Indexed OCR Text

Pages 241-260

موافق لما روي عن عثمان(١)، رضي الله عنه.
قال الشافعي - رحمه الله -: أخبرنا مالك عن عبد الله بن أبي
بكر عن عبد الله بن عامر، قال: رأيت عثمان بن عفان - رضي الله
عنه - بالعرج(٢) في يوم صائف وهو محرم، وقد غطى وجهه بقطيفة
أرجوان، ثم أتي بلحم صيد، فقال لأصحابه: ((كلوا)»، قالوا: ألا تأكل
أنت؟ قال: ((إني لست كهيئتكم، إنما صيد من أجلي))(٣). والله أعلم.
مسألة (٦٦):
وإذا دل المحرم على صيد فقتله مُحِلٍّ، أو محرم فلا ضمان
على الدال(٤)، وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((إذا دله دلالة باطنة، أو
أعار سلاحاً لا يستغني عنه لزمه الضمان»(٥).
لهم حديث أشرس الذي تقدم، وكان يضع الحديث(٦). والله أعلم.
مسألة (٦٧):
وللصوم مدخل في ضمان صيد المحرم(٧). والله أعلم.
ينظر: التاريخ الكبير ٤٧/٨، رقم ٢١٠٣، وتاريخ الدارمي ص ٤١، وميزان
=
الاعتدال ١٥٦/٤.
(١) الدار قطني ١٩١/٢. وينظر الفتح الرباني ٢٤٥/١١ والمنتقى ٢٥٣/٢.
(٢) قال الحموي: هي قرية جامعة في واد من نواحي الطائف، وهي أول تهامة،
وبينها وبين المدينة ثمانية وسبعون ميلاً، وهي في بلاد هذيل.
ينظر: معجم البلدان ٤ / ٩٨ - ٩٩.
(٣) رواه مالك في الموطأ ٣٢٥/١، والشافعي في مسنده ٣٢٤/١، وللدارقطني
نحوه عنه رضي الله عنه: الدارقطني ٢٩١/٢، رقم ٢٤١.
(٤) مختصر المزني ٧١/٢، ونهاية المحتاج ٣٤٧/٣.
(٥) المبسوط ١٨٩/٤، وبدائع الصنائع ٣/ ١٢٧٠ - ١٢٧١، وفتح القدير ٣٤٥/٢،
واللباب ٢١١/١.
(٦) يراجع حديث: ((من أشار إلى حرام ... )) في هذا الكتاب.
(٧) الأم للشافعي ٢/ ١٨٥، ونهاية المحتاج ١٢٦٤/٣، والمبسوط ٨٤/٤، وينظر : =
٢٤١

مسألة (٦٨):
وشجر الحرم مضمون على المحل(١). وقال أبو حنيفة -
رحمه الله -: ((الشجر الذي ينبته الآدميون في العادة لا ضمان فيه
بحال، وكذلك ما ينبته الله في الحل فأدخله في (٢) الحرم
فأنبته))(٣).
روي عن عطاء في الرجل يقطع من الحرم قال: ((في القضيب(٤)
درهم، وفي الدوحة(٥) بقرة))(٦).
وروينا عن الحارث وحماد قالا: ((عليه قيمته))(٧).
وعن عبيد بن عمير (٨) أن عمر بن الخطاب كان يخطب بمنى
فرأى رجلاً على جبل يعضد شجراً، فدعاه فقال: أما علمت أن مكة
لا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها؟ قال: بلى، ولكن حملني على
ذلك بعير لي نضو(٩)، قال: فحمله على بعير، وقال له: ((لا تعد))،
ولم يجعل عليه شيئاً(١٠). والله أعلم.
معرفة السنن والآثار ٧/ ٤٢٢ - ٤٢٣، وشرح العمدة لابن تيمية ٣٢٣/٢،
=
تحقيق الدكتور صالح بن محمد الحسن.
(١) مغني المحتاج ١/ ٥٢٧ - ٥٢٨، وحواشي الشرواني وابن قاسم ١٨٩/٤.
(٢) زيادة من (ب).
(٣) بدائع الصنائع ١٢٨٤/٣، وحاشية ابن عابدين ٢ /٥٦٩.
(٤) القضيب: هو العود: تفسير غريب الحديث ص ١٩٩.
(٥) الدوحة: الشجرة الكبيرة، ينظر: تفسير غريب الحديث لابن حجر ص ٩٣.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٤/أ - ٢٧٦، رقم ١٨١٧.
(٧) السنن الكبرى للبيهقي ١٩٦/٥، ومعرفة السنن والآثار ٧/ ٤٣٥ - ٤٣٦.
(٨) عبيد بن عمير الهادلي، شيخ لأحمد بن عبدة، مجهول.
ينظر: المغني في الضعفاء ١/ ٥٩٥.
(٩) نضو: أي هزيل، المغرب ص ٤٥٥.
(١٠) لا يوجد تفسير في الأصل.
٢٤٢

مسألة (٦٩):
ويجوز الرعي في الحرم(١). وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((لا
يجوز))(٢). والله تعالى أعلم(٣).
مسألة (٧٠):
والجماعة إذا اشتركوا(٤) في قتل صيده(٥) فعليهم جزاء واحد (٦).
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((على كل واحد منهم(٧) جزاء
كامل)»(٨).
قال الشافعي - رحمه الله -: ((أخبرنا(٩) مالك عن عبد الملك بن
قرير عن ابن سيرين أن عمر (١٠) - رضي الله عنه - قضى هو ورجل
آخر من أصحاب النبي - 18 ـ قال مالك: هو عبد الرحمن بن عوف،
رضي الله عنه - على رجلين أوطيا / ظبياً فقتلاه بشاة))(١١).
[نهاية ١٠٧/أ]
(١) المهذب ٢٢٦/١، ومغني المحتاج ١٢٥/١، وحواشي الشرواني وابن قاسم ١٩٠/٤.
(٢) المبسوط ٤/ ١٠٣ - ١٠٤، وحاشية ابن عابدين ٢ /٥٦٩.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي ٢٠١/٥، ومعرفة السنن والآثار ٤٤٥/٧.
(٤) في الأخريين: ((اجتمعوا).
(٥) ((صيده) الضمير يعود إلى الحرم.
(٦) مختصر المزني ٧٢، ونهاية المحتاج ٣٥١/٣.
(٧) ساقطة في (أ).
(٨) المبسوط ٨٠/٤، وبدائع الصنائع ١٢٨٠/٣، وحاشية ابن عابدين ٥٧٨/٢،
واللباب ٢١٧/١، وقال: ((وإذا اشترك الحلالان في قتل صيد الحرم فعليهما
جزاء واحد».
(٩) في الأخريين: ((حدثنا)).
(١٠) ساقطة في (أ).
(١١) رواه الشافعي في مسنده ٣٣٤/١، وفي الأم ١٩٢/٢. ورواه عبد الرزاق ٤/
٤٠٨، رقم ٨٢٤١، والبيهقي في السنن الكبرى ٨٥/٨، واللفظ له. وينظر:
موطأ مالك ص ٤١٤، والموطأ مع تنوير الحوالك ١/ ٣٦٧.
وقال ابن التركماني في الجوهر النقي بذيل السنن الكبرى ٢٠٣/٥: «هذا الأثر
منقطع، ابن سيرين لم يدرك عمرا.
٢٤٣

