Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
ثُمَّ أُعِيدَ» - وَفِي رِوَايَةٍ: ((ثُمَّ غُسِلَ الْبَطْنُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِىَ إِيمَاناً وَحِكْمَةً -
ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَنْيَضَ يُقَالُ لَهُ: الْبُرَاقُ،
وقيل: ملئ بالقلب ظرفه، وهو الجلد الرقيق الذي يكون القلب فيه، وهذا المعنى
لا يخلو عن بعد وتكلف، والأظهر الأنسب هو الأول.
وقيل: الحكمة في تفريج سقف البيت ونزول الملك منه وعدم دخوله من الباب
أن الملك انصب من السماء انصبابة واحدة، ولم يعرج على شيء سواه مبالغة في
المفاجأة، وتنبيها على أن الطلب وقع على غير ميعاد كما كان لموسى عليها، وقيل:
يحتمل أن يكون توطئة وتمهيداً لتفريج صدره، فأراه الملك بإفراجه عن السقف ثم
التئامه على الفور كيفية ما يصنع به لطفاً به وتثبيتاً لبصره، والله أعلم.
وقوله: (ثم أتيت بدابة) وهذا على ما جرت به عادة الملوك أنهم إذا استدعوا
من يخص بهم بعثوا إليه بمركوب شيء يحمله عليه في وفادته عليه، وقيل: الحكمة
في كون البراق دابة دون البغل وفوق الحمار، ولم يكن على شكل الفرس إشارة إلى
أن الرکوب کان في سلم وأمن دون حرب وخوف.
وقوله: (يقال له: البراق) سمي به لسرعة سيره كالبرق، وقيل: هو من البريق
بمعنى اللعمان، وقيل: لكونه ذا لونين، يقال: شاة برقاء إذا كان في خلال صوفها
الأبيض طاقات سود، ويحتمل أن لا يكون مشتقاً، كذا في (المواهب)(١).
وجاء في رواية: أنه قال جبرئيل: يا محمد اركبه، فإنه البراق الذي ركبه إبراهيم،
وفي بعض الروايات: الأنبياء، وركبه سائر الأنبياء، وفي صحة هذه الروايات كلام،
نعم يفهم من ظاهر قول جبرئيل للبراق كما جاء في حديث أنس: (فما ركبك أحد
(١) ((المواهب اللدنية)) (٣/ ٣٧).

٣٨٢
(٦) باب في المعراج
يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ،
أكرم على الله منه)(١) أنه قد ركبه قبل ذلك بعض الأنبياء، وسمعت من مولانا الشيخ
العارف بالله سيدي الشيخ عبد الوهاب المتقي أن لكل نبي براقاً على حسب رتبته كما
أن لكل منهم حوضاً يوم القيامة كذلك، وفي كلام أهل التأويل أن البراق مثال لنفسه
الشريفة ، والنفس مركب الروح وسبب لوصوله إلى المقام الأعلى، ولذلك كان
يجمح كما هو خاصية النفس فاطمأنت، ومن هذا الكلام يظهر أن يكون هذا البراق
مخصوصاً به تلر، والله أعلم.
فإن قلت: هل يقال للبراق فرس؟ قلت: سمعت الشيخ رحمة الله عليه أنه [قال]:
إنما يقال له: براق، لا فرس ولا غيره.
وقوله: (يضع خطوه عند أقصى طرفه) بفتح وسکون، أي: يضع رجله عند منتهى
بصره، واستدل بعضهم بهذا أنه يكون قطعه الأرض إلى السماء في خطوة واحدة؛
لأن بصر الذي في الأرض يقع على السماء فبلغ أعلى السماوات في سبع خطوات، وجاء
في بعض الروايات: (فركبتها، إن تركتها سارت وإن حركتها طارت).
وقوله: (فحملت) بلفظ المجهول إشارة إلى أن الركوب بمحض إعانة الله وقدرته،
ويمكن أن يقال: إن الحامل والواسط كان هو جبرئيل بقوة ملكوته ولا بعد في ذلك،
فإن جبرئيل كانت واسطة في وصول الفيض والوحي إلى رسول الله صلّر، وهذا نوع
من الخدمة يفعلها خدام الملوك، فإن جبرئيل يا كان في هذه الليلة خادم دولته وحامل
غاشيته، وجاء في رواية: (كان الذي أمسك بركابه جبرئيل، وبزمام البراق ميكائيل)(٢)،
(١) أخرجه الترمذي في ((سننه)) (٣١٣١).
(٢) انظر: ((شرف المصطفى)) لأبي سعد عبد الملك النيسابوري (ت: ٤٠٦هـ) (٢ / ١٩٤).

٣٨٣
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
فَانْطَلَقَ بِي جِبْرَئِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ:
جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أَرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قيل: مرْحَباً بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ،
والسفارة في إيصال الوحي أيضاً من هذا الباب، والله أعلم.
وقوله: (فانطلق بي جبرئيل حتى أتى السماء الدنيا) طوي في هذا الحديث قصة
الإسراء إلى بيت المقدس، وقد تمسك بهذا الحديث من زعم أن المعراج كان في
غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس، والله أعلم.
ثم هذا يدل على أنه قد استمر ركوبه على البراق حتى عرج به إلى السماء، وزعم
بعضهم أنه لم يكن على البراق حين صعد إلى السماء، بل وضع له ◌ّ﴾ سلم رقي به
السماء، وفي رواية: (حمله جبرئيل على جناحه إلى السماء)، والله أعلم.
وقوله: (وقد أرسل إليه؟) بحذف حرف الاستفهام، أي: هل طلبوه وبعثت إليه
للإصعاد؟ وقيل: معناه هل أوحي إليه، وبعث نبياً؟ والأول أظهر؛ لأن أمر نبوته كان
مشهوراً في الملكوت، وقيل: سؤالهم كان للاستعجاب والاستبشار بعروجه وقدومه
ليتشرفوا به، إذ من البين عندهم أن أحداً لا يترقى إلى السماوات بغير إذن الله، وهذا
القول أظهر وأحسن وأعجب.
وقوله: (فنعم المجيء جاء) قيل: فيه تقديم وتأخير وحذف المخصوص،
تقديره: جاء فنعم المجيء مجيئه، أو الموصول محذوف، أي: نعم المجيء الذي
جاءه .
وقوله: (ففتح) دل على أن للسماء باباً، وقد نطق بذلك القرآن العظيم أيضاً،
ويقال: إن أبوابها محاذية لبيت المقدس، ولهذا كان المعراج من هناك، وإذا كان لها

٣٨٤
(٦) باب في المعراج
فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا فِيهَا آدَمُ، فَقَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ
عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلاَمَ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَباً بِالأَبْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ
بِي حَتَّى أَتَى السَّماءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: حِبْرَِيلُ. قِيلَ:
وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَباً
بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَفُتِحَ. فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يَحْبَى وَعِيسَى وَهُمَا ابْنَا خَالَةٍ.
قَالَ: هَذَا يَحْبَى وَهَذَا عِيسَى، فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا، ثُمَّ قَالاَ: مَرْحَباً
بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ
قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: حِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ
أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَباً بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ، فَلَمَّا
خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ، قَالَ: هَذَا يُوسُفُ، فَسَلَّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَةَ. ثُمَّ
قَالَ: مَرْحَباً بِالأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَنَى السَّمَاءَ
الرَّابِعَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَبِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ:
مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟.
أبواب فلا يلزم الخرق والالتئام على أن حديث الخرق والالتئام وبطلانهما هذيان من
القول باطل، لأن الله سبحانه قادر على كل شيء، والفلك مثل سائر الأجسام يجوز عليه
ما يجوز عليها، والدلائل التي أقاموا عليها معلومة مدخولة لا يحصل بها الظن بما
ادعوا خصوصاً اليقين.
وقوله: (فلما خلصت) أي: وصلت ودخلت في السماء.
وقوله: (فسلم عليه) إنما بادر جبرئيل بأمره وَّه بالتسليم على الأنبياء تعليماً

٣٨٥
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَباً بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا
إِذْرِيسُ، فَقَالَ: هَذَا إِذْرِيسُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَ، ثُمَّ قَالَ:
مَرْحَباً بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَنَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ،
فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: حِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ.
قِيلَ: وَقَدْ أَرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَباً بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ،
فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا هَارُونُ، قَالَ: هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ
عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَباً بِالأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي
حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: حِبْرِيلُ. قِيلَ:
وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَباً
بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا مُوسَى، قَالَ: هَذَا مُوسَى، فَسَلِّمْ
عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَباً بِالأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ،
فَلَمَّا جَاوَزْتُ بَكَى، قِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟
للتواضع والشفقة عليهم لبلوغه في الرفعة مقاماً لم يبلغه أحد فكان محل التواضع،
وقيل: إنما أمر بالتسليم عليهم؛ لأنه كان عابراً عليهم، فكان في حكم القائم وكانوا في
حكم القاعد، والقائم يسلم على القاعد وإن كان أفضل منه.
وقوله: (هذا إدريس) وقيل في قوله: (مرحباً بالأخ الصالح) أن إدريس من
آبائه ◌َله، وأجيب بأن الأنبياء كلهم إخوان كالمؤمنين، وعلى هذا لو قال آدم وإبراهيم
أيضاً: الأخ الصالح، ولكن لما كان أبوتهما ظاهراً مشهوراً قالا: الابن، ثم استشكل
رؤية الأنبياء في السماوات مع أن أجسادهم مستقرة في قبورهم؟ وأجيب بأن أرواحهم
تشكلت بصور أجسادهم أو أحضرت أجسادهم لملاقاته * تلك الليلة تشريفاً وتكريماً

