Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
والوحي في الأصل يجيء بمعنى الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام
الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك والصوت.
وقال في (المشارق)(١): الوحي أصله الإعلام في خفاء وسرعة، وهو في حق
النبي أمس8 وغيره من الأنبياء على ضروب؛ فمنه: إعلام بسماع الكلام العزيز،
كموسى عليّلا كما دل عليه الكتاب، ونبينا محمد ( كما دلت عليه الأخبار في ليلة
الإسراء، ووحي رسالة وواسطة بالملك كأكثر حالات نبينا وسائر الأنبياء صلوات الله
وسلامه عليه وعليهم، ووحي إلقاء، وقد ذكر أنه كان وحي داود عنّا، وجاء في غير
أثر عن نبينا وَل نحوه كقوله: ألقي في روعي، انتهى.
والوحي إلى غير الأنبياء بمعنى الإلهام [كقوله تعالى]: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَىّ﴾
[القصص: ٧]، ويجيء بمعنى الأمر ﴿وَإِذْ أَوْحَيْثُ إِلَى الْحَوَارِدِينَ﴾ [المائدة: ١١١]، أي:
أمرتهم، وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْبُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، أي: أومأ،
وقيل: كتب بيده في الأرض، وقوله تعالى: ﴿لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، أي:
يأمرونهم ويلقون في قلوبهم، ويجيء بمعنى خلق العلم الطبيعي كما في قوله تعالى:
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّخَلِ﴾ [النحل: ٦٨]، والبيضاوي(٢) فسره أيضاً بقوله: ألهمها وألقى في
قلبها، وكان المناسب بحال تفلسفه أن يفسره بما ذكرنا، فافهم. ويقال: وحى وأوحى،
وقد سبق في (كتاب الرؤيا) ما يتعلق بالوحي وبيان أقسامه.
(١) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٢٨١).
(٢) ((تفسير البيضاوي)) (٣/ ٢٣٢).

٣٢٢
(٤) باب المبعث وبدء الوحي
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٨٣٧ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ لأَرْبَعِينَ
سَنَةً، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ فَهَاجَرَ
عَشْرَ سِنِينَ، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٩٠٣، م:
٢٣٥١].
الفصل الأول
٥٨٣٧ _ [١] (ابن عباس) قوله: (لأربعين سنة) اللام بمعنى الوقت، أي: بعد
تمامه، و(مکث) بضم الکاف وفتحها من باب کرم ونصر.
وقوله: (فهاجر) أي: أقام في دار الهجرة.
وقوله: (ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة). اعلم أنه قد جاء في سنه ◌َّو ثلاث
روايات: إحداها: أنه ثلاث وستون سنة، وهي أصحها وأشهرها. ثانيها: خمس وستون
سنة. وثالثها: ستون سنة، وهذا الاختلاف فرع الاختلاف في أن إقامته بمكة قبل
الهجرة ثلاث عشرة، أو خمس عشرة، أو عشرة، وأما الإقامة بالمدينة فعشر بلا خلاف،
وقد يتأول بأن رواية ستين اقتصر فيها على العقود وترك الكسر، ورواية ثلاث وستين
لم يعد فيها سنتا المولد والوفاة، ويختلج فيه أن هذا التأويل يقتضي أن يكون الصحيح
في عمره وي﴿ خمساً وستين؛ لأن سنة المولد والوفاة داخلة في العمر بلا شبهة، ويكون
التأويل في رواية ثلاث وستين كترك الكسر في رواية ستين، مع أنهم اتفقوا على أن
الأصح رواية ثلاث وستين.
وأما ابتناء الخلاف على الاختلاف في مدة الإقامة بمكة فلا ينافي أصحية
رواية ثلاث وستين في عمره لأصحية رواية الإقامة ثلاث عشرة سنة، فافهم،

٣٢٣
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٨٣٨ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً،
يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَيَرَى الضَّوْءَ سَبْعَ سِنِينَ، وَلاَ يَرَى شَيْئاً، وَثَمَانِ سِنِينَ يُوحَى
إِلَيْهِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْراً، وَتُؤُنَّيَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسِتِينَ سَنَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[خ: ٣٩٠٢، م: ٢٣٥٣].
فالصواب(١) أن تؤول رواية خمس وستين بأن يقال: إنه أخذ سنتي الوفاة تامتين(٢)
وجعل بعض أشهر المولد سنة تامة، فافهم.
٥٨٣٨ - [٢] (وعنه) قوله: (يسمع الصوت) كان يسمعه من يمينه وشماله
ومن فوقه فيقول: يا محمد! ولا يرى أحداً، (ويرى الضوء) أي: المحسوس، وقيل:
المراد به وجود الانشراح والانكشاف، والظاهر هو الأول حتى زيد في بعض الروايات:
في الليالي المظلمة .
وقوله: (ولا يرى شيئاً) الظاهر أنه يتعلق بسماع الصوت ورؤية الضوء معاً،
أي: لا يرى شيئاً يصوت ويضيء.
وقوله: (وثمان سنين يوحى إليه) هذا الحديث يدل على أن سماع الصوت ورؤية
الضوء كان بعد النبوة في مدة إقامته بمكة، والذي ذكر في كتب السير، ويظهر من
الأحاديث أنه كان قبل النبوة، حتى قالوا: إن الحكم في ذلك أن يحصل الاستئناس
والائتلاف بعالم الملكوت وأنواره، ولا يكون ظهوره بغتةً سبباً لهدم بناء البشرية
واضمحلال رسوم الإنسانية، ومع ذلك كان يجد من الثقل والتعب في وقت الوحي
(١) قوله: ((فالصواب أن يأول - إلى - سنة تامة، فافهم)) كذا في (ب)، وسقط في (ك)، و(ع)،
و(ر).
(٢) كذا في الأصل، والظاهر: ((سنة الوفاة تامة)).