وروي عن مجاهد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوم
أصابوا ضبعاً قال: ((عليهم كبش يتخارجونه بينهم)) (١) .
وقال الشافعي - رحمه الله -: ((أخبرني الثقة عن حماد بن سلمة
عن زياد مولى بني مخزوم - وكان ثقة -: ((أن قوماً أصابوا صيداً، فقال
لهم ابن عمر - رضي الله عنهما -: ((عليكم جزاء)»، قالوا: ((على كل
واحد منا أو علينا كلنا جزاء واحد؟ فقال ابن عمر - رضي الله
عنهما -: ((إنه لمعوز بكم(٢)، بل كلكم جزاء واحد))(٣). والله أعلم.
مسألة (٧١):
وما لا يؤكل فلا جزاء عليه على من قتله في إحرام أو حرم(٤).
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((في الأسد، والفهد، والنمر، وسباع
الطير الجزاء)»(٥) .
في الصحيحين عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن
رسول الله - ◌َل ـ قال: ((خمس من الدواب ليس على المحرم في
قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب
العقور))(٦).
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٢٠٤/٥، وينظر: الفتح الرباني ٢٦٠/١١،
وشرح العمدة لابن تيمية ٣١٤/٢.
(٢) أي: لمعدمكم، والعوز العدم. ينظر: تفسير غريب الحديث لابن حجر ص
١٧٤.
(٣) مسند الشافعي ٣٣٤/١، وفي أوله: ((إن قوماً حرماً ... )).
(٤) الأم للشافعي ١٩٤/٢، ومغني المحتاج ٥٢٤/١، وحاشيتا قليوبي وعميرة ٨/
١٣٧.
(٥) المبسوط ٤ / ٩٠ - ٩٢، وبدائع الفوائد ٣/ ١٢٥٦ - ١٢٥٧، وحاشية ابن عابدين
٢/ ٥٦٢.
(٦) البخاري ك/ الحج، ب/ ما يقتل الحرم من الدواب ٣٦/٣، رقم ٤٠١، ولم
يعدهن فيه، وإنما عدهن في حديث حفصة بعده، رقم ٤٠٣. ثم رواه البخاري =
٢٤٤

ورواه الليث، وأيوب عن نافع، وزاد فيه: ((قال نافع: والحية لا
یختلف فيها))(١).
وأخرجاه في الصحيحين من حديث عائشة - رضي الله عنها -
قالت: قال رسول الله - رَله -: ((خمس من الدواب كلها فاسق، يقتلن
في الحرم: الغراب، والحدأة، والكلب العقور، والعقرب، والفأرة» -
أخرجه من حديث عروة (٢).
وأخرجه مسلم من حديث ابن المسيب عنها، وقال فيه:
((الحية))، بدل العقرب(٣)، ومن حديث القاسم عنها: ((أربع فواسق))،
فلم يذكر الحية، ولا العقرب(٤).
ورواه أبو صالح(٥) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن
بلفظ آخر في ك/ بدء الخلق، ب/ قوله تعالى: ﴿وبث فيها من كل دابة﴾ /
=
٢٥٧/٤، رقم ١٠٥. ومسلم ك/ الحج، ب/ ما يندب للمحرم وغيره قتله من
الدواب في الحل والحرم ٢/ ٨٥٧، رقم ١١٩٩.
(١) ينظر: الأم ١٨٢/٢.
(٢) البخاري ك/ الحج، ب/ ما يقتل المحرم من الدواب ٣٧/٣، رقم ٤٠٤،
ومسلم ك/ الحج، ب/ ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل
والحرم ٢/ ٨٥٦- ٨٥٧، رقم ٦٦/١١٩٨، و٧١.
(٣) مسلم ٨٥٦/٢، رقم ٦٧.
(٤) مسلم ٨٥٦/٢، رقم ٦٦.
(٥) هو أبو صالح السمان، الزيات، ذكوان بن عبد الله، مولى أم المؤمنين جويرية
الغطفانية، كان من كبار العلماء بالمدينة. ولد في خلافة عمر. سمع من
سعد بن أبي وقاص، وعائشة، وأبي هريرة، وابن عباس، وغيرهم. وحدث
عنه ابنه سهيل بن أبي صالح، والأعمش، والزهري، وغيرهم. ذكره الإمام
أحمد فقال: ثقة. وقال أبو حاتم: ثقة صالح الحديث يحتج بحديثه. وقيل: إن
أبا هريرة كان إذا رأى أبا صالح قال: ما على هذا أن يكون من بني عبد
مناف. توفي سنة ١٠١ هـ.
طبقات ابن سعد ٣٠١/٥، والتاريخ الكبير ٢٦٠/٣، وتهذيب التهذيب ٢١٩/٣.
٢٤٥

