Indexed OCR Text

Pages 21-40

قال عبد الملك ابن نافع بن أخي القعقاع بن ثور(١) عن ابن عمر في
النبيذ لم يتابع عليه))(٢)، قال النسائي: ((عبد الملك بن نافع ليس
بمشهور، ولا يحتج بحديثه، والمشهور عن ابن عمر خلاف حكايته)) (٣).
وروى أبو داود عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في حديث
وفد عبد القيس، وفيه قالوا: ((يا رسول الله، فإن اشتد في الأسقية))،
قال: ((فصبوا عليه الماء))، قالوا: (يا رسول الله))، فقال لهم في الثالثة،
أو الرابعة: ((أهريقوه))، ثم قال: ((إن الله - جل ثناؤه - حرم علي، أو
حرم الخمر والميسر والكوبة))(٤)، قال: ((وكل مسكر حرام))(٥).
وحديث وفد عبد القيس المعروف المشهور عن ابن عباس - رضي الله
عنهما - وليس فيه الأمر بالكسر، ثم المراد به - إن صح - كسره بالماء
إذا خاف شدته قبل الاشتداد، فقد روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه
- عن رسول الله ◌َ﴿ أنه قال لوفد عبد القيس: ((لا تشربوا في نقير،
ولا مقير، ولا دباء(٦)، ولا حنتم، ولا مزادة ولكن اشربوا في سقاء
أحدكم غير مسكر، فإن خشي شدّته، فليصب عليه الماء)»(٧).
(١) في النسخ: ((ابن منصور))، والصواب: ((ابن ثور)، الكامل في الضعفاء ٣٠٦/٥.
(٢) الكامل في الضعفاء ٣٠٦/٥، وينظر الدارقطني ٢٦٣/٤، و٢٦٤، والتعليق
المغني بهامشه.
(٣) النسائي ٣٢٤/٨، رقم ٤٦٩٥، والسنن الكبرى للنسائي ٢٣٦/٣.
(٤) الكوبة: الطبل الصغير المخصر، وقيل: النرد، المغرب ص ٤١٧.
(٥) أبو داود ٢٣١/٣، رقم ٣٦٩٦، وفيه قال: ((سألت علي بن بذيمة عن الكوبة،
قال: ((الطبل))، وأصل الحديثين في الصحيحين، مختصر سن أبي داود ٥٪
٢٧٤، و٢٧٥، رقم ٣٥٤٩.
(٦) قال المطرزي في المغرب ص ٤٦٣: ((النقير، الخشبة المنقورة، والمزفت:
الوعاء المطلي بالزفت، وهو القار، والحنتم: الجرار الحمر، وقيل: الخضر،
والدباء: القرع. والموكى: السقاء الذي ينتبذ فيه، ويوكي رأسه، أي: يشتد،
فإنه لا يشتد فيه الطراب إلا إذا انشق، فلا يخفى تغيره)).
(٧) الدارقطني ٢٥٨/٤، رقم ٦٤، والسنن الكبرى للبيهقي ٣٠٢/٨.
٢١

فأما إذا اشتد، وبلغ حد الإسكار فقد روينا قبل هذا عن أبي
موسى، وأبي هريرة - رضي الله عنهما - عن النبي وَالر أنه أمر فيه
بإراقته، ولو كان إلى إصلاحه بالماء سبيل لما أمر بإراقته، والله أعلم.
وروي بإسناد لا يحتج به عن أبي سعيد مرفوعاً ((لينبذ أحدكم في
سقائه، فإن خشي سكره فليكسره بالماء)»، ورأيت في حديث يحيى بن
أبي كثير عن ثمامة بن كلاب عن أبي سلمة عن عائشة - رضي الله
عنها - مرفوعاً)) لا تنبذوا في الدباء، والمزفت، ولا النقير، ولا
الحنتمة(١)، ولا تنبذوا الرطب والبسر جميعاً، ولا التمر والزبيب
جميعاً، وما كان سوى ذلك فاشتد عليكم فاكسروه بالماء))(٢). وثمامة
مجهول، والثابت عن ابن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي قتادة - رضي الله
عنه - عن النبي ◌َّ قال: ((النهي عن الخليطين)) دون هذه اللفظة(٣).
ورأيته أيضاً في حديث عكرمة ابن عمار عن أبي كثير السحمي
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعاً إلا أنه قال: ((إذا أرابك في
(١) الحنتمة: هي الجرة، المغرب ص ١٣٢.
قال ابن أبي شيبة ١٦٣/٧، و١٦٤، وعزاه في موسوعة أطراف الحديث إلى
الجامع الكبير (المخطوط الجزء الثاني، الهيئة المصرية ٢/ ٤٥١) عن أم معبد:
((حناتم العجم، أما الدباء، فالقرع، أما الزقاق المقيرة أجوافها الملونة أشعارها
بالقار، أما النقير فالنخلة الثابتة عروقها في الأرض المنقورة نقراً))، وفي النسائي
الصغرى ٣٠٣/٨: ((عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: نهى رسول الله والخفره
عن الحنتم، قلت: ما الحنتم؟ قال: الجر))، وعنه: ((نهى رسول الله والقر عن
نبيذ الجر))، وقال أبو عبيد في غريب الحديث ١٨١/١: ((هي جرار حمر)،
وقال المطرزي: ((هي الخزف الأخضر، أو كل خزف))، المغرب ص ١٣٢،
وقال الخطابي في غريب الحديث ٣٦٠/١: ((إن النقير، والمزفت، والحنتم
أوعية ضاربة، تسرع بالشدة إلى الشراب، وقد يحدث فيه التغير، ولا يشعر به
صاحبه، فهو على خطر من شرب المحرم، فنهى عن استعمالها استبراء للشك،
وأخذاً باليقين فيه))، ينظر معجم مقاييس اللغة ١٤٧/٢.
(٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٣٠٣/٨.
(٣) أبو داود ٣٣٣/٣، والسنن الكبرى للبيهقي ٣٠٣/٨.
٢٢