٣٢٤
(٤) باب المبعث وبدء الوحي
٥٨٣٩ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: تَوَفَّاهُ اللهُ عَلَى رَأْسِ سِتِينَ سَنَةً. مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٠٠، م: ٢٣٤٧].
٥٨٤٠ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قُبِضَ النَّبِيُّ ◌َّهِ وَهُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ وَسِقِّينَ،
وَأَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ وَسِتِّينَ، وَعُمَرُ وَهُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ وَسِتِّينَ. رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٤٨].
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ: ثَلاَثٍ وَسِتِّينَ أَكْثَرُ.
٥٨٤١ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ لَّهُ قَالَتْ:
ما يجد، والله أعلم.
٥٨٣٩ - [٣] (أنس) قوله: (توفاه الله على رأس ستين سنة) وهذا يستلزم أن
يكون الإقامة بمكة عشر سنين، لأن البعث بعد الأربعين والإقامة بالمدينة عشراً مما
لا خلاف فيه، وقد جاء في حديث الترمذي عن أنس صريحاً: بعثه الله على رأس أربعين
سنة، فأقام بمكة عشر سنين، والمدينة عشر سنين(١).
٥٨٤٠ - [٤] (وعنه) قوله: (وهو ابن ثلاث وستين) هذا الحديث من أنس
دليل على أنه المراد في الحديث السابق عنه: توفاه الله على رأس ستين سنة، بترك
الكسر.
وقوله: (ثلاث وستين أكثر) أي: أكثر وأشهر في الرواية.
٥٨٤١ - [٥] (عائشة ) قوله: (قالت) أي: سماعاً من النبي وكلّ أو من بعض
الصحابة؛ لأنها من لم تدرك هذه القضية.
(١) أخرجه الترمذي في ((سننه)) (٣٦٢٣).

٣٢٥
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
أَوَّلُ مَا بُدِىَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ يَّهِ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ
لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إليهِ الخَلاءُ، وكانَ يَخْلُو
بِغَارِ حِراءٍ، فَيَتَحِنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ.
وقوله: (الرؤيا الصادقة) وكانت مدة هذه الرؤيا ستة أشهر، وقد مضى الكلام
فيها في (كتاب الرؤيا).
وقوله: (في النوم) صفة مؤكدة، أو ليخرج رؤيا العين في اليقظة لاحتمال أنه
يطلق عليه مجازاً، كذا قيل.
وقوله: (إلا جاءت) أي: الرؤيا، أي: تعبيره وتأويله (مثل فلق الصبح) أي:
ضوئه، أي: يظهر تعبيره وتأويله ظاهراً بيناً بلا شوب اشتباه، وفيه رمز إلى وقوعه
صريحاً كالصبح بعد الليل، و(الفلق) محركة: الصبح، وما انفلق من عموده،
والقمر.
وقوله: (ثم حبب) بلفظ المجهول، و(الخلاء) بالمد بمعنى الخلوة، ثم لا يخفى
أن هذا قبل ابتداء الوحي ونزول الملك، فـ (ثم) هنا لتراخي البيان لذكر القصة من
أولها، فافهم، و(حراء) بالمد وكسر الأول وهو الرواية المشهورة، وفي رواية الإسماعيلي
بالفتح والقصر، وقد يؤنث ويمنع من الصرف: جبل معروف بمكة، ويسميه الناس
بجبل النور. و(الغار) نقب في الجبل قريب من معنى الكهف، ولكن الكهف كالبيت
المنقور في الجبل، أو هو كالغار إلا أنه واسع فإذا صغر فغار.
وقوله: (فيتحنث فيه وهو) أي: التحنث بالمثلثة (التعبد) تفسير من بعض الرواة،
وأصل التحنث: الاجتناب عن الحنث، أي: الإثم، كالتأثم والتحرج، وقيل: يتحنث
بمعنى يتحنف، أي: يتبع الملة الحنيفية، وهو دين إبراهيم، والفاء تبدل ثاءً في كلامهم

