Indexed OCR Text

Pages 201-220

عبد الله يقول: عبداً قبطياً مات عام أول))(١).
وفي الصحيحين أيضاً عن عطاء عن جابر - رضي الله عنه - أن
رجلاً أعتق غلاماً له عن دبر، فاحتاج فأخذه رسول الله وَله، فقال:
((من يشتريه مني؟ فاشتراه منه نعيم بن عبد الله بثمان مائة درهم فدفع
إليه ثمنه))(٢).
وفي صحيح مسلم عنه أن رجلاً من الأنصار أعتق غلاماً
عن دبر، وكان محتاجاً، فذكر ذلك لرسول الله، وَ ل9، فدعاه
فقال: ((أعتقت غلامك؟)) فقال: ((نعم)) فقال النبي وَّر: ((أنت أحوج
إليه، ثم قال: ((من يشتريه؟))، فقال نعيم بن عبد الله: ((أنا))،
فاشتراه، فأخذ النبي ◌َّرَ ثمنه، فدفعه إلى صاحبه(٣).
وعند مسلم أيضاً عنه قال: ((أعتق رجل من بني عذرة عبداً
له عن دبر، فبلغ ذلك رسول الله، وَ الر، فقال(٤): ((ألك مال
غيره؟))، فقال: ((لا))، فقال: ((من يشتره مني؟))، فاشتراه نعيم بن
النحام العدوي بثمان مائة درهم، فجاء بها إلى رسول الله وَلاه
فدفعها إليه، ثم قال: ((ابدأ بنفسك، فتصدق عليها، فإن فضل
شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن
فضل عن ذي قرابتك(٥) فهكذا وهكذا يقول، فبين يديك، وعن
(١) البخاري ك/ الإكراه، ب/ إذا أكره حتى وهب عبداً أو باعه ... ٢٥٤٨/٦، رقم
٦٥٤٨، ومسلم ك/ الأيمان، ب/ جواز بيع المدبر ١٢٨٩/٣، رقم ٥٨/٩٩٧،
واللفظ له.
(٢) البخاري ك/ الأحكام، ب/ بيع الإمام الناس أموالهم وضياعهم ٦/ ٢٦٢٧، رقم
٦٧٦٣، ومسلم ك/ الزكاة، ب/ الابتداء في النفقة بالنفس ثم أهله ثم قرابته ٢/
٦٩٢، ٦٩٢، رقم ٩٩٧.
(٣) مسلم ك/ الزكاة، ب/ الابتداء في النفقة بالنفس ... ٢٩٣/٢، رقم ٤١/٩٩٧.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) في مسلم زيادة هنا ((شيء)).
٢٠١

يمينك، وعن شمالك(١)))(٢).
وروى الشافعي - رحمه الله أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار،
وعن أبي الزبير سمعت(٣) جابر بن عبد الله يقول: ((دبر رجل منا غلاماً
له، ليس له مال غيره، فقال النبي وَلجر: من يشتريه؟ فاشتراه نعيم بن
النحام، قال عمرو: سمعت جابراً يقول: عبداً قبطياً مات عام أول في
أمارة ابن الزبير، زاد أبو الزبير يقال له: يعقوب))(٤).
وروى الدارقطني أخبرنا أبو عمرو يوسف بن يعقوب حدثنا
إبراهيم بن عبد العزيز المقوم حدثنا سالم بن قتيبة حدثنا ابن أبي ذئب
عن محمد بن المنكدر عن جابر - رضي الله عنه - قال: ((أمر
رسول الله وٍَّ﴿ ببيع المدبر)»(٥) .
وروى أبو أحمد بن عدي الحافظ حدثنا محمد بن يوسف بن
عاصم حدثنا يوسف بن موسى حدثنا جرير عن عبد الغفار بن القاسم
عن أبي جعفر قال: ((ذكر عنده الذي كان(٦) عطاء وطاووس يقولون
عن جابر بن عبد الله في الذي أعتقه مولاه في عهد النبي وَّ كان
(١) عند مسلم في نسختي قال: ((فبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك)).
(٢) مسلم ك/ الزكاة، ب/ بالابتداء في النفقة بالنفس ثم أهله ... ٢/ ٦٩٢، رقم
٤١/٩٩٧.
(٣) في الأخريين: ((سمع)).
(٤) رواه الشافعي في الأم ٨/ ١٥، ورواه أيضاً أبو داود ٢٧/٤، رقم ٣٩٥٧،
والترمذي ٥٢٣/٣، رقم ١٢١٩، والسنائي ٦٩/٥، وابن ماجه ٢/ ٨٤٠، رقم
٢٥١٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٠٨/١٠، وينظر جامع الأصول ٨٥/٨،
رقم ٥٩٣٣.
(٥) الدارقطني ١٣٨/٤، رقم ٤٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٣١٠/١٠.
(٦) عند ابن عدي في الكامل ٣٢٧/٥: ((ذكر عنده الذي كان عطاء وطاووس
يقولان عن جابر عن عبد الله في الذي أعتقه عن دين، فأمر أن يبيعه ويقضي
دينه، فباعه بثمانمائة درهم، قال أبو جعفر شهدت هذا الحديث عن جابر،
فقال: إنما أذن في بيع خدمته)).
٢٠٢

