Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثَّانِيَةَ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى
رَبِِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْنُهُ وَقَعْتُ سَاجِداً، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ
أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّيَقُولُ: اِزْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَه)).
قَالَ: ((فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثِي عَلَى رَبِّي بِثْنَاءِ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ
لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ» .
(فأخرج) على صيغة المتكلم من الخروج، أي: أخرج من دار ربي، (فأخرجهم
من النار) استشكل بأن أول الحديث كان في الاستشفاع للإراحة من الموقف، وآخره
على أنه لإخراجهم من النار، وتوجيهه أن يقال: لعل المؤمنين كانوا فريقين: فريق
يشار به إلى النار من غير توقف، وفريق حُبِسوا في المحشر، فذكر أولاً شفاعتهم ثم
بين شفاعة الآخرين، والشفاعة أقسام كما ذكرنا في أول الباب، فذكر منها القسمان
وتركت الأقسام الأخر، ففي الكلام اختصار القول، هكذا ذكروا.
ويمكن أن يقال: إن المراد إخراجهم من النار التي استحقوا دخولها، فإن آخر
أمر العصاة أن يدخلوا النار، فأزال عنهم هذه البلية بالشفاعة لهم في أول الأمر، فلم
يدخلوا، وهو المراد بإخراجهم من النار، لا الإخراج منها بعد دخولها بالفعل، وهذا
كما يقال: أخرجه من هذه الورطة بأن فعل به ما لم يوجب دخوله فيها، وأما القول
بأنّ المراد بالنار: شدة الحر من دنو الشمس، وبالإخراج الخلاص منها فبعيد، (قال)
أي: النبي ◌َّة، ففي قوله: (نبيكم) وضع المظهر موضع المضمر، أو قال الراوي فهو
على ظاهره.
وقوله: (بثناء وتحميد يعلمنيه) يحتمل أن يكون هذا التحميد هو التحميد السابق
أو غيره، ويؤيده قوله في الحديث الآخر: و(يلهمني محامد فأحمد بتلك المحامد)،
والله أعلم.

٦٢
(٤) باب الحوض والشفاعة
ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيُهُ
وَقَعْتُ سَاجِداً، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يَقُولُ: اِرْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ
تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهُ). قَالَ: ((فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي
بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَخُذُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ
النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّ مَنْ قَدْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ»
أَيُ: وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ، ثُمَّ تَلاَ هَذِه الآيَةَ: ﴿عَسَوَ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا
◌َّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قَالَ: ((وَهَذَا الْمُقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وَعَدَهَ نَبِيَّكُمْ)).
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٦٥، م: ١٩٣].
٥٥٧٣ _ [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ
النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: اِشْفَعْ إِلَى رَبِّكَ فَيَقُولُ:
◌َسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِرَاهِيمَ فَإِنَُّ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ:
لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ الله، فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ:
◌َسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَّتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ:
لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونِّي فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى
رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي، وَيُلْهِمُّنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا، لاَ تَحْضُرُّنِي الآنَ، فَأَحْمَدُهُ
بِلْكَ الْمَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِداً فَيُقَالُ: بَا مُحَمَّدُ! اِرْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ
تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ،
٥٥٧٣ _ [٨] (وعنه) قوله: (ولكن عليكم بإبراهيم) ليس فيه ذكر نوح(١).
(١) قال العيني (١٦ / ٦٨٩): فإنه سبق في الروايات الأخر، وذهل عنه الراوي هنا، انتهى . =