٣٨٦
(٦) باب في المعراج
له، وما جاء في بعض الروايات: أنه بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء فأمّهم، يؤيد
هذا الوجه، كذا قيل، ولكن لا حاجة إلى القول بالبعث؛ لأن الأنبياء أحياء إلا أن
یکون المراد بالبعث الإحضار، هذا وأما اختصاص هؤلاء الأنبياء بملاقاته پڑ دون
غيرهم من الأنبياء، واختصاص كل واحد منهم بسماء مخصوص فمما لا يدرك بالحقيقة
وجهه .
وقد يذكر لكلا الأمرين مناسبات ظاهرة يستأنس بها، أما حقيقة الأمر فلا، فيقال
الأول: إن ذلك إشارة إلى ما سيقع له ◌ّ مع قومه من نظير ما وقع لكل منهم،
كخروجه ◌َ* من مكة وما ألفه من الوطن مثل خروج آدم من الجنة، وما أصابه من
اليهود في أول الهجرة مثل ما أصاب عيسى ويحيى منهم، ووجود الأذى من أقربائه
مثل ما وقع ليوسف من إخوته، وكانت العاقبة له ورفع مكانه وعلو شأنه لقوله تعالى:
﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] كما قال في إدريس: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]، ورجوع
قومه إلى محبته بعد أن آذوه كما وقع بهارون، وقال ◌ّ: (لقد أوذي بأكثر من هذا
فصبر)(١). ولعله قاله في بعض الأمور وإلا فقد ورد: (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت
في سبيل الله)(٢)، وأما مناسبته بإبراهيم فظاهر، وقد رأى إبراهيم متكئاً بالبيت المعمور،
وذلك مثل استناده بالبيت الحرام في فتح مكة .
وأما اختصاص كل منهم بسماء رأى فيها فلأن آدم أول الأنبياء وأول الآباء،
فكان أولى بالأولى، وخص عيسى بالثانية لأنه أقرب الأنبياء عهداً لمحمد ێ ويحيى
(١) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٣١٥٠)، ومسلم في ((صحيحه)) (١٠٦٢).
(٢) أخرجه الترمذي في («سننه» (٢٤٧٢)، وابن ماجه في ((سننه)) (١٥١).

٣٨٧
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
قَالَ: أَبْكِي لِأَنَّ غُلاَماً بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَتِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا
مِنْ أَمَّتِي، ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرَئِيلُ، قِيلَ: مَنْ
هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟
قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَباً بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ،
ابن خالته معه، ويليه يوسف؛ لأن أمة محمد تدخل الجنة على صورته، وإدريس بالرابعة
لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَهُ مَكَنَّاعَلِيًّا﴾، والرابعة من السبع وسط معتدل، وهارون في الخامسة
لقربه من أخيه، وموسى أرفع منه لفضل كلام الله تعالى به، وإبراهيم فوقه لأنه أفضل
الأنبياء بعد نبينا وَّر وعليهم أجمعين، كذا ذكروا والله أعلم.
ثم هذا الترتيب الذي وقع في هذا الحديث هو أصح الروايات وأرجحها، وقد
وقع في بعض الروايات أنه رأى إبراهيم علا في السماء السادسة، ورأى موسى في
السابعة، وفي رواية: رأى إدريس في الثالثة وهارون في الرابعة، وفي أخرى إدريس
في الخامسة ويوسف في الثانية، ويحيى وعيسى في الثالثة، وعلى تقدير صحة الروايات
يتعذر الجمع إلا أن يقال بتعدد المعراج، أو يرجح بعض الروايات على بعض، والأرجح
هو رواية الجماعة، كذا قال الشيخ(١).
وقوله: (أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها
من أمتي) قالوا: لم يكن بكاء موسى عليهلا حسداً على فضيلة نبينا ﴿ وأمته؛ لأن الحسد
مذموم من آحاد المؤمنين، وأيضاً منزوع منهم في ذلك العالم، فكيف عمن اصطفاه
الله سبحانه، وهو كليم، بل كان أسفاً على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع
الدرجات بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم المستلزم
(١) ((فتح الباري)) (٧/ ٢١٠).