أعتقه عن دبر/ فأمر أن يبيعه ويقضي دينه، فباعه بثمان مائة درهم)، [نهاية ١٩٧/ب]
قال أبو جعفر (١): ((شهدت هذا الحديث من جابر، فقال: إنما يأذن
في بيع خدمته))(٢).
قال ابن عدي: ((حدثنا محمد بن خلف حدثني أبو العباس
القرشي، قال علي بن المديني: أبو مريم الحنفي اسمه عبد الغفار بن
القاسم، وكان يضع الحديث))(٣).
قال البيهقي - رحمه الله - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ
أخبرنا عبد الصمد بن علي بن مكرم حدثنا أسلم بن سهل الواسطي
حدثنا محمد بن أبان حدثنا محمد بن أبي (٤) شيبة إبراهيم بن عثمان
عن عثمان بن عمير عن عمير(٥) أخبرنا عطاء بن أبي رباح حدثنا
جابر بن عبد الله أن رسول الله صل﴿ (باع مدبراً، فأتيت أبا جعفر
محمد بن علي، فقلت له: إن عطاء بن أبي رباح حدثنا عن جابر بن
عبد الله - رضي الله عنه أن رسول الله (وَلير)(٦) باع خدمة المدبر))(٧).
كذا روي عن عبد الغفار بن القاسم عن أبي جعفر عن جابر وهو
وهم، وأبو شيبة ضعيف الحديث، قد سبق ذكري له، وعبد الغفار
أيضاً ضعيف قاله لي أبو عبد الرحمن عن علي بن عمر الحافظ،
والصواب عن أبي جعفر عن النبي ◌َّ مرسلاً، أخبرناه أبو
(١) أبو جعفر: في محمد بن علي الحسين المعروف بالباقر، سبقت ترجمته في
الأول.
(٢) رواه الدارقطني ١٣٧/٤، و١٣٨، رقم ٤٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠/
٣١٢.
(٣) الكامل في ضعفاء الرجال ٣٢٧/٥، ترجمة عبد الغفار بن القاسم أبو مريم،
رقم ١٩٦٤.
(٤) ساقطة من الأصل، ومن (أ)، وهي في: (ب).
(٥) ساقطة من الأصل.
(٦) ساقط من الأصل.
(٧) السنن الكبرى للبيهقي ٣١٢/١٠.
٢٠٣

عبد الرحمن السلمي أخبرنا علي بن عمر الحافظ حدثنا أبو بكر
النيسابوري حدثنا محمد بن یحیی حدثنا يزيد بن هارون حدثنا
عبد الملك بن أبي سليمان عن أبي جعفر قال: ((باع رسول الله اله
خدمة المدبر))(١). قال أبو بكر: ((لم أجد فيه حديثاً غير هذا، وأبو
جعفر وإن كان من الثقات فإن حديثه مرسل))(٢).
أخبرني أبو عبد الرحمن أخبرنا علي بن عمر حدثنا أبو محمد بن
صاعد حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب الثقفي، قال:
(سمعت يحيى بن سعيد يقول: أخبرني أبو عمرة محمد بن
عبد الرحمن بن حارثة - وهو أبو الرجال - عن عمرة عن عائشة -
رضي الله عنها - أصابها مرض، وإن بعض بني أخيها ذكروا شكواها
لرجل من الزط(٣) يتطبب، وأنه قال لهم: إنكم لتذكرون امرأة
مسحورة، سحرتها جارية لها في حجر الجارية الآن صبي قد بال في
حجرها، فذكروا ذلك لعائشة، رضي الله عنها، فقالت: ادعوا لي فلانة
الجارية لها، فقالوا في حجرها فلان صبي لهم، قد بال في حجرها،
فقالت: ايتوني بها، فقالت: سحرتيني؟ قالت: نعم، قالت: لمه؟
قالت: أردت أن أعتق، وكانت عائشة - رضي الله عنها - أعتقتها عن
دبر منها، فقالت: إن لله علي أن لا تعتقين أبداً، انظروا أسوأ العرب
ملكة، فبيعوها منهم، واشترت بثمنها جارية فأعتقتها)) (٤).
(١) سنن الدارقطني ١٣٨/٤، رقم ٤٥.
(٢) سنن الدارقطني ١٣٨/٤.
(٣) الزط: جبل أسود من السند، وقيل هم جيل من أهل الهند، وهو جيش من
سودان والهنود، والواحد: زُطّي، وقيل: السبابجة قوم من الهند بالبصرة، ينظر
اللسان ١٨٣٠/٣.
(٤) رواه مالك في الموطأ رواية محمد بن الحسن ص ٢٩٩، رقم ٨٤٣، والشافعي
في مسنده ٦٧/٢، والأم ٢٤٣/٧، وهو في الأم مختصر وأحمد ٤٠/٦،
والبيهقي في السنن الكبرى ٣١٣/١٠ مختصراً.
٢٠٤

قال الشافعي - رحمه الله -: ((جابر بن عبد الله، وعائشة،
رضي الله عنهما، وعمر بن عبد العزيز، وابن المنكدر، وغيرهم يبيعه
بالمدينة، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وغيرهم من المكيين، وعندك
بالعراق من يبيعه، يعني المدبر)) (١).
وروى عبيدة بن حسان عن أيوب عن نافع عن ابن عمر -
رضي الله عنهما - أن النبي وَلقر قال: ((المدبر لا يباع، ولا يوهب،
وهو حر من الثلث))(٢).
قال الدارقطني: ((لم يسنده غير عبيدة بن حسان وهو ضعيف،
وإنما هو عن ابن عمر موقوف من قوله))(٣)، حدثنا أبو بكر النيسابوري
حدثنا محمد بن يحيى حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن أيوب
عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كره بيع المدبر(٤). قال
الدارقطني: ((هذا هو الصحيح موقوف وما قبله لا يثبت مرفوعاً.
ورواته ضعفاء»(٥)، والله أعلم.
مسألة (٣٧٣):
ولا تجوز الكتابة على أقل من نجمين(٦). وقال أبو حنيفة -
(١) الأم ١٦/٨، و١٧.
(٢) رواه الدارقطني ١٣٨/٤، رقم ٥٠، والبيهقي في السنن الكبرى ٣١٤/١٠.
(٣) الدار قطني ١٣٨/٤.
(٤) سنن الدارقطني ١٣٨/٤، رقم ٥١.
(٥) الدارقطني ١٣٨/٤، ورواه البيهقي بلفظ أصرح مما ذكره هنا في السنن الكبرى
٣١٤/١٠، و٣١٥، ونصه: ((عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: ((لا يباع
المدبر)»، ثم قال: ((هذا الصحيح من ابن عمر من قوله موقوفاً، وقد روي
مرفوعاً بإسناد ضعيف)).
(٦) الأم ٣١/٨، والمهذب ١١/٢، وروضة الطالبين ٢١١/١١.
النجم المراد به القسط، وأصله أن العرب كانت توقعت بحلول النجم، فيقول
العربي: ((إذا طلعت الثريا حل عليك مالي ونحوه)) ينظر: المغرب ص ٤٤٤،
والقاموس المحيط ٤: ١٧٩، ومعجم مقييس اللغة ٣٩٧/٥.
٢٠٥
=

