Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل ٥٧٤٢ - [٤] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الجَنَّةِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٦]. ٥٧٤٣ _ [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقُولُ: مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ أَنْ لاَ أَفْتَحَ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٧]. ٥٧٤٢ - [٤] (أنس) قوله: (أنا أكثر الأنبياء تبعاً) في (القاموس)(١): التبع محركة يكون واحداً وجمعاً، ويجمع على أتباع، وكأنه مثل ولد يطلق على الواحد والجمع، ويجمع على أولاد، كذا في (القاموس)(٢)، والتبع يكون مصدراً أيضاً، تبعه - كفرح - تبعاً وتباعة: مشى خلفه، والمآل واحد، فإذا كثر الأتباع كثرت التبعية أيضاً. وقوله: (وأنا أول من يقرع باب الجنة) كناية عن كونه أول من يدخل الجنة، ویبينه الحدیث الآتي. ٥٧٤٣ - [٥] (وعنه) قوله: (بك أمرت) وقال الطيبي(٣): الباء للسببية، أي: بسببك أمرت بأن لا أفتح، ويجوز أن يكون صلة (أمرت) و(أن لا أفتح) بدل من الضمير، انتهى. وهذا ظاهر، وأقول: يجوز أن يكون للقسم، أي: بحياتك وذاتك وجمالك وكمالك أقسم، فافهم. فإنه لذيذ على ذائقة لسان المحبة. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٥٠). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٠٩). (٣) ((شرح الطيبي)) (١٠/ ٣٣٩). ٢٢٢ (١) باب فضائل سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه ٥٧٤٤ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا صَدَّقَهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٦]. ٥٧٤٥ - [٧] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ قَصْرٍ أُحْسِنَ بُنْيَانُهُ تُرِكَ مِنْهُ مَوْضِعُ لَبِئَةٍ، فَطَافَ بِهِ النُّظَّارُ، يَتَعَجَّبُوْنَ مِنْ حُسْنِ بُنْيَانِهِ إِلَّ مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ، فَكُنْتُ أَنَا سَدَدْتُ مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ، خُتِمَ بِيَ الْبُّنْيَانُ، وَخُتِمَ بِيَ الرُّسُلُ)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٣٤، م: ٢٢٨٧]. ٥٧٤٦ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ. ٥٧٤٤ - [٦] (وعنه) قوله: (أنا أول شفيع في الجنة) قيل: (في) تعليلية، أي: لدخولها، وقيل: ظرفية، أي: أشفع في الجنة لرفع درجات الناس . وقوله: (ما صدقت) كلمة (ما) مصدرية، أي: مقدار تصديق أمتي إياي، أو كالتصديق بي، فعلى الأول: المقصود بيان كثرة الأمة، وعلى الثاني: بيان قوة إيمانهم وزيادة محبتهم وعقيدتهم برسولهم وَّر وثباتهم على الدين، وعلى المعنيين يحمل قوله: (كنتم خير أمة)، والمعنى الأول أنسب بسياق الحديث، ولكنه لا ينافي الثاني. ٥٧٤٥ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (أحسن) بلفظ المجهول من الإحسان. و(اللبنة) بفتح اللام وكسر الباء، ويقال: بكسر اللام وسكون الباء. وقوله: (إلا موضع) استثناء منقطع، أو متصل بتقدير يتعجبون من مواضع. ٥٧٤٦ - [٨] (وعنه) قوله: (ما من الأنبياء من نبي) (من) الأولى بيانية والثانية ٢٢٣ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل إِلَّ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْياً أَوْحَى اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٨١، م: ١٥٢]. زائدة كما تزاد بعد النفي. وقوله: (إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر) قالوا: المقصود بيان أن كل نبي أعطي من المعجزات، وأيد بما إذا شوهد آمن به من شاهده من البشر، واضطر من الإيمان به؛ إذ لا بد لمن ادعى النبوة من ذلك حتى يظهر صدقه، والمراد (بمثله) ما كان على صفته في الإعجاز والدلالة على صدق النبي. وقوله: (عليه) لتضمين معنى الاطلاع، أي: آمن به مطلعاً عليه واقفاً عليه، أو معنى القهر والغلبة، أي: مغلوباً عليه في التحدي والمباراة . ثم أشار إلى مزية ما أعطيه وسي﴿ من الآيات أي: معظمها، وقال: (وإنما كان الذي أوتيت وحياً) أوحاه الله تعالى، يعني القرآن العظيم الذي هو معجزة عظيمة يبقى ببقاء الدهور ويرشد العالمين إلى طريق الحق واليقين، ويكون شاهد صدق على نبوة سيد المرسلين إلى يوم القيامة، ولهذا قال: (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)، فإن قلت: قد أوحي إلى الأنبياء كلهم؟ قلت: ولكن لم يكن وحيهم معجزة، هذا وقد قيل في معنى الحديث: إن كل نبي أعطي من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله من الأنبياء، وأما معجزتي العظيمة الظاهرة مما لم يعط أحد مثله، ولهذا أكون أكثرهم تبعاً، وهذا المعنى لعله يكون أقرب وأظهر بالنظر إلى ظاهر العبارة، ولكن التقرير الأول أجود، وعليه أكثر الشارحين، والله أعلم. ٢٢٤ (١) باب فضائل سيّد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه ٥٧٤٧ - [٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، فَأَّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّنِي أَدْرَكَنْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، . ٥٧٤٧ - [٩] (جابر) قوله: (نصرت بالرعب) أي: نصرني الله تعالى بإلقاء خوف في قلوب أعدائي من مسيرة شهر بيني وبينهم، ولعلك يخطر ببالك أنه قد يقع من بعض الملوك والسلاطين الرعب في قلوب الأعداء أكثر من ذلك؟ قلت: والمراد: النصر بالرعب، لا الرعب نفسه، على أن التخصيص هنا بالنسبة إلى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأما أمر الجبابرة فأمر آخر، وشيء ليس مبحوثاً عنه ومنظوراً إليه. وقوله: (وجعلت لي الأرض مسجداً) والمشهور في معناه إباحة الصلاة لهذه الأمة حيث أدركتهم الصلاة من الأرض، وعدم إباحتها للأمم الماضية إلا في كنائسهم، وقيل: المراد أنهم كانوا لا يصلون إلا فيما تيقنوا طهارته من الأرض، وخصصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا فيما تيقنا بنجاسته. وقوله: (فأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) الظاهر أنه متفرع على جعله مسجداً، إلا أن يراد: أدركته الصلاة ولم يجد الماء فليصل ثمة بالتيمم، فيكون متفرعاً على كلا الخصلتين. وقوله: (ولم تحل لأحد قبلي) قيل: إذا غنم من قبلنا من الأمم الحيوانات يكون ملكاً للغانمين دون الأنبياء، فخص نبينا وَل بأخذ الخمس والصفي، وإذا غنموا غير الحيوانات جمعوه فتأتي نار فتحرقه، كذا في بعض الشروح. وقوله: (وأعطيت الشفاعة) أي: الشفاعة العظمى العامة لجميع محال الشفاعة، ٢٢٥ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَيُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٥، م: ٥٢١]. ٥٧٤٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((فُضَّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتِّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، كما مر في (باب الشفاعة)، أو المراد فتح باب الشفاعة . ٥٧٤٨ _ [١٠] (أبو هريرة) قوله: (فضلت) بلفظ المجهول من التفضيل. وقوله: (بست) يحتمل أنه وي ﴿ أوحي إليه التفضيل أولاً بخمس فأخبر بذلك، ثم زيد، ويحتمل أن يكون الراوي قد ترك السادس في حديث جابر نسياناً أو بشيء آخر يتعلق به الغرض، والكرماني يقول في أمثال هذه المواضع: إن الزائد من العدد لا ينافي الأقل، والحق أنه ◌َّه قد خص بفضائل كثيرة لا تعد ولا تحصى، ذكر في كل موضع ما اتفق ذكره، ولم يقصد الحصر. وقوله: (جوامع الكلم) أي: الكلم التي هي جامعة في المعنى للكلمات الكثيرة، إطلاقاً للكلمة على الكلام، فإنه ◌ّ﴿ كان يتكلم بكلام يشتمل بإيجازه على كثير من المعاني، وهذا من خواص الحضرة الخاتمية المحمدية كقوله: (إنما الأعمال بالنيات). وقوله: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه). وقوله: (الدين النصيحة)، وأمثال ذلك، ومنه جوامع الدعاء، وقد تصدى بعض العلماء لجمع أمثال هذه الأحاديث، وهي غير محصورة، وقيل: يعني به القرآن، جمع الله تعالى فيه معاني كثيرة في ألفاظ يسيرة، والمعنى الأول أظهر، ويؤيده ما زيد في رواية: (اختصر لي الكلام). ٢٢٦ (١) باب فضائل سيّد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٢٣]. وقوله: (وأرسلت إلى الخلق كافة) قيل: لم يكن في زمن نوح عليلا نبي فيكون مبعوثاً إلى أهل ذلك الزمان كافة، وأيضاً دعا على جميع من في الأرض بإهلاكهم بالغرق، وهو دليل على أنه كان مبعوثاً إليهم، ولم يمتثلوا أمره، وسليمان لئلا كان يسير في الأرض، ويأمر الناس بالإسلام كالبلقيس وغيرها، ويهددهم بالقتال، وذلك دليل على عموم الرسالة، وأجيب بأن عموم رسالة نوح لم يكن من أصل البعثة بل إنما اتفق بالحادث، وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأما دعاؤه على جميع من في الأرض فمن جهة أن دعوته قومه إلى التوحيد بلغ سائر الناس بطول مدته، فتمادوا على الشرك فاستحقوا العذاب، ذكره ابن عطية . وقال ابن دقيق العيد: يجوز أن يكون التوحيد عامًّا في بعض الأنبياء، والتزام فروع شريعته لم يكن عامًّا، ويحتمل