Indexed OCR Text
Pages 81-100
الفقهية القديمة والحديثة، كالمحلى لابن حزم، والمغني لابن قدامة وكما نجدها في كتب التفسير المهتمة بالأحكام، كتفسير القرطبي، وأحكام القرآن لابن العربي. ومع شيوع هذه الآراء العلمية المختلفة، في هذه الكتب المتعددة والفنون المختلفة فقد أفردها العلماء بتصانيف خاصة ويمكننا تصنيف هذه الكتب الخاصة إلى صنفين: - صنف يجمع الأقوال المتعددة في المسألة الواحدة، فيعرضها معززة بأدلتها تارة، كما في خلافيات البيهقي، ومن غير أدلتها كما في الإفصاح لابن هبيرة. - وصنف يعرض لها من حيث نشأتها وأسبابها مثل ((رفع الملام عن الأئمة الأعلام))، وسنذكر على سبيل المثال أهم الكتب التي ألفت في هذين الصنفين: ١ - الصنف الأول: ومنها ما صنف قبل عصر البيهقي ومنها ما صنف بعد عصره. أ - ما صنف قبل عصر البيهقي: ١ - اختلاف الصحابة للإمام أبي حنيفة النعمان المتوفى سنة (١٥٠ هـ) (١). ٢ - اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري المتوفى سنة (١٨٢ هـ)(٢). ٣ - وألف الإمام الأوزاعي كتاباً في الرد على سير الإمام أبي حنيفة(٣). (١) ذكره السيد أبو الوفاء الأفغاني، في مقدمة كتابه ((اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى)). (٢) طبع بتحقيق / السيد أبو الوفاء الأفغاني/ مصر - مطبعة الوفاء سنة ١٣٥٧ الطبعة الأولى. (٣) انظر مقدمة اختلاف الفقهاء للطحاوي (ص ١٢ - ١٤) ودراسات في الاختلاف الفقهية للبيانوني (ص ١٦١). م ٨١ ٤ - الرد على سير الأوزاعي لأبي يوسف(١). ٥ - الحجة للإمام محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة ١٨٩هـ(٢). ٦ - كتاب الأم - للإمام الشافعي المتوفى سنة ٢٠٤ هـ. ويحتوي على أبواب متعددة من اختلاف الفقهاء مع الشافعي (٣). ٧ - كتاب الإجماع والاختلاف لأبي عبد الرحمن الشافعي(٤). ٨ - كتاب الاختلاف، لأبي عبد الله محمد بن عمر الواقدي المتوفى سنة (٢٠٩ هـ)(٥). ٩ - كتاب اختلاف الفقهاء لأبي جعفر بن محمد الطبري المتوفى سنة (٣١٠ هـ) (٦). ١٠ - كتاب اختلاف الفقهاء لأبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي المتوفى سنة (٣٢١ هـ)(٧). ١١ - اختلاف الفقهاء الكبير، واختلاف الفقهاء الصغير لأحمد بن نصر المروزي. ١٢ - كتاب الاختلاف في الفقه، لأبي يحيى زكريا بن يحيى بن محمد بن الساجي(٨). (١) طبع بتحقيق/ السيد أبو الوفاء، الأفغاني، الطبعة الأولى بعناية لجنة إحياء المعارف. (٢) وهو كتاب مطبوع. (٣) انظر الأم (١٩٥/٧) وما بعدها، طبعة بيروت دار المعرفة. (٤) انظر الفهرست لابن النديم (ص ٢٦٧) ط. طهران. (٥) انظر الفهرست لابن النديم (ص ١١١). طبع الجزء الموجود من الكتاب (في بعض أبواب المعاملات) بتحقيق فردريك (٦) كرن الألماني (بيروت - دار الكتب العلمية). (٧) طبع جزء من الكتاب، بتحقيق الدكتور، محمد صغير حسن المعصوصي إسلام آباد - مطبعة البحوث الإسلامية ١٣٩١ هـ. (٨) ذكرهما ابن النديم في كتابه الفهرست (ص ٦٦٦) أي رقم (١١، ١٢). ٨٢ ١٣ - كتاب الاختلاف لأبي إسحاق بن إبراهيم بن جابر(١). ١٤ - الإشراف على مذاهب أهل العلم لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر المتوفى سنة (٣١٨ هـ)(٢) ومن مصنفاته أيضاً: ١٥ - الأوسط في السنن والإجماع. ١٦ - اختلاف العلماء(٣). ١٧ - التجريد، للقدوري الحنفي المتوفى (٤٢٨ هـ) (٤). ب - ما صنف في عصر البيهقي وبعده: ١ - الخلافيات للبيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ(٥). ٢ - النكت للشيرازي المتوفى سنة ٤٧٦ هـ. ٣ - مختصر الكفاية للعبدري الشافعي المتوفى سنة ٤٩٣ هـ (٦). ٤ - حلية العلماء في اختلاف الفقهاء لأبي بكر الشاشي الشافعي المتوفى سنة ٥٠٧ هـ (٧). ٥ - منظومة النسفي الحنفي المتوفى سنة ٥٣٧ هـ. ٦ - رؤوس المسائل للزمخشري المتوفى سنة ٥٣٨ هـ(٨). (١) ذكره ابن النديم في الفهرست (ص ٢٧٢) وقال: ((ولم يعمل أكبر منه)). (٢) طبع الموجود منه - المجلد الرابع - بتحقيق/ أبو حماد صغير أحمد