رحمه الله -: ((تصح حالة))(١).
قال الله تعالى: ﴿وَأَّذِينَ يَنَغُونَ الْكِنَبَ مِنَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ ذَكَاِبُوهُمْ
إِنْ عَلِّمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾. (٢)
والكتابة من الكتب، وما لم يكن مؤجلاً فلا معنى للكتب، ولو
جاز غير مؤجل لم يكن لتسميته بالكتابة معنى، فتسميته بالكتابة دليل
شرط الأجل فيه.
وقد نهى رسول الله و الله عن الغرر (٣)، وليس الغرر بأكثر من بيع
ماله بماله، لكن الله تعالى جوزه بهذه الآية، ووردت الأخبار والآثار
بذلك، ولم يسمع أن أحداً من السلف كاتب عبده كتابة حالة، وإنما
كاتبوهم بذكر الأجل فيه، فصار إجماعهم على ذلك بياناً للآية، فلا
يجوز حالاً(٤)، والله أعلم.
وروى الشافعي - رحمه الله - أخبرنا مالك عن هشام بن
عروة عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: ((جاءتني
بريرة، فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام
(أوقية فأعينيني)(٥))(٦)، وذكر الحديث عنه، وَل﴿/، (اتفقا على
تحرير محل النزاع: هو الكتابة الحالة فقط، أما المؤجلة فجائزة بلا خلاف
=
بينهما، رحمهما الله تعالى، قال ابن التركماني في الجوهر النقي ٣٢١/١٠:
(اشتراط الشافعي النجمين يحتاج إلى دليل، ثم لو سلمنا بأدلته فالجمهور
على أنه يكفي نجم واحد)) اهـ باختصار وتصرف.
(١) مختصر الطحاوي ص ٣٨٤، والمبسوط ٣/٨، وتحفة الفقهاء ٤١٦/٢.
(٢) سورة النور: الآية ٣٣.
(٣) أصله حديث أبي هريرة عند مسلم ٣/ ١١٥٣، رقم ٤/١٥١٣، وأبي داود ٢٥٤/٣،
رقم ٣٣٧٦، والترمذي ٥٣٢/٣، رقم ١٢٣٠، والنسائي ٢٦٢/٧. وابن ماجه ٢/
٧٣٩، رقم ٢١٩٤، وينظر السنن الصغرى للبيهقي ٢٤٠/٢، رقم ١٨٥٨.
(٤) ينظر تفسير الطبري ٩٨/١٨ - ١٠٢، وابن كثير ٥٦/٦، و ٥٧.
(٥) من الأخريين.
(٦) سبق حديث بريرة في أكثر من موطن.
=
٢٠٦

صحته، والله أعلم)(١).
مسألة (٣٧٤):
ولا يعتق المكاتب ما لم يقل سيده في عقد كتابته، فإذا أديت
إلي فأنت حر (٢). وقال العراقيون: ((يعتق بأداء نجوم الكتابة، وإن لم
يقل إن أديت))(٣).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو القاسم عبد الله بن
الحسن(٤) القاضي بهمذان حدثنا إبراهيم بن الحسين حدثنا عفان بن
مسلم(٥) حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن سليمان، وعلي بن زيد
عن عثمان النهدي عن سلمان قال: ((كاتبت أهلي على أن اغرس لهم
خمسمائة فسيلة، فإذا علقت فأنا(٦) حر، فأتيت النبي، بَلّ، فذكرت
ذلك له، فقال: اغرس، واشترط لهم، فإذا أردت أن تغرس فآذني،
فآذنته فجاء، فجعل يغرس إلا واحدة غرستها بيدي، فعلقن جميعاً إلا
الواحدة))(٧)، والله أعلم.
مسألة (٣٧٥):
وإذا مات المكاتب، وقد بقي عليه شيء من مال الكتابة، مات
وينظر تنوير الحوالك ٩/٢ - ١٠، والسنن الكبرى للبيهقي ٢٩٥/١٠.
=
(١) زيادة من (ب).
(٢) الأم ٤٧/٨، وروضة الطالبين ٢٠٩/١٢، ومغني المحتاج ٥١٦/٤.
(٣) المبسوط ٦/٨، وتحفة الفقهاء ٤١٩/٢، واللباب ١٣٢/٣.
(٤) هو أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسين القاضي الأسدي، ادعى الرواية عن
إبراهيم بن الحسين، فذهب علقمة إلى ضعفه لأجل ذلك، توفي ٣٥٢ هـ.
تاريخ بغداد ٢٩٢/٢٠، وسير أعلام النبلاء ١٦/ ١٥.
(٥) في الأصل: ((سلمة))، والتصويب من السنن الكبرى للبيهقي.
(٦) في (ب): ((فأنت حر)).
(٧) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٣٢١/١٠، ولم يذكر هذه القصة بعض من ترجم له،
رضي الله عنه، ينظر دلائل النبوة للبيهقي ٨٢/٢ - ١٠٠، والإصابة ١١٣/٣.
٢٠٧