٣٨٨
(٦) باب في المعراج
النقصان أجره عليّه، لأن لكل نبي مثل أجر من اتبعه.
وقيل: ذلك محمول على الرقة لقومه والشفقة عليهم حيث لم ينتفعوا بمتابعته
انتفاع هذه الأمة بمتابعة نبيهم، ولم يبلغ سوادهم مبلغ سوادهم، فإن الله تعالى قد
جعل في قلوب أنبيائه عليهم السلام الرأفة والرحمة لأمتهم، وقد أخذوا من رحمة
الله تعالى أوفر نصيب، وكانت الرحمة في قلوبهم لعباد الله تعالى أكثر من غيرهم،
وقد بكى نبينا نبي الرحمة وَل﴾. فقيل: أنت تبكي يا رسول الله! قال: (هذه رحمة،
وإنما يرحم الله من عباده الرحماء)، فلأجل ذلك بكى موسى عليه رحمة لأمته؛ لأن هذا
وقت أفضال وجود وكرم، لعل الله يرحم أمته ببركة هذه الساعة، وقد قيل: إن غرض
موسى إدخال السرور على نبينا وسي بأنه أكثر أتباعاً، وأن أمته أكثر ممن يدخل الجنة
من أمتي، وأمة موسى كانت كثيراً، وأما قوله: (لأن غلاماً بعث بعدي) فليس على
سبيل التنقيص ولم يرد به استصغار شأنه، بل على سبيل التنويه والتعظيم لقدرة الله
سبحانه وعظم كرمه بإعطاء ما كان في ذلك السن ما لم يعط أحداً قبله ممن كان أسن
منه، والمراد استقصار مدته مع استكثار فضائله واستتمام سواد أمته، وقد يطلق الغلام
ويراد به القوي الطري الشاب، ولهذا كان أهل المدينة يسمونه حين هاجر إليهم شاباً
وأبا بكر مع أنه أصغر سناً منه شيخاً.
وقال الشيخ(١): ويظهر لي أن موسى ﴾ أشار بهذا اللفظ إلى استمرار قوة
نبينا وَّ في الكهولة إلى أن دخل في أول الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هرم ولا اعترى
قوته نقص كأنه شاب إلى الآن.
(١) ((فتح الباري)) (٧/ ٢١٢).

٣٨٩
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: هَذَا أَبَّوكَ إِبْرَاهِيمُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ
عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلاَمَ ثمَّ قَالَ: مَرْحَباً بِالأَبْنِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ
رُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَھَى
وقوله: (مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح) اعلم أن الأنبياء كلهم وصفوه وكل
بالصلاح، ويعلم منه أن الصلاح مرتبة رفيعة عظيمة، وقد وصف الله تعالى في كتابه
المجيد أنبياءه صلوات الله عليهم بذلك، فقال: ﴿كُلُّ مِّنَ الصَّلِحِينَ ﴾ [الأنعام: ٨٥]،
﴿وَكُلَّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٢]، والصلاح ضد الفساد، ويتضمن الاتصاف بجميع
ما يصلح القلب ويجعله صالحاً لما يقصد به من الكمالات والصفات الجميلة .
وقوله: (ثم رفعت إلى) الأكثر بضم الراء وسكون العين وضم التاء بضمير المتكلم
وبعده (إلى) للانتهاء. وللكشميهني: (رفعت لي) بفتح العين وسكون التاء وبعده
لام الجر داخلة على ياء المتكلم، أي: رفعت السدرة لي، أي: من أجلي، والرفع تقريب
الشيء، وقد فسر قوله تعالى: ﴿سُرٌُّ مَّرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣] بموضوعة بعضها على بعض
وبمقربة لهم، فمعناه على الأول رقيت وقربت إليه، وعلى الثاني أظهرت السدرة ورئيت
لي، والسدر: شجرة النبق، والواحدة بهاء، وإنما سميت سدرة المنتهى؛ لأن علم
الملائكة ومقامهم ينتهي إليها، ولم يجاوزها أحد إلا نبينا وَّر، ولأنه ينتهي إليها ما يعرج
من الأرض من الأعمال فيقبض منها، ومن هناك ينزل الأمر وتتلقى الأحكام، وعندها
تقف الحفظة وغيرهم، ولا يتعدونها فكانت منتهى.
وقال بعض العلماء: اختيرت السدرة دون غيرها من الأشجار؛ لأن فيها ثلاثة
أصناف: ظل مديد، وطعم لذيذ، ورائحة زكية، فكانت بمنزلة الإيمان الذي يجمع
القول والعمل والنية، فالظل بمنزلة العمل، والطعم بمنزلة النية، والرائحة بمنزلة القول،

٣٩٠
(٦) باب في المعراج
فَإِذَا نَبِقُهَا مِثْلُ قِلَاَلِ هَجَرَ، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ، قَالَ: هَذَا سِدْرَةُ
الْمُنْتَهَى، فَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارِ: نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، قُلْتُ: مَا هَذَانِ
يَا جِبْرَكِيلُ؟ قَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَتَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِيلُ
وَالْفُرَاتُ،
والنبق حمل السدر بفتح النون وكسرها وسكون الموحدة وککتف، واحدته بهاء.
وقوله: (قلال) بالكسر جمع قلة بالضم، وهي الجرة، و(هجر) بفتحتين اسم
موضع يصنع فيه القلال كثيراً، وسبق في (كتاب الطهارة). و(الفيلة) بكسر الفاء وفتح
التحتانية جمع الفيل، وهذا تمثيل على قدر فهم الناس، وليس على حقيقته، فقد ورد
في بعض الروايات: (فإذا كل ورقة منها تغطي هذه الأمة)(١)، ويدل هذا الحديث أن
السدرة في السماء السابعة، وهو الصحيح المشهور الأكثر رواية، ووقع في بعض الروايات
أنها في السماء السادسة، وقالو في وجه الجمع: بأن أصولها في السادسة وفروعها
في السابعة، والله أعلم.
وقوله: (نهران باطنان) أي: يجريان في الجنة ولا يخرجان منها، نقل الطيبي(٢)
أنهما السلسبيل والكوثر، وفي (شرح ابن الملك)(٣): يقال لأحدهما: الكوثر، وللآخر:
نهر الرحمة، وإنما قال: باطنان لخفاء أمرهما فلا تهتدي العقول إلى وصفهما، أو
لأنهما مخفيان عن أبصار الناظرين فلا يريان حتى يَصُبًا في الجنة، انتهى.
وأما الظاهران فالنيل والفرات، الحديث يدل على أن النيل وهو نهر مصر، والفرات
(١) أخرجه البيهقي في ((البعث والنشور)) (ص: ١٤٣).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١١ / ٨٧).
(٣) ((شرح مصابيح السنة)) (٦ / ٢٨٠).

