Indexed OCR Text

Pages 121-140

كتاب القاضي
ومن كتاب(١) القاضي:
مسألة (٣٥٠)(*):
(١) في (أ): (أدب القاضي))، وفي (ب): ((أدب القضاء)).
(*) القضاء في المسجد:
القضاء لغة: الحكم، وقضى أي: حكم(١).
(٢) وفي الاصطلاح: الإلزام بالحكم الشرعي وفصل الخصومات، وهو فرض كفاية
على المسلمين(٢).
(٢)
اختلف العلماء - رحمهم الله تعالى - في حكم القضاء بالمسجد على قولين:
القول الأول: يجوز القضاء بالمسجد، وبه قال الجمهور(٣).
القول الثاني: يكره اتخاذ المسجد مجلساً للقضاء، وهذا قول الشافعي(٤)،
ورواية عن أبي حنيفة (٥).
الأدلة :
استدل الجمهور بما يلي:
١ - قصة اللعان، وفيها قال سهل: ((فتلاعنا في المسجد، وأنا شاهد)»، متفق عليه(٦) . =
.
(١) مختار الصحاح مادة ((قضى) ص ٥٤٠، المبسوط ٥٩/١٦، والمجموع تكملة المطيعي ١٠٨/١٩.
(٢) المبسوط ٧٤/١٦ - ٨١، والمجموع ١٨٢/٢، وكشاف القناع ٢٨٥/٦، والإفصاح لابن هبيرة
٣٤٥/٢، وشرح منتهى الإرادات ٤٦٨/٣.
المجموع ١٣٦/١٩، وإعلام المساجد ص ٣٧٠.
(٣)
المبسوط ٧٤/١٦، و٧٩، و٨١.
(٤)
البخاري ك/ الطلاق، ب/ التلاعن في المسجد ٢٠٣٣/٥، رقم ٥٠٠٣، ومسلم ١١٢٩/٢،
(٥)
رقم ١٤٩٢.
(٦) وقضية اللعان معروفة، جامع الأصول ٧١٤/١٠، ونيل الأوطار ٢٧٤/٢.
١٢١

٢ - عن كعب بن مالك - رضي الله عنه - أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان
عليه في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله وير وهو في
بيته، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته، فنادی یا کعب، قال: ((لبيك يا
رسول الله))، قال: ((ضع من دينك هذا، وأومأ إليه أي الشطر))، قال: ((لقد
فعلت يا رسول الله))، قال: ((قم فاقضه))، رواه البخاري(١)، فهذا قضاء من
النبي ◌َّ في المسجد.
٣ - وقد قضى رسول الله﴿ على ماعز في المسجد، وقال ابن حجر:
((وأخرج الكرابيسي في أدب القضاء من طريق أبي الزناد، قال: كان سعد بن
إبراهيم، وأبو بكر بن محمد بن حزم وابنه، ومحمد بن صفوان، ومحمد بن
مصعب بن شرحبيل يقضون في مسجد رسول الله وَل﴾(٢)).
٥ - قال البخاري - رحمه الله -: ((قضى شريح، والشعبي ويحيى بن يعمر في
المسجد، وقضى مروان على زيد بن ثابت باليمين عند المنبر)»(٣).
٦ - قال السرخسي: ((ولأن ذلك أبعد عن التهمة، ولأنه يتمكن كل واحد من
أن يحضر مجلسه عند صاحبه، ولا يشتبه عليه موضعه، ولا يحتاج إلى من
يهديه إلى ذلك من الغرباء، أو من أهل المصر(٤)).
واستدل المانعون بما يلي:
١ - قوله ﴾: ((جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وبيعكم وخصوماتكم
وأصواتكم، وسل سيوفكم وإقامة حدودكم، وجمروها في تسع، واتخذوا على
أبواب مساجدكم المطاهر))، رواه الطبراني(٥).
٢ - قال البخاري - رحمه الله -: ((وكان الحسن وزرارة بن أبي أوفى يقضيان في
الرحبة خارجاً من المسجد))(٦).
المناقشة :
إنه بتمعن أدلة الطرفين لا نجد دليلاً قوياً يمنع القضاء في المسجد، ويمكن
الجمع بين القولين، وذلك أن القاضي لا تخلو حاله من أمرين:
=
البخاري ك/ الخصومات، ب/ كلام الخصوم بعضهم بعضاً ٢/ ٨٥١، رقم ٢٢٨٦.
(١)
(٢)
فتح الباري ١٥٥/١٣.
البخاري ك/ الأحكام، ب/ من قضى ولاعن في المسجد ٢٦٢١/٦.
(٣)
(٤)
المبسوط ٨٢/١٦.
مجمع الزوائد ٢٦/٢، نيل الأوطار ٢٦٩/٢، وإعلام المساجد ص ٣١٢.
(٥)
(٦)
البخاري ك/ الأحكام، ب/ من قضى ولاعن في المسجد ٢٦٢١/٦.
١٢٢

يكره القضاء في المسجد(١). وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((لا
يكره» في إحدى الروايتين عنه(٢).
قال الله - عزّ وجلّ -: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ◌َّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ
فِيهَا أَسْمُهُ وَسَعَى فِ خَبِهَاْ أُوْلَبِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا
غَيِفِينَ﴾(٣).
روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله وَله: ((من
سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك؛ فإن
المساجد لم تبن لهذا)»(٤).
= الأمر الأول: أن يخصص ولي الأمر للقاضي مكاناً معيناً مهيئاً، وتأتيه القضايا
بشكل منتظم ومعه من يساعده، فلا ينفذ حكمه إلا في المحكمة التي حددها له
ولي الأمر؛ لأن هذا من تخصيص الولاية المكانية(١٣).
الأمر الثاني: إن لم يعين له الحاكم مكاناً محدداً فله ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون معتكفاً في المسجد، فله أن يقضي بين الخصمين فيه.
الثانية: أن تتطلب القضية يميناً مغلظاً تغليظاً مكانياً للعان ونحوه، فيكون القضاء
في المسجد.
الثالثة: أن تأتيه قضية من لا يتمكن من دخول المسجد لمانع شرعي، فإنه
يخرج إليه ويقضي حاجته؛ لأنه هذه من حوائج المسلمين التي لا يقضيها
سواه، هذا إن كانت القضية محالة إليه، أو لم يكن بالبلد قاض يقوم
مقامه(١٤).
وبهذا نكون قد عملنا بمقتضى جميع الأدلة، والحمد لله رب العالمين.
(١) الأم ١٩٨/٦، والوجيز ٢/ ٢٤٠، وروضة الطالبين ١٣٨/١١، والحاوي الكبير
٣٠/١٦.
(٢) المبسوط ٨٠/١٦، و١٠٧، والهداية مع البناية ٢٢/٧، والقدوري ص ١١٠.
(٣) سورة البقرة: من الآية ١١٤.
(٤) رواه مسلم ٣٩٧/١، رقم ٥٦٩، وأبو داود ١٢٨/١، رقم ٤٧٣، والترمذي =
.-
(١) المغني لابن قدامة ٢١٧/٩، والأنظمة واللوائح والتعليمات الصادرة عن وزارة العدل بالمملكة
العربية السعودية ص ٧ - ١٢ (ط ١)، ومجلة الأحكام على مذهب الإمام أحمد ص ٥٩١.
(٢) تبصرة الحكام ٦/١، وأنظمة القضاء بالمملكة العربية السعودية ص ١٦.
١٢٣