النبي - 4 1 - فذكر الحية بدل الغراب(١).
وروى أبو داود عن ابن حنبل: أخبر هشيم: أخبرنا يزيد بن أبي
زياد: حدثنا عبد الرحمن بن أبي نعيم البجلي(٢) عن أبي سعيد
الخدري - رضي الله عنه - أن النبي - وَالو - سئل عما يقتل المحرم،
قال: ((الحية، والعقرب، والفويسقة، ويرمي الغراب، ولا يقتله،
والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي)) (٣). والله أعلم.
مسألة (٧٢):
وقتل صيد المدينة، وقطع شجرها محرم(٤). وقال أبو حنيفة -
رحمه الله -: ((لا يحرم))(٥) .
(١) رواه أبو داود ك/ الحج، ب/ ما يقتل المحرم من الدواب ١٧٠/٢، رقم
١٨٤٧.
(٢) هو الإمام الحجة القدوة الرباني أبو الحكم عبد الرحمن بن أبي نُعيم البجلي،
الكوفي، حدث عن المغيرة بن شعبة، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري،
وليس بالمكثر. وروى عنه ابنه الحكم، وعمارة بن القعقاع، وفضيل بن
غزوان، وسعد بن مسروق، وطائفة.
مات بعد المائة.
ينظر: طبقات ابن سعد ٢٩٨/٦، والجرح والتعديل ٢٩٥/٢، وحلية الأولياء
٦٩/٥، وسير أعلام النبلاء ٦٢/٥، وتهذيب التهذيب ٢٨٦/٦.
(٣) أبو داود ٢/ ١٧٠، رقم ١٨٤٨، والترمذي ١٨٩/٣، رقم ٨٣٨، وقال الترمذي
(حسن) وابن ماجة ١٠٣٢/٢، رقم ٣٠٨٩، وقال في الزوائد: ((في إسناده
يزيد بن زياد وهو ضعيف))، وأحمد ٣/٣، ٣٢، ٧٩، والطحاوي ٣٨٥/١.
وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود ٢/ ٣٦٠، رقم ١٧٧٠: ((إن صح
فيشبه أن يكون محمولاً على غراب الزرع؛ للجمع بين الروايات)». وينظر إرواء
الغليل ٤/ ٢٢١ - ٢٢٦ رقم ١٠٣٦ وبذل المجهود ٨٩/٩.
(٤) المجموع شرح المهذب ٤٧٦/٧، ومغني المحتاج ٥٢٩/١، ونهاية المحتاج
٣٥٧/٣. وينظر: وفاء الوفاء ١/ ١٠٥، وخلاصة الوفاء ص ٥٥، و٥٦، وأخبار
مدينة الرسول،* لمحمد بن محمود النجار ص ٣٧.
(٥) المبسوط ١٠٥/٤، والبحر الرائق ٤٠/٣.
٢٤٦

ودليلنا حديث علي - رضي الله عنه - قال: قال
رسول الله - *-: ((المدينة حرام ما بين عير (١) إلى ثور (٢)، فمن
أحدث فيها حدثاً، أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس
أجمعين، لا يقبل منه عدل، ولا صرف)). الحديث أخرجه البخاري
ومسلم في الصحيح(٣).
وعند أبي داود عن علي - رضي الله عنه - في هذه القصة، عن
النبي - 9: ((ولا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا يلتقط لقطتها
إلا لمن أشار بها، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا
يصلح لرجل أن يقطع منها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره))(٤).
وفي الصحيحين عن أنس - رضي الله عنه - أن
رسول الله -18 - طلع له أحد، فقال له: هذا جبل يحبنا ونحبه،
اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها)»(٥).
(١) عير: جبل كبير مستطيل، وقررت لجنة حدود الحرم المدني أن تبدأ الحدود من
طرف عير الجنوبي الشرقي مدخلة شد بطحان، ومذينيب، وتنقاد بيتر متواصلة،
مع وسط الحرة، بعد كل ثلاث كيلومترات بتر كبيرة ملونة، يكتب عليها حد
الحرم، وطرفه الغربي الجنوبي يلي ذا الحليفة. ينظر: قرار اللجنة في فتاوى
الشيخ محمد بن إبراهيم، رحمه الله ٥/ ٢٣٦ - ٢٣٧.
(٢) جبل يقع خلف أحد من الشمال الشرقي، صغير، لونه يقرب إلى الحمرة، وبينه
وبين أحد مقدار خمسين متراً تقريباً. فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم، رحمه الله
٢٣٥/٥.
(٣) البخاري ك/ الحج، ب/ حرم المدينة ٣/ ٥٠، رقم ٤٤٢، ومسلم ك/ الحج،
ب/ فضل المدينة ودعاء النبي - 3 1 - فيها بالبركة وبيان تحريم صيدها وبيان
حدود حرمها ٢/ ٩٩٥ - ٩٩٦، رقم ١٣٧٠.
(٤) أبو داود ٢١٦/٢، رقم ٢٠٣٤، ورواه أحمد مطولاً، ١٩٨/٢، ١٩٩، رقم
٩٥٩، (تحقيق أحمد شاكر)، وقال ((إسناده صحيح، أبو حسان هو الأعرج)).
(٥) البخاري ك/ المغازي، ب/ أحد جبل يحبنا ونحبه ١٤٩٨/٤، رقم ٣٨٥٥
(تحقيق البغا)، ومسلم ك/ الحج، ب/ أحد جبل يحبنا ونحبه ١٠١١/٢، رقم
١٣٩٣، وهو مختصر، ورواه بنصه في فضل المدينة ٩٩٣/٢، رقم ١٣٦٥.
٢٤٧

وعند مسلم عن يزيد بن هارون(١): أخبرنا عاصم، قال: سألت
أنساً - رضي الله عنه - أحرم رسول الله - * - المدينة؟ قال: ((نعم،
هي حرام حرمها الله ورسوله، لا يختلى خلاها، فمن (فعل ذلك)(٢)
فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين))(٣).
وعن عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - عن رسول الله - الهرم -
أنه قال: ((إن إبراهيم حرم مكة، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم
مكة، ودعوت لها في مدها، وصاعها، مثل ما دعا به (٤) إبراهيم
لمکة»(٥).
أخرجه البخاري ومسلم. (وأخرجا)(٦) أيضاً من حديث مالك عن
الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة، رضي الله عنه - واللفظ
لمسلم -: أنه كان يقول: ((لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها،
قال رسول الله - ﴿﴿ـ: ما بين لابتيها حرام))(٧).
ورواه عبد الرحمن بن مهدي عن مالك فقال فيه: ((لو رأيت
الظباء بالمدينة ما ذعرتها؛ إن رسول الله - 14 - قال: ما بين لابتيها
حرام»(٨).
(١) هو يزيد بن هارون بن زاذان، السلمي، مولاهم، أبو خالد، الواسطي، ثقة
متقن، عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومائتين، وقد قارب التسعين. روى
له الستة.
ينظر: الثقات ٧/ ٦٣٢، وتهذيب التهذيب ٣٢١/١١، وتقريب التهذيب ٣٧٢/٢.
(٢) في الأخريين: ((يعمل بذلك))، والتصويب من صحيح مسلم، والأصل.
(٣) مسلم ك/ الحج، ب/ فضل المدينة ... ٩٩٤/٢، رقم ١٣٦٧.
(٤) زيادة من صحيح مسلم ٩٩١/٢.
(٥) مسلم ك/ الحج، ب/ فضل المدينة ٩٩١/٢، رقم ١٣٦٠.
(٦) في (أ): ((وأخرجه)).
(٧) البخاري ك/ الحج، ب/ لابتي المدينة ٥١/٢، رقم ٤٤٥، ومسلم ك/ الحج،
ب/ فضل المدينة ٢ / ٩٩٩ - ١٠٠٠، رقم ١٣٧٢.
(٨) موطأ مالك مع تنوير الحوالك ك/ الجامع، ب/ ما جاء في تحريم المدينة ٨٦/٣.
٢٤٨