شرابك ريب فسن عليه الماء، أمط عنك حرامه، واشرب حلاله))،
وهذا أيضاً ضعيف، عكرمة بن عمار اختلط في آخر عمره، وساء
حفظه، فروى ما لم يتابع عليه. وقد رواه عبد الله بن يزيد المقبري
عن عكرمة بن عمار، وقال قوله: إذا أرابك ... )) قاله أبو هريرة،
ذكره إسحاق الحنظلي في مسنده(١).
وروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي وَّر قال: ((إذا
دخل أحدكم على أخيه المسلم، فأطعمه، فليأكل من طعامه، ولا
يسأله، وإن سقاه شراباً، فليشرب من شرابه، ولا يسأله عنه، وإن
خشي منه فليكسره بالماء))(٢).
المراد - والله أعلم - إذا خشي أن يبلغ حد الإسكار فليكسره
بالماء حتى لا يشتد ويبلغ حد الإسكار بدليل ما سبق ذكره، والله
أعلم.
وربما استدلوا بما روى عمار بن مطر عن جرير عن الحجاج عن
حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله - رضي الله عنهم - عن
النبي ◌ّ﴾ قال: ((كل مسكر حرام))، قال عبد الله: ((هي الشربة التي
أسكرتك))(٣).
وعن شريك عن أبي حمزة عن إبراهيم قوله: ((كل مسكر حرام))
هي الشربة التي أسكرتك(٤). قال علي بن عمر: ((وهذا أصح من الذي
(١) السنن الكبرى للبيهقي ٣٠٣/٨ - ٣٠٤.
(٢) رواه الدارقطني ٢٥٨/٤، رقم ٦٥، وقال في التعليق المغني ٢٥٨/٤:
((الحديث فيه مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف)»، ورواه الحاكم في
المستدرك ١٢٦/٤، وقال: ((هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه، ووافقه
الذهبي).
(٣) رواه الدارقطني ٤/ ٢٥٠، رقم ٢٣.
(٤) رواه البيهقي في معرفة السنن والآثار ١٣/ ٣٢، وينظر نصب الراية ٣٠٥/٤ - ٣٠٦.
٢٣

قبله، ولم يسنده غيرالحجاج، واختلف عنه، وعمار بن مطر ضعيف،
وإنما هو من قول إبراهيم النخعي(١).
حدثنا أبو سعيد، وذكر إسناداً عن سفيان بن عبد الملك أنه ذكر
عنده - يعني عند ابن المبارك - حديث ابن مسعود هي الشربة التي
أسكرتك؟ فقال عبد الله بن المبارك - رحمه الله -: ((هذا حديث باطل))(٢).
قال البيهقي - رحمه الله تعالى: ((وروي عن إبراهيم بخلافه، قال
البخاري: زكريا بن عدي لما قدم ابن المبارك - رحمه الله تعالى -
الكوفة كانت به علة، فأتاه وكيع، وأصحابنا الكوفيون، فتذاكروا عنده،
حتى بلغوا الشراب، فجعل ابن المبارك يحتج بأحاديث رسول الله وعليه
[نهاية ١٨٠/ب] وأصحاب/ النبي ◌َّلر، والمهاجرين، والأنصار من أهل المدينة،
فقالوا: ((لا، ولكن من حديثنا))، فقال ابن المبارك: ((أخبرنا الحسن بن
عمرو عن فضيل بن عمرو عن إبراهيم، قال: كانوا يقولون: إذا سكر
من شراب لم يحل له أن يعود فيه أبداً، فنكسوا رؤوسهم، فقال للذي
يليه: أرأيت أعجب من هؤلاء؟ أحدثهم عن رسول الله وض حه، وعن
أصحابه، والتابعين، فلم يعبؤا به، وأذكر عن إبراهيم، فنكسوا رؤوسهم)»(٣).
وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس - رضي الله عنهما -
قال: ((قال رسول الله وَلقر: كل مسكر حرام، فقال رجل، أو رجلان:
يا ابن عباس، إن هذا الشراب الذي نشربه إذا أكثرنا سكرنا، قال:
ليس هكذا، إذا شربت تسعة، فلم يسكرك، فلا بأس، فإذا شربت
العاشر، فأسكرك فهو حرام»، وهذا باطل، الكلبي متروك (٤).
(١) الدارقطني ٤/ ٢٥٠، و٢٥١.
(٢) الدارقطني ٢٥١/٤، رقم ٢٥، ونصب الراية ٣٠٦/٤.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي ٢٩٨/٨ - ٢٩٩، وينظر: نصب الراية ٣٠٦/٤.
(٤) الكامل في الضعفاء ٢١٢٩/٦، ترجمة محمد بن السائب الكلبي، وينظر
الدار قطني ٢٦٢/٤، والسنن الكبرى للبيهقي ٣٠٤/٨.
٢٤

وروي عن شريك عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون، قال:
((قال عمر: إني لأشرب هذا النبيذ الشديد ليقتطع ما في بطوننا من
لحوم الإبل))(١)، رواه إسرائيل عن أبي إسحاق، ولم يذكر ((الشديد))،
وكذلك رواه أبو خيثمة عن أبي إسحاق عن عمرو (٢) عن عمر إنا
لنشرب من النبيذ نبيذاً يقطع لحوم الإبل في بطوننا من أن يؤذينا(٣).
ونبيذهم الذي كانوا يشربونه على الصفة التي روينا عن ابن عباس،
وعائشة، وغيرهما - رضي الله عنهم - لم يبلغ حد الإسكار (٤).
وروي عن زيد بن أسلم عن أبيه كان النبيذ الذي يشربه عمر كان
ينقع له الزبيب غدوة، فيشربه عشية، وينقع له عشية، فيشربه غدوة،
ولا يجعل فيه دردي(٥).
وروي عن وكيع عن شريك عن فراس عن الشعبي أن رجلاً
شرب من إداوة على نبيد نصفين، فسكر، فضربه علي الحد (٦).
وعن سفيان عن إسحاق عن أبي عامر أن أعرابياً شرب من أداوة
عمر - رضي الله عنه - نبيذاً، فسكر، فضربه عمر الحد (٧). قال
علي بن عمر: ((هذا مرسل، ولا يثبت، إنما رواه عن سعيد بن ذي
(١) ابن أبي شيبة ٧/ ١٤٢ - ١٤٣، رقم ٣٩٢٧، والطحاوي في شرح معاني الآثار
٢١٨/٤، والدارقطني ٣٩٠/٤، رقم ٧٤، بغير هذا اللفظ، وابن حزم في
المحلى ٥٧٣/٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٩٩/٨.
(٢) زيادة من (ب).
(٣) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٢٩٩/٨.
(٤) السنن الكبرى للبيهقي ٢٩٩/٨.
(٥) قال ابن منظور في اللسان ١٣٥٥/٣: ((وفي حديث الباقر: أتجعلون في النبيذ
الدردري، قيل: وما الدردري؟ قال الرؤية: أراد بالدردري الخمرة التي تترك
على العصير والنبيذ؛ ليتخمر، وأصله ما يركد في أسفل كل مائع كالأشربة
والأدهان».
(٦) رواه الدارقطني ٢٦١/٤، رقم ٨٠.
(٧) رواه الدارقطني ٢٦٠/٤، رقم ٧٥.
٢٥

لعوة(١)، وسعيد ضعيف، ضعفه يحيى وغيره))(٢).
وروي عن ابن المسيب قال: ((تلقت ثقيف عمر بن الخطاب -
رضي الله عنه - بنبيذ، فوجده شديداً، فدعا بماء، فصب عليه))(٣)،
مرتين أو ثلاثاً، وإنما كان اشتداده - والله أعلم - بالحموضة، أو
الحلاوة، فقد روي عن نافع مولى ابن عمر أن عمر - رضي الله عنهم
- قال لي: «اذهب إلى إخواننا فالتمس عندهم شراباً، فأتاهم، فقالوا:
ما عندنا إلا هذه الأداوة، وقد تغيرت، فدعا بها عمر، فذاقها، فقبض
وجهه، ثم دعا بماء، فصب عليه، ثم شرب)). قال نافع: ((والله ما
قبض وجهه إلا أنها تخللت)) (٤).
وروينا عن ابن المسيب بنحو من رواية نافع(٥)، ويذكر عن
زيد بن أسلم أن أصحاب رسول الله وَ ر كان إذا حمض عليهم النبيذ،
كسروه بالماء(٦)؛ لما روى عبد الله بن المبارك قال: ((قال عبيد الله بن
عمر لأبي حنيفة في النبيذ، فقال أبو حنيفة: أخذناه من قبل أبيك،
قال: أي شيء هو؟ قال: إذا رابكم فاكسروه بالماء، قال عبد الله العمري:
إذا تيقنت به، ولم ترتب، كيف تصنع؟ فسكت أبو حنيفة))(٧).
(١) سعيد بن ذي لعوة، قال ابن حبان: ((شيخ دجال، يزعم أنه رأى عمر بن
الخطاب يشرب المسكر، ولم يرو في الدنيا إلا هذا الحديث، وحديثاً آخر لا
يحل ذكره في الكتب، ومن زعم أنه سعيد بن ذي حدان، فقد وهم، وقال
العقيلي: ((إنه وضاع)).
المجروحين ٣١٢/١، والضعفاء الكبير ١٠٤/٢، وتهذيب التهذيب ٢٦/٤.
(٢) رواه الدارقطني ٤/ ٢٦٠، و٢٦١.
(٣) رواه الدارقطني ٢٦٠/٤، رقم ٧٣.
(٤) ذكره أبو يوسف في الآثار ص ٩٩٣، وابن حزم في المحلى ٤٨٦/٧، والبيهقي
في السنن الكبرى ٣٠٦/٨.
(٥) أخرجه النسائي ٣٢٦/٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٠٥/٨.
(٦) السنن الكبرى للبيهقي ٣٠٦/٨.
(٧) أخرجه الدارقطني ٢٦١/٤، رقم ٧٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٠٦/٨.
٢٦

وقد أشار الشافعي - رحمه الله - إلى تضعيف الرواية السابقة عن
علي وعمر في جلدهما اللذين شربا من أدواتهما؛ لأنه أعاد الحديثين
ههنا، فقال أبو إسحاق: ((رويتموه(١) عن رجل مجهول عندكم، لا
تکون روایته حجة)).
قال البخاري(٢) - رحمه الله -: ((سعيد بن ذي لعوة عن عمر في
النبيذ يخالف الناس في حديثه لا يعرف)) (٣). وقال بعضهم: ((سعيد بن
ذي حدان وهو وهم)»(٤).
والأحاديث التي لنا، واحتججنا بها أحاديث قد أجمع أهل العلم
بالحديث على صحتها، والأحاديث التي رويت في الكسر بالماء عن
النبي وَّلله عن عمر - رضي الله عنه - أسانيدها غير قوية، فإجراء ما
روينا على ظاهرها، وحمل ما رووا على الأمر(٥) بالكسر بالماء إذا
خشي شدته قبل أن يشتد على تخفيف حموضته، أو حارته كما
حمله/ المتقدمون عليه أولى، وبالله التوفيق.
[نهاية ١/١٨١]
وروي عن سليمان التيمي: ((في شربة من نبيذ ما يخطر الرجل
بدينه))(٦). والله أعلم.
مسألة (٣٠٦):
وحد الشرب أربعون(٧). وقال أبو حنيفة - رحمه الله -:
(١) بدل في الأخريين: ((رويتموه)) بدل ((إسحاق)).
(٢) في (أ): ((إبراهيم)) بدل ((البخاري)).
(٣) التاريخ الكبير ٤٧١/٣، رقم الترجمة ١٥٦٩، والتاريخ الصغير ص ٥٢، رقم
الترجمة ١٣٢.
(٤) هذا بقية كلام البخاري في الكلام على سعيد بن ذي لعوة في التاريخ الصغير
ص ٥٢، رقم الترجمة ١٣٢.
(٥) ساقطة من الأخريين.
(٦) رواه الداقطني ٤/ ٢٦٤، رقم ٩٠.
(٧) الأم ٦/ ١٤٤، ومختصر المزني ص ٢٦٦، وروضة الطالبين ١٠/ ١٧١، و١٧٢.
٢٧