ورواه ابن بريدة عن أبيه عن النبيّ وَل﴿ وقال: «إنما بنيت
المساجد لما بنيت له))(١).
وفي الصحيحين عن أنس - رضي الله عنه - قال: ((جاء أعرابي
إلى المسجد فبال في المسجد، فقال أصحاب النبيّ وَالر: مه، فقال
النبيّ ◌َّر: ((لا تزرموه))، فلما فرغ دعا به النبيّ وَ لّ فقال: ((إنّ هذه
المساجد لم تتخذ لهذا الخلاء والبول والقذر، إنما تتخذ لقراءة القرآن
ولذكر الله، ثم أمر بعض أصحابه بذنوب(٢) أو بدلو من ماء فصبه
عليه))(٣).
روي عن مكحول عن أبي الدرداء عن واثلة، وعن أبي أمامة
كلهم يقول: ((سمعنا رسول الله بَّله وهو (على المنبر)(٤) يقول: ((جنبوا
مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم، وسل
سيوفكم وإقامة حدودكم، واعمروها في الجمع، واتخذوا على أبواب
مساجدكم مطاهر))(٥)، والله أعلم.
٦٠١/٣، و٦٠٢، رقم ١٣٢١، وقال: ((حديث أبي هريرة حديث حسن
=
غريب، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم))، والنسائي ٤٧/٢، وفي السنن
الكبرى للنسائي ٥٢/٦، رقم ١٠٠٠٢، و١٠٠٠٣.
(١) رواه مسلم ١ / ٣٩٧، رقم ٥٦٨.
(٢) ذنوب: الذنوب الدلو العظيم، وقيل: ((لا تسمى بذلك إلا إذا كان فيها ماء)).
تفسير غريب الحديث ص ٩٥.
(٣) البخاري ك/ الوضوء، ب/ يهريق الماء على البول ٨٩/١، رقم ٢١٩، ومسلم
ك/ الطهارة، ب/ وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في
المسجد ... ٢٣٦/١، رقم ١٠٠/٢٨٥، واللفظ له.
(٤) في الأصل: ((وهو في المساجد)).
(٥) رواه عبد الرزاق في المصنف بمثل هذا اللفظ ١/ ٤٤١، و٤٤٢، رقم ١٧٢٦،
وعن أبي هريرة بنحوه رقم ١٧٢٨، والطبراني في المعجم الكبير ١٧٣/٢٠،
رقم ٣٦٩، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٢٦/٢: ((رواه الطبراني في المعجم
الكبير ((ومكحول لم يسمع من معاذ))، والبيهقي في السنن الكبرى ١٠٣/١٠،
وقال: ((العلاء بن كثير هذا شامي منكر الحديث))، وقال أيضاً: ((وقيل=
١٢٤

مسألة (٣٥١)(*):
= عن مكحول عن يحيى بن العلاء عن معاذ مرفوعاً وليس بصحيح))، وذكره في
معرفة السنن والآثار ٢٢٣/١٤، رقم ١٩٧٣٧، وقال: ((وإسناده ضعيف))، وينظر
إعلام الساجد ص ٣١٢، ونيل الأوطار ٢٦٩/٢، وكنز العمال ٢٠٨٢٢/٧،
و ٢٠٨٣٥.
المطاهر: جمع مطهرة: الإداوة، وكذا كل إناء يتطهر به.
(*) بيان معنى الاجتهاد والتقليد:
١ - عرف بعض الأصوليين الاجتهاد بأنه: مخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظن
بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه(١).
قال الشاطبي: ((إن طالب العلم إذا استمر في طلبه مرت عليه أصول ثلاثة:
أحدها: يتنبه عقله إلى النظر فيما حفظ، والبحث عن أسبابه، وإنما نشأ هذا
عن شعور بما حصل لكنه مجمل بعد، وربما ظهر له في بعض أطراف المسائل
جزئياً لا كلياً، وربما لم يظهر بعد، فهو ينهي البحث نهايته، ومعلمه عند ذلك
يعينه بما يليق به في تلك الرتبة، ويرفع عنه أوهاماً وإشكالات تعرض له في
طريقه، فهذا الطالب ينازع الموارد الشرعية وتنازعه طمعاً في إدراك أصولها لا
يصح منه الاجتهاد، فاللازم له الكف والتقليد.
والثاني: أن ينتهي بالنظر إلى تحقيق معنى ما حصل على حسب ما أداه إليه
البرهان الشرعي بحيث يحصل له اليقين ولا يعارضه شك، لكنه استمر به الحال
إلى أن زل محفوظه عن حفظه حكماً، وإن كان موجوداً عنده فلا يبالي في
القطع على المسائل أنص عليها أو على خلافها، فإذا حصل الطالب على هذه
المرتبة، فهل يصح منه الاجتهاد في الأحكام الشرعية أو لا، هذا محل نظر.
الثالث: أن يخوض فيما خاض فيه الطرفان، ويتحقق بالمعاني الشرعية منزلة
على الخصوصيات الفرعية بحيث لا يصده التبحر في الاستبصار بطرف عن
التبحر في الاستبصار بالطرف الآخر، فلا هو يجري على عموم واحد منهما
دون أن يعرضه على الآخر، ثم يلتفت مع ذلك إلى تنزل ما تلخص له على ما
يليق في أفعال المكلفين، فهو في الحقيقة راجع إلى الرتبة التي ترقي منها،
لكن بعلم المقصود الشرعي في كل جزئي فيها عموماً وخصوصاً. وهذه الرتبة
لا خلاف في صحة الاجتهاد من صاحبها(٢).
=
(١) الأحكام للآمدي ٤/ ١٦٢.
(٢) الموفقات ٢٢٤/٤ - ٢٣٣، وينظر البرهان في أصول الفقه ١٣١٦/٢ - ١٣٢٦، والوصول إلى
الأصول ٣٣٧/٢، والتمهيد لأبي الخطاب الكلواذني ٣٠٧/٤، والمستصفى ٣٥٩/٢.
١٢٥