أنه لم يكن في الأرض عند إرساله إلا قومه، فبعثته خاصة بهم لكونها إلى قومه، وهي عامة في الصورة لعدم وجود غيرهم، ولكن إن اتفق وجود غيرهم لم يكن مبعوثاً إليهم. ونقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام في الحديث عن الإشكال بحال سليمان أنه قال: معنى الرسالة خاصة، أي: في الواجبات والمحرمات، أما في المندوبات فهم مأمورون بها، وأما التهديد بالقتال الذي هو من خصائص الواجب في بادي الرأي فلا نقول: إنه من خصائصه بل العقاب في الدار الآخرة، كذا نقل عن السيوطي في حاشيته على النسائي(١). وقيل: يحتمل أن يقال: إن تهديد بلقيس وقتاله مع الناس على التوحيد لأجل (١) ((حاشية السيوطي على النسائي)) (١ / ٢١١). ٢٢٧ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل ٥٧٤٩ - [١١] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: ((بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَنْتُنِيْ أُوتِيتُ بِمَفَاتِيحٍ خَزَائِنِ الأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٢٧٣، م: ٥٢٣]. ٥٧٥٠ - [١٢] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ، فَرَأَنْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ: الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لاَ يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لاَ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وإِنَّ ربِّي قَالَ: يَا محمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لاَ يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْئُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لاَ أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، . ملكيته لكونه ملكاً على الدنيا، لا لأجل رسالته وبعثته على الناس كافة، فلا إشكال، كذا نقل عن الشيخ، فتدبر . ٥٧٤٩ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (بمفاتيح خزائن الأرض) أراد ما يفتح الله على أمته من البلاد شرقاً وغرباً، واستخراج خزائن الأرض والدفائن، أو المراد معادن الأرض فيها من الذهب والفضة. ٥٧٥٠ _ [١٢] (ثوبان) قوله: (إن الله زوى لي الأرض) أي: جمعها وقبضها. وقوله: (وأعطيت الكنزين) أي: الأحمر والأبيض، قالوا: المراد بالأحمر: خزائن الأكاسرة لأن الغالب عليها الذهب، وبالأبيض: خزائن القياصرة لكون الغالب عليها الفضة، وقيل: أراد بالأحمر: ملك الشام لحمرة ألوانهم، وبالأبيض: ملك الفارس لبياض ألوانهم، والمعنى الأول أظهر. وقوله: (بسنة عامة) أي: بقحط عام يهلك الكل . ٢٢٨ (١) باب فضائل سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وأنْ لاَ أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضاً، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٨٩]. ٥٧٥١ _ [١٣] وَعَنْ سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهُ مَرَّ بِمَسْجِدٍ بَنِي مُعَاوِيَةً، دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَيْنَا مَعَهُ، وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلاً، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: (سَأَلْتُ رَبِِّي ثَلاَثًاً، فَأَعْطَانِي ◌ِتَيْنِ، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لاَ يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَّةِ فَأَعْطَانِهَا، وقوله: (فيستبيح بيضتهم) البيضة: حوزة كل شيء وساحة القوم، وبيضة الدار: وسطها ومعظمها، وقيل: أراد إذا أهلك أصل البيضة كان هلاك ما فيها من طعم أو فرخ، وقيل: أراد بالبيضة الخوذة، فكأنه شبه مكان اجتماعهم ببيضة الحديد، وبيضة الرجل: أهله وعشيرته، كذا في (مختصر النهاية)(١)، أراد عدوًّا يستأصلهم ويجمعهم بأجمعهم. وقوله: (ولو اجتمع) (لو) متصلة. وقوله: (بأقطارها) أي: جوانب الأرض ونواحيها، والضمير في (بعضهم) للأمة، يعني: لا يكون لمن سواهم من الكفار عليهم تسلط وغلبة، ولكن يقاتلون بينهم ويحاربون، هكذا جرى قضاء الله وقدره كما قرره بقوله: (وإني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد). ٥٧٥١ _ [١٣] (سعد) قوله: (مر بمسجد بني معاوية) هو بالمدينة، وبنو معاوية بطن من الأنصار. وقوله: (دخل) بغير عاطف على سبيل الاستئناف، (١) انظر: ((النهاية)) (١ / ١٧٢). ٢٢٩ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل وَسَأَلْتُهُ أَنْ لاَ يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لاَ يَجْعَلَ بَأُسَهُمْ بَيْتَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٩٠]. ٥٧٥٢ - [١٤] وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَاللهِبْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِوَهُ فِي الثَّوْرَاةِ، قَالَ: أَجَلْ، وَاللهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضٍ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ: ﴿ يَيُّهَا النَُّّ إِنَّ أَرْسَلْنَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] و(الغرق) بسكون الراء وفتحها، والمراد بالسنة والغرق: العام منهما. وقوله: (فمنعنيها) أي: لم يجب ولم يعطني سؤلي، وفي إجابة كل دعاء من الأنبياء كلام ذكر في موضعه، وذكرت بعضه في رسالة عموم البشارة. ٥٧٥٢، ٥٧٥٣ - [١٤، ١٥] (عطاء بن يسار) قوله: (قال: أجل) بفتح الهمزة وبالجيم من حروف الإيجاب بمعنى: نعم، والنحاة حكموا بأنه يجيء لتصديق الخبر كما قيل: زيد عالم فنقول: أجل، وقال بعضهم: قد يجيء بعد الاستفهام أيضاً. قال في (القاموس)(١): أجل: جواب كنعم، إلا أنه في الخبر أحسن منه في الاستفهام، وفي الحديث وقع جواباً للأمر على لسان عبدالله بن عمرو، فإنه كان څه من الفصحاء وممن يوثق بعربيتهم، فهو حجة على النحويين، ولعلهم لم يطلعوا على ذلك، وعلى تقدير ثبوت عدم مجيئه بعد الأمر يأول بالاستفهام بمعنى: هل وجدت صفة رسول الله وير في التوراة، وقد غيّر بعض المتأخرين من النحاة في أمثال ذلك (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٨٤). ٢٣٠ (١) باب فضائل سيّد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وحِرْزاً للأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظُّ وَلَاَ غَلِيظٍ، وَلَاَ سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلاَ يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيّةَ، قواعدهم وخصصوها كما ذكرنا في مواضعها، والله أعلم. وقوله: (حرزاً للأميين) الحرز بكسر الحاء وسكون الراء المهملتين آخره زاء: العوذة والموضع الحصين، والمراد بالأميين: العرب؛ لأن الغالب فيهم عدم القراءة والكتابة، أو لأنهم منسوبون إلى أم القرى، وهي اسم مكة، والتخصيص بهم لبعثته وتشمل: فيهم، وتحصنهم به عن سطوة العجم، وإن أريد التحصن عن غوائل الشيطان وآفات النفس فهو شامل للناس كلهم، وقيل: يجوز أن يكون حفظ قومه من الاستئصال أو من العذاب ما دام فيهم كقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ [الأنفال: ٣٣]. فیہم وقوله: (ليس بفظ) حال من (المتوكل) أو من الكاف ففيه التفات، وهذا مذكور في القرآن بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُواْ مِنْ حَوْلِكٌ﴾ إلى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ اٌلْمُتَوَّكِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، والفظ بالفتح: الغليظ الجانب، السيء الخلق، القاسي الخشن الكلام، كذا في (القاموس)(١). و(السخب) بالسين والصاد محركة: شدة الصوت، سخب كفرح، فهو سخاب وسخوب وسخبان، أي: لا يرفع الصوت على الناس بسوء خلقه، ولا يكثر الصياح بل يرفق بهم، وإنما قال: (في الأسواق)؛ لأن السخب يكون فيها غالباً، والسخاب في معنى (الفظ) فنفيه نفيه فهو أيضاً مذكور في القرآن. وقوله: (لا يدفع بالسيئة السيئة) أي: لا يسيء لمن أساء إليه في حق نفسه، وهو (١) ((القاموس)) (ص: ٦٤٣). ٢٣١ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل وَلَكِنْ يَعْفُوْ وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُّناً عُمْياً وَآذَاناً صُمَّا وَقُلُوباً غُلْفاً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . [خ: ٢١٢٥]. ٥٧٥٣ - [١٥] وَكَذَا الدَّارِمِيُّ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ سَلَامٍ نَحْوَهُ، وَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((نَحْنُ الآخَرُونَ)) فِي ((بَابِ الْجُمُعَةِ)). [دي: ١ / ١٥٧، ح: ٦]. مذكور في القرآن بقوله تعالى: ﴿أَدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةً﴾ [المؤمنون: ٩٦]، وكذلك العفو والمغفرة بقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣]؛ لأن كل ما أمر به رسول الله وَله کان ممتثلاً به . وقوله: (ولن يقبضه الله) ليس في نسخ (المصابيح) و(المشكاة) لفظ الجلالة، وهو مذكور في (المواهب اللدنية). وقوله: (حتى يقيم به) أي: يجعل مستقيماً (الملة العوجاء) من العوج بكسر العين وفتح الواو، ويقال في كل منتصب كالحائط