(ثمانون))(١).
وفي الصحيحين عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي وَ * أتي
برجل شرب الخمر، فضربه بجريدتين نحواً من أربعين، ثم صنع أبو
بكر مثل ذلك، فلما كان عمر - رضي الله عنه - استشار الناس فيه،
فقال له عبد الرحمن بن عوف: ((أخف الحدود ثمانون، ففعل))(٢).
قوله: ((فضربه بجريدتين نحواً من أربعين)) أراد به أن بهما صار
العدد أربعين، وبيان ذلك في الرواية الأخرى عند مسلم في الصحيح
عنه أن النبي و # كان يضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين، وأبو
بكر ضرب أربعين، فلما ولي عمر، سئل عن ذلك، فشاورهم، فقال
ابن عوف: ((أرى أن تضربه ثمانين))، فضربه ثمانين(٣). ولولا ذلك لما
كان بين ما نقله عن النبي وَل﴿، وأبي بكر وعمر، وبين ما أشار به
عبد الرحمن خلاف.
وروى البخاري في الصحيح عن السائب بن يزيد قال: ((كنا نؤتي
بالشارب في عهد رسول الله وَ*، وفي إمرة أبي بكر، وصدراً من إمرة
عمر - رضي الله عنهما - فجلد أربعين حتى إذا عتوا فيه، وفسقوا جلد
ثمانين))(٤).
وعند مسلم عن حصين قال: ((حضرت عثمان، وأتي بالوليد بن
عقبة، قد شرب الخمر، فقال عثمان لعلي: أقم عليه الحد، وأمر علي
(١) المبسوط ٣/٢٤، و٧، وشرح مشكل الآثار ١٥٢/٣، و١٥٣، وتحفة الفقهاء
٥٦٠/٣.
(٢) البخاري ك/ الحدود، ب/ الضرب بالجريد والنعال ٢٤٨٨/٦، رقم ٦٣٩٤،
ومسلم ك/ الحدود، ب/ حد الخمر ١٣٣٠/٣، رقم ١٧٠٦ (٣٥)، وهذا لفظ
مسلم .
(٣) مسلم ك/ الحدود، ب/ حد الخمر ١٣٣١/٣، رقم (٣٦).
(٤) البخاري ك/ الحدود، ب/ الضرب بالجريد والنعال ٢٤٨٨/٦، رقم ٦٣٩٧.
٢٨

عبد الله بن جعفر ذا الجناحين أن يجلده، فأخذ في جلده، وعلي
يعد، حتى بلغ جلد أربعين، ثم قال له: امسك، جلد رسول الله وَله
أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة، وهذا
أحب إلي))(١).
وعنده في رواية ببعض معناه عنه، وقال فيه: ((ضرب
رسول الله ◌َ﴿ وأبو بكر وعمر صدراً من خلافته أربعين، ثم أتمها عمر
ثمانين، وكل سنة))(٢).
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن الشُّرَّاب كانوا
يضربون على عهد رسول الله وَطيور يعني بالأيدي، والنعال، والعصي،
قالوا: ((وكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منه في عهد النبي وَلخير، فقال
أبو بكر - رضي الله عنه -: لو فرضنا لهم حداً فتوخى نحواً مما كانوا
يضربون في عهد رسول الله وَّر فكان يجلدهم أربعين حتى توفي، ثم
كان عمر - رضي الله عنه - من بعده، فجلدهم كذلك أربعين، حتى
أتي برجل))، فذكر قصة، ثم قال: ((قال عمر: فما ذا ترون؟ قال
علي بن أبي طالب: إنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى
افترى، وعلى المفتري ثمانون جلدة، فأمر عمر - رضي الله عنه -
فجلد ثمانين))(٣) .
(١) مسلم الحدود، ب/ حد الخمر، العام ١٧٠٧، والخاص ٣٨، وبان فيه
الاختلاف بين هذه الرواية، وما هو موجود في الصحيح ١٣٣٢/١٣٣١/٣.
(٢) هذه الرواية عند البخاري ك/ الحدود، ب/ الضرب بالجريد والنعال ٢٤٨٨/٦
- ٢٤٨٩، رقم ٦٣٩٧، قريبة من هذه الرواية، وفي مسلم ١٣٣٢/٣.
(٣) رواه مالك في الموطأ ص ٦٠٧، رقم ١٥٣١ (رواية يحيى الليثي)، والطحاوي في
شرح معاني الآثار ٨٨/٢، والدارقطني ١٦٦/٣، والحاكم في المستدرك ٣٧٥/٤،
وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٢٠/٨، وينظر تحفة
الأشراف ١١٨/٥ - ١١٩، ومعرفة السنن والآثار للبيهقي ٤٩/١٣، رقم ١٧٤١٩،
و١٧٤٢٣، وقال الألباني في إرواء الغليل ٤٦/٨، رقم ٢٣٧٨: ((ضعيف)).
٢٩

وفي الصحيحين عن علي - رضي الله عنه - قال: ((ما من
صاحب حد أقيم عليه، فأجد في نفسي عليه شيئاً (١) إلا صاحب الخمر
لو مات لوديته؛ لأن رسول الله مَ ﴿ لم يسنه)»(٢).
وإنما أراد لم يسن ما وراء الأربعين إلى الثمانين، وهو ما زادوا
على حده على وجه التعزير، فأما الأربعون بالجريد والنعال وأطراف
الثياب فهو حد ثابت عن النبي و# ثم عن أبي بكر، ثم عن عمر،
وإنما أرادوا الزيادة على الأربعين على وجه التعزير، وحد ثبت في
عهد رسول الله وَ ﴿، ثم في عهد أبي بكر، رضي الله عنه، وتوخيه في
ذلك، فعل رسول الله وَل﴿ لا يتغير بما رواه من الزيادة عليه على وجه
التعزير(٣)، وبالله التوفيق، وهو أعلم بالصواب.
مسألة (٣٠٧):
ومن تطلع من صير باب، فرمى صاحب الدار بما يدفع بصره،
فأعمي عينه كان هدراً(٤). وقال العراقيون: ((يكون على صاحب الدار
ضمان عينه)»(٥).
و(٦) في الصحيحين عن سهل بن سعد الساعدي - رضي الله
عنه - اطلع رجل من (٧) جحر في حجرة رسول الله وَل *- ومعه
(١) زيادة من النص عند مسلم، وفيها أوله: ((ما كنت لأقيم حداً على أحد
فيموت ...
(٢) البخاري ك/ الحدود، ب/ الضرب بالجريد ... ٢٤٨٨/٦، رقم ٦٣٩٦،
ومسلم ك/ الحدود، ب/ حد الخمر ١٣٣٢/٣، رقم ١٧٠٧.
(٣) معرفة السنن والآثار ٤٨/١٣ - ٥٧.
(٤) الأم ٣٢/٦، ومغني المحتاج ١٩٧/٤، وحاشيتا القليوبي وعميرة ٢٠٨/٤/٢.
(٥) مجمع الضمانات ص ١٦٩، وذكره ابن أبي شيبة في المصنف ٢٩٨/٧.
(٦) ليست في الأخريين.
(٧) من الأخريين.
٣٠