ولا يجوز الحكم بالتقليد(١). وقال أبو حنيفة - رحمه الله -
((يجوز))(٢). وهذا بخلاف الكتاب والسنّة.
قال الله تعالى: ﴿فَإِن تَنَّعْتُمْ فِ شَعْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَّسُولِ﴾(٣)،
وقال: ﴿وَأَنِ أَعْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَزَلَ اَللَّهُ﴾(٤)، وقال: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ
بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾(٥)، وقال: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ
وَكُلَّ مَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَاً﴾ (٦)؛ فما ذكر الحكم في موضع إلا وقرنه
بالعلم.
وقال رسول الله وَر: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد))، فقرنه
بالاجتهاد(٧).
وروى أبو داود الطيالسي عن شعبة عن أبي عون الثقفي قال:
(سمعت الحارث بن عمر يحدث(٨) عن أصحاب معاذ من أهل حمص
أما التقليد فقد عرفه بعض الأصوليين بأنه: ((العمل بقول الغير من غير حجة
=
ملزمة))، وقرر الأصوليون أن حكم العامي تقليد أوثق المفتين لديه، والرجوع
إلى العلم في الحوادث، ولا يلزمه أن يسأله عن الدليل(١).
(١) الأم ٦/ ٢٠١، وروضة الطالبين ٩٥/١١، ونهاية المحتاج ٢٣٥/٨ - ٢٣٨.
وافق الشافعية المالكية، قال القاضي أبو الوليد الباجي: ((ولا يجوز للقاضي أن
يكون من غير أهل الاجتهاد؛ إذ لا يعرف المقلد الحق من الباطل))، فصول
الأحكام ص ١٢٩.
(٢) المبسوط ٧٦/١٦، و٨٦، وتبيين الحقائق ١٧٥/٤، واللباب ٧٨/٤.
(٣) سورة النساء: من الآية ٥٩.
(٤) سورة المائدة: من الآية ٤٩، وقد سقطت الواو من الآية الكريمة في جميع
النسخ.
(٥) سورة المائدة: من الآية ٤٧.
(٦) سورة الأنبياء: من الآية ٧٩.
(٧) ذكر المصنف في الصفحة التالية بتمامه، وسيأتي تخريجه في ص ١٢٨.
(٨) من الأخريين.
(١) الوصول إلى الأصول ٣٥٨/٢، والمستصفى ٣٥٩/٢.
١٢٦

قال: وقال مرة عن معاذ أنّ رسول الله وَ لّ لما بعث معاذاً إلى اليمن
قال له: ((كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟)) قال: ((أقضي بكتاب الله،
قال: فإن لم تجده في كتاب الله؟)) قال: ((أقضي بسنة
رسول الله مَلٍ(١))، قال: ((فإن لم تجده في سنة رسول الله وَ ل قال:
((أجتهد رأيي ولا آلو))، قال: ((فضرب بيده في صدري، وقال:
الحمدلله الذي وفق رسول رسول (٢) الله وسير لما يرضى رسول الله))،
تابعه يحيى بن سعيد القطان الإمام عن شعبة، وقال: عن ناس من
أصحاب معاذ عن معاذ(٣).
وروى أبو داود السختياني عن عمرو بن عون عن شريك عن
سماك عن حسن عن علي - رضي الله عنه قال: ((بعثني رسول الله اله
إلى اليمن قاضياً، فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن،
ولا علم لي بالقضاء، فقال: إنّ الله - جلّ ثناؤه - سيهدي قلبك،
ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع
من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء،
قال: فما زلت قاضياً، وما شككت في قضاء بعد))(٤). ولو جاز
الحكم بالتقليد لأخبره بذلك، وإحالته إياه على اجتهاده دون تقليد غيره
(١) محذوفة من (ب).
(٢) من الأخريين.
(٣) رواه أبو داود ٣٠٣/٣، رقم ٣٥٩٢ - ٣٥٩٣، والترمذي ٦٠٧/٣، رقم ١٣٢٧
- ١٣٢٨، وقال: ((هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي
بمتصل، وأبو عون الثقفي اسمه محمد بن عبيد الله))، ورواه أبو داود الطيالسي
في مسنده ص ٧٦، رقم ٥٥٩، والبيهقي في السنن الكبرى ١١٤/١٠.
(٤) رواه أبو داود ٣٠١/٣، رقم ٣٥٨٢، والترمذي ٦٠٩/٣، و٦١٠، رقم
١٣٣١، وقال: ((حسن))، وابن ماجه ٧٧٤/٢، رقم ٢٣١٠، وفيها بلفظ ((أو))
بدل الواو، ورواه البيهقي في السنن الكبرى ٨٦/١٠، وفيها أن رسول الله الكؤوس
دعا له بدعوات، وقال: ((فما شككت في قضاء بين رجلين))، قلت: ((وهذا
بفضل الله واستجابة لرسوله وَالفقر)).
١٢٧