قال مالك: ((حرم المدينة بريد في بريد، واللابتان هما
الحرتان)»(١).
وعند مسلم في الصحيح حديث، فيه أن رافع بن خديج(٢) -
رضي الله عنه - قال: ((وقد حرم رسول الله - وَ له - ما بين لابتيها))(٣).
وذلك عندنا في أديم حولاني.
وعنده أيضاً عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه -
رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - وَل﴾ - يقول: ((إني قد حرمت ما
بين لابتي المدينة، كما حرم إبراهيم))، ثم كان أبو سعيد يجد أحدنا
في يده الطير قد أخذه، فيفكه من يده فيرسله(٤).
وعنده أيضاً عن سهل بن حنيف(٥) - رضي الله عنه - قال:
(١) التمهيد لابن عبد البر ٣١١/٦.
وشكلت لجنة بأمر سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم، رحمه الله، فحددت حرم
المدينة من الجهات الأربع من المسجد القديم قبل التوسعة، فكانت المسافة من
جميع الجهات متقاربة، وتبلغ أحد عشر كيلومتراً تقريباً. وهذه المسافة مقارنة
لاثني عشر ميلاً الواردة في حديث أبي هريرة عند مسلم، قال: ((حرم
رسول الله - * - ما بين لابتي المدينة، وجعل اثني عشر ميلاً حول المدينة
حمى)). وهذا من أدلة من قال: ((بريد في بريد))؛ لأن البريد أربعاً فراسخ،
والفرسخ ثلاثة أميال. والمسافة التي بين عير وثور من الناحية الشرقية تقدر
باثني عشر ميلاً، ومثلها المسافة التي بينهما من الناحية الغربية. ينظر: فتاوى
ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ٢٣٥/٥.
(٢) هو رافع بن خديج بن عدي المازني الأوسي الأنصاري، صحابي جليل، أول
مشاهده أحد، ثم الخندق، مات سنة ثلاث، أو أربع وسبعين، وقيل: قبل
ذلك. روى له الستة.
ينظر: سير أعلام النبلاء ١٨١/٣، وتقريب التهذيب ٢٤١/١، وتهذيب التهذيب
٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠.
(٣) مسلم ك/ الحج، ب/ فضل المدينة ٢/ ٩٩١، رقم ١٣٦١.
(٤) مسلم ك/ الحج، ب/ الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها
١٠٠٣/٢، رقم ٤٧٨.
(٥) هو سهل بن حنيف، أبو ثابت الأنصاري، العوفي، والد أبي أمامة بن سهل، =
٢٤٩

١/ب] ((أهوى رسول الله - ﴿ - إلى المدينة، فقال: إنها حرم آمن))(١) ].
وعنده أيضاً عن جابر - رضي الله عنه - قال: ((قال
رسول الله - : ((إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين
لابتيها، لا يقطع عضاهها، ولا يصاد صيدها))(٢).
وعنده أيضاً عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - أن
رسول الله -* - قال: ((إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع
عضاهها، أو يقتل صيدها))(٣).
وروى في تحريم المدينة عن زيد بن ثابت، وأبي قتادة
الأنصاري، رضي الله عنهما (٤).
وفي ذلك إبطال قول من زعم أن ذلك ليس بعام. فقد رويناه
عن أحد عشر نفساً، عن النبي - وَليزر -(٥).
وعند مسلم أن سعداً - رضي الله عنه - ركب إلى قصره
وأخو عثمان بن حنيف، شهد بدراً، والمشاهد. حدث عنه ابناه أبو أمامة،
=
وعبد الله، وعبيد بن السباق، وأبو وائل، وعبد الرحمن بن أبي ليلى،
وبشير بن عمرو، وآخرون.
مات بالكوفة سنة ثمان وثلاثين. وحديثه في الكتب الستة.
ينظر: طبقات ابن سعد ٢١٥/٦، و٤٧١/٣، وطبقات خليفة ٨٥، و١٣٠،
والاستيعاب ٦٦٢/٢، وأسد الغابة ٢/ ٤٧٠، وسير أعلام النبلاء ٣٢٥/٢،
وتهذيب التهذيب ٢٥١/٤، والإصابة ٢٧٣/٤، وشذرات الذهب ٤٨/١.
(١) مسلم ك/ الحج، ب/ الترغيب في سكنى المدينة ١٠٠٣/٢، رقم ١٣٧٥.
(٢) مسلم ك/ الحج، ب/ فضل المدينة ٢/ ٩٩٢، رقم ١٣٦٢.
(٣) مسلم ك/ الحج، ب/ فضل المدينة ٩٩٢/٢، رقم ١٣٦٣.
(٤) ينظر: المحلى ٢٦١/١١، ورواه الدارقطني ٩٨/٣، عن علي، رضي الله عنه،
ومعرفة السنن والآثار ٤٣٩/٧.
(٥) ينظر: المحلى ٣٦١/٧، مسألة ٨٨٤، ومعرفة السنن والآثار ٧/ ٤٣٨ - ٤٤٤،
والسنن الكبرى للبيهقي ١٩٦/٥، و٢٠٢، والمغني ٣٥٤/٣، (ط. دار
المعارف)، وفتح الباري ٢١/٤.
٢٥٠