مِذْرى(١) يحك بها رأسه، فقال: ((إني (٢) لو أعلم أنك تنظر لطعنت
به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل النظر))، كذا في
الصحيحين، أو بمعناه(٣).
وعند مسلم أيضاً عن أنس - رضي الله عنه - أن رجلاً اطلع من
بعض حجر رسول الله وَلهر، فقام إليه (٤) بمشقص، أو بمشاقص/ قال: [نهاية ١٨١/ب]
(«فكأني انظر إلى رسول الله وَالر أخباه(٥)؛ ليطعنه))(٦).
وعندهما أيضاً في الصحيح، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -
يبلغ به النبي 18ّ قال: ((لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن، فخذفته
بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك جناح))(٧).
وعند مسلم عنه عن رسول الله وَ الر قال: ((من اطلع في بيت قوم
بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤا عينه)»(٨) .
وروى بإسناد صحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن
النبي ◌َّم قال: ((من اطلع على قوم بغير إذنهم، فرموه، وأصابوا(٩)
(١) المدري: المشط، معجم مقاييس اللغة مادة دري ٢٧٢/٢، ولسان العرب مادة
(دری)) ١٤/ ٢٥٥، وترتيب القاموس المحيط مادة دري ٢/ ١٧٧.
(٢) وصحتها في الأخريين: (لو أني أعلم)).
(٣) البخاري ك/ الاستئذان، ب/ الاستئذان من أجل البصر ٢٣٠٤/٥، رقم
٥٨٨٧، واللفظ له، ومسلم ك/ الآداب، ب/ تحريم النظر في بيت غيره ٣/
١٦٩٨، والعام ٢١٥٦، والخاص ٤١/٤.
(٤) في (ب): ((فقال)).
(٥) ليست في الأخريين.
(٦) البخاري ك/ الاستئذان، ٢٣٠٤/٥، رقم ٥٨٨٨ مع اختلاف بسيط، ومسلم
ك/ الأداب، ب/ تحريم النظر في بيت غيره ١٦٩٩/٣، رقم ٢١٥٧.
(٧) البخاري ك/ الديات، ب/ من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه ... ٦/ ٢٥٣٠.
(٨) مسلم ك/ الآداب، ب/ تحريم النظر ١٦٩٩/٣، الرقم ٢١٥٨، والخاص ٤٣.
(٩) في الأخريين: ((وأصيبت)).
٣١

عينه، فلا دية له، ولا قصاص))(١).
وروى ابن المنذر عن عمر من اطلع على جاره فأصابته جراحة
فلا شيء عليه(٢)، والله أعلم (٣).
مسألة (٣٠٨):
وإذا عزر السلطان إنساناً، فتلف من التعزير ضمنه الإمام، إما في
مال نفسه أو (٤) في بيت المال على اختلاف القولين فيه(٥). وقال أبو
حنيفة - رحمه الله -: ((لا ضمان عليه))(٦).
في الصحيحين قول علي(٧) - رضي الله عنه -: ((ما من رجل
أقمت عليه حداً، فمات فأجد في نفسي إلا الخمر، فإنه إن مات
وديته؛ إن رسول الله ◌َ﴿ لم يسنه))(٨)، (وإنما أراد - والله أعلم - أن
رسول الله ﴿ لم يسنه)(٩) زيادة على الأربعين، أو لم يسنه بالسياط،
وقد سنه بالنعال وأطراف الثياب مقدار أربعين(١٠)، والله أعلم.
وقد روى الشافعي - رحمه الله - عن إبراهيم بن محمد عن
علي بن يحيى عن الحسن أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -
قال: ((ما أحد يموت في حد من الحدود(١١)، فأجد في نفسي منه
(١) رواه النسائي ٢٤٧/٤، رقم ٧٠٦٥، وفي المجتبى ٦١/٨، رقم ٤٨٦٠،
واللفظ له، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٣٨/٨، وينظر تحفة الأشراف ٩٣/١.
(٢) في (ب): ((المنكدر).
(٣) ذكره في معرفة السنن والآثار ٩١/١٣، رقم ١٧٥٦٨.
(٤) في الأخريين: ((وأما)).
(٥) مختصر المزني ص ٢٦٦، وروضة الطالبين ١٠/ ١٧٧.
(٦) تبيين الحقائق ٢١١/٣، وفتح القدير ٣٥٢/٥، والبحر الرائق ٤٨/٥.
(٧) في (ب): وهو خطأ.
(٨) سبق تخريجه.
(٩) ساقطة من (أ).
(١٠) معرفة السنن والآثار ٥٦/١٣.
(١١) في (ب): ((حدود الله).
٣٢