[نهاية ١/١٩٠] فيما أشكل عليه دليل(١) على امتناع جواز الحكم(٢) بالتقليد/
والله أعلم.
وفي الصحيحين عن عمرو بن العاص أنّه سمع رسول الله وَالد
يقول: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم
الحاكم فاجتهد فأخطأ فله أجر)) (٣).
وعن أبي بكر بن عمرو بن حزم: ((هكذا حدثني أبو سلمة عن
أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبيّ وَلاتَ))(٤).
وعند أبي داود عن ابن بريدة عن أبيه عن النبيّ وَ لّ قال:
(«القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة
فرجل عرف الحقّ فقضى به، ورجل عرف الحقّ وجار في الحكم،
ورجل قضى للناس على جهل فهما في النار))(٥).
وروي عن معاوية بن صالح عن أشياخهم أنّ عمر بن الخطاب -
رضي الله عنه - رأى رجلاً فقيل: ((هذا قاضي كذا وكذا))، قال: ((هذا)»،
قالوا: ((نعم))، قال: ((كيف تقضي؟)) قال: ((أقضي بما أعلم، وأسأل عما
جهلت))، فقال عمر - رضي الله عنه -: ((أنت قاض))(٦)، والله أعلم.
(١) ساقطة من الأخريين.
(٢) من الأخريين.
(٣) البخاري ك/ الاعتصام بالكتاب والسنة، ب/ أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو
أخطأ ٢٦٧٦/٦، رقم ٦٩١٩ وملسم ك/ الأقضية، ب/ بيان أجر الحاكم إذا
اجتهد فأصاب أو أخطأ ١٣٤٢/٣، رقم ١٥/١٧١٦، ولفظه قريب من لفظي
الشیخین .
(٤) وهذا الإسناد عند البخاري ومسلم بعد الحديث السابق.
(٥) أبو داود ٢٢٩/٣، رقم ٣٥٧٣، وقال: ((وهذا أصح شيء فيه - يعني حديث
ابن بريدة - القضاة ثلاثة))، والترمذي ٦٠٤/٣، رقم ١٣٢٢، والنسائي في السنن
الكبرى ٤٦١/٣، و٤٦٢، رقم ٥٩٢٢، وابن ماجه ٧٧٦/٢، رقم ٢٣١٥،
والبيهقي في السنن الكبرى ١١٦/١٠، و١١٧.
(٦) لم أجده بلفظه، ولكن جاء بمعناه في كنز العمال ٨٠٩/٥ - ٨١١.
١٢٨

مسألة (٣٥٢):
ولا يجوز أن يكون الفاسق أو المرأة قاضياً (١). وقال أبو حنيفة -
رحمه الله - ((یجوز))(٢).
في صحيح البخاري عن الحسن عن أبي بكرة - رضي الله عنه -
قال: ((لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله مح له بعد ما كدت أن
ألحق بأصحاب الجمل وأقاتل معهم، قال(٣): بلغ رسول الله وَالخيرِ أنّ
أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، فقال: لن يفلح قوم ولوا
أمرهم امرأة)»(٤).
وفي صحيح مسلم عن ابن عمر - وهو في صحيح البخاري -
عن أبي سعيد الخدري(٥) - وهذا لفظ ابن عمر - عن رسول الله (ێ يا
معشر النساء(٦)، أكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقالت
امرأة منهن، وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار، قال: تكثرن اللعن،
وتكفرن (٧) العشير، وما(٨) من ناقصات عقل ودين أغلب لذي اللب
منكن، قالت: يا رسول الله، وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما
نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا(٩) من نقصان
(١) المهذب ٢٩١/٢، والوجيز ٢٣٧/٢، وروضة الطالبين ٩٦/١١، و ٩٧،
والحاوي الكبير ١٥٦/١٦، و١٥٨.
(٢) الهداية مع البناية ٧/ ٥٢، وتبيين الحقائق ١٧٥/٤، والقدوري ص ١١٠.
(٣) ساقطة من الأخريين.
(٤) البخاري ك/ المغازي، ب/ كتاب النبي # إلى كسرى وقيصر ١٦١٠/٤، رقم
٤١٦٣.
(٥) البخاري ك/ الحيض، ب/ ترك الحائض الصوم ١١٦/١، رقم ٢٩٨، وهو
عند مسلم أيضاً ٨٧/١.
(٦) في مسلم ((تصدقن و).
في الأخريين: ((وكفر)).
(٧)
(٨) في مسلم: ((رايت)).
(٩) محذوفة من الأخريين.
١٢٩

العقل، وتمكث الليالي لا تصلي وتفطر في رمضان، فهذا (١) نقصان
الدين))(٢)، والله أعلم.
مسألة (٣٥٣)(*):
(١) في (ب): ((هو)).
(٢) مسلم ك/ الإيمان، ب/ نقصان الإيمان بنقص الطاعات .. ٨٦/١ - ٨٧، رقم
٧٩، والنسائي ١٨٧/٣، وابن ماجه ٤٠٩/١، رقم ١٢٨٨.
(*) القضاء على الغائب:
تحرير محل النزاع:
من المعلوم أنه لا يقضي على الغائب في حدود الله تعالى، وإنما يقضي عليه
في حقوق الآدميين إذا كان غائباً عن بلد الحاكم غيبة بعيدة مسافة قصر(١).
اختلف العلماء على قولين:
الأول: أنه يقضي على الغائب إذا صح الحق عليه، قال ابن قدامة: ((وبهذا قال
شبرمة ومالك والأوزاعي والليث وسوار وأبو عبيد، وإسحاق وابن المنذر))(٢).
وقال الزركشي: ((هو المذهب - يعني الحنبلي - المعروف المشهور))(٣)، وهو
مذهب الشافعي (٤).
الثاني: أنه لا يقـ ي على الغائب، وبهذا قال أبو حنيفة، ورواية عن أحمد،
وبه قال ابن أبي ليلى والثوري وروي أيضاً عن القاسم والشعبي (٥)، وكان شريح
لا يرى القضاء على الغائب(٦).
الأدلة :
استدل أصحاب القول الأول بقوله خلقه: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف،
ولأن للمدعي بينة مسموعة عادلة، فجاز الحكم بها كما لو كان الخصم
حاضراً))(٧). وما ذكره المصنف رحمه الله. وقال الزركشي: ((حذراً من دخول =
الغاية القصوى في دراية الفتوى ١٠١٢/٢، ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة ص ٣٢٧، و٣٣١.
(١)
المغني لابن قدامة ٩٣/١٤ - ٩٤، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١٦٢/٤.
(٢)
شرح الزركشي على الخرقي ٢٨٦/٧، وحاشية ابن قاسم على الروض ٧/ ٥٥٥.
(٣)
(٤)
أدب القضاء لابن أبي الدم ص ٢٠٥، والحاوي الكبير ٢٣٦/١٦.
(٥)
فتح القدير ٤٩٣/٥، وحاشية ابن عابدين ٤١٠/٥.
(٦)
المغني ١٤ / ٩٤.
(٧) المرجع السابق.
١٣٠