٣٢٦
(٤) باب المبعث وبدء الوحي
اللََّالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ - قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَزَوَّدَ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَى
خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدَ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ» .
كثيراً، كذا في (فتح الباري)(١)، وقال: وقد وقع في رواية ابن هشام في (السير)(٢):
یتحنف بالفاء.
وقوله: (الليالي) بالنصب ظرف لـ (يتحنث) لا بـ (التعبد)، وهو ظاهر، والمراد
الليالي مع الأيام، وخصت الليالي بالذكر؛ لأنها أنسب بالخلوة .
وقوله: (ذوات العدد) صفة الليالي، واختلف في تعبده بماذا كان؟ قيل: بالفكر،
وقيل: بالذكر، وهو المختار، وبهذا المعنى بيان عجيب في كتاب (سفر السعادة)
وشرحه، وإبهام العدد قيل: لاختلاف فيها، قال الشيخ: لعله بالنسبة إلى المدة التي
يتخللها مجيئه إلى أهله، وإلا فأصل الخلوة قد عرفت مدتها وهي شهر، وذلك الشهر
کان رمضان، رواه ابن إسحاق(٣).
و(ينزع) بكسر الزاي بمعنى يرجع، من نزع إلى أهله نزاعة ونزاعاً بالكسر
ونزوعاً: اشتاق، وروى البخاري في (كتاب التفسير): يرجع.
وقوله: (ويتزود) عطف على (يتحنث).
وقوله: (لمثلها) الضمير للَّيالي.
وقوله: (حتى جاءه الحق) أي: الوحي أو رسول الحق، وفي التفسير: حتى فَجِئَه
الحق بكسر الجيم أي: جاءه بغتة.
(١) ((فتح الباري)) (١ / ٢٣).
(٢) (السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٢٣٥).
(٣) ((سيرة ابن إسحاق)) (ص: ٢٢١).

٣٢٧
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقَالَ: ((مَا أَنَا بِقَارِئٍ)). قَالَ: ((فَأَخَذَنِي فَغَطَِّي
حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الَجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ
فَأَخَذَنِي فَغَطّنِي.
وقوله: (فجاءه الملك) الفاء تفسيرية لا تعقيبية.
وقوله: (ما أنا بقارئ) أي: لا أستطيع القراءة ولا أحسنها، ولعل كان لدهشة
وروع دخل في قلبه من رؤية الملك، وهيبة ذلك المقام، لا لما يتبادر إلى الأذهان
أنه وَ ي﴿ه كان أميًّا؛ لأن الأمية لا تنافي القراءة بتعليم الغير وتلقينه خصوصاً من الفصيح
في غاية الفصاحة، وإنما ينافي الكتابة والقراءة من الكتاب، قال في (القاموس)(١):
الأمي: من لا يكتب ولم يتعلم الكتاب، وجاء في بعض الروايات: فأعطى جبرئيل بيده
صحيفة من حرير مرصعاً بالجواهر، وقال: اقرأ فقال: (والله ما أنا بقارئ، ولا أرى
في هذه الصحيفة شيئاً)، وهذا أنسب وأظهر، والله أعلم.
وقوله: (فغطني) بالغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة، أي: ضغطني وضمني
وعصرني، وفي رواية الطبري(٢): (فغتّني) بالتاء المثناة وهما بمعنى، ومنه غطه في
الماء بالطاء والتاء، أي: غوصه فيه.
وقوله: (حتى بلغ مني الجهد) روي بالنصب، أي: بلغ الغط أو جبرئيل مني
غاية وُسعي، وبالرفع، أي: بلغ الجهد مني مبلغه. وقد يستبعد الوجه الأول بأن البنية
البشرية لا يحتمل استيفاء القوة الملكية لا سيما في بدء الأمر، والجواب أن هذا
مبالغة في الغط والضغط لا حقيقة، وأن جبرئيل لم يكن على صورته الحقيقية وقوته
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٩٤).
(٢) ((تاريخ الطبري)) (٢/ ٢٩٨).

٣٢٨
(٤) باب المبعث وبدء الوحي
الثَّنِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَّهْدُ، ثُمَّ أَرْسَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ.
فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِفَةَ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَّهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿ أَقْرَأْبِأَسِ
رَبِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ ا خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ٢ آَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرُ ن الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ن عَلََّ الْإِنسَنَ
مَا لَمْيَعْلَ﴾ [العلق: ١ - ٥]». فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِنَِّ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ
عَلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ: ((زَمَّلُونِ زَمِّلُونِ) فَزَقَلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ
لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: ((لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي)).
الملكية، والجهد بالفتح والضم: الطاقة والمشقة والغاية، لغتان، وقد يفرق.
وقوله: (الثانية) بالنصب، أي: في المرة الثانية .
وقوله: (فقال: اقرأ باسم ربك) أي: لا تقرأ بحولك وقوتك لكن بإعانة ربك
وتوفيقه .
وقوله: (فرجع بها) أي: بهذه الكلمات أو بالقصة. و(يرجف) أي: يتحرك
ويضطرب، لازم ومتعد، من باب نصر. و(الفؤاد) بضم الفاء والهمزة: القلب، قال
في (القاموس) (١): التفؤد: التحرق، والتوقد، ومنه: الفؤاد: للقلب.
وقوله: (زملوني زملوني) مكرراً، في (القاموس)(٢): التزميل: الإخفاء، واللفّ
في الثوب، وتزمل: تلفف، وذلك لشدة ما لحقه من الهول، وجرت العادة بسكون
الرعدة بالتلفف والتدفؤ.
وقوله: (لقد خشيت على نفسي) مقول (قال)، واختلف العلماء في المراد من
الخشية على أقوال؛ قيل: خشي الجنون، وأن يكون ما رآه من الكهانة، وجاء مصرحاً
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٩٠).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٢٩).