رقيقاً، وانفسخت كتابته بموته(١). وقال العراقيون: ((إذا خلف وفاء
بمال كتابته أدى عنه، وعتق حكماً قبل موته (بغير فصل)(٢))(٣).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب
حدثنا يحيى بن أبي طالب أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا إسماعيل بن
أبي خالد عن الشعبي عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال:
(المكاتب عبد ما بقي عليه درهم)) (٤).
وبإسناده إلى يزيد أخبرنا سفيان الثوري عن عبد الله أبي نجيح
عن مجاهد قال: ((كان زيد - رضي الله عنه - يقول: المكاتب عبد ما
بقي عليه درهم من مكاتبته(٥)) (٦).
وبإسناده إلى يزيد حدثنا ابن أبي عروبة عن قتادة عن معبد
الجهني عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: ((المكاتب عبد ما
بقي عليه درهم»(٧).
وبإسناده عن قتادة قال: ((قال عمر بن الخطاب - رضي الله -
عنه: إذا مات المكاتب وترك مالاً فهو لمواليه، وليس لورثته
شيء))(٨).
(١) الأم ٨/ ٥٣، المهذب ١٥/٢، وروضة الطالبين ٢٥٨/١٢.
(٢) من الأخريين.
(٣) مختصر الطحاوي ص ٣٩٢، و١٣١، وتحفة الفقهاء ٤١٩/٢، واللباب ٣/ ١٣٠.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي ٣٢٤/١٠، ورواه البخاري تعليقاً ك / العتق، ب/ بيع
المكاتب إذا رضي المكاتب ٩٠٥/٢، وقال في فتح الباري ١٤٣/٥: ((وصله
الشافعي وسعيد بن منصور»، ثم ذكر إسناده.
(٥) في الأخريين: ((شيء من کتابته)).
(٦) رواه الشافعي في الأم ٥٣/٨، والبيهقي في الكبرى ٣٢٤/١٠.
(٧) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٣٢٥/١٠، وذكره القرطبي في الجامع لأحكام
القرآن ٢٤٨/١٢، وابن قدامة في المغني ٦/ ٢٦٧.
(٨) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٢٣٢/١٠.
٢٠٨

وبإسناده أخبرنا يزيد أخبرنا محمد بن سالم عن الشعبي قال:
((كان زيد بن ثابت - رضي الله عنه - يقول -: المكاتب عبد ما بقي
عليه درهم، لا يرث ولا يورث))(١).
وكان علي - رضي الله عنه - يقول: ((إذا مات المكاتب وترك
مالاً قسم ما ترك على ما أدى، وعلى ما بقي، فما أصاب ما أدى
فللورثة، وما بقي فلمواليه))(٢).
وكان عبد الله يقول: ((يؤدي إلى مواليه ما بقي عليه من مكاتبته،
ولورثته ما بقي))(٣).
أخبرنا أبو علي الروذباري، وأبو الحسين بن بشران قالا: ((أخبرنا
إسماعيل الصفار(٤) حدثنا سعدان بن نصر(٥) حدثنا أبو معاوية
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٣٣١/١٠.
(٢) رواه النسائي في السنن الكبرى مختصراً ١٩٦/٣، رقم ٥٠٢٢، وروى معناه ابن
حزم في المحلى ٩/ ٢٢٧ وصححه، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٣١/١٠.
(٣). رواه البيهقي في السنن الكبرى ٣٣١/١٠.
(٤) هو أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن صالح البغدادي الصفار المُلحى
نسبة إلى الملح والنوادر، ولد سنة سبع وأربعين ومائتين، سمع من الحسن بن
عرفة أربعة وتسعين حديثاً، ومن زكريا بن يحيى بن أسد، وسعدان بن نصر،
وأحمد بن منصور الرمادي وعدة، وحدث عنه الدارقطني، وابن المظفر، وابن
منده، وأبو الحسن بن رزموية، وخلق كثير، قال الدارقطني: ((كان ثقة متعصباً
للسنة))، توفي في بغداد سنة ٣٤١ هـ.
تاريخ بغداد ٣٠٢/٦، وسير أعلام النبلاء ٤٤٠/١٥، والبداية والنهاية ١١/
٢٢٦، وشذرات الذهب ٣٥٨/٢.
(٥) هو سعدان بن نصر بن منصور الثقفي البغدادي البزار، سمع سفيان بن عيينة،
وأبا معاوية، ووكيع بن الجراح، وطائفة، وحدث عنه أبو بكر بن أبي الدنيا،
ويحيى بن صاعد، وأبو عوانة، وإسماعيل الصفار، وخلق، قال أبو حاتم:
(صدوق))، قال أبو عبد الرحمن السلمي: ((سألت الدارقطني عنه فقال: ثقة
مأمون)). قال الذهبي: ((كان من أبناء التسعين، مات في ذي القعدة سنة خمس
وستين ومائتين)).
الجرح والتعديل ٤/ ٢٩٠، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٥٧، وشذرات الذهب ١٤٩/٢.
٢٠٩