٣٩١
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ وَإِنَاءٍ مِنْ
عَسَلٍ، فَأَخَذْتُ الَّبَنَ، قَالَ: هِيَ الْفِطْرَةُ، أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ،
وهو نهر الكوفة يخرجان من أصل السدرة، ثم يخرجان من الأرض ويسيران فيها
فوجب المصير إليه، وقد أورد السيوطي في النيل من الأحاديث ما يدل عليه، ويتضمن
عجائب وغرائب ما تتحير العقول فيه، وقيل: يحتمل أن يكون المراد بهما ما عرفا
بين الناس ويكون مادتهما مما يخرج من أصل السدرة، ولم يدرك كيفته، وأن یکون من
باب الاستعارة بأن شَبَّههما بنهري الجنة في العظم والعذوبة، أو من باب توافق الأسماء
بأن يكون اسما نهري الجنة موافقتين لا سمي نهري الدنيا، كذا في (شرح ابن الملك).
وقوله: (ثم رفع لي البيت المعمور) وهو بيت في السماء السابعة بإزاء الكعبة
بحيث لو فرض سقوطه لوقع عليها، ويأتي ذكره في الحديث الآتي.
وقوله: (هي الفطرة) نقل في (المواهب)(١): اخترت اللبن الذي عليه بنيت الخلقة
وبه نبت اللحم ونشز العظم، أو اخترته لأنه الحلال الدائم في دين الإسلام، بخلاف
الخمر فإنه حرام فيما يستقر عليه الأمر، وقال النووي (٢): المراد بالفطرة هنا الإسلام
والاستقامة، قال: ومعناه - والله أعلم - اخترت علامة الإسلام والاستقامة، قال: وجعل
اللبن علامة لذلك لكونه سهلاً طيباً طاهراً سائغاً للشاربين سليم العاقبة، وأما الخمر
فإنها أم الخبائث وجالبة لأنواع الشر في الحال والمآل، انتهى.
وبما ذكر يظهر الجواب عما يقال: إن الخمر إذ ذاك كانت مباحة؛ لأنها إنما
حرمت بالمدينة، فما وجه تعيينه وَله لأحد المباحين؟
(١) ((المواهب اللدنية)) (٣/ ٤٦).
(٢) ((شرح النووي)) (٢/ ٢١٢).

٣٩٢
(٦) باب في المعراج
ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلاَةُ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى
مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَةً كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ:
إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلاَةً كُلَّ بَوْمٍ، وَإِنِّي وَاللهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ
قَبْلَكَ، .
وإن قلنا: إنها كانت من خمر الجنة كان سبب تجنبها صورتها ومضاهاتها الخمر
المحرمة، أي: في علم الله تعالى، وذلك أبلغ في الورع والتقوى، وهذا الحديث
يدل على أن الإتيان بالأواني الثلاث كان فوق السماء، ودل بعض الأحاديث على أنه كان
عند إتيان المسجد الأقصى، ولعله كان مرتين في المقامين جميعاً صرح به الحافظ العماد
ابن كثير(١)، وقد لا يذكر في بعض الأحاديث العسل، ويصلح وجهاً لذلك مثل ما ذكرنا،
والله أعلم.
وقوله: (ثم فرضت علي الصلاة) قال بعض العارفين: الحكمة في فرض الصلاة
ليلة الإسراء أنه سي لما عرج به رأى في تلك الليلة تعبد الملائكة، وأن منهم القائم
فلا يقعد، والراکع فلا یسجد، والساجد فلا يقعد، فجمع الله تعالی له ولأمته تلك
العبادات كلها في الركعة، وفيه نظر فتأمل .
وقوله: (فقال: بما أمرت؟) قيل: لعل اختصاص موسى بي بالتكلم في هذا
المقام لاختصاصه بكلام الله تعالى في الدنيا من بين سائر الأنبياء والرسل، وقد بالغ عليالا
في النصيحة والشفقة لهذه الأمة في هذه القضية، وظهر منه ما لم يظهر أحد من الأنبياء.
وقوله: (أمضيت فريضتي) استدل بحديث المعراج في فرضية خمس صلوات
وإمضائها وعدم تبدلها من قال: بعدم وجوب الوتر، والجواب أن المراد الفرضية القطعية
(١) انظر: ((السيرة النبوية)) (٢ / ٩٥).