٦٣
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ
شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ
أَخِزُ لَهُ سَاجِداً، فَيَقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ،
وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَارَبِّ! أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِنْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ
فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ أَوْ خَرْدَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ، فَأَحْمَدُهُ
بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِداً، فَيَقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ
تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَةْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ!، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ:
انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَيَّةٍ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ،
فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِد
ثُمَّ أَخِرُ لَهُ سَاجِداً، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ: وَسَلْ تُعْطَّةْ،
وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، اثْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، قَالَ:
لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَجَلَاَلِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لِأُخْرِ جَنَّ مِنْهَا
مَنْ قَالَ: لاَ إِلَه إِلَّ الله)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٧٥١٠، م: ١٩٣].
وقوله: (فأقول: يا رب! أمتي أمتي) المفهوم من ظاهر الحديث السابق أن القضية
المذكورة كانت في الناس كلهم، وهذا يدل على تخصيص هذه الأمة، فإما أن يكون
قضيتين، وإما أن يكون الابتداء بالأمة والانتهاء إليهم، والله أعلم.
وقوله: (مثقال شعيرة من إيمان) أي: من ثمراته من القوة والازدياد، أو العمل
والطاعة، وكذا في أخواته، وأما قوله: (فيمن قال: لا إله إلا الله) فالمراد نفس الإيمان
من غير اعتبار قوته وازدياده، ولذا قال: (من قال: لا إله إلا الله)، أي: لم يزد على
= وقال الحافظ (١١/ ٤٣٤): والعمدة على من حفظ.

٦٤
(٤) باب الحوض والشفاعة
٥٥٧٤ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َلِ قَالَ: ((أَسْعَدُ النَّاس
بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ خَالِصاً مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ».
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٩٩].
٥٥٧٥ _ [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: أُنِيَ النَّبِيُّ ◌َه ◌ِلَحْمٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ،
وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً ثُمَّ قَالَ: ((أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَوْمَ
يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَتَدْنُوْ الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسُ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ
مَا لاَ يُطِيقُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلاَ تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَأْتُونَ
آدَمَ». وَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ وَقَالَ: ((فَأَنْطَلِقُ فَآَتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِداً
لِرَبِّي، ثُمَّيَقْتَحُ اللهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّاءِ عَلَيْهِ شَيْئاً لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى
أَحَدٍ قَبْلِي ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! اِرْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ،
فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ! أُمَّتِي يَا رَبِّ! أُمَّتِي يَا رَبِّ! فَيُقَالُ:
يَا مُحَمَّدُ !.
ذلك شيئاً.
٥٥٧٤ _ [٩] (أبو هريرة) قوله: (أسعد الناس بشفاعتي) أي: أفوزهم لكونهم
أحوج الناس، وأما الذي له أعمال حسنة زائدة على الناس فهم أيضاً فائزون بشفاعتي
ومستسعدون بها، أما هؤلاء فهم أحوج وأسعد.
و قوله: (من قلبه أو نفسه) من شك الراوي.
٥٥٧٥ _ [١٠] (وعنه) قوله: (فنهس منها نهسة) الرواية المشهورة بالسين
المهملة، وقد يروى بالمعجمة، والأول الأخذ بأطراف الأسنان، والثاني بالأضراس.
وقوله: (لم يفتحه على أحد قبلي) بل عليّ أيضاً قبل هذا المقام .

٦٥
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الأَثْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ،
وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ)) ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ». مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. [خ: ٤٧١٢، م: ١٩٤].
٥٥٧٦ _ [١١] وَعَنْ حُذَيْفَةَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهُ
قَالَ: ((وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنَبَتَي الصِّرَاطِ بَمِيناً وَشِمَالاً)). رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ١٩٥].
وقوله: (إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة) المصراعان: قطعتان من
باب واحد تغلقان على منفذ واحد، يكون الداخل في وسطهما، كمصراعي البيت من
الشعر شبها بهما، وأصله من الصرع بمعنى الدفع والإلقاء، وقال في (مشارق الأنوار)(١):
أي من أبوابها، والمصراع: الباب، ولا يقال مصراع حتى يكونا اثنين، انتهى، فيكون
المقصود بيان سعة الباب، وقال الطيبي(٢): المصراعان: البابان المغلقان على منفذ
واحد .
(وهجر) اسم لموضعين، أحدهما من قرى المدينة وهو المراد في حديث: (إذا
بلغ الماء قلتين من قلال هجر لم يحمل الخبث)(٣)، وقيل: من قرى البحرين، قيل:
والصحيح أن المراد هنا الأخير.
٥٥٧٦ _ [١١] (حذيفة) قوله: (فتقومان جنبتي الصراط) بفتح النون بمعنى
(١) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٤٢).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ١٩٨).
(٣) أخرجه أبو داود في ((سننه)) (٦٣).