الضرر على صاحب الحق بضياع حقه وتأخره لا إلى أمد))(١).
=
واستدل أصحاب القول الثاني:
بما قاله النبي 18َّ لعلي: ((إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع
كلام الآخر؛ فإنك تدري بما تقضي))، رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن
ماجه، والبيهقي(٢). قال في المغني: ((ولأنه قضاء لأحد الخصمين وحده، فلم
يجز كما لو كان الآخر في البلد. ولأنه يجوز أن يكون للغائب ما يبطل البينة
ويقدح فيها، فلم يجز الحكم عليه(٣).
ويجاب عن الحديث بأنه مقيد بخصومة الحاضرين، ولا يدل بمفهومه على منع
القضاء على الغائب. ولأن الحق إذا ظهر بأدلته وجب العمل به فيترجح، والله
أعلم جواز الحكم على الغائب وعليه عمل المحاكم عندنا، قال مفتي الديار
السعودية الشيخ محمد إبراهيم - رحمه الله -: ((وإذا هرب المدعي عليه حكم
عليه غيابياً، ولا يعرقل هروبه واختفاؤه شيئاً من سير المحاكمة، أو يعطل
المدعي، أو يضر به، وإذا حضر بعد ذلك فهو على حجته، ويسمعها القاضي
منه، فإن كان لديه ما يقتضي أحقيته، رجع الحاكم عما حكم به أولاً بمقتضى
ما وجد من الحجة، وإلا فإن الحكم الأول بحاله)) (٤).
ويلحق بالغائب المكابر عن حضور مجلس الحكم تكبراً وعناداً وهروباً عن
الحق، ولهذا ورد في نظام الأعمال الإدارية بالمحاكم ما نصه:
المادة ((٢٩)): ((إذا تكرر تخلف الخصم في قضية واحدة أكثر من مرتين بدون
عذر مقبول يعتبره الحاكم مختفياً، وتسمع البينة ويحكم عليه غيابياً).
المادة ((٣٧): ((لا ينفذ أي حكم غيابي إلا بعد تصديق هيئة التمييز، ولا يمنع
التصديق قبول حجة المحكوم عليه غيابياً متى قدم)).
المادة (٣٨)): ((للمحكوم له غيابياً طلب تنفيذه مؤقتاً في حالة عدم العثور على
المحكوم عليه، ويجاب طلبه بالشروط الآتية:
أ - تصديق الحكم من مرجعه.
ب - وجود المحكوم به داخل المملكة العربية السعودية.
=
. -
(١) شرح الزركشي على مختصر الخرقي ٢٨٦/٧.
(٢) رواه أبو داود ٣٠١/٣، رقم ٣٥٨٢، والترمذي ٦٠٩/٣، رقم ١٣٣١، وابن ماجه ٧٧٤/٢،
رقم ٢٣١٠، وأحمد ١٤٣/١ - ١٥٠، والبيهقي في الكبرى ١٣٧/١٠.
(٣)
المغني ١٤ / ٩٤.
فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم، رحمه الله ٣١٧/١٢.
(٤)
١٣١

والقضاء على الغائب جائز(١). وقال أبو حنيفة - رحمه الله -:
((لا يجوز))(٢).
في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - أن هنداً قالت
للنبيّ وَّ: ((إن أبا سفيان رجل شحيح، أعليّ جناح أن آخذ من ماله؟
قال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف))(٣).
وحديث أبي قلابة عند عمر بن عبد العزيز في شأن القسامة،
وقال: ((حدثنا أنس بن مالك، رضي الله عنه))، وذكر حديث (القوم من
عكل)(٤) وعرينة في صحيح مسلم، وأخرجه البخاري أيضاً، وقال:
ج - تقديم كفيل ملىء كفالة أداء وتسليم في الحقوق المالية عند ظهور ما
=
يستوجب نقض الحكم بشرط أن يكون الكفيل من رعايا حكومة خادم الحرمين
الشريفين»(١).
وقال البيضاوي في الغاية القصوى ١٠١٢/٢: (وهو جائز بشروط:
الأول: تعسر إحضار المدعى عليه بأن امتنع أو غاب إلى ما فوق مسافة
العدوى.
الثاني: أن يكون المدعى به حق آدمي.
الثالث: أن يصرح المدعي بالدعوى، ويعين المدعى به قدراً وجنساً.
الرابع: أن يقيم البينة ويحلف على بقائه على الأظهر.
قلت: وهذه الشروط حق يعمل به بحمد الله، وقد روى الدارقطني في سننه
عن الحسن قال: ((قال رسول الله وَليقول: من دعي إلى حاكم من حكام المسلمين
فلم يجب فهو ظالم لا حق له))(٢). فليحذر الذين يهربون من العدالة في الدنيا
أن الله يعلم سرهم ونجواهم، وحسابهم على الله، والله أعلم.
(١) المهذب ٣٠٤/٢، والمنهاج ص ١٥٠، ونهاية المحتاج ٢٦٨/٨.
(٢) المبسوط ٣٩/١٧، والبداية مع البناية ٦٠/٧، ومختصر القدوري ص ١١٠.
(٣) البخاري ك/ البيوع، ٧٧٠/٢، رقم ٢٠٩٧، ومسلم ك/ الأقضية، ب/ قضية
هند ١٣٣٨/٣، رقم ١٧١٤.
(٤) الإيضاح من (ب).
(١) ص ٩ - ١٠ تنظيم الأعمال الإدارية في الدوائر الشرعية ط الخامسة ١٣٩٨ هـ مطابع الحكومة.
(٢) الدارقطني ٢١٤/٤، رقم ٣٦.
١٣٢