بالعقيق، فوجد عبداً يقطع شجراً فاستلبه، فلما رجع جاءه أهل العبد
يسألونه أن يرد عليهم ما أخذ من عبدهم، فقال: ((معاذ الله! أن أرد
شيئاً نفَّلنيه رسول الله - (وَّرـ، فلم يرد إليهم شيئاً))(١).
وفي الصحيحين عن أنس - رضي الله عنه - قال: ((كان ابن لأم
سليم(٢) - رضي الله عنها - يقال له ((أبو عمير))(٣)، كان النبي - اَلر -
ربما يمازحه إذا جاء، فدخل يوماً فوجده حزيناً، فقال: ما لي أرى أبا
عمير حزيناً؟ فقالوا: يا رسول الله، مات نغيره الذي كان يلعب به،
فجعل يناديه: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟))(٤).
قال أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي(٥): ((فيه غير شيء من
العلم، فيه أن النبي - وَلير - مازح صبياً، وفيه أنه لم ينه عن لعب
(١) مسلم ك/ الحج، ب/ فضل المدينة ٩٩٣/٢، رقم ١٣٦٤، وأحمد ١٦٨/٥،
والبيهقي في السنن الكبرى ١٩٩/٥.
(٢) يقال: إن اسمها الرميصاء، ويقال: سهلة، ويقال: أنيفة، ويقال: رميثة، بنت
ملحان بن خالد بن زيد بن حرام الأنصارية الخزرجية، أم خادم النبي - ◌َليزر -
أنس بن مالك. شهدت أحداً. وحنيناً، من أفاضل النساء. روت أربعة عشر
حديثاً، اتفقا لها على حديث، انفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين.
طبقات ابن سعد ٤٢٤/٨، وأسد الغابة ٣٤٥/٧، وسير أعلام النبلاء ٣٠٤/٢،
وتهذيب التهذيب ٤٧١/٢، والإصابة ٢٦٥/١٢، و٢٢٦/١٣.
(٣) هو أخو أنس لأمه، فهو ابن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري. وذكر العيني
أنه مات على عهد النبي - {َچ9.
سير أعلام النبلاء ٣٠٤/٢، و٣٠٦، وفتح الباري ٥٨٣/١٠، وعمدة القاري
٢٢ /١٧٠.
(٤) البخاري ك/ الأدب، ب/ الكنية للصبي ٨٢/٨، رقم ٢٢٥، ومسلم ك/
الآداب، ب/ استحباب تحنيك المولود ... ١٦٩٣/٣، رقم ٢١٥٠.
(٥) هو محمد بن إدريس بن المنذرالحنظلي، أبو حاتم الرازي، أحد الحفاظ، من
الحادية عشرة، مات سنة سبع وسبعين ومائتين. روى له أبو داود، النسائي،
وابن ماجه.
تقريب التهذيب ١٤٣/٢، وتهذيب التهذيب ٩/ ٣١ - ٣٤.
٢٥١

الصبي بالطير، وفيه أنه كنى من لم يواد له، وفيه أنه لم ينه عن صيد
وجد بالمدينة)) - قال البيهقي - رحمه الله تعالى -: ((يعني إذا كان قد
أدخله من الحل في حرم المدينة)»(١) - وفيه أنه صغر طيراً، وهو خلق
من خلق الله تعالى))(٢).
قال البيهقي - رحمه الله -: ((هذا لا حجة لهم فبه، فليس فيه أنه
صيد بالمدينة .
وهو دليل لنا عليهم في مسألة أخرى، وهي أن الصيد
المملوك الذي يدخله الحلال في الحرم يبقى على ملكه، وجواز
تصرفه فيه، ويحل ذبحه له، ولغيره، ولا جزاء عليه في ذبحه(٣).
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: ((يلزمه رفع اليد عنه، فإن قتله
جزأه)»(٤).
وهذا خلاف ما روينا عن النبي - وَّر، وذلك أنه لم يأمره برفع
اليد عنه، وحين مات لم يوجب فيه الجزاء(٥).
وقد دللنا على أن حرم المدينة كحرم مكة. وأما تحريم وج من
الطائف فما روي فيه عن النبي - *-: عن الزبير بن العوام(٦) -
(١) ينظر: معرفة السنن والآثار ٤٤١/٧.
(٢) معرفة علوم الحديث للحاكم ص ٧٦.
(٣) ينظر: روضة الطالبين ١٦٣/٣، و١٦٥.
(٤) اللباب ٢٢٤/٤.
(٥) في الأخريين: ((الحل))، وهو خطأ.
(٦) هو الزبير بن العوام بن خويلد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن
كعب بن لؤي بن غالب، حواري رسول الله - هو - أحد العشرة المبشرين
بالجنة، والمشهود لهم بها. أبو عبد الله، أسلم وهو حدث، له ست عشرة
سنة، وقيل ابن ثمان. روى أحاديث يسيرة. حدث عنه بنوه عبد الله،
ومصعب، وعروة، وجعفر، ومالك بن أوس بن الحدثان، والأحنف بن قيس،
ومسلم بن جندب، وأبو حكم مولاه، وغيرهم. قال البخاري وغيره: قتل في
سنة ست وثلاثين.
٢,٥٢
=

رضي الله عنه - قال: ((أقبلنا مع رسول الله - وَله - من لية (١) - قال
الحميدي: مكان بالطائف - حتى إذا كنا عند السدرة وقف
رسول الله - 14 - طرف القرن الأسود(٢) حذوها، فاستقبل نخباً(٣) -
قال الحميدي: مكان يقال له ((نخب)) - يبصره، ثم وقف حتى
أوقف(٤) الناس، ثم قال: ((إن صيد وج(٥)، وعضاه(٦) حرم محرم لله،
عز وجل، وذلك قبل نزوله الطائف، وحصاره ثقيفاً)(٧) ... (٨). والله أعلم.
مسألة (٧٣):
ويحل المحصر في الحل، محل دم إحصاره(٩). وقال أبو
طبقات ابن سعد ١/٣/ ٧٠ - ٨٠، و[٧٨/٣، ومشاهير علماء الأمصار ص ٩،
=
وأسد الغابة ٢٤٩/٢، وسير أعلام النبلاء ٤١/١، والإصابة ٥/ ٧ - ٩، وتهذيب
التهذيب ٣١٧/٣، وشذرات الذهب ١/ ٤٢- ٤٤.
(١) لية: جبل من الطائف: معجم البلدان ٣٠/٦.
(٢) القرن: قرية عند الطائف، بينها وبين الطائف ستة وثلاثون ميلاً: معجم البلدان
٣٣٢/٤.
(٣) نخب: واد بالطائف: معجم البلدان ٢٧٥/٥.
(٤) في الأصل، و(ب)، وأبي داود: ((اتقف)) بالتاء بدل الواو.
(٥) وج: واد معروف بالطائف إلى يومنا هذا، وعليه طريق واسع، وقيل: سميت بوج بن
عبد الحق، من العمالقة، وقد جعل فيه حدائق صغيرة. معجم البلدان ٣٦١/٥.
(٦) العضاة: كل شجر عظيم له شوك، لسان العرب ١٩٨٧/٥.
(٧) رواه أبو داود ٢/ ٢١٥ - ٢١٦، رقم ٢٠٣٢. وهو في مسند الحميدي ٦٣/١
(أحاديث الزبير بن العوام)، ورواه أحمد ١٠/٣، والبيهقي في السنن الكبرى
٢٠٠/٥، قال الكرماني في الجوهر النقي بذيله: ((ذكر فيه حديث الزبير، قلت:
سكت عنه، وفي سنده محمد بن عبد الله بن إنسان عن أبيه، ومحمد قال فيه
أبوحاتم: ليس بالقوي، وفي حديثه نظر. وذكر له البخاري هذا الحديث وقال:
لا يتابع عليه، وأبوه لا يعرف، روى عنه غير ابنه. وقال البخاري: لا يصح
حديثه، وكذا قال ابن حبان، والأزدي)).
(٨) لم يتم المصنف كلامه، وهو يعرض بضعفه.
(٩) الأم / ٢١٨، والمهذب ٢٤١/١، ومغني المحتاج ٥٣٤/١، وحواشي الشرواني
وابن قاسم ٤/ ٢٠٥.
٢٥٣