محمد بن خازم الضرير(١) عن عمرو بن ميمون بن مهران عن
سليمان بن يسار عن عائشة - رضي الله عنها - قال: ((استأذنت عليها،
فقالت: من هذا؟ فقلت سليمان، قالت: كم بقي عليك من مكاتبتك؟
قال: قلت: عشرة أواق، قالت: ادخل فإنك عبد ما بقي عليك
درهم))(٢)، والله أعلم.
مسألة (٣٧٦):
وإيتاء المكاتب بعض مال الكتابة، أو الحط لبعض مال الكتابة
واجب على السيد (٣). وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((إنه غير
واجب)) (٤).
(١) هو محمد بن خازم مولى بني سعد بن زيد مناة بن تميم، أبو معاوية،
السعدي، الكوفي، الضرير، ولد سنة ١١٣ هـ، حدث عن هشام بن عروة،
وعاصم الأحول، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأعمش، وغيرهم، وحدث
عنه ابنه إبراهيم، وابن جريج، ويحيى بن سعيد القطان، وغيرهم، قال
يحيى بن معين: ((هو أثبت من جرير في الأعمش))، قال: وروى أبو معاوية عن
عبيد الله خلق كثير أحاديث مناكير، وقال: ((هو أثبت أصحاب الأعمش بعد
سفيان وشعبة))، قال العلجي: ((كوفي ثقة))، وقال يعقوب بن شيبة: ((ثقة ربما
دلس، كان يرى الإرجاء»، وقال ابن حبان: ((كان حافظاً متقناً، ولكنه كان
مرجئاً خبيثاً، مات سنة ١٩٤ هـ، وقيل غير ذلك.
طبقات ابن سعد ٣٩٢/٦، وتاريخ ابن معين ٥١٢، والجرح والتعديل ٢٤٦/٧،
وميزان الاعتدال ٤/ ٥٧٥، وتهذيب التهذيب ٩/ ١٣٧.
(٢) ابن أبي شيبة ١٤٧/٦، رقم ٦٠٨، رواه البخاري تعليقاً ك/ الشهادات، ب/
شهادة الأعمى ٢/ ٩٤٠، وقال ابن حجر في فتح الباري ١٤٣/٥، و١٩٤ :
((وصله ابن أبي شيبة وابن سعد)) مختصراً، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠/
٣٢٤، ومعرفة السنن والآثار ٤٤٦/١٤، و٤٤٧، رقم ٢٠٦٩٥، وينظر تنوير
الحوالك ١٣/٢.
(٣) الأم ٣٣/٨، وروضة الطالبين ٢٤٨/١٢، و٢٤٩، ونهاية المحتاج ٤١٠/٨، و
٤١١.
(٤) مختصر الطحاوي ص ٣٨٤، والمبسوط ٦/٨، وتحفة الفقهاء ٤١٩/٢.
٢١٠
=

ودليلنا قوله عز وجل: ﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اَللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَّنْكُمَّ﴾(١).
أخبرنا الإمام أبو طاهر الزيادي أخبرنا أبو بكر القطان حدثنا أبو
الأزهر(٢) حدثنا روح حدثنا ابن جريج، وهشام بن أبي عبد الله(٣) قالا
نصر ابن التركماني قول أبي حنيفة، وقال: ((ولو سلمنا أن المراد - يعني بالآية -
=
الموالي فالأمر للندب، وقد قالت بريرة: ((كاتبت أهلي على تسع أواق))، وقالت
عائشة - رضي الله عنها -: ((إن أحب أهلك أن أعدها لهم)) فلو كان الحط
واجباً لقال عليه السلام: عليها أقل من ذلك؛ لأن عليهم أن يحطوا عنها،
ولأخبر عائشة بسقوط البعض، وفي قصة جويرية لم يذكر الحط، فدل على
وجوب الجميع دون خطيطه، وقد أعان # سلمان ولم يذكر الحطيط)) اهـ.
بتصرف واختصار.
الجوهر النقي ٣٣٠/١٠.
قلت: ((وهذا هو الصحيح، والأدلة المذكورة إنما تدل على الاستحباب
والأفضلية».
(١) سورة النور: من الآية ٣٣.
(٢) هو أحمد بن الأزهر بن منيع بن سليط، أبو الأزهر العبدي النيسابوري، ولد
بعد السبعين ومائة، رأى سفيان بن عيينة، ولم يسمع منه، سمع عبد الله بن
نمير، وأسباط بن محمد، ويعقوب بن إبراهيم، وخلق، وحدث عنه رفيقاه:
محمد بن رافع، ومحمد بن يحيى، وقد سمع منه شيخه يحيى بن يحيى
التميمي، وحدث عنه النسائي، وابن ماجه، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وابن
خزيمة، وخلق، وقيل: روى عنه أبو محمد الدارمي، والبخاري، ومسلم، وهو
ثقة، قال النسائي والدارقطني: ((لا بأس به))، وقال أبو حاتم، وصالح بن
محمد: ((صدوق))، مات في سنة ٢٦٣ هـ، وقيل غير ذلك.
الجرح والتعديل ٤١/٢، وسير أعلام النبلاء ٣٦٣/١٢، وميزان الاعتدال ١/
٦٢، وتهذيب التهذيب ١١/١، ولسان الميزان ١٣٦/١.
(٣) هو هشام بن أبي عبد الله، البصري، الربعي، مولاهم، حدث عن يحيى بن
أبي كثير، وقتادة، وحماد الفقيه، وغيرهم، وحدث عنه ابناه: معاذ وعبد الله،
وشعبة، وابن المبارك، ووكيع، وأبو داود، وخلق كثير من الحفاظ كما ذكر
عنه أبو هشام الرفاعي عن وكيع قال: ((حدثنا هشام الدستوائي وكان ثبتاً))، وقال
ابن معين: ((كان يحيى القطان إذا سمع الحديث عن هشام الدستوائي لا يبالي
ألا يسمعه من غيره، قال علي بن المديني: ((هو ثبت))، قال العجمي: ((هشام
بصري ثقة ثبت في الحديث))، قال ابن سعد: ((كان ثقة ثبت في الحديث حجة
إلا أنه يرى القدر)). مات سنة ١٥٢ هـ. وقيل غير ذلك.
=
٢١١