محمد حنيف. ط. الرياض دار طيبة. (٣) انظر المرجع السابق - مقدمة الإشراف على مذاهب أهل العلم ص ١٠، ومقدمة اختلاف الفقهاء للطبري وقد ذكر أماكن وجود هذه المخطوطات (ص ٥). (٤) انظر اختلاف الفقهاء للطبري (ص ٥). (٥) راجع في مكان وجوده ما تقدم في الباب الأول - كتب البيهقي. (٦) انظر مقدمة اختلاف الفقهاء/ للطبري (٥ - ٦) وكذلك بالنسبة للنكت. طبع منه قسم العبادات من ثلاثة أجزاء صغيرة بتحقيق الدكتور ياسين أحمد (٧) إبرهيم دراكه، الطبعة الأولى ١٤٠٠ هـ/ عمان/ دار الأرقم. (٨) ويوجد منه نسخة وحيدة في مكتبة مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي في جامعة أم القرى، ويحققه الطالب عبد الله نذير - رسالة ماجستير. ٨٣ ٧ - مختلف الرواية لعلاء الدين السمرقندي الحنفي المتوفى سنة ٥٥٢هـ. ٨ - الإشراف على مذاهب الأشراف لابن هبيرة الحنبلي المتوفى سنة (٥٥٥ هـ)، وهو نفس كتاب الإفصاح عن معاني الصحاح، انظر في ذلك مقدمة محقق الإفصاح(١). ٩ - تقويم النضر للدهان الشافعي المتوفى سنة ٥٨٩ هـ(٢). ١٠ - كتاب الميزان لعبد الرحمن الشعراني المتوفى (٩٧٣ هـ) (٣)(٤). ١١ - كتاب رحمة الأمة في اختلاف الأئمة لمحمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني الشافعي (٥) . الصف الثاني: وهو الذي يعرض للآراء الخلافية من حيث نشأتها وأسبابها وهي: ١ - تأسيس النظر، للإمام عبيد الله بن عمر الدبوسي الحنفي المتوفى سنة (٤٣٠) (٦). ٢ - الإنصاف في التنبيه على أسباب الاختلاف لأبي محمد عبد الله البطليوسي المتوفى سنة ٥٢١ هـ. ٣ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لأبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد المتوفى سنة (٥٩٥ هـ)(٧). (١) طبع مراراً، مطبعة الكيلاني - ١٩٨٠، نشر المؤسسة السعيدية الرياض. (٢) انظر ذلك في مقدمة اختلاف الفقهاء للطبري (ص ٥ - ٦). (٣) طبع وبهامشه رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، بمصر مطبعة العثمانية (١٣١١ هـ). (٤) وللمزيد يراجع فيما تقدم من كتب الخلاف مقدمة اختلاف الفقهاء للطبري، ومقدمة اختلاف الفقهاء للطحاوي. (٥) طبع مراراً مع هامش الميزان، ومنفردة الطبعة الثانية ١٣٨٦، بمصر شركة مصطفى الحلبي. (٦) مطبوع مع رسالة أبي الحسن الكرخي في الأصول - القاهرة - زكريا علي يوسف. (٧) طبع مراراً ومتوفر في أكثر المكتبات. ٨٤ ٤ - تخريج الفروع على الأصول، لأبي المناقب شهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني المتوفى سنة (٦٥٦ هـ)(١). ٥ - رفع الملام عن الأئمة الأعلام الشيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن تيمية المتوفى سنة (٧٢٨ هـ)(٢). ومن الكتب المؤلفة في هذا المجال في العصور المتأخرة وعصرنا الحاضر: ١ - الإنصاف في بيان سبب الاختلاف في الأحكام الفقهية لشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي المتوفى سنة (١١٧٦)(٣) . ٢ - أسباب اختلاف الفقهاء للشيخ علي الخفيف (معاصر)(٤). ٣ - أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء للدكتور مصطفى سعيد الخن (معاصر) (٥). ٤ - أسباب اختلاف الفقهاء للدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي (معاصر)(٦). ٥ - دراسات في الاختلافات الفقهية للدكتور محمد أبو الفتح البيانوني (معاصر)(٧). ٦ - أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء للشيخ محمد عوامة (معاصر) (٨) إلى غير ذلك من الكتب الحديثة، وجزى الله (١) طبع الكتاب، بتحقيق، الدكتور محمد أديب الصالح (دمشق جامعة دمشق ١٣٨٢ هـ). (٢) طبع مراراً، بتحقيق محمد حامد الفقي، ومتوفر في المكتبات. (٣) طبع مراراً بالمطبعة السلفية بالقاهرة سنة (١٣٩٨ هـ). (٤) مطبوع ومتوفر في المكتبات. (٥) الطبعة الثالثة ١٤٠٢ هـ، (بيروت مؤسسة الرسالة). (٦) الطبعة الثانية ١٣٩٧ هـ الرياض - مكتبة الرياض الحديثة. (٧) الطبعة الأولى ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ م، حلب. (٨) الطبعة الأولى ١٣٩٩ هـ، مكتبة دار السلام - حلب. ٨٥ الجميع عن العلم والعلماء خيراً .. ٨ - نبذة عن الخلاف وتشمل ما يلي: أ - علم الخلاف، ب - حقيقة الاختلاف، جـ ــ فكرة موجزة عن نشأة الاختلاف، د - أسباب الاختلافات الفقهية، هـ ــ هل الخلاف مقصود لذاته. أ - علم الخلاف: قال حاجي خليفة في كشف الظنون: ((هو علم يعرف به كيفية إيراد الحجج الشرعية ودفع الشبهة وقوادح الأدلة الخلافية، بإيراد البراهين القطعية وهو الجدل الذي قسم من المنطق، إلا أنه خص بالمقاصد الدينية، وقد يعرف بأنه علم يقتدر به على حفظ أي وضع كان بقدر الإمكان، ولهذا قيل الجدل إما مجيب يحفظ وضعاً أو سائل يهدم وضعاً، وذكر ابن خلدون في مقدمته أن الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثير فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم وأنظارهم خلافاً لابد من أن يقلدوا من شاؤا ثم لما انتهى إلى الأئمة الأربعة، وكانوا بمكان من حسن الظن اقتصر الناس على تقليدهم فأقيمت هذه الأربعة أصولاً للملة، وأجرى الخلاف بين المستمسكين بها مجرى الخلاف في النصوص الشرعية وجرت بينهم المناظرات، في تصحيح كل منهم مذهب إمامه، يجري على أصول صحيحه، ويحتج بها كل على صحة مذهبه فتارة يكون الخلاف بين الشافعي ومالك، وأبو حنيفة يوافق أحدهما وتارة بين غيرهم كذلك، وكان في هذه المناظرات بيان مأخذ هؤلاء فيسمى ذلك بالخلافيات ولا بد لصاحبه من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام، كما يحتاج المجتهد، إلا أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط، وصاحب الخلاف يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل من أن يهدمها المخالف بأدلته، وهو علم جليل الفائدة، وكتب الحنفية والشافعية أكثر من تأليف المالكية، لأن أكثرهم من أهل المغرب وهم بادية، وللغزالي ٨٦ فيه كتاب ((المأخذ))، ولأبي بكر بن العربي من المالكية ((كتاب التلخيص وخلافيات البيهقي))(١). ب - حقيقة الاختلافات الفقهية : لقد عقد الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني فصلاً لذلك في كتاب ((دراسات في الاختلافات الفقهية)) وقال فيه كلاماً جميلاً، فمن ذلك: (تظهر الاختلافات العلمية والآراء الفقهية لبعض الناس وكأنها آراء شخصية في دين الله عز وجل ولذلك تعددت واختلفت، حتى تصورها بعضهم ديناً جديداً يقابل الكتاب والسنة، ويجب على المسلم طرحه عُرض الحائط، والتبرؤ منه والرجوع إلى كتاب الله وسنة نبيه وَلچ، ولقد ساعد على إيحاء هذا التصور الخاطىء موقف بعض المتعصبين لهذه الآراء، الذين أنزلوها فوق منزلتها، وعكفوا عليها، وردوا غيرها من جهة، وتجريدها في كثير من كتب المتأخرين عن الاستدلال طلباً للاختصار من جهة أخرى، فظهرت للناظر البعيد عن معرفة طبيعة الكتب الفقهية كأنها آراء شخصية مجردة عن أصولها الشرعية))(٢). ومن هذه التصورات الخاطئة ومما يدمي القلب جراحاً أننا نسمع في بعض بلدان العالم الإسلامي أنه يوجد في كثير من المساجد ما يصلى فيها بأربعة أئمة لكل مذهب إمام، فالحنفي لا يصلي خلف شافعي، والشافعي لا يصلي خلف حنفي، وكأننا لا قدر الله أربع ديانات، بل وصل الحد وفي بعض المؤلفات الفقهية أن تقول إذا وجد الحنفي إماماً شافعياً هل يصلي خلفه أم لا؟ وهل يتزوج الشافعي بالحنفية أم لا؟ ومن هذه التصورات الخاطئة الناتجة عن عدم معرفة هدي (١) انظر ما تقدم حول علم الخلاف في كشف الظنون (٧٢١/١). (٢) انظر: دراسات في الاختلافات الفقهية (ص ١٦). ٨٧ النبي * أنك تجد أهل المسجد الواحد يختلفون هل يصلى على النبي * في الأذان أم لا؟ فتثور ثائرتهم وترتفع أصواتهم هذا يريد من المؤذن أن يصلي على النبي 18 وذاك يقول: ليس من هدي النبي و 9، وينجم عن ذلك السباب والشتائم وكل فريق يكيل الاتهامات للفريق الآخر، ونسي الفريقان أنهم وقعوا في حرام وهو اختلافهم وتفرق كلمتهم من أجلٍ سنة الأذان، والله تعالى يقول: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ ... ﴾(١) ويقول أيضاً: تَعُواْ فَتَغْشَلُواْ﴾ (٢) ونسوا أن الله أرشدهم كيف يفعلوا إذا تنازعوا فقال: ﴿فَإِن ◌َّعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَرَّسُولِ﴾(٣). ورحم الله ابن مسعود حين قال ((الخلاف شر)) ولكنه أتم الصلاة في بيته، مع أنه اعترض على عثمان رضي الله عنه حين أتم الصلاة بمنى، فلما سئل عن ذلك قال قوله السابق، فيا ليت المسلمين في كل عصر يتأملون في كتاب الله وسنة نبيه وفي وحينئذ لن يضلوا أبداً(٤). والناظر في الآراء الفقهية نظر تمحيص يجدها بياناً لأحكام الكتاب والسنة كما فهمها الأئمة من الأدلة الشرعية وكان ذلك بعد أن بذل كل منهم إلى حد ما جهده واستفرغ وسعه في جمع الأدلة وتمحيصها، فكانت هذه الآراء ثمرات متعددة لشجرة واحدة وهي الكتاب والسنة، وليست بثمرات لشجرات مختلفة كما يتوهمها بعضهم وبذلك فهم جمهور الأمة من السلف والخلف حقيقة هذه الاختلافات ودونوا فيها الكتب الكثيرة الموضحة لشأنها، والمجلية لحقيقتها، والتي دفعت عن الأئمة الأعلام، الملام فيما اختلفوا فيه من الأحكام. (١) سورة آل عمران: آية ١٠٣. (٢) سورة الأنفال: آية ٤٦. (٣) سورة النساء: آية ٥٩. (٤) أخرجه أبو داود في المناسك رقم (١٩٦٠) باب الصلاة بمنى، وانظر مسألة (١٥٤). ٨٨ - وأما المتأخرون من أبناء هذه الأمة حملوا هذه الآراء وتعصبوا لها، مع أن الأئمة الأربعة لم يدعوا العصمة بل كان قول كل واحد منهم ما جاء على لسان الإمام الشافعي رحمه الله: ((إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ◌َّ فقولوا بسنة رسول الله وَلفو ودعوا ما قلت)). فكيف بعد هذا يحق لنا أن نتعصب لهؤلاء الأئمة مع أنهم اعتذروا لكل من سار على رأيهم إذا ثبت أن ما عنده خلاف سنة رسول الله صَلهو. ومما يؤسف له أن التعصب لهؤلاء الأئمة العلماء لم يكن حبيس الصدر فقط بل دوّن في الكتب لتقرأه الأجيال من قبل ومن بعد ومن ذلك ما قاله الصاوي على حاشية الجلالين في تفسير آية ﴿إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ (١) من سورة الكهف (١٠/٣) ما يلي: ((ولا يجوز تقليد ما عدا المذاهب الأربعة ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج عن هذه المذاهب الأربعة ضال مضل وربما أداه ذلك للكفر لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصل الكفر)). وهذا كلام جد خطير لأنه يكفر المسلم الذي ثبت له من الكتاب والسنة الصحيحة وعدل عن قول إمامه إلى هذا القول، ولكن هل فات الصاوي وكل من قال بهذا القول أن الأئمة الأربعة هم بشر من البشر يصيبون ويخطئون، وأن الكمال لله وحده والعصمة للرسل، وأن كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم وَ ﴿، وكل ما جاء عن السلف رضوان الله عليهم موافقاً لكتاب الله قبلناه وإلا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالاتباع ولكن نتورع عن التعرض لهؤلاء الأئمة بطعن أو تجريح، ولكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إماماً من هؤلاء الأئمة، كما ويحسن به مع هذا الاتباع أن ما استطاع في تعرف أدلته، وأن يتقبل كل إرشاد مصحوب بالدليل متى صح عنده (١) سورة الكهف: آية ٢٤. ٨٩ صلاح من أرشده وكفايته وأن يستكمل نقصه العلمي حتى يبلغ درجة النظر (١). جـ - فكرة موجزة عن نشأة الاختلافات الفقهية: ترجع نشأة الاختلاف في الأحكام الفقهية إلى نشأة الاجتهاد في الأحكام الذي بدأ يسيراً في زمن النبي وَلغيره، حيث استغنى الناس بالوحي المنزل على رسول الله وَ ر، ومن تلك الاجتهادات ما حدث في صلاة العصر ببني قريظة، حيث عجل بعضهم صلاة العصر، وآخرها البعض الآخر إلى حين وصل إلى بني قريظة، وأقرهما الرسول على ذلك. ثم توسع بعد ذلك بوفاة النبي وَ طهور، وبتفرق الصحابة رضوان الله عليهم في الأمصار .. وبدهي أن يتوسع الاختلاف في الأحكام الشرعية بانقطاع الوحي من السماء، وبتفرق صحابة رسول الله و 98 ورضي عنهم لأنه يرجع إلى أصلين أساسيين وهما: أولاً: احتمال النصوص الشرعية: إن من حكمة الله تعالى في شرعه أن يكون كثير من نصوص القرآن والسنة محتملة لأكثر من معنى واحد إذ أنزل القرآن بلسان عربي مبين، واحتمال اللفظ أمر تمتاز به اللغة العربية عن سائر اللغات الأخرى(٢). ومن هذه الألفاظ المحتملة لفظ ((لامستم)) كما يظهر ذلك واضحاً في مسألة (١٩) من هذا الكتاب هل هي الجماع؟ أم مجرد اللمس؟ ومنها لفظ ((قروء)) الواردة في قوله تعالى: ﴿وَلْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ فُرُوءٍ﴾(٣) .. إلخ. (١) الرسائل للإمام حسن البنا (ص ٣٥٧). (٢) انظر: دراسات في الاختلافات الفقهية للبيانوني ص ٢٢. (٣) سورة البقرة: آية ٢٢٨. ٩٠ ثانياً: اختلاف المدارك والأفهام: واقتضت حكمته تعالى في خلقه أن يجعلهم متفاوتين في عقولهم ومداركهم، ليكمل الكون، ويبرز ميزان التفاضل والتمايز بالعلم والعقل(١). ومحصلة طبيعية أن يكون نتيجة هذين الأصلين الاختلاف في الآراء والأحكام. وهذان الأصلان يعدان أيضاً من أسباب الاختلافات الفقهية كما سيأتي. د - أسباب الاختلافات الفقهية(٢): ترجع أسباب الاختلافات الفقهية إلى أمور أربعة: أولاً: الاختلاف في ثبوت النص وعدم ثبوته، أو معرفته وعدمها. لقد تفاوت وصول النصوص للأئمة، فمنهم من وصل إليه هذا النص ولم يصل إلى غيره، لذلك سيختلف حكم كل واحد بسبب ذلك. كما أن بعض النصوص ثبت عند هذا ولم يثبت عند ذاك، وسبب ذلك اختلافهم في توثيق الرجال وتضعيفهم، أو تبعاً لشذوذ في المتن أو في السند إلى غير ذلك مما يتصل بهذا السبب، وتظهر تطبيقاته في أغلب مسائل هذا الكتاب، وخذ مثالاً لذلك مسألة (٩) الأذنان ليستا من الرأس (ص ١٧١)، ومسألة (٤١) وحد الماء الذي لا ينجس جميعه بما يقع فيه ولا بغيره قلتان (ص ٣٩٠). ثانياً: الاختلاف في فهم النص. وعلى فرض اتفاقهم على ثبوت النص، فإنه يعترض سبب آخر وهو اختلافهم في فهم النص، سواء أكان هذا الاختلاف يعود إلى نوعية النص ككونه مشتركاً لفظياً بين عدة معان أو مجملاً لم يوضح معناه، أو جاء على سبيل الحقيقة أو المجاز إلى غير ذلك مما يعرفه (١) انظر: دراسات في الاختلافات الفقهية (ص ٢٢) حيث ذكر أمثلة كثيرة لذلك. (٢) انظر في هذه الأسباب كتاب: دراسات في الاختلافات الفقهية (ص ٣٣) وما بعدها فقد توسع في شرحها وضرب الأمثلة لذلك. ٩١ أهل اللغة والبيان ويظهر ذلك في مسألة (١٩) من مسائل هذا الكتاب وهي: ملامسة الرجل للمرأة هل يوجب الوضوء أم لا؟ ثالثاً: الاختلاف في طرق الجمع والترجيح بين النصوص المتعارضة : ولو سلمنا باتفاق على الأمرين السابقين فإنه يعترض أمر آخر وهو سلامة هذا النص، ففي معارض راجح في الظاهر في النصوص الأخرى. وهنا يحصل الاختلاف في طرق الجمع بين النصوص أو ترجيح بعضها ويظهر ذلك في مسألة (١٤) في حكم استقبال القبلة أو استدبارها بقضاء الحاجة، واختلافهم في قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام مسألة (٨٥)، واختلافهم في صفة صلاة الكسوف والقراءة فيها مسألة (١٧٨) ومسألة (١٨٠). رابعاً: الاختلاف في القواعد الأصولية وبعض مصادر الاستنباط: فإن لكل إمام قواعد وشروط في قبول الحديث ورده، ولكل وجهته ومتجهه في الاستنباط ولذلك نجدهم اختلفوا في حجية المصدر الذي تستنبط منه الأحكام. ومن ذلك فعل الصحابي أو فتواه، فمنهم من ينظر إلى ذلك نظرته إلى النصوص الشرعية فيعتبرها حجة قوية، وهناك من يخالفه في ذلك. ومنه أيضاً عمل أهل المدينة فمنهم من يعتبره حجة شرعية يقدمها على غيرها من أخبار الآحاد المحتملة. ومن ذلك أيضاً: عمل الراوي بخلاف ما روى فيختلف الحكم حسب موقف كل إمام من الأخذ أو عدم الأخذ بها وتظهر تطبيقات هذا السبب في مسائل كثيرة في هذا الكتاب. وعليه يظهر من خلال ما تقدم في ذكر أسباب الاختلافات الفقهية أن الخلاف في الفرعيات أمر طبيعي لا بد منه، إذ أن أصول ٩٢ الإسلام آيات وأحاديث وأعمال تختلف في فهمها وتصورها العقول والأفهام، لهذا كان الخلاف واقعاً بين الصحابة أنفسهم