((عن أبي قلابة بحديث العرينيين، وحديث عمر في أسيفع جهينة))،
وقد سبق في كتاب الحج ذكره(١).
وأما حديث علي الذي تقدّم في مسألة الحكم بالتقليد فإنما ورد
في الخصمين الحاضرين، وكلامنا لم يقع في ذلك(٢).
مسألة (٣٥٤)(*):
(١) سبق تخريجه، وإنما ذكره المؤلف في مسألة (١١٩) من كتاب الرهن
والتفليس والحجر والصلح إلخ، ولم يذكره في كتابه الحج.
(٢) ص ١٢٧ من هذا الجزء.
(*) حكم الحاكم بعلمه.
تحرير محل النزاع:
١ - قال أبو بكر الأندلسي في تحفة الحكام: ((وفي الشهود يحكم القاضي بما
يعلم منهم باتفاق العلماء، يعني أن الفقهاء - رحمهم الله - اتفقوا على أن يحكم
القاضي بعلمه في عدالة الشهود وجرحهم(١).
٢ - ولا يحل للقاضي أن يقضي بخلاف علمه باتفاق العلماء، رحمهم الله
تعالى(٢).
٣ - ومعلوم قول النبي ◌َّلير: ((القضاة ثلاثة))، وذكر أن الذي في الجنة هو من
قضى بعلم، قال ابن تيمية: ((وعلى كل ولي أمر الأمة، أو حكم بين اثنين أن
يحكم بالعدل والقسط، وأن يحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلير، وهذا هو
الشرع المنزل من عند الله، قال الله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا
معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾(٣)، وقال تعالى: ﴿إن الله يأمركم
أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾(٤)،
وقال تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما
أنزل الله﴾(٥)، وقال تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم =
.-
(١) تحفة الحكام ٢٨/١.
(٢) شرح الزركشي على مختصر الخرقي ٢٥٩/٧، ورحمة الأمة ص ٣٢٥.
(٣)
سورة الحديد: الآية ٢٥.
سورة النساء: من الآية ٥٧.
(٤)
سورة النساء: من الآية ١٠٥.
(٥)
١٣٣

عما جاءك من الحق﴾(١)) (٢)، فهذا يدل على أنه يجب على القاضي أن يحكم
=
بما علمه الله من أحكام الشريعة يبذل قصارى جهده، وما حكم فيه من المسائل
الخلافية فإن حكمه إذا لم يخالف نصاً من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله وَله،
أو إجماع علماء الأمة أهل الحل والعقد على أمر من الأمور بعد وفاة
النبي (٣) يكون نافذاً، ولا يحل لمؤمن نقضه، أو الطعن فيه بغير حق(٤).
وعلى هذا فإن مراد الفقهاء بعلم القاضي في هذا الاختلاف هو درايته بواقع
الحال في عين القضية المعروضة لديه كعلمه أن محمداً عدل ثقة، وعلمه أن
عبد الله صادق في دعواه وهو يعرفها، ونحو ذلك، ولهذا اختلف العلماء في
هذا على ثلاثة أقوال:
القول الأول: لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه مطلقاً، وهذا قول شريح
ومالك(٥)، وإسحاق وأبي عبيد(٦)، وهو أحد قولي الشافعي (٧)، وهو مذهب
الحنابلة(٨)
القول الثاني: يجوز له أن يحكم بعلمه مطلقاً، وهو أحد قولي الشافعي، ورواية
عن أحمد(٩)، وهو قول أبي يوسف وأبي ثور(١٠)، واختيار المزني(١١)، بل قال
ابن حزم: ((إن ذلك فرض عليه، وأقوى ما حكم به، وأنه يحكم بكل شيء في
القصاص والأموال والحدود والفروع)»(١٢).
القول الثالث: التفصيل فإن كان في حقوق الله تعالى فلا يحكم فيه بعلمه، وأما
حقوق الآدميين فما علم به قبل ولايته لم يحكم به، وما علمه في ولايته حكم =
سورة المائدة: من الآية ٤٩.
(١)
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم وابنه) ٣٨٩/٣٥.
(٢)
(٣)
الموافقات ٢١١/٤، والمغني في أصول الفقه ٢٧٣.
المستصفى ١٧٣/١، والأحكام للآمدي ٢٠٣/٤، وشرح الكوكب المنير ٢١١/٢.
(٤)
بداية المجتهد ٢/ ٤٧٠، وجواهر الإكليل ٢٣٠/٢، وتبصرة الحكام ٤٥/٢.
(٥)
مختصر الطحاوي ص ٣٣٢، ومنظومة النسفي (مخطوط) ق ٢٣/ ب.
(٦)
كتاب أدب القضاء ص ١٠٥.
(٧)
(٨)
شرح الزركشي ٧/ ٢٥٣، والمقنع ٦١٦/٣ والكافي ٣/ ٤٦٠.
(٩)
الفروع ٤٦٩/٦، وزاد المحتاج ٤/ ٥٣٥.
(١٠) المغني ٣١/١٤ (٧).
(١١) مختصر الطحاوي ص ٣٣٢، وحاشية ابن عابدين ٤٣٨/٥.
(١٢) المحلى لابن حزم ٤٢٦/٩.
١٣٤

به (١)، وقد روي عن أحمد أن الحدود لا يحكم فيها بعلمه(٢).
=
الأدلة :
استدل القائلون بأنه يحكم بعلمه بالأدلة التي ذكرها المصنف - رحمه الله - ومن
الأدلة أيضاً ما روته عائشة - رضي الله عنها - أن هنداً قالت: ((يا رسول الله، إن
أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي إلا ما
أخذت منه، وهو لا يعلم، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)»، متفق
عليه، قال البخاري في ترجمته: ((باب حكم الحاكم بعلمه إذا لم يخف الظنون
والتهم، وكان أمراً مشهوراً))(٣).
قال الزركشي: ((ولأنه إذا جاز الحكم بشاهدين مع أنهما يحصلان غلبة الظن
فما يجزم به أولى)»(٤).
وأجيب عن قضية أبي سفيان بأنها فتياً وليست حكماً، فكيف يحكم على
الغائب مع إمكان حضوره.
ويجاب عن قول الزركشي بأنه لا اجتهاد مع النص، واستدلوا بحكم عمر على
أبي سفيان برفع الظلم في أرض رجل من بني مخزوم ذكرها في المغني(٥) .
واستدل القائلون بالتفصيل بأن الحدود تدرأ بالشبهات، فلا يحكم فيها بعلمه،
وأن ما علمه قبل ولايته لا عبرة به؛ لأن ما علمه قبل ولايته بمنزلة ما سمعه
من الشهود قبل ولايته، وما علمه في ولايته بمنزلة ما سمعه من الشهود في
ولا یته(٦).
واستدل القائلون بالمنع بالنصوص التي ذكرها المصنف - رحمه الله - ومنها
قوله: ﴿: ((إنما أنا بشر مثلكم، وأنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون
ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بما أسمع))، وقوله: ((شاهداك أو يمينه))،
وقوله: ((ليس لك إلا ذلك، ومنها قول عمر في ابن أبي، ومنها حديث اللعان،
ومن الأدلة :
=
٠
الهداية لأبي الخطاب ١٢٧/٢، والمحرر ٣٠٦/٢.
(١)
البخاري ٢٦١٧/٦، وسبق تخريج الحديث في ص ١١٧٤.
(٢)
شرح الزركشي على مختصر الخرقي ٢٥٧/٧ - ٢٥٨.
(٣)
(٤)
المغني ٣١/١٤.
حاشية ابن عابدين ٤٣٨/٥، و٤٣٩.
(٥)
أبو داود ١٨١/٤، رقم ٤٥٣٤، والنسائي ٣٥/٨، وابن ماجه ٨٨١/٢، رقم ٢٦٣٨ ومسند
(٦)
أحمد ٢٣٢/٦.
١٣٥