٣٩٣
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ
لِأُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْراً، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ،
فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْراً، فَرَجَعْتُ إِلى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ
عَنِّي عَشْراً، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْراً،
فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ
فَأُمِرْتُ بِخَمْسٍ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟
قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسٍ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ خَمْسَ
صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ
الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي
حَتَّى اسْتَحْيَیْتُ،
عملاً واعتقاداً، ووجوب الوتر ليس كذلك، وهو ثابت بالسنة بدليل فيه شبهة، ولذا
قال إمامنا الأعظم بوجوبه بهذا المعنى، دون فرضيته بذلك المعنى على أنه يجوز أن
يكون المراد بإمضاء فرضية الخمس وعدم تبدلها [عدم] نسخ فرضيتها كلاً أو بعضاً
لا عدم الزيادة عليها، فيجوز أن يوحى بعد فرضية الخمس بصلاة أخرى.
وقوله: (وعالجت بني إسرائيل) أي: مارستهم ولقيت الشدة منهم، في
(القاموس)(١): عالجه علاجاً ومعالجة: زاوله وداواه، انتهى.
وقوله: (فارجع إلى ربك) أي: إلى موضع ناجیت ربك فيه.
وقوله: (فرجعت) يدل على أنه لم يكن واجباً قطعاً، ولذلك علم موسى عليه﴾
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٩٥).

٣٩٤
(٦) باب في المعراج
وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ. قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي
وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٨٧، م: ١٦٤].
٥٨٦٣ - [٢] وَعَنْ ثَابِتِ البُنانيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ:
(أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَبَّةٌ أَنْيَضُ طَوِيلٌ، فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَقَعُ حَافِرُهُ
عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي
تَرْبُطُ بِهَا الأَنْبِيَاءُ» .
وعرف نبينا ◌َّ وإلا كيف يتصور المراجعة، ويمكن أن يكون نسخاً، كما قال من جوز
النسخ قبل العمل والتمكن منه .
٥٨٦٣ - [٢] (ثابت البناني) قوله: (وعن ثابت البناني) بضم الباء وتخفيف النون،
و(الحلقة) أي: حلقة باب المسجد بسكون اللام على اللغة الفصيحة المشهورة
وحکي فتحها .
وقوله: (تربط) بالفوقانية في أكثر النسخ بتأويل الجماعة، وبالتحتانية في بعضها،
و(بها) بضمير المؤنث راجعاً إلى الحلقة، وفي الحواشي: (يربط به) بضمير المذكر
في الأصول باعتبار المعنى، والمراد أني ربطت دابتي بالحلقة التي تربط بها الأنبياء
دوابهم، فلا يلزم أن يكون هذه الدابة قد ركبها الأنبياء، نعم لا يبعد أن يكون المعنى
ربطت براقي حيث كان كل من الأنبياء يربط براقه على ما نقلنا قبل أنه كان لكل نبي
براق، وأما هذا البراق فمخصوص به وَ لّر، فافهم.
وجاء في بعض الروايات: فلما بلغ بيت المقدس فبلغ المكان الذي يقال له:
باب محمد، أتى إلى الحجر الذي به فغمز جبرئيل بأصبعه فنقبه ثم ربطها، فلما استويا
في سرحة المسجد قال جبرئيل: يا محمد! هل سألت ربك أن يريك الحور العين؟
قال: نعم، قال: فانطلق إلى أولئك النسوة فسلم عليهن. و(بيت المقدس) فيه لغتان

٣٩٥
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
قَالَ: ((ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَّتِي جِبْرَئِيلُ
◌ِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرَِيلُ: اخْتَرْتَ
الْفِطْرَةَ،
فتح المیم مع سكون القاف و کسر الدال وضم الميم وفتح القاف مع تشديد الدال.
وقوله: (فصليت فيه ركعتين) الظاهر أنهما ركعتا تحية المسجد، ولقد فات
الراوي في هذا الحديث ذكر صلاته وّيه مع الأنبياء وإمامته لهم، إما اختصاراً أو ذهولاً
كما فات في الحديث الأول ذكر دخوله بيت المقدس، بل هذا أظهر لأنه قد قيل: إن
المعراج كان في غير ليلة الإسراء، أما في الحديث الذي فيه ذكر الإسراء فرواية الإمامة
ثابتة قطعاً، ففي رواية عبد الرحمن بن هشام عن أنس: ثم بعث آدم فمن دونه فأمهم
تلك الليلة، وفي حديث أم هانئ عند أبي يعلى: (ونشر لي رهط من الأنبياء، منهم
إبراهيم وموسى وعيسى)(١). وفي رواية أبي سلمة: (ثم حانت الصلاة فأممتهم)،
أخرجه مسلم(٢)، وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني في (الأوسط)(٣): أقيمت الصلاة
فتدافعوا حتى قدموا محمداً أَّ، وفي رواية ابن مسعود: (ثم دخلت المسجد، فعرفت
النبيين ما بين راكع وساجد، ثم أذن مؤذن، فأقيمت الصلاة، فقمنا صفوفاً فأنتظر من
يؤمنا، فأخذ بيدي جبرئيل فقدمني، فصليت بهم، فلما انصرفت قال لي جبرئيل:
أتدري من صلى خلفك؟ قال: لا، قال: صلى خلفك كل نبي بعثه الله تعالى) (٤).
(١) ((معجم أبي يعلي)) (١ / ٤٢).
(٢) ((صحيح مسلم)) (١٧٢).
(٣) ((المعجم الأوسط)) (٤ / ١٦٦).
(٤) أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٠ / ٦٩) بألفاظ متقاربة.