٣٢٩
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلاَّ، وَاللهِ لاَ يُخْزِيكَ اللهُ أَبَداً، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ
الْحَدِيثَ،.
في طرق متعددة، وأبطله القاضي أبو بكر بن العربي، وحق له أن يبطل، وحمله
الإسماعيلي على أن ذلك قبل حصول العلم الضروري له رّي في أوائل التباشير في النوم
واليقظة وسماع الصوت قبل لقاء الملك .
ولا يخفى أن ظاهر الحديث يدل على أنه بعد مجيء الملك وإتيانه بـ ﴿اقْرَأْ بِأَسيِ
رَيْكَ﴾ وبعد حصول ذلك العلم في الحالة المذكورة، وأنى يتصور عدم حصوله بعد
مثل هذه الخلوة والتحنث، وظهور الأنوار، ونزول الملك بالقرآن على الطريقة المذكورة،
فتبطل هذه الخشية قطعاً، والله أعلم. وقيل: خشي الموت من شدة الرعب، وقيل :
المرض، وقيل: العجز عن حمل أعباء النبوة، وقيل: عدم الصبر على أذى قومه،
وقيل: أن يقتلوه، وقيل: مفارقة الوطن كما يظهر من قوله لورقة: (أو مخرجي هم؟)،
والله أعلم.
وقوله: (لا يخزيك الله) بضم الياء وسكون الخاء المعجمة وبالزاي من الخزي
في أكثر الروايات، وبالحاء المهملة والنون، فإما بفتح الياء وضم الزاي من حزنه،
وإما بضم الياء وكسر الزاي من أحزن، يقال: حزنه الأمر حزناً بالضم وأحزنه: جعله
حزيناً، وحزن كفرح جاء لازماً فهو من نصر متعد، ومن فرح لازم، استدلتمثّ على
ما أقسمت عليه من نفي الخزي عنه ◌َليم بما يلوح من جزالة رأيها وأنوار معرفتها
وفراستها، وكيف لا وهي أول من آمن بالحقيقة لم يشاركها فيه أحد، ووصفته بأصول
مكارم الأخلاق، وهو يدل على أن من كان هذه صفاته لا يخزيه الله، ولا يسلك به
إلا إلى صراط مستقيم، ولا يحزنه بإصابة المكروهات في الدنيا والدين.
وقوله: (وتصدق) وفي رواية: (وتؤدي الأمانة).

٣٣٠
(٤) باب المبعث وبدء الوحي
وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ،
وقوله: (وتحمل الكل) بفتح الكاف وتشديد اللام: الثقل من كل ما يتكلف،
والعيال، كذا في (النهاية)(١)، ونقل الطيبي(٢): ويدخل في حمل الكَلّ: الإنفاق على
الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك، وهو من الكلال بمعنى الإعياء، وقال في (فتح
الباري)(٣): هو من لا يستقل بأمره، وقيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَنْهُ﴾
[النحل: ٧٦]: أي: عيال وثقل على من يلي أمره، وقال في (القاموس) (٤): الكل:
اليتيم، والثقيل لا خير فيه، والعيال، والثقل.
وقوله: (وتكسب المعدوم) قال النووي(٥): هو بالفتح هو الصحيح، وروي
ضمها، كسبته مالاً وأكسبته مالاً بمعنى تُكْسِب غيرك المال المعدوم، أي: تعطيه
[إياه] تبرعاً، وقيل: معنى الفتح (٦): تحصيل المال بكونك محظوظاً في التجارة، وكان
هذا مدحاً عندهم مع كونه صارفاً في وجوه البر، وقال القاضي عياض(٧): (تكسب
المعدوم) أكثر الرواية فيه وأشهرها وأصحها فتح التاء، ومعناه: تكسبه لنفسك، وقيل:
تكسبه غيرك ويؤتيه إياه، يقال: كسبت مالاً وكسبت غيري مالاً، لازمٌ ومتعد، وأنكر
ابن القزاز وغيره (أكسبت) في التعدي، وصوبه ابن الأعرابي وأنشد: فأكسبني مالاً
(١) ((النهاية)) (٤ /١٩٨).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١١ / ٥٠).
(٣) ((فتح الباري)) (١ / ٢٤).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٧٢).
(٥) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢ / ٢٠١).
(٦) أي بفتح التاء في ((تكسب)).
(٧) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٣٤٧).

٣٣١
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ إِلَى وَرَقَةَ
ابْنِ نَوْفَلٍ ابْنِ عَمِّ خَدِيجَةَ فَقَالَتْ لَهُ: يَا ابْنَ عَمِّ! اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ فَقَالَ
لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي! مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ خَبَرَ مَا رَأَى. فَقَالَ
وَرَقَةُ:
وأكسبته حمداً، انتهى.
ونقل عن الخطابي الصواب على الضم (المعدم) بلا واو، أي: الفقير؛ لأن
المعدوم لا یکسب، ووُجِّه بأن الفقیر کالمعدوم الميت الذي لا تصرف له، فتدبر.
والكسب: هو الطلب، والسعي في طلب الرزق والمعيشة.
وقوله: (وتقري الضيف) بفتح التاء وسكون القاف من القرى بالكسر والقصر
بمعنى الضيافة. و(تعين على نوائب الحق) جمع نائبة بمعنى الحادثة، من النوب بمعنى
نزول الأمر.
و(ورقة) بفتح الواو والراء (ابن نوفل) بن أسد بن عبد العزى، كذا في (صحيح
البخاري)(١)، وزاد بعد قوله: (ابن عم خديجة) وكان امراً تنصر في الجاهلية، وكان
يكتب الكتاب العبراني - وفي رواية: العربي - فيكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله
أن یکتب، وکان شيخاً كبيراً قد عمي، انتھی.
وخديجة هي بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، فقولها: (يا ابن عم) على
الحقيقة لا على عادة العرب في النداء بـ: يا ابن عم أو ابن أخي، كما في قولها: (اسمع
من ابن أخيك).
(١) ((صحيح البخاري)) (٣).

٣٣٢
(٤) باب المبعث وبدء الوحي
هَذَا هُوَ النَّامُوسُ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعاً،
وقوله: (هذا هو الناموس الذي أنزل الله) من الإنزال، وفي رواية: (نزل) من
التنزيل، وفي أخرى: (نزل) بلفظ المجهول، و(الناموس): صاحب السر المطلع
على باطن أمرك، أو صاحب سر الخير، كذا في (القاموس) (١)، وفي (فتح الباري)(٢):
الناموس: صاحب السر كما جزم به البخاري في أحاديث الأنبياء، وزعم ابن ظفر
أن الناموس: صاحب سر الخير، والجاسوس: صاحب سر الشر، والأول هو الصحيح
الذي عليه الجمهور، وقد سوى بينهما رؤبة بن العجَّاج أحد فصحاء العرب، انتهى.
وقوله: (على موسى) قال الشيخ(٣): إنما قال: على موسى، ولم يقل: على
عيسى مع كونه نصرانيًّا؛ لأن كتاب موسى عليَ مشتمل على أكثر الأحكام بخلاف
عيسى، وكذلك النبي ◌َّر، أو لأن موسى بعث بالنقمة على فرعون ومن معه، بخلاف
عيسى، وكذلك نبينا ◌َل﴿ وقعت النقمة على يده لفرعون هذه الأمة وهو أبو جهل ومن
معه [بيدر]، أو لأن نزول جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتابين، بخلاف
عیسی فإن کثیراً من اليهود ینکرون نبوته.
وقوله: (يا ليتني) قيل: هو بحذف المنادى، أي: يا محمد. وقيل: إن (يا)
ههنا لمجرد التنبيه كما في يا حبذا، كذا نقله الطيبي (٤).
وقوله: (فيها) أي: في أيام نبوتك ودعوتك أو في مدتها. و(جذعاً) منصوب
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٣٥).
(٢) ((فتح الباري)) (١ / ٢٦).
(٣) ((فتح الباري)) (١ / ٢٦).
(٤) ((شرح الطيبي)) (١١ / ٥٢).

٣٣٣
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيَّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَوَ مُخْرِجِيَّ
هُمْ؟)) قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُ بِمِثْلٍ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّ عُودِيَ، وَإِنْ
يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ.
في أكثر الروايات، وعند الأصيلي: جذع بالرفع، فالنصب على أنه خبر (كان) المقدرة،
ج
قاله الخطابي، وهو مذهب الكوفيين في قوله تعالى: ﴿أَنْتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]،
وقال بعضهم: يا ليتني جعلت فيها جذعاً، كذا قال الشيخ(١)، وقيل: منصوب على
الحالية، و(فيها) خبر ليت، والعامل معنى التمني أو معنى الاستقرار، و(الجذع) بفتحتين
والذال المعجمة: الشاب الحديث، وأصله في البهائم، فيقال: لولد الشاة في السنة
الثانية، وللبقر، وذوات الحافر في الثالثة، وللإبل في الخامسة .
وقوله: (إذ يخرجك قومك) قيل: (إذ) هنا للاستقبال كـ (إذا)، وقيل: هي
للماضي استعملت هنا لتحقق وقوعه.
وقوله: (أو مخرجي) بتشديد الياء كمسلمي، وإدخال حرف الاستفهام على
حروف العطف كثير في القرآن وغيره، ويقدرون في مثله معطوفاً عليه، أي: أفاعلون
ذلك ومخرجي هم؟ والهمزة للإنكار؛ لأن الصفات التي ذكرتها خديجة تنافي الإخراج.
وقوله: (هم) مبتدأ تقدم خبره.
وقوله: (إلا عودي) وفي رواية: (إلا أوذي).
وقوله: (وإن يدركني) (إن) شرطية و(يدركني) مجزوم، و(يومك) فاعله، وزاد
في رواية: (حيًّا)، ولابن إسحاق: إن أدركت ذلك اليوم، والمراد يوم الدعوة، أو يوم
الإخراج والمعاداة، والأول أظهر.
(١) ((فتح الباري)) (١ / ٢٦).