٠ ٠
= ١ - عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي وّلفي بعث أبا جهم بن حنيفة
مصدقاً، فلاحه رجل في صدقه، فضربه أبو جهم فشجه، فأتوا النبي وَلغيره
فقالوا: ((القود يا رسول الله))، فقال: ((لكم كذا وكذا))، فلم يرضوا، فقال:
(كم كذا وكذا)) فرضوا، فقال: ((إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم؟
قولوا: نعم))، فخطب فقال: ((إن هؤلاء الليثيين أتوني يريدون القود، فعرضت
عليهم كذا وكذا فرضوا، أفرضيتم؟ قالوا: ((لا))، فهم المهاجرون بهم، فأمرهم
رسول الله ﴿ أن يكفوا عنهم، فكفوا، ثم دعاهم فزادهم، فقال: ((أفرضيتم؟))،
فقالوا: ((نعم))، قال: ((إني خاطب على الناس ومخبرهم برضاكم؟)) قالوا:
((نعم))، فخطب فقال: ((أرضيتم؟)) قالوا: ((نعم))، رواه أحمد، وأبو داود،
والنسائي، وابن ماجه(١).
٢ - قال أبو بكر: ((لو رأيت رجلاً على حد من حدود الله - عز وجل - ما
أخذته، ولا دعوت له أحداً حتى يكون معي غيري)»(٢).
ويرد على قصة عمر بأنها قول صحابي خولف فيه، وبهذا يظهر رجحان هذا
القول، والله أعلم.
صور مستثناة من هذه المسألة:
١ - قال ابن حزم: ((إن من أقر في مجلس الحكم قضى عليه، وليس قضاء
بالعلم على الصحيح؛ فإنه أقوى الحجج وأعلاها، فلو أقر عنده سراً هل يكون
كالحكم بالعلم، فيه قولان(٣).
٢ - قال العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - في تقدير القاضي بنفسه
للجنايات: ((إن مسألة تقدير القاضي لأرش الجنايات مسألة ينبغي فيها التسامح؛
لأنه ليس بصريح أنها من صور حكم الحاكم بعلمه، وعلى فرض أنها من حكم
الحاكم بعلمه فالاختلاف في جوازه وعدمه موجود بين العلماء، وفيه روايتان
عن الإمام أحمد، وإن كانت الرواية القائلة بجوازه ضعيفة إلا أنها حكم بها
حاكم، وحكم الحاكم يرفع الخلاف، ثم إن القاضي في تقديره أرش الجراح =
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى ١٤٤/١٠، وينظر التلخيص الحبير ١٩٧/٤، وصحح إسناده عن
أحمد، والكافي ٤٦٠/٣.
(٢) كتاب أدب القضاء ص ١٠٥.
(٣) مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - ٤١٢/١٢ جمع الشيخ محمد بن عبد
الرحمن بن قاسم، حفظه الله.
(٣) قواعد الأحكام العز بن عبد السلام ٢٧/١، و٢٨.
١٣٦

وللحاكم أن يحكم بعلمه في ظاهر المذهب إلا في الحدود،
سواء أحاط علمه بذلك قبل أن ولي القضاء أو بعده، وسواء أحاط
علمه به في بلد ولايته، أو في غير بلد ولايته، وقد قيل: ((إنه في
الحدود بمثابته))، وفيه قول آخر: ((إنه لا يحكم بعلمه في الحدود ولا
في غيره))(١) .
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((له أن يحكم بعلمه في غير
الحدود إذا علمه في ولايته وبلد ولايته))(٢).
في الصحيحين عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: ((سمع
رسول الله ﴿ جلب خصم عند بابها، فخرج عليهم فقال: إنكم
تختصمون إلي، وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون أعلم بحجته
من بعض، فأقضي له بما أسمع وأظنه صادقاً، فمن قضيت له بشيء
من حقّ أخيه فإنها قطعة من النار، فليأخذها أو ليذرها))(٣).
وفي الصحيحين عن الأشعث بن قيس قال: كان بيني وبين رجل
خصومة في بئر فاختصمنا/ إلى النبيّ و18َ، فقال: ((شاهداك أو [نهاية ١٩٠/ب]
=
مضطر إلى ذلك فلا بأس بما حكم به».
٣ - قلت: إذا لم يوجد في البلاد إلا قاض واحد، ولا يوجد في البلاد
المجاورة قضاة شرعيون، وتعذر الوصول إلى الحق وإظهاره إلا أن يقضي
القاضي بعلمه فله ذلك للضرورة، ولإجماع العلماء، أنه لا يقضي بخلاف
علمه، ولأن المسألة خلافية، وحكم الحاكم يرفع الخلاف، والقاضي إذا تمسك
بالأدلة الشرعية، وحكم بما أدى إليه اجتهاده فقد برئت ذمته، ولو بان خطأ
الحكم بعد حين، وبعد نفاذه، والله أعلم.
(١) الأم ١٥٣/٧، روضة الطالبية ١٥٦/١١، ونهاية المحتاج ٢٥٩/٨.
(٢) مختصر الطحاوي ص ٣٣٢، والمبسوط ١٠٤/١٦، وتحفة الفقهاء ٦٣٨/٣،
و٦٣٩، وتبيين الحقائق ١٧٦/٤.
(٣) البخاري ك الأحكام، ب/ من قضى له بحق أخيه فلا يأخذه ٢٦٢٦/٦،
و٢٦٢٧، رقم ٦٧٥٩، و٦٧٦٢، ومسلم ك/ الأقضية، ب/ الحكم بالظاهر
واللحن بالحجة ١٣٣٧/٣، رقم ١٧١٣، برواية ((يذرها)).
١٣٧