وما زال كذلك وسيظل إلى يوم القيامة. وما أحكم الإمام مالك رضي الله عنه حين قال لأبي جعفر وقد أراد أن يحمل الناس على الموطأ: ((إن أصحاب رسول الله ﴿ تفرقوا في الأمصار وعند كل قوم علم فإذا حملتهم على رأي واحد تكون فتنة)). وليس العيب في الخلاف ولكن العيب في التعصب للرأي والحجر على عقول الناس وآرائهم، وهذه النظرة إلى الأمور الخلافية جمعت القلوب المتفرقة على الخير، وحسب الناس أن يجتمعوا على ما يصير المسلم به مسلماً كما قال الإمام زيد رضي الله عنه . ٥ - هل الخلاف مقصود لذاته: الخلاف ليس مطلوباً شرعاً، ولا مطلوباً لذاته، بل يطلب من المسلمين في كل زمان ومكان الاتفاق، لأن الخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سبباً للتفرق في الدين ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب، ورحم الله من قال: نلتقي على ما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه. وليس اختلاف الأمة رحمة كما يقول بعض الناس اعتماداً منهم على حديث (اختلاف أمتي رحمة)) (١) - وهذا لا أصل له من حديث الرسول القلم وبسبب هذا الحديث تعصب كثير من المسلمين إلى آراء الأئمة الأربعة وإن كان في بعضها مخالفة لهدي النبي و 18 واعتبروا لكل من يخرج عليها كافراً كما سبق الإشارة إليه من كلام الصاوي. (١) انظر فيض القدير (٢٠٩/١) وسلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني (٧٦/١) حيث حکموا عليه بأنه لا أصل له. ٩٣ فالخلاف إن قصد لذاته فهو كما قال ابن مسعود ((الخلاف شر)) (١) وكما نهت عنه وحذرت منه، النصوص الكثيرة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَزَعُواْ فَفْشَلُواْ﴾(٢). وأما إن قصد منه إظهار الحق وبيانه فلا مانع من ذلك كما ظهر من خلال عرض أسباب الاختلافات الفقهية وأنه في الفروع لا في الأصول فلا بأس من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب. وخلاصة القول أن الخلاف المقصود لذاته مذموم في الشريعة والواجب على المسلمين التخلص منه لأنه من أسباب ضعف هذه الأمة قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ﴾ وقد يقول قائل أن الصحابة قد اختلفوا وهم أفاضل الناس أفيلحقهم الذم المذكور؟ وقد أجاب عنه ابن حزم رحمه الله تعالى فقال في المحلى: ((كلا ما يلحق أولئك شيء من هذا، لأن كل امرىء منهم تحرى سبيل الله، ووجهته الحق، فالمخطىء مأجور أجراً واحداً لنيته الجميلة في إرادة الخير، وقد رفع عنهم الإثم في خطئهم لأنهم لم يتعمدوه ولا قصدوه ولا استهانوا بطلبهم والمصيب منهم مأجور أجرين، وهكذا كل مسلم إلى يوم القيامة فيما خفي عليه من الدين ولم يبلغه، إنما الذم المذكور والوعيد المنصوص، كمن ترك التعلق بحبل الله تعالى وهو القرآن، وكلام النبي ◌َّر بعد بلوغ النص إليه وقيام الحجة به عليه، وتعلق بفلان وفلان مقلداً عامداً للاختلاف داعياً إلى عصبية وحمية جاهلية، (١) أخرجه أبو داود رقم (١٩٦٠) في المناسك باب الصلاة بمنى. (٢) سورة الأنفال: آية ٤٦. ٩٤ قاصداً للفرقة، متحرياً في دعواه برد القرآن والسنة إليها، فإن وافقها النص أخذ به وإن خالفها تعلق بجاهليته، وترك القرآن وكلام النبي ◌َّر، فهؤلاء هم المختلفون المذمومون وطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقة الدين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم من قول كل قائل فهم يأخذون ما كان رخصة في قول كل عالم، مقلدين غير طالبين ما أوجبه النص عن الله ورسوله))(١). وعليه فإن الله تبارك وتعالى يرضى منا بالحق والوحدة، ويكره منا الخلاف والفرقة ولذا يجب أن تكون وجهة المسلمين جميعاً التعاون وخدمة الإسلام الحنيف، وأن يطرحوا كل معاني الخلاف، والله تعالى يقول: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾(٢). (١) المحلى: لابن حزم (٦٧/٥ - ٦٨). (٢) سورة آل عمران: آية ١٠٣. ٩٥ الفصل الثاني دراسة حول مختصر الخلافيات وتشمل ما يلي: ١ - عقد موازنة بين الخلافيات