٣٣٤
(٤) باب المبعث وبدء الوحي
أَنْصُرُكَ نَصْراً مُؤَزَّراً، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوَفِّيَ وَفَتَرَ الوحِيُّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[خ: ٦٩٨٢، م: ١٦٠].
وقوله: (مؤزراً) بالهمزة، أي قوياً من الأزر، وهو القوة، في (القاموس)(١):
الأزر: القوة، وفي (صحيح البخاري)(٢) عن مجاهد: ﴿أَشْدُدْ يِهِ: أَزْرِى﴾ [طه: ٣١]:
ظهري، وقال بعضهم: أصله موزراً من وازرت، ويقال فيه أيضاً: آزرت، أي: عاونت،
انتهى. وفي (النهاية)(٣): الأزْر: القوّة والشّدّة، أزَّرَه وآزَره: إذا أعانه، ونصراً مؤزراً:
بالغاً شديداً، هذا فنقل الشيخ (٤) إنكار بعضهم كون المؤزر في اللغة من الأزر لا يخلو
عن غرابة، فنقل عن بعضهم احتمال كونه من الإزار إشارة إلى تشميره في نصرته،
والله أعلم.
وقوله: (لم ينشب) بفتح الشين المعجمة بلفظ المعلوم، أي: لم يلبث، وأصل
النشوب: التعلق بشيء من الأمور، وفي (القاموس)(٥): تناشبوا: تضاموا، وتعلق
بعضهم ببعض، ونشبه الأمر: کلزمه زنةً ومعنى .
وقوله: (أن توفي) وقال الطيبي (٦): هو بدل اشتمال من (ورقة)، أي: لم تلبث
وفاته، ويجوز أن يكون بتقدير حرف الجر، أي: لم يلبث ورقة؛ لأنه توفي.
وقوله: (وفتر الوحي) أي: عدم تتابعه، وتأخر مدة من الزمن، ويطلق الفترة
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٢٢).
(٢) ((صحيح البخاري)) (ك: ٦٠، ب: ٢٢).
(٣) ((النهاية)) (١ / ٤٤).
(٤) ((فتح الباري)) (١ / ٢٧).
(٥) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٧).
(٦) ((شرح الطيبي)) (١١ / ٥٤).

٣٣٥
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
٥٨٤٢ - [٦] وَزَادَ الْبُخَارِيُّ: حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ ◌َّهِ - فِيمَا بَلَغَنَا - حُزْناً
غَدَا مِنْهُ مِرَاراً كَي يَتَرَدَّى مِنْ رُؤُؤْسِ شَوَاهِقِ الْجَبَلِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ
لِكَيْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنْهُ، تَبَّذَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ !.
على ما بين الرسولين من رسل الله من زمان انقطعت فيه الرسالة، كما بين عيسى عليها
ومحمد ◌َّة، والفترة والفتور في الأصل: ينبئ عن معنى الضعف بعد القوة، والسكون
بعد الحدة، في (القاموس)(١): فتر يفتُرُ ويفتِر فتوراً وفُتاراً: سكن بعد حدة، ولانَ
بعد شدة، وفتر الماء: سكن حره، فهو فاتر وفاتور. وكان مدة فترة الوحي ثلاث
سنين وجزم به ابن إسحاق، وحكى البيهقي أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر، وجاء في
بعض الروايات: أنها كانت سنتين ونصف، قال الشيخ(٢): وليس المراد بفترة الوحي
ما بين نزول (اقرأ)، و(يا أيها المدثر) عدم مجيء جبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن
فقط .
٥٨٤٢ - [٦] (عائشة) قوله: (حتى حزن النبي) بكسر الزاي، وقالوا: الحكمة
في فتور الوحي أن يذهب ما كان ◌َّه وجده من الروع، وليحصل له التشوق إلى العود،
والله أعلم.
وقوله: (غدا منه) أي: ذهب بسبب فتور الوحي (يتردى) أي: يسقط (شواهق)
جمع شاهق، وهو المرتفع من الجبال والأبنية وغيرها.
وقوله: (أوفى) أي: أشرف واطلع، و(ذروة) الشيء بالضم والكسر:
أعلاه .
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٠٩).
(٢) ((فتح الباري)) (١ / ٢٧).