٣٩٦
(٦) باب في المعراج
ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ». وَسَاقَ مِثْلَ مَعْنَاهُ، قَالَ: ((فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ، فرخَّبَ
بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ)). وَقَالَ فِي السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ: ((فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ، إِذَا هُوَ قَدْ
أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، فَرَخَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ)). وَلَمْ يَذْكُرْ بُكَاءَ مُوسَى،
وَقَالَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ :
واختلف في أن هذه الصلاة كانت نفلاً أو فرضاً؟ وإذا قلنا: كانت فرضاً فأيّ صلاة
صبح أو عشاء؟ وهذا إنما يتأتى على قول من قال: إنه صلى بهم بعد عروجه إلى السماء
ونزوله منها، وقد قيل به، وقيل: صلی قبله وبعده، فقبله یکون نفلاً وبعده يكون
فرضاً، كذا قيل، ولا يخفى أن الصلاة كانت فرضاً قبل قصة المعراج، وإنما فرضت
بعد المعراج الخمس، فتدبر. وجاء في حديث أبي هريرة عن البزار والحاكم: أنه صلى
بيت المقدس مع الملائكة وأنه أتي هناك بأرواح الأنبياء، فحمدوا الله، وأثنوا عليه
بما هو أهله، ثم حمد نبينا ◌َّ ففاق الكل، وبلغ النهاية في ذلك، فأقبل إبراهيم على
الأنبياء، وقال: بهذا فضلكم محمد(١).
وقوله: (ثم عرج بنا) بلفظ المجهول، وضمير الجمع في (بنا) إما للتعظيم لصعوده
مقام الرفعة والعلاء أو لنفسه وجبرئيل والبراق، والله أعلم.
وقوله: (شطر الحسن) الشطر: نصف الشيء وجزؤه، وقد يجيء الشطر بمعنى
الجهة والناحية، كذا في (القاموس)(٢)، ويمكن الحمل على هذا المعنى أيضاً.
وبالجملة قد ثبت في شأن حسن يوسف وصباحة وجهه ما يوقع في النفس أنه
كان أحسن الناس طرًّا، وقد يروى في قصة المعراج أن رسول الله وسلم قال: (فأنا برجل
(١) ((مسند البزار)) (١٧ / ٨)، و((المستدرك)) (٣ / ٦٩٢).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٧).

٣٩٧
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
(فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ مُسْنِداً ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ،
أحسن ما خلق الله، قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب)،
وهذا ينافي حديثاً أورده الترمذي في (جامعه)(١) من طريق أنس بن مالك: (ما بعث الله
نبياً إلا حسن الوجه وحسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهاً وأحسنهم صوتاً)،
فحديث المعراج مخصوص بغيره وملي*، ويؤيده قول من قال: إن المتكلم لا يدخل
في عموم خطابه، كذا في (روضة الأحباب)، وفي (شرح الشمائل) (٢) لشيخ شيوخنا
أحمد بن حجر المكي: اعلم أن من تمام الإيمان به ◌َّ اعتقاد أنه لم يجتمع في بدن
آدمي من المحاسن الظاهرة ما جمع فيه؛ لأن المحاسن الظاهرة آيات على المحاسن
الباطنة، ولا أكمل منه ◌ٍَّ ولا مساوي له في هذا المدلول فكذلك في الدال.
قال العبد الفقير إلى الله ورسوله: وإن شئت مدحته ووصفته بما يليق ويختص
به، فوصفه أنه جمع الكمالات كلها إلا ما اختص بمرتبة الألوهية، ورحم الله البوصيري
في قوله:
واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
دع ما ادعته النصارى في نبيهم
وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف
وهذا هو الحد في وصفه چ.
وقوله: (مسنداً) بكسر النون حال، كذا في (الأصول)، ووقع في بعض نسخ
(المصابيح): (مسند) بالرفع على حذف المبتدأ.
(١) (الشمائل)) للترمذي (٣٢١).
(٢) انظر: ((جمع الوسائل)) (١ /٩).