والمختصر: سأعرض مسائل من كتاب الخلافيات ومثيلتها من كتاب ((مختصر الخلافيات)) ليقف القارىء على ما فعله المختصر في اختصاره. نص الخلافيات: مسألة (١٧) وخروج الريح من القبل ينقض الوضوء، وقال أبو حنيفة: لا ينقض ودليلنا عليه من طريق الخبر ما أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسين الخيري، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي رحمه الله أخبرنا سفيان وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه أخبرنا محمد بن أيوب أخبرنا الوليد حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عباد بن تميم عن عمه يعني عبد الله بن يزيد عن النبي وَلجر قال: ((لا تنصرف حتى تسمع صوتاً أو تجد ريحاً، هذا لفظ حديث أبي الوليد وفي حديث الشافعي قال: ((شكي إلى النبي # الرجل يخيل إليه في الصلاة، فقال: لا ينفتل حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)) اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيح، فرواه البخاري عن أبي الوليد، وغيره سفيان وزاد مسلم عن عمرو الناقد وأخبرني عن سفيان أخبرنا الأستاذ أبو بكر محمد الحسن بن فورك أخبرنا عبد الله بن جعفر حدثنا موسى بن حبيب حدثنا أبو داود حدثنا شعبة عن سهل بن أبي صالح عن أبيه عن ٩٦ أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((لا وضوء إلا من صوت أو ريح)) أخرجه مسلم في الصحيح عن زهير بن حرب عن سهيل معنى هذا الحديث فقال: ((حتى تسمع صوتاً أو تجد ريحاً)). نص مختصر الخلافيات: مسألة (١٧) وخروج الريح من القبل ينقض الوضوء، وقال: أبو حنيفة: لا ينقض الوضوء. ودليلنا عليه من طريق الخبر ما روى الشافعي عن سفيان عن الزهري عن عباد فقال لا ينفتل حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)) وفي رواية عنه عن النبي وَالقر قال: ((لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) اتفقا على صحتهما، وروي عن أبي هريرة عن النبي وسلم قال: ((لا وضوء إلا من صوت أو ريح)) أخرج مسلم، معناه فقال: ((حتى تسمع صوتاً أو تجد ريحاً)) والله أعلم(١). عمل المختصر: نلاحظ من خلال قراءة نص الخلافيات ومختصر الخلافيات ما يلي : أولاً: أنه اختصر سند الحديث من قوله في الخلافيات ((ما أخبرنا القاضي أبو بكر إلى قوله بـ ((ما أخبرنا الربيع بن سليمان)) فحذفه ولم یذکره. ثانياً: اختصر السند من قوله ((وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ)) إلى قوله ((حدثنا سفيان بن عيينة)) أي أن اللخمي اختصر إسناد الحديث من طريقيه واختصر على الشافعي فمن بعده في الطريق الأولى. ثالثاً: أبدل إسناد مسلم وأبي داود، بقوله وروي عن أبي هريرة عن النبي ◌َّر ثم عقب عليه بقوله أخرج مسلم معناه إلخ ومعلوم أن (١) انظر نص هذه المسألة في هذه الرسالة (ص ٢٣٦). ٩٧ كلمة روي لا تطلق عند المحدثين إلا فيما هو مشكوك في صحته وهذا الحديث ليس في صحته أدنى شك، وهذا على أي حال إخلال لفظي في مصطلح الحديث ولا أثر له على جوهر المضمون ما دام قد أخرجه مسلم في الصحيح وله شاهد عند الشيخين. نص الخلافيات: مسألة (٣٢) والمريض الذي لا يخاف التلف باستعمال الماء لا يتيمم. وقال أبو حنيفة: يتيمم إذا كان يتأذى بالماء وإن لم يخف التلف، ودليلنا إجماعنا على وجوب الطهارة بالماء وقد وردت الإباحة في التيمم للمريض بقوله: ﴿وَإِن كُم قَرْهَ﴾ ولا يمكن إجراؤه على ظاهره إذ لا يجوز للذي به صداع أو غيره أن يتيمم بالاتفاق، فوجب قصره على ما ورد فيه وهو المريض الذي يخاف التلف باستعمال الماء، أخبرناه بذلك أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ حدثنا أبو بكر بن إسحاق أخبرنا عبد الله بن محمد حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رفعه في قوله عز وجل: ﴿وَإِن كُم مَّضَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ ﴾ قال ((إذا كان بالرجل الجراحة في سبيل الله أو القروح أو الجدري فيجنب فيخاف إن اغتسل أن