٣٣٦
(٤) باب المبعث وبدء الوحي
إِنَّكَ رَسُولُ اللهِ حَقًّا. فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ وَتَقِرُّ نَفْسُهُ.
٥٨٤٣ - [٧] وَعَنْ جَابِرِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِن ◌َّهِ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ
الْوَحْي، قَالَ: ((فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي،
فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَتِي بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ،
فَجُعِنْتُ مِنْهُ رُعْباً حَتَّى هَوَیْتُ إِلَى الأَرْضِ،
وقوله: (إنك رسول الله حقًّا) ربما ينظر ظاهره إلى أن وجه الخشية هو خوف
الكهانة ونحوه، ويمكن أن يقال: إنه إذا كان رسول الله صل﴾ [سليماً] من الآفات كلها،
وكان عاقبة أمره خيراً من جميع الوجوه، فترتفع الخشية من جميع الوجوه. و(الجأش):
روع القلب إذا اضطرب نفس الإنسان، يهمز ولا يهمز.
٥٨٤٣ - [٧] (جابر) قوله: (الملك الذي جاء بحراء) يدل على تأخر نزول
سورة (المدثر) عن (اقرأ)، وهو الصحيح، ويأتي الكلام فيه في الفصل الثالث.
وقوله: (على كرسي) بالضم والكسر: السرير.
وقوله: (فجئثت منه) بجيم مضمومة فهمزة مكسورة فمثلثة ساكنة على لفظ
المجهول للمتكلم، أي: ذعرت وخفت، في (القاموس)(١): جئث كزُهِيَ جؤوثاً:
فَزِعَ، والرعب: الفزع.
وقوله: (رعباً) إما مفعول مطلق من غير لفظ الفعل، أو تمييز بأن تعتبر المغايرة
بين المفهومين، وفي رواية: (فرعبت منه رعباً)(٢)، فافهم. و(هويت) بفتح الواو من
ضرب يضرب بمعنى سقطت .
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٥٣).
(٢) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٤).

٣٣٧
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
فَجِئْتُ أَهْلِيٍ(١) فَقُلْتُ: زَمِّلُونِ زَمِّلُونِي، فَقَلُونِ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿َأَيُّهَا
الْمُنَّةُِّنَ قُرْقَنَذِرْ ب وَرَبَّكَ فَكَبِرْ ل ◌َوِيَابَ فَطَفِرْ وَالْرُّجْزَفَاهْجُرُ﴾ [المدثر: ١ -٥] ثُمَّ حَمِيَ
الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٢٦، م: ١٦١].
٥٨٤٤ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَله
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: («أَحْيَاناً
يَأْتِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ،
وقوله: (زملوني زملوني) في رواية الأصيلي وكريمة: (زملوني) مرة واحدة،
وفي رواية يونس في التفسير: (دثروني).
وقوله: (وثيابك فطهر) أي: النجاسة، وقيل: الثياب: النفس، وتطهيرها:
اجتناب الرذائل. (والرجز) بالضم والكسر: القذر، وعبادة الأوثان، والعذاب، والشرك،
ووقع تفسيره بالأوثان من تفسير الراوي عند البخاري(٢)، وقال الشيخ(٣): الرجز في
اللغة: العذاب، وسمي الأوثان رجزاً؛ لأنها سببه.
وقوله: (ثم حمي الوحي) على وزن سمع، أي: اشتد حره، كناية عن كثرته
وتتابعه .
٥٨٤٤ - [٨] (عائشة) قوله: (مثل صلصلة الجرس) الصلصلة في الأصل: صوت
وقوع الحديد بعضه على بعض إذا حرك مرة بعد أخرى، وتداخل صوته، ثم أطلق
على كل صوت له طنين، وقيل: هو صوت متدارك، لا يدرك أول وهلة، كذا في
(١) في نسخة: ((إلى أهلى)).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٤٩٢٥).
(٣) (فتح الباري)) (١ / ٢٨).