(«أخبرنا عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي -
رضي الله عنه - في قوله: ﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَالِ اَللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾(١)،
قال: (ربع الكتابة))(٢)، وروي بمعناه مرفوعاً (٣).
وأخبرنا أبو طاهر أخبرنا أبو بكر القطان حدثنا أبو الأزهر حدثنا
روح حدثنا حماد عن الجريري عن أبي بصرة عن أبي سعيد مولى آل
أسيد أنه كاتب مولى له على ألف درهم (ومائتي درهم)(٤)، قال:
«فأتيته بمكاتبتي، فرد علي مائتي درهم)»(٥).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب
حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا وكيع عن أبي شبيب عن عكرمة عن
ابن عباس أن عمر - رضي الله عنهم - كاتب عبداً له يكنى بأبي أمية
فجاءه بنجمه(٦) حين حل، فقال: ((اذهب واستعن به في مكاتبتك))،
فقال: يا أمير المؤمنين، لو تركته حتى يكون آخر نجم، قال: ((إني
أخاف أن لا أدرك ذلك، ثم قرأ ﴿ وَءَاتُهُم مِّن مَالِ اَللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ .
قال عكرمة: ((فكان أول نجم أدي في الإسلام)»(٧).
أخبرنا(٨) أبو عبد الله حدثنا أبو العباس حدثنا يحيى بن أبي
طالب أخبرنا يزيد بن حماد بن سلمة عن أيوب عن عكرمة عن ابن
طبقات ابن سعد ٢٧٩/٧، والجرح والتعديل ٥٩/٩، وسير أعلام ١٤٩/٧،
وميزان الاعتدال ٤/ ٣٠٠، وشذرات الذهب ٢٣٥/١.
(١) سورة النور: من الآية ٣٣.
(٢) رواه النسائي في السنن الكبرى ١٩٨/٣، و١٩٩، رقم ٥٠٣٤، والبيهقي في
السنن الكبرى ٣٢٩/١٠.
(٣) رواه النسائي في السنن الكبرى ١٩٩/٣، رقم ٥٠٣٥، والبيهقي في الكبرى ٣٢٩/١.
(٤) ليست في الأخريين.
(٥) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٣٣٠/١٠.
(٦) في الأخريين.
(٧) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٣٢٩/١٠ - ٣٣٠.
(٨) من هنا إلى آخر الكتاب ورد في جميع النسخ، ولم يظهر لي وجه ارتباطه بهذه=
٢١٢

عباس - رضي الله عنهم - عن النبي وَل قر قال: ((يؤدي المكاتب بحصة
ما أدى/ دية حر، وما بقي دية عبد))(١).
وبه عن حماد عن أيوب عن عكرمة عن النبي وَلِيمٍ(٢) قال: ((إذا
أصاب المكاتب حدا أو ميراثاً ورث بحساب ما أعتق منه، وأقيم عليه
الحد بحساب ما عتق منه))(٣).
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أخبرنا أبو سهيل بن زياد
حدثنا إسحاق بن الحسن حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا أيوب عن
عكرمة عن علي - رضي الله عنه - قال: ((قال رسول الله وَلقر: يؤدي
المكاتب بقدر ما أدى))، رواية عكرمة عن علي - رضي الله عنه -
مرسل(٤)، والله تعالى أعلم.
تم الكتاب، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا(٥)
محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم.
المسألة، وقد رجعت إلى الأصل ((الخلافيات)) المخطوط، فلم أعثر على هذه
=
المسألة في المصور منه، وبالله التوفيق.
(١) ذكره الترمذي معلقاً في ك/ البيوع، ب/ ما جاء في المكاتب إذا كان عنده ما
يؤدي ٥٥١/٣ ووصله البيهقي في السنن الكبرى ٣٢٥/١٠، وللنسائي نحوه ٨/
٤٥.
(٢) ساقط من (أ).
(٣) روه البيهقي في السنن الكبرى ٣٢٥/١٠، ورواه أيضاً أبو داود في سننه
موصولاً مرفوعاً بمعناه ١٩٤/٤، قال: ((وجعله إسماعيل بن علية قول عكرمة))،
ومثله الترمذي ٥٥١/٣، رقم ١٢٥٩، قال: ((حديث حسن))، والنسائي في
السنن الكبرى ٢٣٦/٤، رقم ٧٠١٤.
(٤) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٣٢٦/١٠، و٣٢٧، وقال: ((وفي ثبوته عن
النبي (18 نظراً))، والنسائي نحوه عن ابن عباس في السنن الكبرى ٢٣٦/٤،
رقم ٧٠١٣، وينظر ص ١٢٦٠ من هذه الرسالة.
(٥) لم يكن أئمة الدعوة يستخدمون هذا اللفظ، والله فضله بالرسالة والنبوة
والعبودية، لا بالسيادة، وهو سيد المرسلين، وسيد ولد آدم، عليه صلوات ربي
وسلامه، ولذلك لو قال: ((نبينا)» لكان أفضل، والحمد لله رب العالمين.
٢١٣

الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، أحمده - سبحانه - حمد
الشاكرين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً
عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد ...
فقد احتوى هذا الكتاب القيم على مائتين وثلاث وثلاثين مسألة
في القسم الأول، وعلى (٣٧٦) ثلاثمائة وست وسبعين مسألة في هذا
القسم، وكلها منحصرة فيما للإمامين أبي حنيفة والشافعي، أو أحدهما
قول في المسائل الخلافية بينهما، وهي عمدة الخلاف بين المذهبين،
وتحوي جل المسائل المختلف فيها بين الصحابة، رضي الله عنهم،
وكذلك كثيراً مما اختلف فيه الإمامان أحمد ومالك مع الشافعي وأبي
حنيفة، أو أحدهما، أو ما اختلف فيه مالك وأحمد، رحم الله الجميع.
ولقد استخلصت من خلال تحقيقي لهذا القسم النتائج التالية :
١ - سعة أفق الشريعة الإسلامية وشمولها لمختلف الأفهام،
حيث إن الخلاف ناجم عن ذلك، وعن ثبوت الدليل وفهم الدلالة
منه، وهذه الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، فقد أتت بسعادة
البشرية، وليس هناك شيء لا حكم له في الشرع قط، ولكن تختلف
القدرة عن العلماء في استنباط الأحكام وإيضاحها للناس.
٢ - أن هذا الخلاف لم يكن في يوم من الأيام سبباً للعداوة
والبغضاء بين الأئمة المعتبرين؛ لأن قصدهم الحق والتقريب إلى الله
٢١٥

تعالى ببيانه للناس والصدع به. وقد كان هذا الخلاف علماً له أصوله
وقواعده، وكان هؤلاء الأئمة يدرسون أسبابه ويلتمسون الأعذار لمن
خالفهم في حكم مسألة؛ لعلمهم أن كل مجتهد اتقى الله ما استطاع،
فهو مطيع لله سبحانه، ليس بآئم، ولا مذموم، المصيب منهم واحد
وله أجران، والمخطىء له أجر، كما قال ◌َله: ((إذا اجتهد الحاكم
فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر))، متفق عليه(١).
ولهذا كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يعلمون أن المصيب
واحد. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((قال ابن مسعود لما سئل عن
مسألة: أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ
فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه))(٢).
قال ابن تيمية: ((ولا يمكن لواحد أن يحيط بجميع سنة
رسول الله ﴿ بلا ولا يدعي ذلك. والدليل على ذلك أن أبا بكر -
رضي الله عنه - وهو الذي لا يفارق النبي وَلفيه حضراً ولا سفراً سأل
عن ميراث الجدة فأخبره المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة بقضاء
رسول الله﴾(٣). وكذلك عمر - رضي الله عنه - خفيت عليه أحكام،
منها حكم المجوس في الجزية حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف بقول
النبي وَ لحجر: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب))(٤).
وكذلك عثمان بن عفان - رضي الله عنه - لم يكن يعلم أن
المتوفي عنها زوجها تعتد في بيت الموت، حتى أخبرته الفريعة بنت
مالك بذلك(٥).
(١) سبق ذكره.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٩/٢٠ - ٢٦.
(٣) سبق ذكره.
(٤) سبق ذكره.
(٥) سبق ذكره.
٢١٦

وأفتى علي، وزيد، وابن عمر - رضي الله عنهم - بأن المفوضة
إذا مات عنها زوجها فلا مهر لها، ولم يبلغهم حديث بروع بنت
(١)
واشق
وليس تدوين كتب السنة دليلاً على انحصار حديث
رسول الله خير فيها. ثم لو فرض فليس كل ما في الكتب يعلمه عالم،
بل الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين أعلم بالسنة من المتأخرين؛
لأن كثيراً مما بلغهم وصح عندهم قد لا يبلغنا إلا عن مجهول، أو
بإسناد منقطع، أو لا يبلغنا بالكلية، فكانت دواوينهم في صدورهم التي
تحوي أضعاف ما في الدواوين ... )) اهـ(٢).
وقد بلغ من شدة اعتناء العلماء بالخلاف أن بعضهم ذكر أن
خلاف الصحابة لا ينسخه إجماع يحصل بعده(٣).
وصنفت المصنفات الكثيرة في علم الخلاف، فمنها رسالة ((رفع
الملام عن الأئمة الأعلام» لابن تيمية، رحمه الله، وكتاب صحة أصول
مذهب أهل المدينة لابن تيمية، قال عنها: ((والمقصود هنا أن عمل
أهل المدينة الذي يجري النقل حجة باتفاق المسلمين، كما قال مالك
لأبي يوسف - لما سأله عن الصاع والمد وأمر أهل المدينة بإحضار
صيعانهم وذكروا له أن إسنادها عن أسلافهم -: ((أترى هؤلاء - يا أبا
يوسف - يكذبون؟)) قال: ((لا والله، ما يكذبون))، قال: ((فأنا حررت
هذه الصيعان فوجدتها خمسة أرطال وثلثاً بأرطالكم، يا أهل العراق))
فقال: ((رجعت إلى قولك، يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت
لرجع كما رجعت))(٤).
(١) سبق ذكره.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٣٣/٢٠ - ٢٣٩ (باختصار وتصرف).
(٣) الفقيه والمتفقه للبغدادي ص ١٧٣.
(٤) صحة أصول مذهب أهل المدينة لابن تيمية ص ٢٧.
٢١٧