٦٦
(٤) باب الحوض والشفاعة
٥٥٧٧ _ [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ ثَلاَ
قَوْلَ اللهِ تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِّ فَمَن تَبِعَنِىِ فَإِنَّهُ.
مِنِّىّ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وَقَالَ عِيسَى: ﴿إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإَِهُمْ عِبَادٌ﴾ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ
يَدَيْهِ فَقَالَ: ((اللهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي) وَبَكَى، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ
إِلَى مُحَمَّدٍ - وَرَبِّكَ أَعْلَمُ - فَسَلْهُ مَا يُبْكِيهِ؟. فَأَاهُ حِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ
رَسُولُ اللهِ ﴿ِ بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللهُ لِجِبْرِيلَ: إِذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ:
الجنب بسكونها، والْجَنْبُ والجانب والجَنبَة: شِقُّ الإنسان وغيره، كذا في
(القاموس)(١)، أي: ناحيتيه للمحاجة للأمين والواصل، وعلى الخائن والقاطع،
وذلك بأن يُمثلا على صورتين، أو هو كناية عن عظم شأنهما وفخامة ما يلزم العباد
من رعاية حقهما .
٥٥٧٧ - [١٢] (عبدالله بن عمرو) قوله: (وقال عيسى) (قال) هنا بمعنى القول
مصدراً عطفاً على قول الله.
وقوله: (﴿إِنَّهُنَّ﴾) أي: الأصنام (﴿أَضْلَلْنَ كَثِيرً مِّنَ النَّاسِ﴾) آخر الآية: ﴿وَمَنْ
عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، وآخر قوله: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَ إِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
اُلْحَكِيمُ﴾، ومعنى الشفاعة إنما يفهم من آخر الآيتين، والحاصل أنه ◌َّ﴿ ذكر شفاعة هذين
النبيين المكرمين لأمتهما، فذكر أمته ورقّ وشفع لهم، وشتان ما بين الشفاعتين، فإن
شفاعتهما بصيغة الشرط والتردد، وشفاعته بالجزم والقطع، وذلك لغاية جاهه وعزته
ومكانته عند ربه ثّت، ولا يخفى ما في جوابه تعالى له من التقرير والتأكيد، وما في
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٧).

٦٧
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
إِنَّا سَنُرْضِيِكَ فِي أُمَّتِكَ وَلاَ نَسُوؤُكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٢].
٥٥٧٨ _ [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ أُنَاساً قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ!
هَلْ نَرَى رَبَّنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((نَعَمْ، هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةٍ
الشَّمْسِ بِالظَهِيرَةِ صَحْوَاً لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟ وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَّةِ الْقَمَرِ
لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْواً لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟)) قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ:
(مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّ كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَّةٍ أَحَدِهِمَا، إِذَا
كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: لِيَتَبَعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلاَ يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ
يَعْبَدُ غَيْرَ اللهِ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْصَابِ إِلَّ يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ،
الحديث من غاية لطفه تعالى بهذا الرسول الكريم، وعظم منزلته ولطفه، وما فيه من
البشارة لهذه الأمة المرحومة الملطوفة، اللهم إنا نسألك بجاه محمد ◌ّ ر أن تغفر لنا،
وترحمنا في الدنيا والآخرة، آمين، وشفاعته بدعوته.
وقوله: (ولا نسوؤك) أي: لا نحزنك.
٥٥٧٨ _ [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (هل تضارون) قد سبق شرحه وبيان
ما فيه من الروايات في (باب الحساب) في حديث أبي هريرة فلا نعيده، و(الصحو)
ذهاب الغم، أصحت السماء: إذا خلت عن الغيم، (ليس معها) أي: مع الشمس.
وقوله في ذكر القمر: (ليس فيها) أي: في ليلة البدر.
وقوله: (ليتبع) بصيغة الأمر مع اللام. و(الأنصاب) جمع نصب وهو بضم النون
والصاد وسكونها، وجاء بفتح النون والصاد: حجر كانوا ينصبونه في الجاهلية ويتخذونه
صنماً فيعبدونه، وجمعه أنصاب، وقيل: هو حجر كانوا ينصبونه ويذبحون عليه فيحمرّ