حنيفة - رحمه الله -: ((يسوق دم إحصاره إلى الحرم على يد غيره،
ويواعده يوماً لنحره، ثم لا يحل هو قبل يوم مواعدته))(١).
في صحيح مسلم عن جابر - رضي الله عنه -: ((نحرنا مع
رسول الله - رضي ـ (بالحديبية)(٢) البقرة عن سبعة، والبدنة عن
سبعة(٣).
وفي صحيح البخاري عن الزهري (عن عروة) (٤) عن المسور،
ومروان - يصدق حديث كل واحد منهما صاحبه - قالا: ((خرج
رسول الله - 14 - زمن الحديبية))، فذكر الحديث في قصة الحديبية،
وفيه: ((أن رسول الله - وَ لجر - نحر بها هديه، وأن أصحابه لما رأوه
نحر، قاموا فنحروا(٥).
وفي ذلك دليل على أنه - وَال ـ نحر هديه بالحديبية وهي من
الحل خلاف ما زعموا أنه بعث بهديه مع جندب هذه السنة حتى نحره
في الحرم.
وإسناد حديث جندب ليس بالقوي، ولعله كان في وقت آخر
إن صح، رووه عن ناجية بن جندب الأسلمي عن أبيه عن
النبي - مَ له .
وأبو داود يقول: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان عن هشام
(١) المبسوط ١٠٧/٤، وبدائع الصنائع ١٢١٢/٣، واللباب ١/ ٢١٨ - ٢١٩.
(٢) هامش ١٠٨/أ.
(٣) مسلم ك/ الحج، ب/ الاشتراك في الهدي ٩٥٦/٢، وأبو داود ٩٨/٣، رقم
٢٨٠٩، والترمذي ٤٨/٣، رقم ٩٠٤، وابن ماجه ١٠٤٧/٢، رقم ٣١٣٢،
والسنن الكبرى للبيهقي ٢١٦/٥.
(٤) هامش ١٠٨/أ.
(٥) البخاري ك/ الحج، ب/ ما جاء في المحصر، وب (ليس على المحصر شيء
وهو مختصر ٢٩/٣، رقم ٣٨٧ وما بعده.
٢٥٤

عن أبيه عن ناجية الأسلمي: أن رسول الله - ◌َلو - بعث معه بهدي،
فقال: ((إن عطب فانحره، ثم أصبغ نعله في دمه، ثم خل بينه وبين
الناس»(١)، وليس لهم حجة فيه.
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:
بعث رسول الله - ◌َ - ست عشرة بدنة / مع رجل وأمره، قال: [نهاية ١/١٠٨]
مضى ثم رجع، قال: يا رسول الله، كيف أصنع بما أبدع
(علي)(٢) منها؟ قال: ((انحرها، ثم اصبغ نعلها في دمها، ثم
اجعلها في صفحتها، ولا تأكل منها أنت، ولا أحد من أهل
رفقتك (٣)) (٤).
قال الشافعي - رحمه الله -: ((والحديبية موضع من الأرض منه ما
هو في الحل، ومنه ما هو في الحرم، وإنما نحر الهدي - عندنا - في
الحل، وفيه منحر رسول الله - (18 - الذي بويع فيه تحت الشجرة)).
قال: ((وإنما ذهبنا إلى أنه نحر في الحل؛ لأن الله - تعالى -
يقول: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَنْ
يَبْلُغَ مِلَّةٌ﴾(٥)، والحرم كله محله عند أهل العلم))(٦).
(١) سنن أبي داود ١٤٨/٢، رقم ١٧٦٢.
(٢) زيادة من مسلم، وأبدعت: كلت وأعيت ووقفت، قال أبو عبيدة، قال بعض
الأعراب: ((لا يكون الإبداع إلا بالضلع))، والمراد: أوشكت على النفق،
الهلاك، ينظر: المغرب للمطرزي ص ٣٧.
(٣) في الأخريين: ((من أهل بيتك)).
(٤) مسلم ك/ الحج ب/ ما يفعل بالهدي إذا عطب في الطريق ٢/ ٩٦٢، رقم ١٣٢.
(٥) سورة الفتح: الآية ٢٥.
(٦) الأم ١٨٤/٢، و٢١٦، وينظر: معجم البلدان ٢٢٩/٢؛ فإنه ذكر أن الحديبية
قرية متوسطة سميت ببئر هناك عند مسجد الشجرة التي بايع رسول الله - زار -
تحتها، وبعضها في الحل، وبعضها في الحرم، وبينها وبين المسجد أكثر من
يوم، وعند مالك بن أنس: أن جميعها من الحرم، وعمرة الحديبية لمضي
خمس سنين وعشرة أشهر للهجرة النبوية.
٢٥٥