يموت فليتيمم، أخبرنا أبو سعيد الماليني أخبرنا أبو أحمد بن عدي حدثنا محمد بن أحمد بن الحسين الأهوازي حدثنا أبو إسماعيل الترمذي حدثنا محمد بن عيسى الطباع، حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ◌َالطيار: ((وإن كنتم مرضى أو على سفر قال: إذا كانت بالرجل جراحة يخاف إن اغتسل أن يموت فليتيمم)) وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبدان أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي حدثنا ابن أبي مريم حدثنا الفرياني ح قال وحدثنا علي بن عبد العزيز أبو نعيم ح قال وحدثنا الدبري عن عبد الرزاق كلهم عن الثوري عن عاصم ٩٨ الأحول عن قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ((رخصة المريض في الوضوء التيمم بالمسجد)) قال: وقال ابن عباس ((أرأيت إذا كان مجدوراً كأنه ضمعه كيف يصنع به، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبر أبو عبد الله محمد بن يعقوب حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى حدثنا مسدد حدثنا أبو الأحوص حدثنا سعيد بن مسروق عن عبابة بن رفاعة عن جده رافع بن خديج قال سمعت النبي وَط # يقول: ((إن الحمى من فور جهنم فأبردوها بالماء» أخرجه البخاري في الصحيح عن مسدد، وأخرجه مسلم عن هناد كلاهما عن أبي الأحوص فأمر المحموم باستعمال الماء وقد يتأذى إذا كان معه علة أخرى. نص مختصر الخلافيات : مسألة (٣٢) والمريض الذي لا يخاف التلف باستعمال الماء لا يتيمم، وقال أبو حنيفة: يتيمم إذا كان يتأذى بالماء. وقد وردت الإباحة في التيمم للمريض بقوله عز وجل: ﴿وَإِن كُنُم ◌َّضَ﴾ ولا يمكن إجراؤه على ظاهره، إذا لا يجوز للذي به صداع أو غيره أن يتيمم بالاتفاق فوجب قصره على ما ورد فيه وهو المريض الذي يخاف التلف باستعمال الماء، أخبرنا بذلك وذكر إسناداً عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رفعه في قوله عز وجل: ﴿وَ إِن كُنتُم مَّرْهَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ قال إذا كان بالرجل جراحة في سبيل الله أو القروح أو الجدري، فيجنب فيخاف إن اغتسل أن يموت فليتيمم، وفي الصحيحين عن رافع بن خديج قال: ((سمعت النبي ◌َّ يقول الحمى من فور جهنم فأبردوها بالماء)) فأمر المحموم باستعمال الماء وقد يتأذى بها إذا كان معها علة أخرى والله أعلم(١). (١) انظر نص المسألة في هذه الرسالة ص ٣٦١. ٩٩ عمل المختصر: ١ - اختصر اللخمي الأسانيد في سائر الأحاديث على عادته وذكر مخرجيها بيد أنه لم يذكر مخرج أحدها وهو الترمذي وحذف إسناده مع أن مخرجه واضح في النص وهو الترمذي. ٢ - تظهر شخصية اللخمي الفقهية ويبدو غرضه في الاختصار واضحاً فقد حذف مسألة حكاية الإجماع على وجوب الطهارة بالماء لأنها من تحصيل الحاصل وإنما أراد تحرير محل النزاع وإيراد الأدلة المطابقة . ٣ - كان واجب المختصر إذ اختصر الأسانيد أن يعزو الحديث إلى أشهر مخرجيه أو إليهم على قدر الطاقة لأنه ترك القارىء غير قادر على الحكم بصحة الحديث أو ضعفه من خلال إسناده ولا أرشده إلى مصدره المشهور ليسهل الرجوع إليه ومعرفة حاله، ولا أدري هل اعتمد اللخمي في ذلك على ذكاء القارىء ومعرفته أم دفعته إلى ذلك طريقته الفقهية التي تعنى بالمتون دون الأسانيد، أو اكتفى بإيراد البيهقي لهذا الحديث أو ذاك محتجاً به دليلاً على صحته. نص الخلافيات: مسألة (٣٣) إذا كان بعض أعضائه جريحاً غسل ما قدر عليه وتيمم للباقي، وقال أبو حنيفة: إذا كان الأكثر جريحاً سقط عنه فرض الغسل فتيمم ودليلنا من طريق الخبر ما أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن محمد الروذباري أخبرنا أبو بكر ابن داسه حدثنا أبو داود حدثنا موسى بن عبد الرحمن الرحبي الأنطاكي حدثنا محمد بن سلمة عن الزبير بن خريق عن عطاء عن جابر قال: ((خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم فقال لأصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي ◌َّ أخبرناه بذلك فقال: ١٠٠