٣٩٨
(٦) باب في المعراج
وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلَّفَ مَلَكِ، لاَ يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي
إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتُهِى، فَإِذَا وَرَقُهَا كَذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَاَلِ، فَلَمَّا
غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِيَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا
مِنْ حُسِْهَا، وَأَوْحَى إِلَيَّ مَا أَوْحَى، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ
وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ
صَلَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةِ. قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ النَّخْفِفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ
لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، فَإِنِّي بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ.
وقوله: (وإذا هو) أي: البيت المعمور.
وقوله: (ما غشي) قيل: هو فراش من ذهب كما جاء في الحديث، والمراد أنوار
أجنحة الملائكة .
وقوله: (وأوحى إلي ما أوحى) تكلموا في بيان ما أوحى، والأحوط الأقرب
إلى الصواب أن يترك على إبهامه وإجماله، وأنه لا يعلمه إلا الله ورسوله، وقد فسره
بعض العلماء بما لاح لهم من ذلك برواية أو استنباط، وقد صح من جملة ذلك ثلاثة
أشياء: فريضة الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، والثالث أن ذنوب أمة محمد
سوى الشرك معفو ومغفور.
وقوله: (بلوت) أي: امتحنت وجربت.
وقوله: (وخبرتهم) بالتخفيف من الخبرة بمعنى الاختبار، في (القاموس)(١):
الخبر والخبرة، بكسرهما ويضمان والمخبرة: العلم بالشيء كالاختبار والتخبُّر.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٥٧).

٣٩٩
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
قَالَ: ((فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ! خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي
خَمْساً، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْساً. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ
ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ)). قَالَ: ((فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي
وَبَيْنَ مُوسَى حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ،
لِكُلِّ صَلاَةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلاَةً، مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ
گے
لَهُ حَسَنَةً،
وقوله: (فحط عني خمساً) قد مرّ في الحديث السابق عن مالك بن صعصعة:
(فوضع عني عشراً)، وجاء في حديث البخاري عن أنس بن مالك: (فوضع شطرها)،
ووقع ههنا من حديث ثابت: (فحط عني خمساً).
قال الشيخ: قال ابن المنير: ذكر الشطر أعم من كونه دفعة واحدة، قلت :
وكذا العشر، وكأنه وضع العشر في دفعتين، والشطر في خمس درجات، أو المراد
·بالشطر في حديث الباب البعض. وقد حققت رواية ثابت أن التخفيف خمساً خمساً وهي
زيادة معتمدة، ويتعين حمل باقي الروايات عليها، وأما قول الكرماني: الشطر هو
النصف، ففي المراجعة الأولى وضع خمساً وعشرين، وفي الثانية ثلاثة عشر يعني نصف
الخمسة والعشرين بجبر الكسر، وفي الثالثة سبعة، وليس في حديث الباب في المراجعة
الثالثة ذكر وضع شيء إلا أن يقال: حذف ذلك اختصاراً فمتجه، لكن الجمع بين
الروايات يأبى هذا الحمل، فالمعتمد ما تقدم، انتهى كلام الشيخ(١)، فتدبر.
وقوله: (من هم بحسنة ... إلخ)، زيادة تفضل من المولى الرحيم على أمة حبيبه
الكريم بعد أن جعل واحدة بعشر، وفي قوله: (كتبت) بلفظ المجهول ضميره للحسنة
(١) ((فتح الباري)) (١ / ٤٦٢ - ٤٦٣).

٤٠٠
(٦) باب في المعراج
فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْراً، وَمَنْ هَمَّ بِسَيْئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ لَهُ شَيْئاً،
فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً)). قَالَ: ((فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتُهَيْتُ إِلى مُوسَى
فَأَخْبَرَتُهُ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ الْتَّخْفِيفَ)) فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((فَقُلْتُ:
قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَى اسْتَحْبَيْتُ مِنْهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٢].
٥٨٦٤ _ [٣] وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرِّ يُحَدِّثُ أَنَّ
رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ: ((فُرِجَ عَنِّي سَقْفُ بَيْتِي، وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرَبِيلُ، فَفَرَجَ
صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءٍ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً
وَإِيمَاناً، فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِيٍ، ثُمَّ أَطَْقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ
الدُّنْيَا. قَالَ جِبْرَبِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: حِبْرَئِيلُ.
قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ نَّهِ فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ:
نَعَمْ، فَلَمَّا فُتِحَ عَلَوْنَاَ السَّمَاءَ الدُّنْيًا، إِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ، عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ،
وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ،
و(حسنة) منصوب، وكذا في قوله: (كتبت له عشراً)، وكذا في البواقي.
٥٨٦٤ - [٣] (ابن شهاب) قوله: (فرج) بلفظ المجهول مخففاً، كذا في النسخ
المصححة، وفرج بالتشديد أيضاً بمعناه.
وقوله: (ففرج) بلفظ المعلوم مخففاً.
وقوله: (فعرج بي إلى السماء) أيضاً بلفظ المعلوم، وهذا يدل بظاهره على أن
المعراج كان في غير ليلة الإسراء، كما ذهب إليه بعضهم، كما يفهم من حديث مالك
ابن صعصعة كما مرّ.
وقوله: (أسودة) بفتح الهمزة وسكون السين وكسر الواو جمع سواد، وهو شخص