شيئاً إلا الذي يموت في حد الخمر، فإنه شيء أحدثناه بعد النبي لاَيفتر،
فمن مات منه (١)، وديته إما قال: ((في بيت المال))، وإما قال: ((على
عاقلة الإمام)) أشك - يعني الشافعي، وإنما أراد - والله أعلم - ((إذا مات
فيما أحدثوه من الزيادة على الأربعين على وجه التعزير))(٢).
قال الشافعي - رحمه الله -: ((وبلغنا أن عمر - رضي الله عنه -
أرسل إلى امرأة، ففزعت، فأجهزت ذا بطنها، فاستشار علياً، فأشار
عليه أن يديه))(٣). قال الشافعي - رحمه الله -: ((وقد كان لعمر -
رضي الله عنه - أن يبعث، وللإمام أن يحد في الخمر عند العامة، فلما
كان في البعثة تلف على المبعوث إليها، أو على ذي بطنها، فقال علي
- رضي الله عنه -: ((إن عليه(٤) مع ذلك الدية كان الذي يراهم، ذهبوا
إليه أنه وإن كانت له الرسالة فعليه أن لا يتلف به أحد، فإن تلف
ضمن، وكان المأثم - إن شاء الله تعالى - مرفوعاً))(٥) .
مسألة (٣٠٩)(*):
الختان واجب(٦). وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((سنة))(٧).
دليلنا ما اتفقنا على صحته عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:
(قال رسول الله رَلفر: اختتن إبراهيم النبي(٨) - عليه السلام - وهو ابن
(١) ساقطة من (أ).
(٢) الأم ٨٧/٦، و ١٧٣، والسنن الكبرى للبيهقي ٣٢٢/٨.
(٣) الأم ٦ / ٨٧.
(٤) ساقطة من (ب).
(٥) الأم ٨٧/٦، ومعرفة السنن والآثار ٥٩/١٣ - ٦٠.
(*) هذه المسألة سقطت بكاملها من نسخة (أ)، وينظر في بعضها تحفة الودود في أحكام
المولود ص ١٦٢، وقوانين الأحكام الشرعية لابن جزي المالكي ١٨٩ - ١٩٠.
(٦) المهذب ٢١/٢، وروضة الطالبين ١٨٠/١٠، ومغني المحتاج ٢٠٣/٤.
(٧) رؤوس المسائل للزمخشري ص ٥٠٤، والفتوى الهندية ٣٥٦/٥ - ٣٥٧،
والفتاوى الخانية مع الهندية ٤٠٩/٣.
(٨) زيادة من (ب).
٣٣

ثمانين سنة بالقدوم))(١).
وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ أَتَبِعْ مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ
خِيفاً﴾(٢) والأمر على الوجوب بظاهره.
وروى ابن عدي - بسنده - عن ابن جريج قال: ((أخبرت عن
عُثيم (٣) بن كليب عن أبيه عن جده أنه جاء إلى النبي وي لتر فأسلم، فقال
النبي : ألق عنك شعر الكفر واختتن))(٤). قال ابن عدي: ((هذا
الذي قاله ابن جريج إنما حدثه إبراهيم بن يحيى، فكنى عن اسمه))(٥).
وعن(٦) أبي داود عن أم عطية الأنصارية أن امرأة كانت تختن
بالمدينة، فقال النبي ◌َّ ه: ((لا تنهكي؛ فإن ذلك أحظى للمرأة، وأحب
للبعل))(٧).
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ((لا تقبل صلاة
(١) البخاري ك/ الأنبياء، ب/ قول الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ ٣/
١٢٢٤، رقم ٣١٧٨، ومسلم / ك الفضائل، ب/ فضائل إبراهيم ◌َير ٤/
١٨٣٩، رقم ٢٣٧٠.
(٢) سورة النحل: من الآية ١٢٣.
(٣) في (ب): ((غنيم))، والصواب (عثيم))، ينظر تهذيب الكمال ٥١٣/١٩.
(٤) الكامل لابن عدي ٢٢٢/١، ورواه أبو داود ٩٨/١، رقم ٣٥٦، وعون المعبود
٢١/٢، وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود ٢١٨/١، رقم ٣٣٣ ((كليب
بصري، روى عن أبيه مرسل، وفيه أيضاً رواية مجهول))، ورواه البيهقي في
السنن الكبرى ٣٢٣/٨، و٣٢٤.
(٥) الكامل لابن عدي ٢٢٢/١.
(٦) في (ب): ((عند)).
(٧) رواه أبو داود في سننه مع اختلاف في اللفظ ٣٦٨/٤، رقم ٥٢٧١، وقال:
((محمد بن حسان مجهول، وهذا الحديث ضعيف))، والبيهقي في السنن الكبرى
٨/ ٣٢٤، وينظر تحفة الأشراف ٥٠١/١٢ - ٥٠٢، ومعرفة السنن والآثار ١٣/
٦٢ - ٦٣، وفيه: ((اخفضي، ولا تنهكي، فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند
الزوج)»، وقال ابن التركماني: ((في سنده ابن أبي يحيى، وحاله معروف، يريد
أنه ضعيف)).
٣٤

رجل لم يختتن))(١)، وهذا يدل على أنه كان يوجبه.
وروي عن أبي برزة - رضي الله عنه - مرفوعاً في الأقلف يحج
بيت الله، قال: ((لا، حتى يختتن))(٢).
استدلوا بما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:
((الختان سنة للرجل، ومكرمة(٣) للنساء))(٤)، وإنما أراد به شيئاً سنه
رسول الله مَ﴾، وأمر به، فيكون واجباً بدليل ما مضى. وقد روي هذا
مرفوعاً، ولا يصح رفعه. وروي عن الحجاج بن أرطأة من حديث
أسامة، وأبي أيوب مرفوعاً، والحجاج، لا يحتج به(٥)، والله أعلم.
مسألة (٣١٠)(*):
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٣٢٥/٨.
(٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٣٢٤/٨.
(٣) في (ب): ((تكرمه)).
(٤) رواه أحمد في مسنده مرفوعاً ٧٥/٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٢٥/٨،
ومعرفة السنن والآثار ٦٣/١٣، وقال: ((ولا يثبت رفعه))، وينظر تحفة الودود
بأحكام المولود ص ١٨٦.
(٥) السنن الكبرى للبيهقي ٣٢٥/٨، ومعرفة السنن والآثار ٦٣/١٣.
(*) ضمان البهائم:
اختلف العلماء في ضمان البهائم، وفي نوع ما تضمنه، وفي صحيفة همام ص
٦٧٩، رقم ١٣٨: قال عياض (أجمع العلماء على أن جناية البهائم بالنهار لا
ضمان فيها إذا لم يكن معها أحد، فإن كان معها راكب أو سائق أو قائد
فالجمهور على ضمان ما أتلفته)): قلت: فمنهم من قال: يضمن صاحبها ما
أتلفته من الزرع. ومنهم من قال: تضمن ما أتلفته من الزرع وغيره برجلها،
ومعها راكب. ومنهم من قال: تضمن كل ما أتلفته، وهو موضوع البحث(١).
فمذاهب العلماء هي:
الأول: أن ما أفسدت البهائم بالليل ضمنه أهلها، وهذا قول المالكية، ووجه=
(١) روضة الطالبين ١٩٦/١٠، والمغني ١٢/ ٤٥١.
٣٥