يمينه))(١)، فقلت: إنّه إذا يحلف ولا يبالي، فقال النبيّ وَلٌ: ((من
حلف على يمين ليستحقّ بها مالاً هو فيها فاجر لقي الله تعالى وهو
عليه غضبان، فأنزل الله تعالى تصديق ذلك(٢)، ثم(٣) قرأ هذه الآية
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا﴾(٤) إلى آخر الآية.
وفي صحيح البخاري عن زيد بن أرقم - لما قال عبد الله بن
أبي: ﴿لَا تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُواْ﴾، وقال
أيضاً: ﴿لَيْنِ رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعُنُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾(٥) أخبرت
بذلك رسول الله ﴿ فلامتني الأنصار، وحلف عبد الله بن أبي ما قال
ذلك، فرجعنا إلى المنزل، فنمت (فدعاني)(٦) رسول الله وَ ل﴾ فأتيته،
فقال: ((إنّ الله صدقك وعذرك، ونزل: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا نُفِقُواْ عَلَى
مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنَفَضُواْ﴾ (٧) الآية))(٨).
واتفقا على حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - في هذا
الباب، وفيه: فقال عمر - رضي الله عنه -: ((دعني أضرب عنق هذا
الكافر(٩) المنافق))، فقال النبيّ وَّه: ((دعه، لا يتحدث الناس أنّ محمداً
يقتل أصحابه))(١٠).
(١) البخاري، الرهن ٨٨٩/٢، رقم ٢٣٨٠، ومسلم ك/ الأيمان، ب/ من اقطتع
حق مسلم ١٢٣/١، رقم ٢٢١/١٣٨.
(٢) وينظر أيضاً مسلم، رقم ٢٢٢، الجزي الثاني من الحديث.
(٣) في الأخريين.
(٤) سورة آل عمران: من الآية ٧٧.
(٥) نزل بهذا القرآن الكريم، ينظر الآيتان السابعة والثامنة من سورة المنافقون.
(٦) في النسخ: ((فأتاني))، ولا يستقيم المعنى به، فتم تصويبه من صحيح البخاري.
(٧) سورة المنافقون: من الآية ٧.
(٨) البخاري ك/ التفسر ب/ المنافقون ٤/ ١٨٦٠، رقم ٤٦١٩.
(٩) من الأخريين.
(١٠) البخاري ك/ التفسير، ب/ قوله: ﴿يقولون لئن رجعنا ... ﴾ ١٨٦٣/٤، رقم
٤٦٢٤، ومسلم ١٩٩٨/٤، رقم ٢٥٨٤، وينظر تفسير ابن كثير ١٥٥/٨،
وتحفة الأحوذي ٢١٧/٩.
١٣٨

وحديث اللعان قد ذكرناه في كتابه(١).
وروي عن عمارة بن خزيمة أنّ عمه أخبره - وكان من أصحاب
رسول الله ﴿ أنّ رسول الله وَ ل﴿ ابتاع فرساً من رجل من الأعراب(٢)،
واستتبعه النبيّ وَير (ليقض ثمن فرسه، فأسرع رسول الله(وَل﴾)(٣) المشي
وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي ويساومونه(٤) الفرس،
ولا يشعرون أنّ رسول الله قد ابتاع حتى زاد بعضهم الأعرابي في
السوم، فلما زادوا نادى الأعرابي رسول الله وَ لغيره ((إن كنت مبتاعاً هذا
الفرس فابتعه وإلا بعته))، فقام رسول الله وَّر حين سمع نداء الأعرابي
حتى أتى الأعرابي، فقال رسول الله وَله: ((أو ليس قد ابتعت منك؟))
قال: ((لا، والله ما بعتكه))، قال: ((بلى ابتعته منك))، فطفق الناس
يلوذون برسول الله19 وبالأعرابي، وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي
يقول: ((هلم شهيداً أني بايعتك))، فقال خزيمة: ((أنا أشهد أنك بايعته،
فأقبل رسول الله ﴿ على خزيمة، فقال: ((بم تشهد؟)) فقال:
(بتصديقك))، فجعل رسول الله والقر شهادة خزيمة بشهادة رجلين))(٥).
وفي الصحيحين(٦) من حديث عائشة - رضي الله عنها - أنّ
فاطمة بنت النبيّ ◌َّي أرسلت إلى أبي بكر - رضي الله عنه - تسأله
(١) سبق أحاديث اللعان برواياتها في كتاب اللعان، وينظر: ص١٢٢ من هذا
الجزء.
(٢) ساقطة من (ب).
(٣) ساقطة من (أ).
(٤) قال المنذري في مختصر سنن أبي داود ٢٢٤/٥: ((هذا الأعرابي هو: سواء بن
الحارث، وقيل: سواء بن قيس المحاربي ذكره غير واحد في الصحابة، وقيل:
إنه جحد البيع بأمر بعض المنافقين)).
(٥) رواه أبو داود ٣٠٨/٣، رقم ٣٦٠٧، والنسائي ٣٠١/٧، و ٣٠٢، وينظر الأم
٨٧/٣، والسنن الكبرى للبيهقي ١٤٥/١٠.
(٦) من الأخريين.
١٣٩

ميراثها من رسول الله وَالر مما أفاء الله عليه بالمدينة، وفدك وما بقي
من خمس خيبر، فقال أبو بكر - رضي الله عنه - إنّ رسول اللهِ وَله
قال: ((لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال،
فإني والله لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله وَلقول عن حالها التي كانت
عليها في عهد رسول الله وَّر، ولأعملن فيها بما عمل به
رسول الله وَلير))(١)، وذكر باقي الحديث، والله أعلم.
(١) البخاري ك/ الفرائض ٢٤٧٤/٦، رقم ٦٣٤٦، ومسلم ك/ الجهاد والسير ٣/
١٣٨٥، رقم ١٧٥٩/ ٥٢.
١٤٠