قال أبو عبيد في حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -
في الذي لدغ وهو محرم بالعمرة، فأحصر، فقال عبد الله: ((ابعثوا
بالهدي، واجعلوا بينكم وبينه يوم أمار، فإذا ذبح الهدي بمكة، حَلَّ»:
((حدثناه عباد بن العوام(١) عن أبان بن تغلب(٢) عن عبد الرحمن بن
الأسود عن أبيه عن عبد الله، قال الكسائي(٣): الأمارة(٤): العلامة التي
يعرف بها الشيء، يقول: اجعلوا بينكم يوماً تعرفونه؛ لكيلا
تختلفوا)»(٥) .
(١) هو عباد بن العوام بن عمر بن عبد الله بن المنذر، الإمام المحدث الصدوق،
أبو سهل الكلابي الواسطي، حدث عن أبي مالك الأشجعي، وعبد الله بن أبي
نجيح المكي، وأبي إسحاق الشيباني، وابن عون، وعدة، وروى عنه أحمد بن
حنبل، وعمرو الناقد، وزياد بن أيوب، وعلي بن مسلم الطوسي، والحسن بن
عرفة، وخلق سواهم، وثقه أبو داود، وجاء عن أحمد: مضطرب الحديث،
توفي سنة بضع وثمانين ومائة.
سير أعلام النبلاء ٥١١/٨، وتذكرة الحفاظ ٢٦١/١، وتهذيب التهذيب ٥٪
٩٩، والمغني في الضعفاء ١/ ٤٦٥.
(٢) هو الإمام المقرىء أبو سعيد، وقيل: أبو أمية الربعي الكوفي الشيعي، حدث
عن الحكم بن عتيبة، وعدي بن ثابت، وفضيل بن عمرو الفقيمي، وجماعة،
وحدث عنه إدريس بن يزيد الأودي، وشعبة، وسفيان بن عيينة، وآخرون، وهو
صدوق في نفسه، عالم كبير، وبدعته خفيفة، لا يتعرض للكبار، وحديثه يكون
نحو المائة، ولم يخرج له البخاري، توفي سنة إحدى وأربعين ومائة.
الجرح والتعديل ٣٩٦/٢، وسير أعلام النبلاء ٣٠٨/٦، وتهذيب التهذيب ١/
٩٣، ومشاهير علماء الأمصار ١٦٤.
(٣) هو أبو الحسن علي بن حمزة بن هبة الله بن بهمن بن فيروز الأسدي، مولاهم
الكوفي وتلا على ابن أبي ليلى عرضاً، وعلى حمزة، وحدث عن جعفر
الصادق، والأعمش، وسليمان بن أرقم، وجماعة، تلا عليه أبو عمر الدوري،
وعدة، مات بالري بقرية أرنبوية سنة تسع وثمانين ومائة عن سبعين سنة، وفي
تاريخ موته أقوال، فهذا أصحها.
سير أعلام النبلاء ١٣١/٩، وتهذيب سير أعلام النبلاء ٣١٦/١.
(٤) زيادة من غريب الحديث لأبي عبيد ٦٤/٤ ليقتضيها السياق.
(٥) غريب الحديث لأبي عبيد ٦٤/٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢٥١/٢، =
٢٥٦

مسألة(١) (٧٤):
وليس للمحرم أن يتحلل من إحرامه بمرضه (٢). وقال أبو حنيفة -
رحمه الله -: ((له ذلك))(٣).
ودليلنا ما روى الشافعي - رحمه الله - عن سفيان عن ابن
طاوس(٤) عن أبيه عن ابن عباس، وعن عمرو بن دينار عن ابن
عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: ((لا حصر إلا حصر العدو))، فزاد
أحدهما: ((ذهب الحصر الآن))(٥).
وعن مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار ((أن ابن
عمر، وابن الزبير - رضي الله عنهم -، ومروان أفتوا ابن حزابة
المخزومي - وأنه صرع ببعض طريق مكة وهو محرم - أن يتداوى بما
لا بد (له)(٦) منه ويفتدي، فإذا صح اعتمر، فحل من إحرامه، وكان
عليه أن يحج عاماً قابلاً، ويهدي))(٧) .
وروى مالك - رحمه الله - عن يحيى بن سعيد ((أنه بلغه عن عائشة -
- رضي الله عنها - أنها كانت تقول: المحرم لا يحله إلا البيت))(٨).
والبيهقي في السنن الكبرى ٢٢١/٥، وينظر نصب الراية ١٤٥/٣، ولسان
=
العرب ١٢٩/١، والمغرب ص ٢٨.
(١) هامش ١٠٨/ ب.
(٢) الأم للشافعي ٢١٩/٢، ومغني المحتاج ٥٣٣/١، ونهاية المحتاج ٣٦٤/٣.
(٣) المبسوط ١٠٨/٤، وبدائع الصنائع ١٢٠٧/٣، واللباب ٢١٨/١.
(٤) هو عبد الله بن طاوس، ثقة، فاضل، عابد، من السادسة.
ينظر: الاستغناء ٥٤٨/١، وتقريب التهذيب ٤٢٤/١.
(٥) مسند الشافعي ٣٨١/١، والسنن الكبرى للبيهقي ٢١٩/٥، والسنن الصغير
للبيهقي ٢٠٨/٢، رقم ١٧٦٤، ومعرفة السنن والآثار ٧/ ٤٩١، رقم ١٠٧٩٥.
(٦) زيادة من معرفة السنن.
(٧) رواه مالك في الموطأ المطبوع مع تنوير الحوالك ٣٣٠/١، والشافعي في مسنده
ص ٣٨٠، والبيهقي في السنن الكبرى ٢٢٠/٥، وفي معرفة السنن والآثار ٧/
٤٩٢، و٣٣١، رقم ١٠٨٠١.
(٨) رواه مالك في الموطأ المطبوع مع تنوير الحوالك ٣٣٠/١، والبيهقي في السنن =
٢٥٧