عند الشافعية، وأحد القولين عند أحمد (١).
=
الثاني: أنها لا تضمن مطلقاً، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عند أحمد(٢).
الثالث: أنها تضمن في حالات معينة مقدرة: منها ما أفسدته وعليها راكب.
ومنها ما أفسدته من الزرع. ومنها جناية الدابة، فهده المسائل الثلاث فيها
اختلاف تفصيلي بين العلماء، رحمهم الله، فمذهب أبي حنيفة، والشافعي أن
جناية الدابة يضمنها راكبها، أو سائقها، ومذهب مالك أنه لا يضمن(٣). وأما
الزرع فمذهب مالك والشافعي وأحمد أن صاحبها يضمن ما أتلفته من الزرع
ليلاً، ومذهب أبي حنيفة عدم الضمان، وهي التي ذكرها المصنف. أما إذا
وطئت برجلها، ولم يكن معها راكب فمذهب أبي حنيفة وأحمد أنه لا ضمان
عليها، ومذهب الشافعي ورواية عن أحمد أنه يضمن(٤).
الأدلة :
١ - استدل القائلون بالضمان في الجملة بحديث البراء المذكور، ولأن التفريط
في تلك الصور متحقق، ولقوله تعالى: ﴿إذ نفشت فيه غنم القوم﴾(٥)، والنفش
لا يكون إلا بالليل، وهذا شرع من قبلنا، وقد جاء في شرعنا ما يؤيده،
وحديث النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله وَلجر: ((من وقف دابة في سبيل
من سبل المسلمين، أو في سوق من أسواقهم، فأوطأت بيد، أو برجل، فهو
ضامن)»(٦).
٢ - واستدل القائلون بعدم الضمان في الجملة بالحديث المتفق عليه ((العجماء
جرحها جبار))، ولم يفرق، وترك البيان وقت الحاجة لا يجوز، فدل على
عمومه، وبما رواه أبو داود عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله وَليهم
قال: ((الرجل جبار))(٧)، قال أبو داود: ((الدابة تضرب برجلها، وهو راكب))، =
٠٠
(١) مغني المحتاج ٤٠٦/٤، وبداية المجتهد ٣٢٣/٢، والفروق للقرافي ١٨٦/٤.
(٢)
شرح معاني الآثار ٢٠٣/٣، والروض المربع ٤١٩/٥.
فتح الباري ٢٥٨/١٢، ومعرفة السنن والآثار ٩٦/١٣، وشرح النووي على مسلم ٢٢٥/١١.
(٣)
تحفة الأحوذي ٢٤٢/٣، وشرح أصول الأحكام لابن قاسم ٣٠٨/٣.
(٤)
سورة النساء: من آية ٧٨.
(٥)
رواه الدارقطني ١٧٩/٣، والبيهقي في السنن والآثار ٣٤٤/٨، وقال: ((أبو جزي والسري
(٦)
ضعيفان».
(٧) رواه أبو داود ١٩٦/٤، رقم ٤٥٩٢، والدارقطني ١٥٢/٣، والطبراني في الصغير ٢٦٢/١،
وابن عدي في الكامل ١٢٥١/٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٣٤٣/٨.
٣٦

وما أفسدت البهائم من الزرع بالليل ضمنه أهلها، وما أفسدت
بالنهار، ولم يكن معها صاحبها فهدر(١)/. وقال أبو حنيفة - رحمه الله [نهاية ١/١٨٢]
-: ((لا ضمان على صاحبها))(٢).
دليلنا من طريق الخبر ما روى أبو داود عن البراء - رضي الله
عنه - قال: ((كانت له ناقة ضارية، فأفسدت))(٣).
قال البيهقي - رحمه الله -: ((فذكر بنحو مما سبق، وقيل ذلك ما
معناه: أن رسول الله ◌َ﴿ قضى على أهل الحوائط حفظها بالنهار،
وعلى أهل الماشية ما أفسدت ماشيتهم بالليل».
وروى قتادة عن الشعبي أن شريحاً رفعت إليه شاة أصابت غزلاً،
فقال: ((إن کان بلیل فقد ضمنته، وإن کان بنهار فلا ضمان علیکم))،
وهذا يشمل الليل والنهار، وروى زيد - رضي الله عنه ((أن رسول الله# قضى
=
في الدابة تنقح برجلها أنه جبار))(١).
المناقشة :
هذه المسألة ابتلى الناس بحوادثها في زماننا هذا، وبخاصة الإبل في الطرق
الطويلة .
والراجح : - والله أعلم - أن من فرط في إرسال الدابة ليلاً يضمن؛ لأن
الأحاديث مخصصة لما في الصحيحين. وأما إن كان نهاراً فلا ضمان لإجماع
العلماء الذي ذكره القاضي عياض، رحمه الله، كما سبق في الصفحة السابقة.
(١) مختصر المزني ص ٢٦٨، وروضة الطالبين ١٩٥/١٠، وفتح العزيز شرح
الوجيز ٢٤٦/١١.
(٢) شرح معاني الآثار ٢٠٣/٣، والفتاوى الخانية بهامش الهندية ٢٤٩/٣.
(٣) أبو داود ٢٩٨/٣، رقم ٣٥٦٩، و٣٥٧٠، والنسائي في السنن الكبرى ٣/
١٤٤، رقم ٥٧٨٤ - ٥٧٨٧، وابن ماجه ٢/ ٧٨١، ورواه الشافعي في مختصر
المزني ص ٢٦٨، ومسنده ١٠٧/٢، ومالك في الموطأ ٥٧٣/٢، والدارقطني
١٥٤/٣، والبيهقي في معرفة السنن والآثار ٩٤/١٣، رقم ١٧٥٧٥، ٢١٦، و
٢١٧.
(١) جامع الأصول لابن الأثير ٢٦٥/١٠، وينظر مصنف ابن أبي شبة ٩/ ٢٧٠.
٣٧