ومنها كتاب ((الإنصاف)) للبطليوسي، وفيه قال: ((إن الخلاف
عرض لأهل ملتنا - أهل السنة والجماعة - من ثمانية أوجه، كل ضرب
من الخلاف متولد منها متفرع عنها. الأول منها: اشتراك الألفاظ
والمعاني، والثاني: الحقيقة والمجاز، والثالث: الإفراد والتركيب،
والرابع: الخصوص والعموم، والخامس: الرواية والنقل، والسادس:
الاجتهاد فيما لا نص فيه، والسابع: الناسخ والمنسوخ، والثامن:
الإباحة والتوسع)) (١).
ومنها كتاب («الكوكب الدري فيما يتخرج على الأصول النحوية
من الفروع الفقهية، لجمال الدين الأسنوي، وقد ذكر فيه أن علم
الحلال والحرام مستمد من علم أصول الفقه والعربية؛ لأن أدلته عربية
فيتوقف فهم تلك الأدلة على فهمها(٢).
ومنها كتاب ((الاتباع)) للقاضي ابن أبي العز الحنفي، بين فيه
وجوب اتباع النبي وي﴿ وأن التعصب والتقليد قد يكون من عوامل
الاختلاف عند بعض الناس (٣).
ومنها ((أسباب اختلاف الفقهاء)» للدكتور عبد المحسن التركي،
وذكر فيه من أسباب اختلاف الفقهاء القراءة الشاذة(٤). ومنها ((الخلاف
بين العلماء وموقفنا منه)) للشيخ محمد بن صالح العثيمين، وبين فيه أن
الخلاف بين الأمة لم يكن في أصول دينها ومصادره الأصلية، وإنما
كان في أشياء لا تمس وحدة المسلمين الحقيقية، وهو أمر لا بد أن
يكون(٥).
(١) الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف ص ٣٣.
(٢) الكواكب الدري ص ١٨٥.
(٣) الاتباع ص ٢٤.
(٤) أسباب اختلاف الفقهاء ص ٧٣.
(٥) الخلاف بين العلماء ص ١٤.
٢١٨

وثمت كتب اعتنت بذكر المسائل الخلافية بين العلماء مقارنة بين
أقوالهم وحججهم، فكانت ثروة مباركة، ومنها الإفصاح لابن هبيرة،
والمغني لابن قدامة، والخلافيات للبيهقي، أصل هذا المختصر، وشرح
المهذب للنووي، والاستذكار لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار
لابن عبد البر، ومجموع فتاوي ابن تيمية، وغيرها كثير.
لقد كان العلماء السابقون - رحمهم الله تعالى - يعرفون لأهل
العلم فضلهم، ويعذرونهم فيما اختلفوا فيه، ويلتمسون القواعد الشرعية
للأحكام ودلالتها، وكل منهم يرجع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله،
﴿ ﴿، ولا يقولون على الله - سبحانه - بلا علم، فكان منهم مجتهد له
مأخذ شرعي فيما يعتقده، ولا يحل لأحد أن يتصدى للفتوى إلا أن
يكون بصيراً بخلاف العلماء، وقد تحققت فيه شروط الفتوى، منها
الأمانة والتقوى والعلم والعدالة. وقد كان السلف يتدافعون الفتوى من
شدة الورع، رحمهم الله تعالى رحمة واسعة (١).
واليوم تجد جماعة من البشر لا خلاق لهم يتعرضون لعلماء
المسلمين ودعاتهم بالذم ويسعرون نار البغضاء في قلوب الغافلين من
المسلمين لعلمائهم ودعاتهم؛ ليحققوا مآربهم الدنيوية في إثبات
أنفسهم، وإظهارها بمظهر العلم، ﴿أَفَنْ زُِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، فَرَءَاهُ حَسَنَّاً
فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَبْدِى مَن ◌َُّ ... ﴾(٢).
فهؤلاء حسابهم عند الله عسير؛ قال سبحانه: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ
لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾(٣).
٣ - أن هذا الكتاب القيم يمثل حقيقة هامة، وهي أن بضاعة
(١) الفقيه والمتفقه للبغدادي ص ١٥٢ - ١٧٠ .
(٢) سورة فاطر: الآية ٨.
(٣) سورة الإسراء: الآية ٣٦.
٢١٩

الأئمة الفقهاء من الحديث صحيحة غزيرة؛ لأن الفقه الإسلامي يعتمد
على الكتاب والسنة، وما فهمه صحابة رسول الله م # رضوان الله
عليهم؛ لأنهم أعلم بالتنزيل، ثم ما قرره علماء الأمة من التابعين ومن
تبعهم من سلف صالح المؤمنين، يحمله من كل خلف عدوله، ينفون
عنه تحريف الجاهلين وتأويل المبطلين وتنطع الهالكين، وهذا الكتاب
يمثل أنموذجاً صادقاً لهذه الحقيقة.
٤ - أن الحافظ البيهقي - رحمه الله - إمام بارز في الحديث
والفقه، شافعي المذهب، بل من أئمة المذهب، وله اختيارات يختلف
فيها مع إمام المذهب الشافعي - رحمه الله تعالى - ويستقل فيها برأيه
الذي أداه إليه اجتهاده.
٥ - يتصف البيهقي بالمنهجية العلمية، فهو يذكر أدلة خصمه
ويرد عليها، وربما تركها في بعض المواطن، ولعل عذره أنها تعليلات
عقلية، مثل مسألة ٢٤٤، ص٢٧٣ ج٤، وإن كان - رحمه الله - من
المتساهلين في الرجال، كما قال عنه الذهبي، فهو يحتج بحديث رواه
ضعيف مثل ابن لهيعة أو الحجاج بن أرطاة، ويرده إن ورد عند
المخالف، مثل مسألة ٢٤٤ ص٢٧٣ ج٤، ومسألة ٢٤٧ ص٢٨٤ ج٤،
ومسألة ٢٥٥ ص ٣٠٠ ج٤، ومسألة ٢٧٧ ص٣٧٤ ج٤، ومسألة ٢٦٩
ص٣٤٦ ج٤.
٦ - أن سند البيهقي يتصف بالعلو، فهو يروي الحديث وهو إمام
يروي عن أئمة تقدمت وفاتهم وتقدم سماعه عنهم بإسناد متصل إلى
النبي ◌َ﴿ أو الصحابي؛ رضي الله عنه(١).
٧ - أن هذا الكتاب ذو قيمة علمية كبيرة، حيث إنه يختص
بالمسائل الخلافية بين الإمامين، فهو يختلف عن المسائل المختلف
(١) مقدمة ابن الصلاح ص ١٣٠ - ١٣٤.
٢٢٠