وعن أيوب بن أبي تميمة عن رجل من أهل البصرة، أنه قال:
((خرجت إلى مكة، حتى إذا كنا ببعض الطريق، كسرت فخذي،
فأرسلت إلى مكة، وبها عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر -
رضي الله عنهم -، والناس، فلم يرخص لي أحد في أن أحل، فأقمت
على ذلك الماء سبعة أشهر، ثم حللت بعمرة (١) .
وربما استدل أصحابنا بما حدثت عائشة - رضي الله عنها -،
قالت: ((دخل رسول الله - وَ الله - على ضباعة بنت الزبير (٢)، فقال لها:
أردت الحج؟ قالت: والله ما أجدني إلا وجعة، فقال لها: ((حجي،
واشترطي، وقولي: اللهم محلي حيث حبستني، وكانت تحت
المقداد))، أخرجه البخاري، ومسلم في الصحيح(٣).
ورواه مسلم أيضاً عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن
النبي - 18 - (أمر ضباعة بنت الزبير) (٤) أن تشترط في الحج،
= الكبرى ٢٢٠/٥، وفي معرفة السنن والآثار ٤٩٣/٧، رقم ١٠٨٠٥ عن
القاسم بن محمد عن عائشة، رضي الله عنها موصولاً.
(١) رواه مالك في الموطأ مع تنوير الحوالك ٣٣٠/١، والبيهقي في السنن
الكبرى ٢١٩/٥، ومعرفة السنن والآثار ٤٩٢/٧، رقم ١٠٨٠٢، وسمي
الرجل أبا العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، وسمي الماء ((الدثينة))، ينظر
رقم ١٠٨٠٤.
(٢) هي بنت عم الرسول - - الزبير بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف
الهاشمية، من المهاجرات، روى عنها ابنتها سريمة، وسعيد المسيب،
وعروة بن الزبير، وعبد الرحمن الأعرج، وأنس بن مالك، وحدث عنها من
القدماء ابن عباس، وجابر، رضي الله عنهما -، بقيت ضباعة إلى بعد عام
أربعين، رضي الله عنها.
ينظر: طبقات ابن سعد ٤٦/٨، وطبقات خليفة ٣٣١، والاستيعاب ٤/ ١٨٧٤،
وأسد الغابة ١٧٨/٧، وتهذيب التهذيب ٤٣٢/١٢، والإصابة ٢٦/١٣.
(٣) البخاري ك/ النكاح ب/ الأكفاء في الدين ٩/٧، ومسلم ك/ الحج، جواز
اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه ٨٦٨/٢.
(٤) هامش ١٠٨/ب.
٢٥٨

ففعلت ذاك(١) عن أمر رسول الله - وَليو -(٢).
وروي الاشتراط في الحج عن ابن عمر، وابن مسعود، وعائشة،
وأم سلمة - رضي الله عنهم - من قولهم: ((ولو كان يحل بالمرض، لم
يكن للاشتراط معنى(٣). والله أعلم.
واستدلوا بما روي عن عكرمة مولى ابن عباس - رضي الله
عنهما - عن الحجاج بن عمرو الأنصاري(٤) - رضي الله عنه -، قال:
(سمعت رسول الله - * - يقول: من كسر أو عرج فقد حل، وعليه
حجة أخرى)). قال عكرمة: ((سألت ابن عباس، وأبا هريرة -
رضي الله عنهم - عما قال، فقالا: صدق))، وليس بمخرج في
الصحيح(٥).
وروي عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب، أن معبد بن حزابة
خرج حاجاً، فوقعت رجله في بئر، فانفسخت، فسأل ابن الزبير -
رضي الله عنه -، ومروان بن الحكم، وغيرهم، كلهم يقول له:
(١) في (ب): (ذلك).
(٢) مسلم ك/ الحج ب/ جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه ٢/
٨٦٨.
(٣) ينظر: أبو داود ٤١١/١، والترمذي ٢٧٠/٣، وابن ماجه ٢/ ٩٨٠، وأحمد ١/
٣٣٧، و٣٥٢، والدارمي ٣٥/٢، والنسائي ١٣٠/٥، وعارضة الأحوذي ٤/
١٧٠، والمغني لابن قدامة ٩٣/٥، (طبعة هجر).
(٤) هو الحجاج بن عمرو بن غزية الأنصاري المازني المدني، له صحبة روى عن
رسول الله ـ ـ، وروى عنه ابن أخيه ضمرة بن سعيد، وعبد الله بن رافع،
وعكرمة، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة، وهو الذي
ضرب مروان بن الحكم يوم الدار فأسقطه، وقال ابن النعيم: شهد مع علي -
رضي الله عنه - صفین.
الثقات ٨٧/٣، وتهذيب التهذيب ١٧٩/٢.
(٥) رواه أبو داود ١٧٣/٢، رقم ١٨٦٣، والترمذي ٢٦٨/٣، رقم ٩٤٠، وقال:
((هذا حديث حسن))، ورواه النسائي ١٩٨/٥، وابن ماجه ١٠٢٨/٢، رقم
٣٠٧٨، وأحمد ٣/ ٤٥٠، ورواه الدارمي ٦١/٢، والحاكم ٤٨٣/١.
٢٥٩

(تداوى بما يصلحك من الطيب، وافسخ حجك إلى عمرة، ثم عليك
الحج من قابل، وأهرق لذلك دماً))(١).
وبإسناده عن يحيى بن سعيد عن مربع الأسدي عن أبي ذر -
رضي الله عنه -، قال: ((لم يكن لأحد أن يفسخ حجة إلى عمرة إلا
للركب من أصحاب محمد - زَالخير - خاصة))(٢).
وفي هذا الحديث دلالة عن أبي ذر - رضي الله عنه - على أن
فسخ الحج إلى العمرة لا يجوز لأحد بعد النبي - زَال* ـ، ولا يجوز
للمريض فسخ الحج بالعمرة، ولكن يصبر حتى يبرأ فيحج، أو يفوته
الحج فيتحلل بعمل عمرة.
وهذا هو المراد بفتوى ابن الزبير - رضي الله عنهما - وغيره،
وذلك في رواية مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار(٣)،
والله أعلم.
مسألة (٧٥):
وإذا أحرمت المرأة لحج / إسلامها دون إذن (زوجها،
كان)(٤) للزوج أن يمنعها من المضي فيه على أحد القولين(٥).
[نهایة ١٠٨/ ب]
(١) وذكر نحوه بسند آخر فيه: ((أن سعيد بن حزابة المخزومي صرع ... ))، ينظر:
الموطأ مع تنوير الحوالك ٣٣٠/١، والسنن الكبرى للبيهقي ٥/ ٢١٩ - ٢٢٠،
ولم أعثر على نصه تماماً في معرفة السنن والآثار بنحوه ٤٩٢/٧، رقم
١٠٨٠١.
(٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٣٤٥/٤.
(٣) ينظر: المغني لابن قدامة ٩٤/٥، وينظر كلام ابن تيمية في الفسخ الذي ذكرته
في ص ١٥٤.
(٤) هامش ١٠٩/أ.
(٥) الأم للشافعي ١١٧/٢، ومغني المحتاج ٤٦٨/١ - ٥٣٦، وحاشينا قليوبي
وعميرة ١٤٩/٢. وروى البيهقي في تخريج أحاديث الأم عن عطاء أنه قال في
المرأة تهل بالحج فيمنعها زوجها هي بمنزلة المحصر، قال: ((واستدل به
الشافعي على جواز منعها من سائر المساجد».
٢٦٠