولأَ عْمَلَن فيها بما عمل به رسول اللّه ◌َ الله ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك ، قال: فهجرته فلم تكلمه حتى تُوُفِّيَتْ، وعاشت بعد رسول اللّه ◌َ التعٍ ستة أشهر ، فلما تُوُفِّيَتْ دفنها زوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ليلاً، ولم يُؤذِنْ بها أبا بكر ، وصلى عليها علي. وكان لعلي من الناس وجهةٌ حياةَ فاطمة رضي الله عنهما، فلما تُوفِيَتْ استنكر علي وجوه الناس فالتّمَسَ مصالحة أبي بكر ومبايعته ، ولم يكن بايع تلك الأشهر ، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ، ولا يأتنا معك أحد (كراهية محضر عمر بن الخطاب رضي الله عنه )، فقال عمرُ لأبي بكر: واللّه لا تدخل عليهم وحدك ، فقال أبو بكر: وما عساهم أن يفعلوا بي، إني والله لآتِينّهم. فدخل عليهم أبو بكر فتشهد علي بن أبي طالب ، ثم قال: إنا قد عرفنا يا أبا بكر فَضيلتك، وما أعطاك اللّه، ولم نَنْفَسْ عليك خيراً ساقه اللّه اليك، ولكنك استبددت علينا بالأمر وكنا نحن نرى لنا حقاً لقرابتنامن محمد رسول اللّه مع الفقه ، فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبي بكر ، فلما تكلم أبو بكر قال : والذي نفسي بيده لقرابة رسول اللّه ◌َ افعِ أحبُّ إلي أن أصلَ من قرابتي، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فإني لم آلُ فيها عن الحق ، ولم أترك أمراً رأيتُ رسولَ اللّه ◌ُ لِ يصنعه فيها إلا صنعته، فقال علي لأبي بكر : موعدك العشيةُ للبيعة، فلما صلى أبو بكر صلاة الظهر رَقِيَ على المنبر ، فتشهد ، وذكر شأن علي رضي الله عنه وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر اليه ثم استغفر. وتشهد عليُ بن أبي طالب فعظّم حق أبي بكر وأنه لم يحمله على الذي صنع نفاسةٌ على أبي بكر ولا إنكار (٢) للذي فَضَّلَهُ اللّه عز وجل به ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيباً فاستُبِدَّ علينا به ، فوجدنا في أنفسنا. فَسُرَّ بذلك المسلمون، وقالوا: أصبتَ، فكان(٣) (م ١٥٣/٥-١٥٤) المسلمون إلى علي قريباً ، حين راجع الأمر بالمعروف . ٢ -.. (١) يعني التركة. (٢) وفي مسلم: ((نفاسة ... ولا إنكاراً » (٣) الأصل: ((وكان)). ۔ - ٣٠٧ - ١١٤٩ - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله مع التلم قال: ((لا يقتسم ورثتي ديناراً، ما (م ١٥٦/٥) تركت بعدَ نفقة نسائي ومؤونة عاملي فهو صدقة)) . باب : سهمان الفارس والراجل ١١٥٠ - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول اللّه عَ لِ قَسَمَ في النفل (١) للفرسِ ( م ١٥٦/٥ ) سهمين وللرجل سهماً . باب : لا يسهم للنساء من الغنيمة ، ويُحْذَيْن، وقتل الولدان في الغزو ١١٥١ - عن يزيد بن هرمز: أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خَمْسٍ خلال؟ فقال ابن عباس لولا أن أكتم علماً ما كتبتُ اليه، كتبَ اليه نجدةُ: أما بعد، فأخبرني هل كان رسول اللّه ◌َ الفتحِ يغزو بالنساء ؟ وهل كان يضرب لهن بسهم ؟ وهل كان يقتل الصبيان ؟ ومتى ينقضي يُتم اليتيم ؟ وعن الخُمس لمن هو؟ فكتب إليه ابن عباس: كتَبتَ تسألني : هل كان رسول اللّه ◌ُ لِ يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن، فيداوِين الجَرْحِى ويُحْذَيْن من الغَنِيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن، وإن رسول اللّه مع اله لم يكن يقتل الصبيان ، فلا تقتل الصبيان . وكتبت تسألني : متى ينقضي يتم اليتيم ؟ فلعمري إن الرجل لتنبت لحيتُه وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء منها ، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم . وكتبت تسألني عن الخمس لمن هو؟ وإنا كنا نقول : هو لنا، فأبى علينا قومنا ذاك (٢). (م ١٩٧/٥) باب : في ترك الأسارى والمنّ عليهم ١١٥٢ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله عز له خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يُقال له: ثمامة بنُ أثال سيدُ أهل اليمامة فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج اليه رسول اللّه ◌ُ الٍ، فقال له: ((ماذا عندك يا ثمامة))؟ فقال: عندي يا محمد خبر، إن تقتلْ تقتل" ذا دم، وإن تُنعمْ تُنعم" على شاكر، وإن كنت تريد المال، فسل تُعطَ منه ما شئتَ، فتركه رسول اللّه م الفعٍ حتى كان بعد الغد، فقال: (( ما عندك يا ثمامة؟)) قال: ما قلت لك، إن تُنْعِم تُنْعِم على شاكر ، وإن تَقْتُل تقتل ذا ذم ، وإن كنت تريد المال فسل تُعط منه ما شئت، فتركه رسول اللّه عَ لشعٍ حتى كان من الغد ، فقال: ((ماذا عندك يا ثمامة)) ؟ فقال: عندي ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر ، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تُعط منه ما شئت، فقال رسول اللّه ◌َ اللهِ: ((أَطْلِقوا 'ثمامة))، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ، ثم دخل المسجد ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن (١) المراد بالنفل هنا الغنيمة . (٢) أي رأوا أنه لا يتعين صرفه إلينا بل يصرفونه في المصالح، وأراد بقومه ولاة الأمر من بني أمية . - ٣٠٨ - محمداً عبده ورسوله ، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغضَ إلي من وجهك فقد أصبح وجهُكَ أحبَّ الوجوه كلِها إليَّ، والله ما كان دينٌ أبغضَ إلي من دينك، فأصبح دينك أَحَبَّ الدينِ كله إليّ ، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلي ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول اللّه يحت التمٍ وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة ، قال له قائل: أَصَبَوْتَ؛ فقال: لا، ولكني أَسْلَمْتُ مع رسول اللّه عَ لَّهِ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذنَ فيها رسول اللّه م طلع . ( م ١٥٨/٥ ) باب : إجلاء اليهود من المدينة ١١٥٣ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينا نحن في المسجد، إذ خرج الينا رسولُ اللّه لاتعٍ، فقال: ((انطلقوا إلى يهود))، فخرجنا معه، حتى جئناهم، فقام رسولُ اللّه ◌َ اتِفناداهم، فقال: ((يا معشر اليهود أَسْلِمُوا تَسلَمُوا))، فقالوا: قد بلَّغتَ يا أبا القاسم! فقال لهم رسول اللّه مع الله: ((ذلك أُريد، أَسْلِمُوا تَسلَمُوا))، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم! فقال لهم رسول اللّه عَ المِ: ((ذلك أُريد، فقال لهم الثالثة، فقال: ((اعلَمُوا أنّما الأرضُ اللّهِ ورسولِهِ، وإني أُريد أن أُجْلِيَكُمْ من هذِهِ الأرض، فمن وجد منكم بماله شيئاً فليبعه، وإلا فاعلَمُوا أن الأرض لله ورسوله)). ( م ١٥٩/٥ ) باب : اخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب ١١٥٣ ب - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول اللّه مع الفته يقول: ((لأُخرجنَّ ( م ١٦٠/٢ ) اليهودَ والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أَدَعَ إلاَّ مسلماً)). باب : الحکم فیمن حارب ونقض العهد ١١٥٤ - عن عائشة رضي الله عنها قالت: أصيب سعد يومَ الخندق، رماه رجل من قريش يقال له ابنُ العَرِقَةِ، رماه في الأكْحَل ، فضرب عليه رسولُ اللّه ◌َل التعٍ خيمة في المسجد يعوده من قريب ، فلما رجع رسولُ اللّه ◌ِ لِ من الخندق وضع السلاح فاغتسل، فأتاه جبريل عليه السلام وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه، اخرج اليهم، فقال رسول اللّه مع اله: ((فأين)).؟ فأشار إلى بني قُرَيْظَة، فقاتلهم رسولُ اللّه ◌ِلالِ، فنزلوا على حكم رسول اللّه ◌َ اللهِ، فرد رسول الله بَ الِ الحكم فيهم إلى سعد قال : فإني أحْكُمُ فيهم أن تُقْتل المقاتِلَةُ وأن تُسْبِى الذريةُ والنساء وتقسم أموالهم، ( قال هشام: قال أبي: فأُخبرتُ أن رسول اللّه عَ المِ قال: ((لقد حكمتَ فيهم بحكم الله عز وجل))، وفي رواية: ((حكمتَ بحكم الله))، وقال مرة: ((لقد حكمت بحكم الملِك)) (١) ). ( م ١٦٠/٥) (١) قول هشام هذا ليس في الرواية التي قبلها، بل هي أخرى، فكان على المصنف التنبيه على ذلك بقوله: ((وفي رواية)) كما هي عادته، وكما فعل في الرواية الآتية ، وهي تغني عن قول هشام هذا عن أبيه، لأنها موصولة من رواية أبي سعيد الخدري ، وقول هشام مرسل . ومن ذلك يتبين أنه كان على المصنف أن ينبه أيضاً على أن الرواية المشار إليها هي عن أبي سعيد وليست عن عائشة، ولذلك وضعت لها رقماً خاصاً. وكان الأولى أن يسوق حديث أبي سعيد بتمامه لأن فيه من الفوائد ما ليس في حديث عائشة أو على الأقل يقتصر على ذكرها مثل قوله صلى الله عليه وسلم للانصار: ((قوموا الى سيدكم أو خيركم)). كتاب الهجرة وَالمُغَازِي باب : في هجرة النبي لت وآياته ١١٥٥ - عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب رضي الله عنهما يقول: جاء أبو بكر الصديق إلى أبي في منزله، فاشترى منه رحلاً، فقال لعازب: ابْعَثْ معي ابنك يحمله معي إلى منزلي، فقال لي أبي : احمله، فحملتُه وخرج أبي معه ينتقدٍ ثمنه ، فقال لّه أبي: يا أبا بكر حدثني كيف صنعتما ليلة سَرَّيْتَ مع رسول اللّه ◌ُلافلٍ؟ قال: نعم، أسرينا ليلتنا كلّها حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق، فلا يمر فيه أحدٌ حتى رُفِعَّت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس بعد ، فنزلنا عندها ، فأتَيْتُ الصخرةَ فَسَوَّيْتُ بيدي مكاناً ينام فيه النبي ◌َّالِ في ظلها، ثم بسطت عليه فَرْوَةً، ثم قُلتُ: نمْ يا رسول الله، وأنا أنفض(١) لك ما حولك ، فنام ، وخرجت أَنْفض ما حوله ، فإذا أنا براعي غنم مقبلٍ بغنمه إلى الصخرة ، يريد منها الذي أردنا ، فَلَقِيتُه ، فقلتُ: لمن أنت يا غلام ؟ فقال : لرجل من أهل المدينة ، قلت أفي غنمك لبن؟ قال : نعم، قُلتُ: أَفَتَحلُبُ لي؟ قال: نعم، فأخذ شاةً ، فقلت له : انفُضٍ الضّرعَ من الشعر والتُراب والقذى ، قال : فرأيت البراء يضرب بيده على الأخرى ينفض ، فحلب لي في قَعْبٍ(٢) معه كُتْبَة من لبن، قال: ومعي إداوة أَرْتَوي فيها للنبي عَ الله ليشرب منها ويتوضأ، قال: فأتيت النبي ◌ُ المِ وكرهت أن أُوقِظَه من نومه، فوافقته استيقظ، فصيبت على اللبن من الماء حتى بَرّد أسفلُه، فقلت: يا رسول اللّه اشْرَبْ من هذا اللبن، قال: فشرب حتى رضيتُ ثم قال: ((ألم يأن للرحيل))؟ قُلتُ: بلى ، قال : فار تحلنا بعدما زالت الشمس ، واتّبَعَنا سراقة بن مالك، قال: ونحن في جَلَد من الأرض، فقلت: يا رسول اللّه أتينا، فقال: (( لا تحزن إن الله معنا)) فدعا عليه رسول اللّه منز له فارْتَطْمَتْ فرسُه إلى بطنها أُرى (٤)، فقال: إني قد علمتُ أنكما قد دعوتما علي، فادعُوا لي، فاللّهُ لكما أن أردّ عنكما الطلب ، فدعا الله، فنجا، فرجع لا يلقى أحداً إلا قال: قد كفيتكم ما ههنا ، فلا يلقى ( م ٢٣٦/٨-٢٣٧) أحداً إلا رده ، قال : ووفى لنا . باب : في غزوة بدر ١١٥٦ - عن أنس رضي الله عنه: أن رسولَ اللّه ◌َ الِ شاور حين بلغه إقبالُ أبي سفيان، قال : فتكلم أبو بكر ، فأعرض عنه ، ثم تكلم عمر ، فأعرض عنه ، فقام سعد بن عبادة ، فقال : إيانا تريد يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحرَ لأخضناها) ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها (١) أي أفتش لئلا يكون هناك عدو . (٣) بضم الكاف وهي قدر الحلبة . (٢) قدح من خشب معروف. (٤) أي غاصت قوائمها في تلك الأرض الجلد. وفي رواية لمسلم: ((فساخ فرسه في الأرض إلى بطنه، ووثب عنه)). (٥) يعني الخيل (لأخضناها) أي لو أمرتنا بادخال خيولنا في البحر وتمشيتنا إياها فيه لفعلنا . - ٣١٠ - إلى بَرْكِ الغِمَادِ (١) لفعلنا، قال: فندب رسولُ اللّه عَ الم الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدراً، ووردت عليهم روايا قريش، وفيهم غلام أسودُ لبني الحَجّاج، فأخذوه، فكان أصحابُ رسول اللّه عَ التلم يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه ؟ فيقول: ما لي علم بأبي سفيان، ولكن هذا أبو جهل وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ وأمية ابن خَلَف ، فإذا قال ذلك ضربوه ، فقال : نعم ، أنا أخبركم ، هذا أبو سفيان ، فإذا تركوه فسألوه ، فقال : مالي بأبي سفيان علم ، ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلفٍ في أناس (٣) ، فإذا قال هذا أيضاً ضربوه ، ورسول اللّه ◌َ اتٍ قائم يصلي، فلما رأى ذلك انصرف وقال: ((والذي نفسي بيده لَتَضْربوه إذا صدقكم، وتتركوه إذا كَذَبَكم))، قال: فقال رسول اللّه تع الى: ((هذا مصرع فلان)) قال: ويضع يده على الأرض ههنا وههنا، قال: فما ماط أحدُهم عن موضعٍ يَدِ رسول اللّه عَ لَّه . ( م ١٧٠/٥ ) ١١٥٧ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بعث رسول اللّه عَ الِ بُسَيْسَةَ عيناً ينظر ما صنعت عِيرُ أبي سفيان ، فجاء ، وما في البيت أحدٌ غيري وغير رسول الله صلىالله، قال: لا أدري ما استثنى بعض نسائه، قال: فَحَدَّثْه الحديث، قال: فخرج رسول اللّه مَ اله، فتكلم فقال: ((إن لنا طَلِبةً، فمن كان ظهره حاضراً فليركب معنا )) ، فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانِهم في علْو المدينة ، فقال: ((لا إلا من كان ظهره حاضراً))، فانطلق رسول اللّه عَّ اللهٍ وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون فقال رسول الله عب القلم: ((لا يُقَدّمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه))، فدنا المشركون، فقال رسول اللّه مظ لته: ((قوموا إلى جَنّة عرضها السموات والأرض))، قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري رضي اللّه عنه: يا رسول اللّهَ جَنّة عرضها السموات والأرض؟ قال: ((نعم))، قال: بخٍ بَخٍ، فقال رسول اللّه عَ لِ: ((ما يحملك على قولك بخ بخٍ))؟ قال: لا والله يا رسول الله إلاَّ رجاءَة أن أكون من أهلها، قال: ((فإنك من أَهلِها))، فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ من قَرَنِهِ (٣) فجعل يأكل منهن ، ثم قال : لئن أنا حَبِيتُ حتى آ كل تَمَراتي هذه إنها لحياة طويلة ، قال : فرمى بما كان معه من التمر ، ثم قاتلهم حتى قُتِلَ . ( م ٤٤/٦ ) ---- باب : في الامداد بالملائكة وفداء الأسارى وتحليل الغنيمة ١١٥٨ - عن ابن عباس قال : حدَّثني عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال : لما كان يوم بدر، نظر رسول اللّه ◌َ ائل إلى المشركين وهم ألفٌ، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلاً ، فاستقبل نبي اللّه عَ المِ القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه(٤): ((اللهم أَنْجِزْ لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني ، اللهم (١) بفتح الباء عند الأكثرين وكسرها بعضهم هو موضع في أقاصي أرض هجر. ذكره في ((معجم البلدان)) عن عياض. (٢) في ((مسلم)) ( الناس) . (٣) أي جعبة النشاب . (٤) أي يصيح ويستغيث باللّه بالدعاء . - ٣١١ - إنّك إن ◌ُتُهْلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض(١)))، فما زال يَهْتِفُ بربه مادّاً يديه مُسْتَقْبِلَ القِبِلَةِ حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ، ثم التّزّمه من ورائه ، وقال : يا نبي الله كفاك (٢) مناشدتَك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك ، فأنزل الله عز وجل : ( إذا تَستَغيثون ربكم، فاستجاب لكم أني مُمِدُّكم بألفٍ من الملائكة مُردفين)(٣)، فأمَدَّهُ اللّه بالملائكة ، قال أبو زُمَيْلٍ : فحدثني ابن عباس قال : بينما رجل من المسلمين يومئذ يَسْتَدُ في أَثَرٍ رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوتَ الفارس يقول: أَقْدِمْ حَيْزُومُ(٤)، فنظر إلى المشرك أمامه، فخرَّ مستلقياً ، فنظر إليه ، فإذا هو قد ◌ُخُطِمَ أنْفُهُ وَشُقَّ وجهُه كضربةٍ السوط فاخضر ذلك أجْمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول اللّه ما زالتلم، فقال: صدقت ذلك من مَدَدّ السماء الثالثة ، فقتلوا يومئذ سبعين ، وأسروا سبعين ( قال أبو زميل : قال ابن عباس ) : فلما أسَرواً الأسارى قال رسول اللّه عَ الٍ لأبي بكر وعمر: (( ما ترون في هؤلاء الأسارى)) ؟ فقال أبو بكر : يا نبي اللّه، هم بنو العم والعشيرة ، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفّار ، فعسى الله أن يهديَهم للإسلام، فقال رسول اللّه عَ المِ: ((ما ترى يا ابنَ الخطاب))؟ قال: قلتُ: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تُمكّنا فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان ( نسيباً لعمر ) فأضربَ عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدُها، فَهَوَى رسولُ الله عَالقَلِ ما قال أبو بكر، ولم يَهْوَ ما قُلْتُ، فلما كان من الغد، جئتُ، فإذا رسولُ اللّه عَ اتِ و أبو بكر قاعدَيْن وهما (٥) يبكيان ، قلت : يا رسول اللّه أَخْبِرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك ، فإن وجدت بكاءً بَكَيْتُ، وإن لم أجد بكاءً تباكيت لبكائكما، فقال رسول اللّه تع الى: ((أبكي الذي عَرَضَ عَلَيَّ أصحابُك من أخذهَ الفداءَ، لقد ◌ُعُرِضَ عَلَيَّ عذابُهم أَدْنى من هذه الشجرة))، - شجرةٍ قريبة من نبي اللّه ◌ُ الله -، فأنزل (٦) الله عز وجل: (ما كان لنبيٍّ أن يكونَ له أسرى حتى يثخن في الأرض)(٧)، إلى قوله: (فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً)(٨) فأحل الله الغنيمة لهم. (م ١٥٦/٥-١٥٧) باب : كلام النبي پاتلم لقتلى بدر بعد موتهم ١١٥٩ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله وخ اتم ترك قتلى بدر ثلاثاً ثم أتاهم ، فقام عليهم فناداهم فقال: (( يا أبا جهل بن هشامٍ ، يا أُمَيّةَ بن خَلَفٍ ، يا عتبة بن ربيعة ، يا شيبة بن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً ، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً))؟ فسمع عمر رضي الله عنه (١) وقد قال مثله في غزوة أحد كما تقدم رقم (١١٢٧). وليس في ((مسلم)) كلمة (إنّك) فصحّ في (تهلك) فتح التاء وضمها. (٢) الأصل (كذاك). وما اثبتناه من ((مسلم)). وفي البخاري ((حسبك)). (٣) المردِف المتقدم الذي أردف غيره ، أي متتابعين يردف بعضهم بعضاً، أو مردفين ملائكة أخرى مثلهم فيكونون ألفين . (٤) اسم فرس الملك . (٦) في ((مسلم)): (وأنزل الله). (٥) ليس في ((مسلم)» (وهما) (٧) أي يبالغ في قتل الكفار ويوهنهم بالجراحة ويضعفهم حتى يذل الكفر ويقل حزبه ويعز الاسلام ، ويستولي أهله . (٨) وتمام الآية: ((واتقوا الله إن الله غفور رحيم)). : - ٣١٢ - قول النبي معا ملته، فقال: يا رسول اللّه كيف يسمعوا وأنى يجيبوا(١) وقد جَيّقوا؟ قال: ((والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقولُ منهم(٢) ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا))، فسحبوا فأُلقوا في قليب بدر . ( م ١٦٣/٨) باب : في غزوة أُحد ١١٦٠ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول اللّه عَ لمٍ أُفرِدَ يومَ أُحدٍ في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه(٣) قال: ((من يردُّهم عنا وله الجنة؟ أو هو رفيقي في الجنة؟)) فتقدّم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضاً فقال: ((من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة))؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ، فلم يزل كذلك حتى قُتِلَ السبعة ، فقال رسول اللّه ◌َ اتٍ لصاحبيه: (( ما أنْصَفْنا أصحابنا)) (٤). ( م ١٧٨/٥ ) باب : جرح النبي مزاته يوم أُحد ١١٦١ - عن أبي حازم: أنه سمع سهل بن سعد الساعدي يُسألُ عن جرح رسول اللّه عظ اتهِ يومَ أُحد؟ فقال: ◌ُجُرِح وجهُ رسول اللّه ◌َلْمٍ وكُسِرَت رَبَاعيتُهُ وهُشِمَتِ البيضة على رأسه، فكانت فاطمة رضي الله عنها بنتُ رسول اللّه ◌َ التّ تغسل الدم، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يسكب عليها بالمِجنّ ، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كَثْرَةً ، أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رماداً ، ثم ألصقته بالجرح فاستمسك الدم . ( م/١٧٨/٥ ) ١١٦٢ - عن أنس رضي الله عنه: أن رسول اللّه عَّالِ كُسِرَتْ رَبَاعيته يومَ أحد، وشُجَّ في رأسه فجعل يَسْلُتُ الدم عنه، ويقول: ((كيف يُفْلِح قوم شَجّوا نبيهم، وكسروا رباعيته ، وهو يدعوهم إلى الله))؟ فأنزل الله تعالى : ( ليس لك من الأمر شيء). ( م ١٧٩/٥ ) باب : قتال جبریل ومیکائيل عن النبي ماتم يوم أُحد ١١٦٣ - عن سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه: رأيت عن يمين رسول اللّه عَ له وعن شماله يوم (١) الأصل ( يسمعون، وأنى يجيبون) بالنون وفي ((مسلم)) (يسمعوا، وأنى يجيبوا) من غير نون، وقال المحشي عليه: هكذا هو في عامة النسخ المعتمدة من غير نوه ، وهي لغة صحيحة ؛ وإن كانت قليلة الاستعمال . وعلى هذا جرى شارح الكتاب ، فشعرت منه أن ما في الأصل خطأ مطبعي فصححته . (٢) أي لأن الله أحياهم له كما قال قتادة في ((صحيح البخاري))، لا لأن الموتى يسمعون كما يظن البعض. كيف والله عز وجل يقول فيهم: ( إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم). فمن أكبر الضلال، استدلال بعض الجهال بالحديث على أن الموتى يسمعون ، ثم الاستدلال بسماعهم على جواز الاستعانة بهم. والآية صريحة في نفي الأمرين معاً . والله المستعان. (٣) أي غشوه وقربوا منه . (٤) أي ما أنصفت قريش الأنصار لكون القرشيين لم يخرجا للقتال، بل خرجت الأنصار واحداً بعد واحد، فقتلوا عن آخرهم. - ٣١٣ - أُحُد رجلين عليهما ثياب بياض، ما رأيتهما قبلُ ولا بعدُ ، يعني جبريل وميكائيل عليهما السلام. وفي (م ٧٢/٧) روايةٌ : يقاتلان عنه كأشد القتال . باب : اشتد غضب الله علی من قتله رسول الله یپتے ١١٦٤ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه عَ الِ: ((اشْتَدَّ غضبُ اللّهِ على قَومٍ فعلوا هذا برسول اللّه عَ ل الله))، وهو حينئذ يشير إلى رباعيته، وقال رسول اللّه ي القلم: ((اشتد غضب الله (م ١٧٩/٥) عز وجل على رجلٍ يقتله رسول اللّه عَ لَمٍ في سبيل الله)). باب : ما لقي النبي ◌ُّ اتٍ من أذى قومه ١١٦٥ - عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي ع لل: أنها قالت لرسول اللّه مع التع: يا رسول الله: هل أتى عليك يوم كان أشدَّ من يوم أُحُدٍ ؟ فقال: ((لقد لقيتُ من قومك، وكان أَشَدَّ ما لقيتُ منهم يوم العقبة ، إذ عرضتُ نفسي على ابن عبدً يالِيلَ بن عبدِ كُلالٍ ، فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقتُ وأنا مهموم على وجهي ، فلم أستَفِقْ إلا بـ (قرن الثعالب) (١) فرفعتُ رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرتُ فإذا فيها جبريل ، فناداني ، فقال: إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك ، وقد بَعَثَ اليك مَلَكَ الجبال ، لتأمره بما شئتَ فيهم ، قال : فناداني مَلَكُ الجبال ، وسلّم عليَّ ، ثم قال : يا محمد إن اللّه قد سمع قول قومك لك، وأنا مَلَكُ الجبال، وقد بعثي ربُّكَ إليك لتأمرني بأمرك فما شئت؟ إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين (٢)؟ فقال له رسول اللّه الله: ((بل أرجو أن يخرج اللّه من ( م ١٨١/٥ ) أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً)). ١١٦٦ - عن ◌ُجُندُب بن سفيان رضي الله عنه قال: دَمِيَت إصْبَعُ رسولِ اللهِ صَلّ في بعض تلك ( م ١٨١/٥ ) المشاهد، فقال : ((هل أنتِ إلا إصبَعُ دَمَيتِ وفي سبيل اللّه ما لَقِيتِ)). ١١٦٧ - عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: بينما رسولُ اللّه ◌ُ لم يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحابٌ له جلوس ، وقد نُحِرَتْ جزورٌ بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سَلا(٣) جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمدٍ إذا سجد؟ فانْبعثَ أشقى القوم، فأخذه، فلما سجد النبي عْ لَّهِ وَضَعَهُ بين كتفيه ، قال : فاستضحكوا ، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا قائم أنظر لو كانت لي مَنَعَةٌ طرحتُه عن ظهر رسول اللّه عَّمٍ، والنبيُّ عَظِلِّ ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلقَ إنسانٌ فأخبر فاطمة رضي الله عنها، فجاءت وهي ◌ُجُوَيْرِيَةٌ فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبي عد اله صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم ، وكان إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا سأل سأل ثلاثاً، ثم قال: (( اللهم عليك (١) أي في محل مسمى بهذا الاسم ، وهو ميقات أهل نجد ويقال : قرن المنازل أيضاً . (٢) هما جبلا مكة أبو قبيس والجبل الذي يقابله. (٣) السلا : هي اللفافة التي يكون فيها الولد ، وتسمى في الآدميات: المشيمة . - ٣١٤ - بقريش))، ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال: ((اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة (١) وأميّة بن خلف، وعقبة ابن أبي مُعَيْطِ (وذكر السابع ولم أحفظه)(٢) فوالذي بعث محمداً الثوم بالحق لقد رأيت الذين سَمّى صَرعى يوم بدرٍ ، ثم سُحِبوا إلى القليب قليب بدرٍ ، قال أبو إسحق : الوليد بن عقبة غلط في هذا الحديث (م ١٧٩/٥) باب : صبر الأنبياء على أذی قومهم ١١٦٨ - عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قال كأني أنظرُ إلى رسول اللّه ◌َ اتٍ يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومُه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: ((رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)). (م ١٧٩/٥ ) باب : قتل أبي جهل ١١٦٩ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه ◌َ له: ((من ينظر لنا ما صنع أبو جهل))؟ فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى بَرَك (٣)، قال: فأخذ بلحيته فقال: آنت أبو جهل ؟! قال : وهل فوق رجل قتلتموه(٤) أو قال: قتله قومه ؟ (قال (٥): وقال أبو مجْلز: قال أبو جهل: فلو غيرُ أكَّارٍ قَتَلَي(٦) . (٢ ١٨٣/٥-١٨٤ ) باب : قتل كعب بن الأشرف ١١٧٠ - عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه مَ الٍ: ((من لكعب بن الأشرف فإنه قد آ ذى اللّه ورسوله))؟ فقال محمد بن مسلمة رضي الله عنه: يا رسول اللّه أتُحب أن أقتُله ؟ قال: ((نعم))، قال: ائذن لي فَلأَقُل، قال: ((قل))، فأتاه ، فقال له ، وذكر ما بينهما، وقال : ان هذا الرجل قد أراد صدقةً، وقد عنانا (٧)، فلما سمعه قال: (( وأيضاً واللّه لَتَمَلُّنّهُ، قال: إنا قد اتبعناه الآن ونكره أن نَدَّعَهُ حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمرُهُ، قال: وقد أردت أن تُسْلِفّني سلفاً، (١) كذا في جميع نسخ مسلم وهو غلط ، وصوابه الوليد بن عتبة . وهكذا على الصواب وقع في رواية أخرى عند مسلم . (٢) هو عمارة بن الوليد ، كما في رواية البخاري. (٣) كذا في بعض النسخ بالكاف ، وفي بعضها (برد) بالدال، فمعناه بالكاف سقط إلى الأرض، وبالدال مات . قلت : ومن الظاهر أن الأول هو الموافق لمكالمة ابن مسعود اياه فيما بعد. وإلا فكيف يكلمه وقد مات. والحديث تني ((البخاري)» في ثلاثة مواضع من ((المغازي)) (٦٩٫٥٦/٣) بلفظ ((برد))، وكذلك في المسند (٢٣٦,١٢٩,١١٥/٣) لكنه في موضعين منه بلفظ (برك). وزاد في رواية؛ ((آنت أبو جهل آنت الشيخ" الضال)). وجاء عن ابن مسعود أنه وجده بآخر رمق وأنه احتز رأسه. انظر ((الفتح)) (٢٣٠/٧). (٤) أي لا غار علي في قتلكم اياي . (٥) يعني سليمان التيمي ، وهو راوي الحديث عن أنس ( قال أبو مجلز ) هو لاحق بن حميد تابعي مشهور بكنيته . فروايته هذه مرسلة . (٦) الأكار : الزراع والفلاح، وهو عند العرب ناقص، وأشار أبو جهل الى ابني عفراء، اللذين قتلاء، وهما من الأنصار ، وهم أصحاب زرع ونخيل ، ومعناه لو كان الذي قتلني غير أكار لكان أحب إلي وأعظم لشأني ، ولم يكن علي نقص في ذلك . (٧) أي أوقعنا في العناء، وهو التعب والمشقة وكلفنا ما يشق علينا، وهذا من التعريض الجائز بل المستحب لأن معناه في الباطن أنه أدبنا بآداب الشرع التي فيها تعب ، لكنه تعب في مرضاة الله تعالى . ....- - ٣١٥ - قال : فما تَرْهَنُني ؟ قال : ما تريد ، قال : ترهَنُني نِسَاءكم ، قال : أنت أجمل العرب، أَنَرْهَنُك نساءنا؟! قال: ترهنوني أولادكم، قال يُسَبُّ ابنُ أحدِنا، فيقال: رُهِن في وَدْخَيْن من تمر ، ولكن نَرهَنُكَ الْلامَةَ ، يعني السلاح ، قال : فنعم ، وواعده أن يأتيه بالحارث ، وأبي عَبْسٍ بن جَبْرٍ وعَبّاد بن بِشِرٍ ، قال: فجاؤوا فَدَعَوْهُ ليلاً ، فنزل اليهم ، (قال سفيان : قال غير عمرو قالت له امرأته : إني لأسمع صوتاً كأنه صوت دم ! قال : إنما هذا محمد بن مسلمة ، ورضيعُهُ وأبو نائلة (١)، إن الكريم لو دعي إلى طَعْنَة ليلاً لأجاب، قال محمد: إني إذا جاء فسوف أمُدُّ يَدي إلى رأسه، فإذا استمكنتُ منه فدونَكم ) قال : فلما نزل ، نزل وهو متوشح ، فقالوا : نجدُ منك ريح الطيب ، قال : نعم ، تحتي فلانة هي أعطر نساء العرب ، قال : فتأذنُ لي أن أشم منه ؟ قال : نعم ، فَشْمَّ، فتناول فَشَم ، ثم قال : أتأذن لي أن أعود ؟ قال : فاستمكن من رأسه ، ثم قال: دونكم، قال : فقتلوه . (م ١٨٤/٥ -١٨٥ ) باب : غزوة الرّقَاع ١١٧١ - عن أبي موسى رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول اللّه ◌َ الله في غزاة، ونحن ستة نفر، بيننا بعير نَعْتَقِبُهُ، قال: فَنَقِبَتْ أقْدامُنَا، فَنَقِبَتْ قَدَمَايَ، وَسقطت أظفاري، فكنا نَلُفُّ على أرجلنا الخِرَق ، فَسُمِّيَتْ غزوة ذات الرقاع لما كنا نُعَصِّبُ على أرجلنا من الخرق . قال أبو بردة: فحدَّثَ أبو موسى بهذا الحديث ثم كره ذلك، قال: كأنه كره أن يكون شيئاً من عمله أفشاه ... وفي رواية : والله يجزي به . ( م ٢٠٠/٥ ) باب : في غزوة الأحزاب وهي الخندق ١١٧٢ - عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كنا عند حذيفة، فقال رجل: لو أدركتُ رسولَ الله عِلْمٍ قاتَلتُ معه وأبليتُ، فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتُنا مع رسول اللّه عَ لَّمِ ليلة الأحزاب وأخَذَ تْنا ريحٌ شديدةٌ وقَرٌّ، فقال رسول اللّه ◌ُعَلفعٍ: ((ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله عز وجل معي يومَ القيامة))؟ فسكتنا ، فلم يجبه منا أحد، ثم قال: (( ألا رجل يأتيني بخبر القوم ، جعله الله عز وجل معي يوم القيامة))؟ فسكتنا، فلم يجبه منا أحد، فقال: (( قم يا حذيفة فأتنا بخير القوم))، فلم أجد بُدّأ إذ دعاني باسمي أن أقومَ، قال: ((اذهب فَأتِي بخبر القوم، ولا تَذْعَرْهُم عليّ))، فلما وَلّيْتُ من عنده ، جعلت كأنما أمشي في حمَّام حتى أتيتهم(٢) فرأيت أبا سفيان يَصْلي ظهره بالنار ، (١) كذا الأصل وكذلك هو في جميع نسخ ((مسلم)) وذكروا أن الصواب ((محمد بن مسلمة ورضيعه أبو نائلة)). ولفظه في ((البخاري)) (٧٥/٣): ((إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة)) وفيه قبل هذا: (( ... ومعه أبو نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة)). وذكر الحافظ في ((الفتح)) (٢٦١/٧) عن الواقدي أن محمد بن مسلمة أيضاً كان أخاه في الرضاعة . وهذا تفسير لرواية مسلم الصحيحة . والله أعلم . (٢) يعني أنه لم يجد البرد الذي يجده الناس، ولا من تلك الريح الشديدة شيئاً، بل عافاه الله منه ببركة إجابته للنبي صلى الله عليه وسلم وذهابه فيما وجهه له، واستمر ذلك اللطف به ومعافاته من البرد حتى عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وصل عاد إليه البرد الذي يجده الناس. - ٣١٦ - فوضعتُ سهماً في كبد القوس، فأردت أن أرميه، فذكرتُ قولَ رسول اللّه ◌َ المِ ((ولا تذعرهم علي))، ولو رميتُه لأصبتُهُ ، فَرَجَعْتُ وأنا أمشي في مثل الحمَّام ، فلما أتيتُهُ فأخبرته بخبر القوم ، وفرغت ؛ قُرِرْتُ(١) ، فألبسني رسولُ الله ◌ِ ئِ من فضل عباءةٍ كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائماً، حتى أصبحت، فلما أصبحت قال: ((قم يا ذَومانُ)) (٢) . ( م ١٧٧/٥) ١١٧٣ - عن البراء رضي الله عنه قال: كان رسول اللّه ه الله يوم الأحزاب ينقل معنا التراب، ولقد وارى الترابُ بياض بطنه وهو يقول: (( والله لولا أنت ما اهتدينا ولا تَصَدَّقنا ولا صلينا فأنزلَنْ سكينةً علينا ان الألى قد أَبَوْا علينا)) ((إن الملا قد أبَوْا علينا إذا أرادوا فِتْنَةً أبينا)). قال : وربما قال : ويرفع بها صوتَه . ( م ١٨٧/٥-١٨٨) ١١٧٤ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن أصحاب محمد صلاتهمٍ كانوا يقولون يوم الخندق : نحن الذين بايعوا محمداً على الإسلام ما بقينا أبداً ، أو قال : على الجهاد ما بَقِيِنا أبداً (شك حماد). والنبي عَ لٍ يقول: ((اللهم إن الخير خيرُ الآخره ... فاغفر للأنصار والمهاجره)). ( م ١٨٩/٥ ) باب : ذكر بني قريظة ١١٧٥ - عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: نادى فينا رسولُ اللّه ◌ُ للهِ يوم انصرف عن الأحزاب أن ((لا يُصَلِّيَنَّ أحد الظهرَ (٣) إلا في بني قريظة)) فتخوف ناسٌ" فوتَ الوقت فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلي، إلا حَيْثُ أمرنا رسول اللّه عَ لٍ وإن فاتنا الوقت قال : فما عنف واحداً من الفريقين . ( م ١٦٢/٥ ) باب : في غزوة ذي قرد ١١٧٦ - عن إياس بن سَلَمَة قال: حدَّثَني أبي قال: قدمنا الحَدَيْبِية مع رسول اللّه عَالله ونحن أربع عشرة مائة وعليها خمسون شاةً لا تُرْويها قال: فقعد رسول اللّه عَّ اللهِ على جَبَا الرَّكيّة(٤) فإما دعا وإما بسق(٥) فيها قال: فجاشت فسقينا واستقينا، قال : ثم إن رسول اللّه عَل يتم دعانا للبيعة في أصل الشجرة، قال : فبايعته أول الناس، ثم بايَعَ وبايَعَ، حتى إذا كان في وَسَطٍ من الناس قال: ((بايع يا سلمة))، قال: قلت: قد بايعتك يا رسول اللّه في أول الناس، قال: ((وأيضاً))، قال: ورآني رسول اللّه ◌ُعَلَّهِ عَزِلاً ( يعني ليس معه سلاح)، قال: فأعطاني رسول اللّه عَلَّهِ حَجَفَةٌ أو دَرَفَةً ، ثم بايع، (١) أي بردت . (٢) هو كثير النوم . (٣) قوله لا يصلين أحد الظهر ، وفي صحيح البخاري لا يصلين أحد العصر . (٤) الركية البئر ، والجبا ما حولها . (٥) هكذا هو في جميع النسخ (بسق) بالسين وهي صحيحة ، يقال : بزق وبصق ، وبسق ، ثلاث لغات، بمعنى ، والسين قليلة الاستعمال. كذا في ((الشرح)). قلت: والذي في ((مسلم)): ((بصق)). - ٣١٧ - حتى إذا كان في آخر الناس قال: ((ألا تُبايعني يا سلمة))! قال: قلتُ: قد بايَعْتُك يا رسول اللّه في أول الناس، وفي أوسط الناس، قال: ((وأيضاً))، قال: فبايعته الثالثة، ثم قال لي: (( يا سلمة أين حَجَفَتُكَ أو دَرَقَتُك التي أعطيتُك))؟ قال: قلت: يا رسول اللّه لقيني عمي عامر عَزِلاَ فَأَعْطَيْتُه إياها، قال: فضحك رسول اللّه ◌َ الله، وقال: ((إنك كالذي قال الأول: اللهم أَبْغِي حبيباً هو أحب إليَّ من نفسي)). ثم إن المشركين راسلونا الصلحَ حتى مشى بعضنا في بعض واصطلحنا، قال: وكنتُ تَبيعاً (١) لطلحة بن عبيد اللّه أسْمِي فَرَسَهُ وأَحُسُّه(٢)، وأَخْدِمُهُ وآكل من طعامه ، وتركت أهلي ومالي مهاجراً إلى الله تعالى ورسولهِ عَ لٍ، قال: فلما اصطلحنا نحن وأهل مكة، واختلط بعضنا ببعض أتيتُ شجرةً ، فكسحت شوكها ، فاضطجعت في أصلها ، قال : فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكة ، فجعلوا يقعون في رسول اللّه عَاتٍ، فَأَبْغَضْتُهُم فتحولت إلى شجرة أخرى ، وعلَّقوا سلاحهم واضطجعوا ، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين قُتِلَ ابنُ زُنَيم! قال: فاخترطتُ سيفي، ثم شددت على أولئك الأربعة، وهم رقودٌ، فأخذت سلاحهم فجعلته ضِغئاً(٦ في يدي ، قال : ثم قلت: والذي كرَّمَ وَجْهَ محمد عَ لِ لا يرفع أحدٌ منكم رأسه إلا ضربتُ الذي فيه عيناه ، قال : ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول اللّه ◌َ اله، قال: وجاء عمي عامر برجل من العَبَلات يقال له مِكْرَزُ يقوده إلى رسول اللّه عَ المِ على فرس مُجَفّفٍ في سبعين من المشركين، فنظر اليهم رسول اللّه ◌َالتٍّ، فقال : ((دعوهم يكن لهم بَدْءُ الفجور وثناه))، فعفا عنهم رسول الله عَّ له، وأنزل اللّه عز وجل: ( وهو الذي كَفَّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفَرَ كُم عليهم ) الآية كلها ، قال : ثم خرجنا راجعين إلى المدينة، فنزلنا منزلاً، بيننا وبين بي لِحَيَان جَبَلٌ وهم المشركون، فاستغفرَ رسولُ الله عَّ المِ لمن رقى هذا الجبل الليلة كأنه طليعة للنبي عْظ المه وأصحابِه ، قال سلمة : فرقيت تلك الليلة مرتين أو ثلاثاً ، ثم قدمنا المدينة فبعث رسول اللّه مَ الِ بظهره مع رباحٍ غلام رسول اللّه عَّالتّمٍ، وأنا معه وخرجتُ معه بفرس طلحة أُنَدِّيَّه (٤) مع الظهر ، فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري قد أغار على ظهرِ رسول الله عَ الثِّ فاستاقه أجمعَ، وقتل راعيهُ، قال: فقلت: يا رباح خذ هذا الفرسَ فَأَبْلِغْهُ طلحة بن عبيد الله، وأَخْبِرْ رسولَ اللّه عَّاتٍ أن المشركين قد أغاروا على سَرْحِهِ (٥)، قال: ثم قمت على أكمة فاستقبلت المدينة ، فناديت ثلاثاً : يا صباحاه ! ثم خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل ، وأَرْتجزُ أقول: أنا ابن الأكوع واليومُ يومُ الرُّضَّع، فألحقُ رجلاً منهم فأصك سهماً في رحله (٦) حتى خلص نصل السهم إلى كتفه ، قال : قلت : خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع ، قال : فوالله ما زلت أرميهم ، وأعقر بهم (٧)، فإذا رجع إلى فارس أتيتُ شجرة فجلست في أصلها ، ثم رميته فعقرت به ، حتى إذا تضايق الجبل ، فدخلوا في تضايقه ، عَلَوتُ الجبلَ، فجعلت أُرَدَّيهم بالحجارة ، قال : فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق اللّه تعالى من بعير من ظهر رسول اللّه عَلِلّهِ إلا خَلَفْتُه وراءَ ظهري، وخَلّوْا بيني وبينه، ثم (١) أي خادماً. (٢) أي أزيل التراب عنه بالمحسة. (٣) حزمة. (٤) معناه أن يورد الماشية الماء فتسقى قليلاً، ثم ترسل في المرعى، ثم تورد الماء قليلاً، ثم ترد الى المرعى. (٥) السرح الإبل والمواشي الراعية . (٧) يعني أفراسهم ، أي أقتلها . (٦) هو مركب البعير. - ٣١٨ - اتَّبَعْتُهُم(١) أرْميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بُردة وثلاثين رعاً يستخفّونَ، ولا يطرحون شيئاً إلا جعلت عليه آراماً(٢) من الحجارة، يَعرِفُها رسولُ اللّه ◌ِالمِ وأصحابُه، حتى أتوا مُتَضَائِقاً من ثَنِيَّةٍ، فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاري فجلسوا يَتَضَحُّوْن ( يعني يتغدون) وجلست على رأس قَرْنَ (٣)، قال الفزاري : ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لَقِينا من هذا البَرْح(٤)، واللّه ما فارقنا منذ غَلَسِ يرميناً حتى انتزع كل شيء في أيدينا، قال: فليقم اليه نفر منكم أربعة، قال: فصعد إلي منهم أربعة في الجبل، قال: فلما أمكنوني من الكلام ، قال : قلت : هل تعرفونني ؟ قالوا : لا ، ومَن أنت ؟ قال : قلت : أنا سلمة بن الأكوع، والذي كرَّم وَجْهَ محمد يَّاتٍ لا أطلب رجلاً منكم إلا أدركتُهُ ، ولا يطلبني رجل منكم فيدركَني ، قال أحدهم : أنا أظن(٥)، قال: فرجعوا، فما بَرِحْتُ مكاني حتى رأيت فوارسَ رسول اللّه ◌ِّ الِ يتخلون الشجر، قال: فإذا أوَّهم الأخرم الأسدي على إثْرِهِ (٦) أبو قتادة الأنصاري ، وعلى إثره المقدادُ بنُ الأسود الكندي رضي اللّه عنهم ، قال: فأخذت بعنان الأخْرَم ، قال : فولوا مدبرين ، قلت : يا أخرم احذرهم لا يَقْتَطِعِوك حتى يَلْحَقَ رسولُ اللّه ◌َ اتٍ وأصحابه، قال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر ، وتعلم أن الجنة حق ، والنار حق ، فلا تحل بيني وبين الشهادة ، قال : فَغَلّيْتُهُ، فالتقى هو وعبد الرحمن، قال : فَعَقَر بعبد الرحمن فرسه، وطعنه عبد الرحمن فَقَتّله ، وتحول على فرسه ، ولحق أبو قتادة فارسُ رسول اللّه يَّ اتٍ بعبد الرحمن فطعنه فقتله ، فوالذي كرم وجه محمد عَلِ لتَبَعْتُهم أعدو على رِجْلَيَّ حتى ما أرى ورائي من أصحاب محمد عَّيتمٍ ولا غبارهم شيئاً، حتى يعدِ لوا قبل غروب الشمس إلى شِعْبٍ فيه ماء يقال له: ذو قَرَدٍ ، ليشربوا منه وهم عطاش ، قال : فنظروا إليَّ أَعْدُو وراءهم ، فَحَلّيْتُهم عنه، (يعني أَجْلَيْتُهم عنه) فما ذاقوا منه قطرةٌ ، قال ويخرجون فيشتدون في ثنية ، قال : فأعدو فألحقُ رجلاً منهم ، فأصُكلُّه بسهم في نُغْضٍ (٧) كتِفِه قال: قلت: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع. قال: يا ثَكِلَتْهُ أُمُهُ أكْوَعُهُ بَكرة (٨)) قال: قلت : نعم يا عدوّ نفسه أكْوَعُكَ بكرة، قال: وأردوا (٩) فرسين على ثَنِيّةٍ، قال: فجئت بهما أسوقُهما إلى رسول اللّه عَّاتٍ، قال: ولحقني عامر بِسَطيحة فيها مَذْقَةٌ من لبن وسطيحة فيها ماء ، فتوضأت وشربت، ثم أتيتُ رسول اللّه عَ لٍّ وهو على الماء الذي حلاتهم عنه(١٠)، فإذا رسول اللّه صَ العِ قد أخذ تلك الإبل ، وكُلَّ شيء استنقذته من المشركين ، وكلَّ رمح وبردة ، وإذا بلال نحر ناقة من الإبل التي استنقذت من القوم ، وإذا هو يشوي لرسول اللّه عالم من كبدها وسنامها، قال: قلت : يا رسول الله (١) كذا الأصل، وفي ((مسلم)) (أتْسُهم). (٢) هي الاعلام وهي حجارة تجمع وتنصب في المفازة يهتدى بها . (٣) هو هنا أعلى الجبل ، أو الجبل الصغير ينفرد عن الجبل الكبير . (٤) أي الشدة . (٥) مفعوله محذوف ، للعلم به ، أي أنا أظن ذلك. (٦) الأصل (وعلى) والتصويب من ((مسلم)). (٧) هو العظم الرقيق على طرف الكتف سمي بذلك لكثرة تحركه . (٨) أي أنت الأكوع الذي كنت بكرة هذا النهار ، ولهذا قال : ( نعم ). ; ٥) أي أهلكوهما وأتعبوهما حتى أسقطوهما وتركوهما . · ؛ كذا هو في أكثر النسخ بالحاء والهمز، وفي بعضها ( حليتهم ) بلام مشددة غير مهموزة وأصله الهمز . - ٣١٩ - خَلَّني فأنتخب من القوم مائة رجلٍ فاتّبيع القوم ، فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته ، قال : فضحك رسول اللّه ◌ُ لِ حتى بدت نواجذه في ضوء النهار، فقال: ((يا سلمة أتُرَاك كنت فاعلاً))؟ قلت: نعم، والذي أكرمك، فقال: ((إنهم الآن لَيُقْرَوْنَ"(١) في أرض غَطَفَانَ،))، قال: فجاء رجل من غطفان فقال: نحر لهم فلان جزوراً فلما كشفوا جلدها رأوا غباراً ، فقالوا : أتاكم القوم ، فخرجوا هاربين . فلما أصبحنا قال رسول اللّه ◌َ الفرٍ: ((كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رَجّالتنا سلمة))، قال: ثم أعطاني رسول اللّه ◌َ اقلٍ سهمين: سهم الفارس وسهم الراجل ، فجمعهما لي جميعاً . ثم أردفني رسول اللّه عد الته وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة، قال: فبينما نحن نسير ، قال : وكان رجل من الأنصار لا يسبق شداً ، قال : فجعل يقول : ألا مسابق إلى المدينة ؟ هل من مسابق ؟ فجعل يعيد ذلك ، قال : فلما سمعت كلامه قلت : أما تُكْرِم كريماً ولا تهاب شريفاً؟ قال: لا إلا أن يكون رسول اللّه عَل اته، قال: قلت: يا رسول اللّه بأبي أنت(٢) وأمي ذرني فلأسابق الرجل، قال: ((إن شئت))، قال: قلت: اذْهب إليك، وثَنَيْتُ رِجْلَيَّ فَطَفَرْتُ (٣) فعدوت، قال: فَرَبَطْتُ عليه شَرَفاً أو شرفين (٤)، أستَبْقي نَفَسي (٥)، ثم عدوت في إثره، فربطت عليه شَرَفاً أو شرفين، قال: ثم إني رَفَعْتُ (٦) حتى ألْحَقه قال: فأصكّه بين كتفيه ، قال: قلت: قد سبقتَ واللّه، قال : أنا أظن ، قال : فسبقته إلى المدينة. قال: فوالله ما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر مع رسول اللّه ◌َ اله ، قال : فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم : ولا تصدَّقنا ولا صلّيْنا تالله لولا اللّهُ ما اهتدينا فثبّت الأقدام إن لاقينا ونحن عن فضلك ما استغنينا وأنزِلَنْ سكينة علينا فقال رسول اللّه معالفيٍ: ((من هذا))؟ قال: أنا عامر، قال: ((غفر لك ربك))، قال: وما استغفر رسولُ اللّه عَّاللٍّ لإنسان يخصه إلا استُشهد، قال : فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له: يا نبي الله لولا ما متعتنا بعامر (٧)، قال: فلما قدمنا خيبر قال ؛ خرج ملكهم مَرْحَبٌ يخطِرُ بسيفه ويقول : قد علمت خيبرُ أني مَرْحَبُ شاكِ السلاحِ (٨) بطل مجرَّب إذا الحروب أَقْبَلَتْ تلَهَبُ (١) أي ليضافون ، والقرى الضيافة . (٢) ليس في ((مسلم)) ( أنت ). (٣) أي وثبت وقفزت . (٤) أي حبست نفسي عن الجري الشديد ، والشرف ما ارتفع من الأرض. (٥) أي لئلا ينقطع من شدة الجري. (٦) أي أسرعت . (٧) يعني بأن يدعو الله له بطول البقاء. (٨) وفي مسلم (شاكي) أي حديده، يقال: رجل شاك السلاح وشائكه وشاكيه بمعنى. - ٣٢٠ - قال وبرز له عمي عامر فقال : قد علمت خيبرُ أني عامرُ شاكِ السلاح بطل مغامر قال: فاختلفاضربتين فوقع سيف مرحب في ترسِ (عمي)(١) عامر وذهب عامر يَسْفُلُ له (٢)، فرجع سيفه على نفسه فقطع أكْحَلَهُ فكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا نفرٌ من أصحاب النبي حِ لّهِ يقولون : بَطَلَ عملُ عامرٍ قَتَلَ نفسه، قال: فأتيتُ النبي ◌َ اقٍ وأنا أبكي، فقلت : يا رسول الله بَطَلَ عَمَلُ عامرٍ، قال رسول اللّه ◌َ العِ: ((من قال ذلك))؟ قال: قلت: ناسٌ من أصحابك ، قال : ((كذب من قال ذلك، بل له أجرُهُ مرتين )). ثم أرسلني إلى علي رضي الله عنه وهو أرمدُ فقال: لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسولَه ويحبّه اللّهُ ورسولُه، قال: فأتيتُ علياً، فجئت به أقوده ، وهو أرمد، حتى أتيتُ به رسولَ اللّه ◌َ الفمٍ فبسق في عينيه فبرأ، وأعطاه الراية. وخرج مرحب فقال : قد علمت خيبرُ أني مرحبُ شاك السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تَلَهَّبُ فقال علي رضي الله عنه : أنا الذي سمَّتْي أمّي حَيْدَرَهْ كليثِ غاباتٍ كريه المَنْظَرَهْ أوفِيهُمُ بالصاع كيل السّنْدَرَهُْ ( ٢ ١٩٠/٥-١٩٥) قال : فَضَرَبَ رأس مرحبٍ فقتله ، ثم كان الفتحٌ على يديه . باب: قصة الحديبية وصلح النبي عْ الترِ مع قريش ١١٧٧ - عن البراء بن عازب رضي اللّه عنهما قال: لما أُحصِرَ النبي عند (٣) البيت صالحه أهل مكَّة على أن يدخلها فيقيم بها ثلاثاً ، ولا يدخلها إلا بحُلُبّان السلاح : السيفِ وقِرابِه ، ولا يخرج بأحد معه من أهلها ، ولا يمنع أحداً يمكث بها ممن كان معه، قال لعلي: ((اكتب الشرط بيننا (٤) بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله))، فقال له المشركون: لو نعلم أنك رسولُ اللّه تابعناك، ولكِنِ اكتب محمد بن عبد اللّه، فأمر علياً أن يَمْحاها ، فقال علي: لا والله لا أمحاها، فقال رسول الله مر بالتمر: ((أرني مكانها))، فأراه مكانها، فمحاها وكتب ابن عبد الله (٥)، فأقام بها ثلاثة أيامٍ ، فلما أن كان اليومُ الثالث، قالوا لعلي رضي الله عنه: هذا آخر يوم من شرطٍ صاحبك فأمُرْهُ فَلْيخرج، فأخبره بذلك ، فقال: (( نعم )) ، فخرج . ( م ١٧٤/٥ ) ١١٧٨ - عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما نزلت: ( إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك اللّه) (١) ليس في مسلم ( عمي ) . (٢) أي يضربه من أسفله . (٣) كذا في جميع نسخ ((مسلم))، وفي رواية ابن الحذافي ((عن)). قال النووي: وهو الوجه. (٤) الأصل (( ما بيننا)) والتصحيح من ((مسلم)). (٥) زاد البخاري وأحمد (٢٩٨/٤): ((فأخذ النبي صلى اللّه عليه وسلم الكتاب، وليس يحسن أن يكتب فكتب ... ))