والعصا: فيه عوج بالفتح، وفي نحو الأرض والدين بالكسر، والمراد بالملة العوجاء: الكفر؛ لأنه ملة معوجة لا استقامة لها، وقيل: أراد به ملة إبراهيم غيرتها العرب وبدلتها وأخرجتها عن نهج الاستقامة. وقوله: (يفتح بها) أي: بهذه الكلمة. و(الغلف) بالضم أو السكون جمع أغلف، يقال: قلب أغلف كأنما أغشي غلافاً فهو لا يعي، ورجل أغلف بين الغلف، والغلاف ككتاب معروف، وجمعه غلفة بضمة وبضمتين، وكركع، وغلف القارورة: جعلها في غلاف، كغلفها تغليفاً. اعلم أنه قد ذكرت صفاته وأسماؤه ومكانه وسائر أحواله في التوراة وسائر الكتب ٢٣٢ (١) باب فضائل سيّد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥٧٥٤ - [١٦] عَنْ خَبَّبِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِنَّهِ صَلاَةً فَأَطَالَهَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! صلَّيْتَ صَلاَةً لَمْ تَكُنْ تُصَلِّيْهَا، قَالَ: ((أَجَلْ، إِنَّهَا صَلَةُ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ، وَإِنِّي سَأَلْتُ اللهَ فِيهَا ثَلاَثَاً، فَأَعْطَانِي اثْنَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً؛ سَأَلْتُهُ أَنْ لاَ يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ فَأَعْطَانِهَا، وَسَأَلْنُهُ أَنْ لاَ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِهَا، وَسَأَلْنُهُ أَنْ لاَ يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيهَا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢١٧٥، ن: ١٦٣٨]. ٥٧٥٥ - [١٧] وَعَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ : (إِنَّ اللهَ أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلاَثِ خِلاَلٍ: أَنْ لاَ يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ نَبِيُّكُمْ فَتَهْلَكُوا جَمِیعاً،. المتقدمة بحيث لا يبقى للريب فيها احتمال ومجال، وقد تكفل ببيانها (كتاب الوفاء) لابن الجوزي وغيره، وبالله التوفيق. الفصل الثاني ٥٧٥٤ - [١٦] (خباب بن الأرت) قوله: (عن خباب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى (ابن الأرت) بفتح الهمزة والراء، وتشديد المثناة. (والرغبة والرهبة) بسكون الغين والهاء. وقوله: (أن لا يذيق) الضمير لله سبحانه، و(البأس) العذاب والشدة في الحرب، يعني: لا يحاربون ولا يقاتلون فيما بينهم. ٥٧٥٥ _ [١٧] (أبو مالك الأشعري) قوله: (أجاركم) أي: أنقذكم. و(الخلال) ٢٣٣ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل وَأَنْ لَا يُظْهِرَ أَهْلَ الْبَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ، وَأَنْ لاَ تَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَاَلَةٍ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٥٣]. ٥٧٥٦ - [١٨] وَعَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (لَنْ يَجْمَعَ اللهُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ سَيْفَيْنِ: سَيْفاً مِنْهَا وسَيفاً مِنْ عَدُوِّهَا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٠١]. بالكسر: جمع خلة بالفتح بمعنى الخصلة، وحروف النفي زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ ﴾ [الأعراف: ١٢]، وزيادتها لرعاية معنى النفي في (أجار) وتأكيد له، والمراد بعدم ظهور أهل الباطل على أهل الحق غلبتهم بحيث يمحق الحق ويطفئ نوره مطلقاً، ولم يكن ذلك قطعاً ولن يكون أبداً، فالدين قائم وإن تسلط أعداؤه وقتاً خذلهم الله ونصر الدين وأهله. وقوله: (أن، لا تجتمعوا على ضلالة) كقوله: (لن تجتمع أمتي على الضلالة)، وهو دليل على حجة الإجماع. ٥٧٥٦ - [١٨] (عوف بن مالك) قوله: (سيفاً منها وسيفاً من عدوها) قال التُّورِبِشْتِي(١): معناه أن السيفين لا يجتمعان فيقع بهما الاستئصال، لكن إذا جعلوا بأسهم بينهم سلط عليهم العدو وكف عن أنفسهم بأسهم، وقال الطيبي (٢): الظاهر أن يقال: إنه تعالى وعدني أن لا يجمع أبداً على أمتي محاربين معاً بل تكون إحداهما، فإذا كانت إحداهما لا تكون الأخرى، فافهم. (١) انظر: ((كتاب الميسر)) (٤ /١٢٤٦)، و((مرقاة المفاتيح)) (٩/ ٣٦٨٣). (٢) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٣٥١). ٢٣٤ (١) باب فضائل سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه ٥٧٥٧ - [١٩] وَعَنِ الْعَبَّاسِ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ نَّ فَكَأَنَّهُ سَمِعَ شَيْئاً، فَقَامَ النَّبِيُّ ◌َّهِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: ((مَنْ أَنَا؟)) فَقَالُوا: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، فَقَالَ: ((أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ، إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ، ثمَّ جَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فجعلني فِي خَيْرِهِمْ فِرْقَةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ قَبَائِلَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ قَبِيْلَةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ بُيُوتاً فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ بَيْئاً، فَأَنَ خَيْرُهُمْ نَفْساً وَخَيْرُهُمْ بَيْتاً». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٠٧]. ٥٧٥٨ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ؟ قَالَ: ((وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ)). ٥٧٥٧ - [١٩] (العباس) قوله: (فكأنه سمع شيئاً) أي: جاء العباس غضبان بسبب ما سمع طعناً من الكفار في رسول الله وَّة، وفي استحقاقه النبوة دون غيره من عظماء العرب، فأرشدهم ولهم إلى ما يستلزم من تعظيمه، وأنه أولى بهذا من العرب؛ لأن نسبه أعرف، وفيه أن النبي إنما يكون ذا نسب عظيم في قومه، كما علم من حديث هرقل، وهذا تفهيم له على سبيل التبكيت وإلا فالنبوة فضل من الله يختص به من يشاء، كما قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وقوله: (إن الله خلق الخلق) أي: الملائكة والثقلين. وقوله: (فجعلني في خيرهم) أي: في الإنس، ففيه فضل البشر على الخلق، ويحتمل أن يكون المراد بالخلق الجن والإنس، والأول أظهر؛ لأن الخلق اسم للكل فلا وجه للتخصيص، والمراد (بالفرقتين): العجم والعرب، وخير الفرقتين العرب، المراد بـ (خيرهم قبيلة) قريش، والمراد بـ (خيرهم بيتاً) هاشم وبنوه، كذا قالوا. ٥٧٥٨ - [٢٠] (أبو هريرة) قوله: (قال: وآدم بين الروح والجسد) أي: ثبت ٢٣٥ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٠٩]. ٥٧٥٩ - [٢١] وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ◌ّهِ أَنَّهُ قَالَ: (إِنِّي عِنْدَ اللهِ مَكْتُوبٌ: خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ بِأَوَّلِ أَمْرِي، دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَبَشَارَةُ عِيسَى، نبوتي في حال أن آدم صورة بلا روح، أي: قبل تعلق روحه بجسده، والمراد السبق والتقدم . ٥٧٥٩، ٥٧٦٠ - [٢١، ٢٢] (العرباض بن سارية، وأبو أمامة). قوله: (وعن العرباض) بكسر العين المهملة والباء الموحدة في آخره ضاد معجمة . وقوله: (وإن آدم لمنجدل) أي: مطروح في الأرض، والجدل مطاوع جدله، أي: صرع على الجدالة، وهي الأرض، و(الطينة): قطعة من الطين، ويجيء بمعنى الخلقة والجبلة، وقد اشتهر على الألسنة: (كنت نبيًّا وآدم بين الماء والطين)، ومحصل معناه ما ذكره، وقال الشيخ محمد السخاوي في (المقاصد الحسنة)(١): لم نقف عليه بهذا اللفظ، وقد جاء في رواية: (كتبت نبيًّا) من الكتابة، والمراد إظهار نبوته ◌ّ﴾ قبل وجوده العنصري في الملائكة والأرواح، وإعلامهم بذلك كما ورد كتابة اسمه الشريف على العرش، والسموات، وقصور الجنة، وغرفها، وعلى نحور الحور العين، وعلى ورق قصب آجام الجنة، وعلى ورق شجرة طوبى، وعلى ورق سدرة المنتهى، وعلى أطراف الحجب، وبين أعين الملائكة، وقد ذكر في (الشفا) وغيره في كتابة اسمه عجائب قدرة الله سبحانه، وإلا فعلم الله بذلك وتقديره في المستقبل لا يختص به وَلخير، ويشترك (١) ((المقاصد الحسنة)) (١ / ٥٢١). ٢٣٦ (١) باب فضائل سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْنِي وَقَدْ خَرَجَ لَهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهَا مِنْهُ قُصُورُ الشَّام)). رَوَاهُ فِي ((شَرْح السُنَّةِ)). [شرح السنة: ٣٦٢٦]. ٥٧٦٠ - [٢٢] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مِنْ قَوْلِهِ: ((سَأُخْبِرُكُمْ) إِلَى آخِرِهِ. [حم: ٤ / ١٢٧]. ٥٧٦١ _ [٢٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَنَاَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ فَخْرَ، . فيه جميع الأنبياء سلام الله عليهم أجمعين، وقال بعض العارفين: إن روحه الشريفة كانت نبيًّا في عالم الأرواح مربياً لها، وقد ثبت أن الله خلق الأرواح قبل الأجساد، والله أعلم بحقيقة الحال. والمراد بدعوة إبراهيم قوله: ﴿وَأَبْعَثْ فِهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ﴾ [البقرة: ١٢٩]، ويبشارة عيسى ◌َا قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا رَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ، أَخٌَ ﴾ [الصف: ٦]، وإنما ذكره عيسى بأحمد؛ لأن اسمه ◌َ ◌ّ في السماء أحمد، وقد كان عيسى عَ سماويًّا في عاقبة أمره، ولعله كذلك ذكر في كتابه الإنجيل، هذا ما يسنح لي ولم أره في الكتب، والله أعلم. وقوله: (التي رأت حين وضعتني) صفة (رؤيا)، وظاهر هذا الكلام أن رؤية نور أضاء به قصور الشام كانت في المنام، وقد جاءت الأخبار أنها كانت في اليقظة، وأما الذي رأت في المنام فهو أنها رأت: أنه أتاها آت فقال لها: هل شعرت أنك حملت بسيد هذه الأمة نبيِّها، فينبغي أن تحمل الرؤيا على الرؤية بالعين في اليقظة، والله أعلم. ٥٧٦١ _ [٢٣] (أبو سعيد) قوله: (ولا فخر) أي: لا أقوله تبحجاً وافتخاراً، ولكن شكراً لله وتحدثاً بنعمته المأمور به بقوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، ٢٣٧ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل وأداءً لما وجب عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه، ويعتقدوه، ويعملوا بمقتضاه في توقيره، ومحبته، والإيمان به على حسبه، كما أمرهم الله تعالى، والفخر ادعاء العظم والكبر والشرف، وكان ◌َّ* يحب مدحه والثناء عليه لما أن ذلك صدق لا يشوبه كذب قطعاً، وكان يقول: إن الله يؤيد حساناً بروح القدس ما دام ينافح عن رسول الله وَّر، ويضع له منبراً يقوم عليه. ولبعض الأولياء العارفين من أمته قدوة وأسوة حسنة به وَّلر، ولذلك قال الشيخ ابن عطاء الله الإسكندري في (كتاب الحكم): الزهاد إذا مدحوا انقبضوا لشهودهم الثناء من الخلق، والعارفون إذا مدحوا انبسطوا لشهودهم ذلك من الملك الحق، وفي شرحه لابن عباد رحمه الله: كان بعضهم يمدح وهو ساكت، فقيل له في ذلك، فقال: وما عليّ من ذلك، ولست أغلط في نفسي بل لست في البين والمجري والمنشئ هو الله، وقيل : هذا المعنى في الخبر المروي: (إذا مدح المؤمن ربا الإيمان في قلبه)(١). وقال الشيخ أبو طالب المكي رحمه الله (٢): وفيه طريق العارفين أن يعلو الإيمان العلي إلى المولى الأعلى، فيفرح بذلك لمولاه ويضيفه إلى وصفه ولا يعجب بنفسه، وبهذا النظر الجمعي استقام لهم من مدحهم لأنفسهم، وثنائهم عليها ما لم يستقم لغيرهم، كما وقع لجماعة منهم، وقد روي في ذلك عن سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني، وسيدي أبي الحسن الشاذلي، وسيدي أبي العباس المرسي رحمهم الله وغيرهم غير شيء، وعلامة الصدق في حب المدح وإن كان صاحب هذا المقام لا يحتاج إلى علامة (١) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٦٥٣٥). (٢) انظر: ((قوت القلوب)) (١ / ٢٩٣). ٢٣٨ (١) باب فضائل سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلاَ فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيِّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّ تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ وَلاَ فَخْرَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣١٤٨]. ٥٧٦٢ - [٢٤] وَعَنِ ابْن عَبَّاسِ قَالَ: جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ وَِّ فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ اللهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، وَقَالَ آخَرُ: مُوسَى كَلَّمَهُ اللهُ تَكْلِيماً، وَقَالَ آخَرُ: فَعِيسَى كَلِمَةُ اللهِ وَرُوحُهُ. وَقَالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفَاهُ اللهُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِهِ وَقَالَ: ((قَدْ سَمِعْتُ كَلاَمَكُمْ وَعَجَبَّكُمْ، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُؤْسَى نَجِيُّ اللهِ وَهُوَ كَذَلِكَ،. أن لا يكره ذم الناس له من حيث نسبه ذلك إليهم؛ لأنهم متصرفون في قبضة القدرة فيسمح لهم ويصفح عنهم، ولا يجد في قلبه عليهم شيئاً، انتهى. وقوله: (وبيدي لواء الحمد) يريد به: شهرته وانفراده يوم القيامة بالحمد على رؤوس الخلائق، والعرب تضع اللواء موضع الشهرة، فله وَّ نسبة خاصة بالحمد، فاسمه محمد وأحمد، وله المقام المحمود، وأمته الحمادون، يحمدون الله في السراء والضراء، وظاهر قوله: (ما من نبي ... إلخ)، أنه يكون له رّ يوم القيامة لواء يسمى لواء الحمد، وقد مر في (باب الشفاعة) أن الله تعالی یعلّمه حمداً يحمده به فیفتح باب الشفاعة . ٥٧٦٢ - [٢٤] (ابن عباس) قوله: (وموسى نجي الله) النجي كالغني: من تساره، والنجوى: السر، كذا في (القاموس)(١). (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٢٧). ٢٣٩ (٢٩) كتاب الفضائل والشمائل وَعِيْسَى رُوْحُهُ وَكَلِمَتُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، أَلاَ وَأَنَ حَبِيبُ اللهِ وَلاَ فَخْرَ، وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَحْتَهُ آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ وَلاَ فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ فَخْرَ، . وقوله: (ألا وأنا حبيب الله) وهو جامع للخلة والتكليم والاصطفاء والمناجاة مع شيء زائد لم يثبت لأحد، وهو كونه محبوب الله تعالى بالمحبة الخاصة التي هي من خواصه ◌ّية، ولبعض العلماء في الفرق بين الخليل والحبيب عبارات ينبغي أن ننقلها شرحاً لصدور المؤمنين وتنويراً لقلوب العارفين، وقال: إن الخليل من الخلة، أي: الحاجة، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام كانت حاجته وافتقاره إلى الله تعالى، فمن هذا الوجه اتخذه خليلاً، والحبيب فعيل بمعنى الفاعل أو المفعول فهو ◌َّ محب ومحبوب . والخليل محب لحاجته إلى من يحبه، والحبيب محب لا لغرض، والخليل يكون فعله برضى الله تعالى، والحبيب يكون فعل الله برضاه، قال الله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَنهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَ﴾ [الضحى: ٥]. والخليل لا يحب الاستعجال إلى لقاء حبيبه، كما قيل: إن ملك الموت جاء إلى قبض روح إبراهيم، وقال له: [هل رأيت خليلاً يميت خليله، فأوحى الله تعالى إليه قل له]: هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله. والحبيب يحب الاستعجال إلى لقاء حبيبه كما كان رسول الله وَّله يقول في دعائه: (اللهم أسألك النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك). والخليل مغفرته في حد الطمع، كما قال إبراهيم: ﴿وَلَّذِىّ أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِ خَطِيْئَتِى يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]، والحبيب مغفرته في حد اليقين من غير سؤال قال الله تعالى: ٢٤٠ (١) باب فضائل سيّد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حَلَقَ الْجَنَّةِ فَيَقْتَحُ اللهُ لِي فَيُدْخِلُنِهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلاَ فَخْرَ وَأَنَا أَكْرَمُ الأَوَّلِينَ وَالآخَرِينَ عَلَى اللهِ وَلاَ فَخْرَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٣٦١٦، دي: ٤٨]. ٥٧٦٣ - [٢٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((نَحْنُ الآخِرُونَ، وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنِّي قَائِلٌ قَوْلاً غَيْرَ فَخْرٍ: إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللهِ، ومُوسَى صَفِيُّ اللهِ، وَأَنَا حَبِيبُ اللهِ، وَمَعِي لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ اللهَ وَعَدَنِي فِي أُمَّتِي، ﴿ لِيَغْفِرَلَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ, عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ٢]. والخليل قال: ﴿وَلَا تُخْرِفِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]، والحبيب قال له: ﴿لَا يُخْرِى اَللَّهُ النَّبِىِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوْ مَعَةٌ ﴾ [التحريم: ٨]. والخليل قال: ﴿إِنِّ ذَاهِبٌ إِلَى رَبِ سَيَهْدِينٍ﴾ [الصافات: ٩٩]، والحبيب قال له: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآَلَّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]. والخليل قال: ﴿وَأَجْعَل لِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ اَلْآَخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، وقال للحبيب: ﴿وَرَفَعْنَالَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]. والخليل قال: ﴿ وَأَجْعَلْنِ مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٥]، والحبيب قال له: ﴿إِنّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] ◌َّ على حبيبه وخليله وسائر النبيين وآل كل وسائر الصالحين. وقوله: (يحرك حلق الجنة) جمع حلقة، وقد مر تحقيق هذا اللفظ في (كتاب الدعوات) في حديث: (إذا مررتم برياض الجنة)، الحديث. ٥٧٦٣ _ [٢٥] (عمرو بن قيس) قوله: (وإن الله وعدني) أي: خيراً كثيراً، ولم