وقال: ((النفش بالليل، والهمل بالنهار))(١).
استدلوا بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله الخولى
قال: ((جرح العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز
الخمس))، اتفقا على صحته(٢)، قالوا: ((فهذا يدل على أن حديث
البراء صار منسوخاً)).
قال الشافعي - رحمه الله -: ((فأخذنا به - يعني بحديث البراء
أيضاً - لثبوته واتصاله، ومعرفة رجاله، ولا يخالف هذا الحديث
حديث(٣) (العجماء جرحها جبار)، ولكن ((العجماء جرحها جبار» جملة
من الكلام العام المخرج الذي يراد به الخاص، فلما قال
رسول الله وَل: (العجماء جرحها جبار)، وقضى فيما أفسدت العجماء
بشيء في حال دون حال دل ذلك على أن ما أصابت العجماء من
جرح وغيره في حال جبار، وفي حال غير جبار))(٤)، والله أعلم.
مسألة (٣١١):
ولو وطئت دابته، وهو راكبها إنساناً برجلها كان عليه ضمانه؛
لأن عليه منعها في تلك(٥) الحال من كل ما يتلف به أحداً (٦)، احتج
(١) معرفة السنن والآثار ٩٦/١٣، رقم ١٧٥٨٣،
(٢) البخاري ك/ الزكاة، ب/ في الركاز الخمس ٥٤٥/٢، رقم ٢٤٢٨، ومسلم
ك/ الحدود، ب/ جرح العجماء جبار ١٣٣٤/٣، رقم ١٧١٠.
(٣) ساقطة من الأخريين.
(٤) معرفة السنن والآثار ٩٧/١٣، والطرق الحكمية ص ٢٨٣، وأعلام الموقعين
٢٥/٢، وكشاف القناع ١٣٩/٤، والفروق للقرافي ١٨٦/٤، وصحيفة همام
ص ٦٧٩.
(٥) ساقطة من الأخريين.
(٦) مختصر المزني ص ٢٦٨، و ٢٦٩، وروضة الطالبين ١٩٧/١٠، و١٩٨،
وحاشيتا قليوبي وعميرة ٢١١/٤/٢، و٢١٢.
٣٨

الشافعي - رحمه الله - في ذلك بحديث البراء - رضي الله عنه - وقد
سبق(١). وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((لا ضمان عليه))(٢).
واستدل بما لا يثبته أهل العلم بالحديث، وهو ما روى
سفيان بن حسين(٣) عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة -
رضي الله عنه - مرفوعاً: ((الرجل جبار))(٤)، فذكر الشافعي - رحمه الله
- أنه غلط؛ لأن الحفاظ لم يحفظوا هكذا(٥)، والله أعلم.
قال الدارقطني: ((لم يتابع سفيان بن حسين على قوله: ((الرجل
جبار))، وهو وهم؛ لأن الثقات خالفوه، ولم يذكروا ذلك، وكذلك
رواه أبو صالح السمان، وعبد الرحمن الأعرج، ومحمد بن سيرين،
ومحمد بن زياد، وغيرهم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - لم يذكروا
فیه: والرجل جبار))(٦).
وهو المحفوظ عن أبي هريرة ما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح
من حديث الليث عن الزهري عن أبي سلمة، وابن المسيب عن أبي هريرة -
رضي الله عنه - عن رسول الله وَ لفي أنه قال: ((العجماء جرحها (٧) جبار))(٨)
(١) سبق تخريجه.
(٢) المبسوط ٢/٢٧، والأصل ٣/٤، وفتح القدير ٢٥٧/٩، و٢٥٨، ومجمع
الأنهر ٦٥٩/٢، و ٦٦٠.
(٣) في (أ): ((حسين، حسين))، مكررة.
(٤) أبو داود ١٩٦/٤، رقم ٤٥٩٢، والدارقطني ١٥٢/٣، و١٧٩، رقم ٢٠٨،
و٢٨١، و٢٨٣، وقال البيهقي في معرفة السنن والآثار ٩٧/١٣: ((فهو غلط -
والله أعلم - لأن الحفاظ لم يحفظوا هكذا)).
(٥) مختصر المزني ص ٢٦٩.
(٦) الدارقطني ١٧٩/٣.
(٧) ساقطة من الأخريين.
(٨) البخاري ك/ الديات، ب/ المعدن جبار، والبئر جبار ٢٥٣٣/٦، رقم ٦٥١٤،
ومسلم ك/ الحدود، ب/ جرح العجماء، والمعدن والبئر جبار ٣/ ١٣٣٤، والرقم
العام ١٧١٠، والخاص ٤٥، وسبق بلفظ آخر.
٣٩

(الحديث، ليس في ((الرجل جبار)))(١)، وهذا هو الصحيح.
كذلك رواه مالك الإمام(٢)، وابن جريج، ومعمر، وعقيل، وابن
عيينة، وغيرهم عن الزهري(٣).
وكذلك رواه يونس بن يزيد عن الزهري عن ابن المسيب،
وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة، رضي الله عنهم.
وكذلك رواه الزبيدي، وابن برقان عن الزهري عن أبي سلمة عن
أبي هريرة، رضي الله عنهم.
وكذلك رواه الأسود بن العلاء عن أبي سلمة، رضي الله عنهم.
فأما حديث سفيان بن حسين عن الزهري فإنه وهم، قال
الدارمي: ((سألت يحيى بن معين عن سفيان بن حسين فقال: ثقة،
وهو ضعيف الحديث عن الزهري)» (٤).
ورواه آدم بن أبي إياس عن شعبة عن محمد بن زياد، وفيه عن
أبي هريرة - رضي الله عنه - وزاد ((والرجل جبار))، ولم يتابع عليه،
وقد رواه غندر - وهو الحكم في حديث شعبة - ومعاذ العنبري،
ومسلم بن إبراهيم، وأبو عمرو، وغيرهم عن شعبة دون هذه الزيادة.
وكذلك رواه الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد قال الدارقطني:
((هو وهم لم يتابع عليه أحد عن شعبة، وروي(٥) عن سفيان عن ابن
أبي ليلى عن ابن قيس عن هذيل أن النبي (َ ﴿ قال: الرجل جبار))،
(١) ساقطة من الأخريين.
(٢) موطأ مالك ك/ العقول، ب/ جامع العقل ص ٦٢٦، رقم ١٥٨٣.
(٣) ينظر معرفة السنن والآثار ١٦٢/١٢، و٩٧/١٣.
(٤) تاريخ الدارمي ص ٤٥، رقم ١٩.
(٥) ساقطة من (ب).
٤٠