٣٣٨
(٤) باب المبعث وبدء الوحي
وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ،
(فتح الباري)(١)، وقال في (النهاية)(٢): صوت الحديد إذا حُرِّك، وهي أشد من الصليل،
والجرس: الجلجل الذي تعلق في رؤوس الدوابّ، واشتقاقه من الجرس بإسكان
الراء وهو الحس، كذا في (فتح الباري)(٣).
وقال الكرماني(٤): الجرس: ناقوس صغير، أو سَطْل في داخله قطعة نحاس يعلق
منكوساً على البعير، فإذا تحرك تحركت النحاسة، فأصابت السطل، فحصلت الصلصلة،
وقال الشيخ(٥): وهو تطويل للتعريف بما لا طائل تحته، وتشبيه الوحي بها لتقريبه
بأفهام العامة .
وقال الخطابي: يريد أنه صوت متدارك يسمعه ولا يتبينه أول ما يسمعه حتى
يفهمه بعد، وهذا كما جاء في حديث أبي هريرة: (إذا قضى الله في السماء أمراً، ضربت
الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنها سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم
قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير)(٦).
وقوله: (وهو أشده عليَّ) أي: هذا القسم من الوحي أشد أقسامه على فهم
المقصود؛ لأن الفهم من كلام مثل الصلصلة أشكل من كلام الرجل بالتخاطب المعهود،
ويقال في تعدد الوحي بهذين النوعين: إنه لا بد من المناسبة بين القائل والسامع،
(١) ((فتح الباري)) (١ / ٢٠).
(٢) ((النهاية)) (١/ ٢٦١).
(٣) ((فتح الباري)) (١ / ٢٠).
(٤) ((شرح الكرماني)) (١ / ٢٧).
(٥) «فتح الباري)) (١ / ٢٠).
(٦) أخرجه البخاري في «صحيحه)) (٤٨٠٠).

٣٣٩
(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل
فَقْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَاناً يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي،
فَأَعِ مَا يَقُولُ)). قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ
الْبَرْدِ،
وهي هنا إما باتصافه وَلقه بصفة الملكية وغلبة الروحانية، وهو النوع الأول، وإما باتصاف
جبرئيل بوصف البشرية، وهو النوع الثاني، والأول أشد على النبي ◌َّ لغاية تصرف
جبرئيل فيه بخلعه عن صفة البشرية وإلباسه لباس الملكية، هذا إذا كان الصلصلة
محمولاً على أنه وحي وكلام الملك كما هو الظاهر من الحديث، وأما إذا حمل على
أنه صوت حفيف أجنحة الملك فالحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه الوحي، فلا يبقى
فيه مكان لغيره، فمعنى كونه أشد لتجمع قلبه، فيكون أوعى لما سمع، كذا في (فتح
الباري)(١)، ولعله أراد كونه أشد تعلقاً بقلبه حفظاً له، والله أعلم.
وقوله: (فيفصم عني) بفتح الياء وسكون الفاء وكسر المهملة، أي: يقلع ويتجلى
ما يغشاني، وروي بضم أوله من المزيد بمعنى صار ذا فصم، وفي رواية لأبي ذر
بضم أوله وفتح الصاد على البناء للمجهول، والفصم: القطع، فصمه يفصمه: كسره
فانفصم، ولكن الفصم بالفاء: القطع من غير إبانة، وبالقاف: القطع بإبانة، فذكر الفصم
إشارة إلى أن الملك فارقه ليعود لبقاء الجامع بينهما .
وقوله: (وقد وعيت) أي: حفظت (عنه ما قال) جملة حالية.
وقوله: (يتمثل لي الملك) أي: يتشكل بشكل البشر.
وقوله: (فيكلمني) وفي رواية: (فيعلمني)، وقيل: هذا تصحيف، والصحيح
(١) ((فتح الباري)) (١ / ٢٠).

٣٤٠
(٤) باب المبعث وبدء الوحي
فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقاً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢، م: ٢٣٣٣].
٥٨٤٥ - [٩] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا أُنْزِلَ
عَلَيْهِ الْوَحْيُ كُرِبَ لِذَلِكَ وَتَرَّدَ وَجْهُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: نَّسَ رأسَهُ، وَنَكَّسَ
أَصْحَابُهُ رُؤُوسَهُمْ، فَلَمَّا أُتْلِيَ عَنْهُ رَفَعَ رَأْسَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٣٤].
(يكلمني) بالكاف.
وقوله: (وإن جبينه ليتفصد عرقاً) أي: يسيل، وهو مأخوذ من الفصد بمعنى
قطع العرق الإسالة الدم.
وقوله: (عرقاً) بفتحتين تمييز، وهو أبلغ من أن يقال: ليتفصد عرقه كما في
قوله تعالى: ﴿وَأَشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤].
٥٨٤٥ _ [٩] (عبادة بن الصامت) قوله: (كرب) بلفظ المجهول، والكرب
بالفتح: الغم الذي يأخذ النفس، كالكربة بالضم، والظاهر أن الكرب لشدة الوحي،
وقيل: للاهتمام بما يطالب به من حقوق العبودية والقيام بشكر المنعم لا سيما من
عصاة الأمة.
وقوله: (تربد) في (القاموس)(١): تربد: تغير، وتربدت السماء: تغيمت،
والربدة بالضم: لون بين السواد والغبرة، أي: علته غبرة وصار كلون الرماد لغلبة
التغير .
وقوله: (فلما أتلي عنه) بهمزة مضمومة، فمثناة فوقية ساكنة، فلام مکسور،
فمثناة تحتية مفتوحة، أي: ارتفع عنه الوحي، وأصل أتليته بمعنى أحلته، كذا في
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٦٩).