٦٨
(٤) باب الحوض والشفاعة
حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّ مَنْ كَانَ يَعْبُدُاللهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ
قَالَ:
بالدم، وفي حديث إسلام أبي ذر: (كأني نصب أحمر) يريد: أنهم ضربوه حتى أدموه،
فصار كالنصب المحمر بدم الذبائح، وقد عطف على الأصنام، فإن كان النصب أحجاراً
فالعطف ظاهر، وإن كان معبوداً فتفسيري، وفي (شرح جامع الأصول)(١): الأنصاب:
أحجار، وقيل: أصنام، وفي (القاموس)(٢): هو بضمتين: ما عُبِدَ من دون الله، وقول
الطيبي(٣): هي حجارة كانت تنصب وتعبد من دون الله، ويذبحون عليها تقرباً إلى
آلهتهم، جمع بين المعنيين، وإشارة إلى أن نصبهم الحجارة والذبح عليها ليس إلا
لاعتقاد معبودیتها .
وقوله: (أتاهم رب العالمين) أي: أمره، أو تجلى وتقرب، أو أتاه ملك من
ملائكته، وقالوا: إن الرؤية التي هي ثواب المؤمنين في الجنة غير هذه الرؤية المذكورة،
وهذه امتحان من الله تعالى، فيقع بها التمييز بين من عبدالله وبين من عبد الطواغيت،
ليتبع كل من الفريقين معبوده، والآخرة وإن كانت دار جزاء فقد يقع فيها الامتحان،
كما أن الدنيا دار امتحان وقد يقع فيها الجزاء، قوله تعالى: ﴿ وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن مُصِيبَةٍ
فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] بدليل أن القبر هو أول منزل من منازل الآخرة يجري
فيه الابتلاء، ولقد أشبع الطيبي(٤) الكلام في هذا المقام بما لا مزيد عليه نقلاً عن
بعض شراح الحديث فلينظر ثمة .
(١) ((جامع الأصول)) (٢ / ٤١٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٤٠).
(٣) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٢٠١).
(٤) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٢٠٢).

٦٩
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
فَمَاذَا تَنْظُرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. قَالُوا: يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي
الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِم وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ)).
٥٥٧٩ _ [١٤] وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى
يَأْتِيَ رَبيّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ». وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي سَعِيدٍ: ((فَيَقُولُ: هَلْ
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَّةٌ تَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، فَلَ يَبْقَى مَنْ
كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلاَّ أَذِنَ اللهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، وَلاَ يَبْقَى مَنْ كَانَ
يَسْجُدُ اتَّقَاءً وَرِيَاءً إِلَّ جَعَلَ اللهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً،
وقوله: (فماذا تنظرون؟) أي: أيّ شيء تنظرون لِمَ لا تتبعوهم (قالوا: يا ربنا
فارقنا الناس في الدنيا) أي: ما اتبعناهم.
وقوله: (أفقر) حال من ضمير (فارقنا)، و(ما) مصدرية حينية، أي: عند أفقر
أوقات كوننا محتاجين إليهم فكيف نتبعهم الآن وهم مع ما يعبدون حصب جهنم.
٥٥٧٩ _ [١٤] (أبو هريرة) قوله: (فيكشف عن ساق) هذا مما يجب فيه التوقف
عند السلف أو يأول بالكشف عن أمر فظيع، وقد مر تأويله في (باب لا تقوم الساعة
إلا على شرار الناس)، وقيل: المراد النور العظيم، وقيل: جماعة من الملائكة، وروي
(يكشف عن ساقه) معروفاً ومجهولاً .
وقوله: (من تلقاء نفسه) أي: من جانبها وجهتها، أي: بالإخلاص من غير
ملاحظة الخلق وما سواه تعالى، وخوف واتقاء من الناس أو السيف لمقابلة قوله: (اتقاء
وریاء).
وقوله: (طبقة واحدة) أي: من غير فاصل بين فقراته، وهذا ما قال الله سبحانه:

٧٠
(٤) باب الحوض والشفاعة
كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَتَحِلُّ
الشَّفَاعَةُ، وَيَقُولُونَ: اللهُمَّ سَلَّمْ سَلَّمْ، فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرَفِ الْعَيْنِ،
وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحٍ، وَكَالظَّيْرِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ، وَالرِّكَابِ؛ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ،
وَمَخْدُوشُ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوشٌ فِي نَارٍ جَهَنَّمَ،
﴿َوَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾[القلم: ٤٢]، قد يستدل به على جواز تكليف ما لا يطاق،
وأقول: الخلاف فيه إنما بالتكليف في دار الدنيا التي يطلب فيها الفعل، وأما هاهنا
فالمقصود هو التميز والتفرقة بين المخلصين والمنافقين، فهو في حكم جزاء الأعمال.
و(تحل) بكسر الحاء وضمها، أي: تقع الشفاعة ويؤذن فيها.
وقوله: (ويقولون) أي: الأنبياء، وقد صرح به في حديث أبي هريرة من قوله:
(وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم)، والظاهر أنهم يطلبون ذلك لأممهم، أي:
سلمهم من تعب الصراط، وضرره وسقوطهم في النار. و(أجاويد) جمع أجواد وهو
الفرس السابق الجيد. و(الركاب) بكسر الراء: الإبل، واحدتها راحلة، ولا واحد لها
من لفظها .
وقوله: (ومخدوش) خدشه: خمشه، وخدش الجلد: مزقه، قلّ أو كثر، أو
قشره بعود ونحوه، والخدش اسم لذلك الأثر أيضاً.
وقوله: (مرسل) أي: متروك مطلق مخلص، والإرسال: الإطلاق والإهمال،
و(مكدوش) في (القاموس)(١) كدشه: خدشه، وضربه بسيف أو رمح، ودفعه دفعاً
عنيفاً، وقطعه وساقه وطرده.
(١) ((القاموس المحيط)) (٥٥٨).

٧١
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ.
وقال القاضي عياض في (المشارق)(١): (مكدوش) بالشين المعجمة للعذري،
ولغيره في ((الصحيحين)) بالمهملة، فـ (مكدوس) مثل: (مخدوش) في الحديث الآخر،
ومثل (مخردل) في الآخر، قال ابن دريد: كدشه: إذا قطعه بأسنانه قطعاً، كما يقطع
القثاء وما أشبهه، وقد يكون أيضاً مرمياً مطروحاً فيها، وقال صاحب (العين): الكدش:
السوق، ويكون هذا معنى مكدوس بالمهملة في الرواية الأخرى، أي: مطروح على
غيره، والتكديس: طرح الشيء بعضه على بعض، ويروى: ومنهم المكردس بالراء
والدال المهملة وبالسين المهملة، أي: الموثق الملقى في النار، وقد يكون بمعنى
المكدوس المتقدم، أي: يلقى على غيره بعضهم على بعض، من قولهم لكتائب الخيل :
کراديس لاجتماعها، والتكردس: التجمع، انتهى. ويقال: کردس القائد خيله: إذا جعلها
كتيبة، وفي (القاموس)(٢): الكردوسة بالضم: قطعة عظيمة من الخيل، والكردسة:
الوثاق، ومشي في تقارب خَطْوٍ كالمقيد والسَّوْق العنيف، وكُردِسَ بالضم: جمعت
يداه ورجلاه، وتكردس: انقبض واجتمع.
وقوله: (حتى إذا خلص المؤمنون من النار) أي: خرج المؤمنون المكدوسون
الذين سقطوا في النار، أي: بعضهم بعد رؤية العذاب بقدر ذنوبهم، وفيه دليل على
أن المؤمنين لا يخلدون في العذاب.
وقوله: (فوالذي نفسي بيده ... إلخ)، جواب (إذا) يعني أنهم إذا خرجوا من
النار شفعوا وناشدوا لإخوانهم الذين ألقوا في النار ولم يخرجوا بعد لكثرة معاصيهم.
(١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٥٤٥ - ٥٤٦).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٢٧).

٧٢
(٤) باب الحوض والشفاعة
مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً فِي الْحَقِّ - قَدْ تَبَّيَّنَ لَكُمْ - مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَاً،
وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ:
وقوله: (يقولون: ربنا) بيان للمناشدة.
وقوله: (ما من أحد منكم بأشد مناشدة في الحق - قد تبين لكم - من المؤمنين
يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار) لا بد من بيان إعراب هذا التركيب، فقوله: (بأشد)
خبر (ما)، و(مناشدة) أي: مطالبة ومساءلة تمييز، (وفي الحق) ظرف للمناشدة، و(قد
تبين) صفة لـ (الحق) لكونه في المعنى كالنكرة، أي: حق تبين وظهر لكم ثبوته على
خصمكم، أو حال وإنما قيد بهذا؛ لأنه تكون المناشدة والمطالبة فيه أكثر وأشد، و(من
المؤمنين) متعلق (بأشد) تعلق (من) التفضيلية باسم التفضيل، وهو من قبيل وضع
المظهر موضع المضمر والظاهر منكم، كذا قال الطيبي(١)، ولو أريد بالمخاطبين في
(منكم): الحاضرون في الدنيا، وبـ (المؤمنين) في (من المؤمنين): المؤمنون المناشدون
لله تعالى الشافعون في الآخرة لم يكن من وضع المظهر، بل هذا أوضح وأظهر في
المعنى .
نعم الظاهر (منهم) برجوع الضمير إلى (المؤمنين) المذكورين قبل، فلو قيل:
إنه من وضع المظهر موضع المضمر بهذا الاعتبار لكان له وجه، فافهم، والمعنى أن
المؤمنين الذين خرجوا من النار أشد مناشدة لله تعالى وأكثر مطالبة وسؤالاً منه لإخراج
المؤمنين الذين بقوا في النار بمعاصيهم من القوم الذين يناشدون في الحق الصريح
الذي تبين ثبوته على خصمائهم، فإن هؤلاء يناشدون ويطالبون الحق غاية جهدهم،
(١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٢٠٦).

٧٣
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ فَتْحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِ جُونَ خَلْقاً كَثِيراً، ثُمَّ
يَقُولُونَ: رَبََّ مَا بَقِيَ فِهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ. فَيَقُولُ: إِرْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ
فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِ جُوهُ، فَيُخْرِ جُونَ خَلْقاً كَثِيراً، ثُمَّ يَقُولُ:
إِرْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِ جُوهُ،
فَيُخْرِ جُونَ خَلْقاً كَثِيراً، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِ جُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقاً كَثِيراً، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا
خَيِّراً، فَيَقُولُ اللهُ: شُفِّعَتِ الْمَلائِكَةُ، وَشُفِّعَ النَّبِيُّونَ، وَشُفِّعَ الْمُؤْمِنُونَ،
وَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ،
والمؤمنون أشد مناشدة لله ومطالبة منهم.
وقوله: (فتحرم) بالتشديد (صورهم) أي: وجوههم (على النار) ليعرفوا. وقيل:
الضمير للداخلین .
وقوله: (ممن أمرتنا به) أي: بإخراجه والمأمور به إخراج من عرفتم، ولعل
المراد ممن عرفتم أنه من أهل الخير والصلاح، وهو الظاهر من سياق الحديث، فالمراد
بالخير ما هو زائد على أصل الإيمان سواء كان من أعمال الجوارح أو القلب.
وقوله: (لم نذر فيها خيراً) أي: لم ندع في النار أحداً ممن كان فيه خير زائد
على أصل الإيمان .
وقوله: (شفعت الملائكة وشفع النبيون) لم يقع في هذا الحديث ذكر لشفاعة
الملائكة والنبيين وكأنه سبق منهم شفاعة ثم شفع بعدهم المؤمنون، ولکنه لم یذکر
واقتصر على ذكر شفاعة المؤمنين لغرابتها ووقوعها على أشد الوجوه وأوكدها.

٧٤
(٤) باب الحوض والشفاعة
فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْماً لَمْ يَعْمَلُوا خَيْراً قَطُ، قَدْ عَادُوا حُمَماً فَيُلْقِهِمْ فِي نَهْرٍ فِي
أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: نَهْرُ الْحَيَاةِ.
وقوله: (قد عادوا) أي: صاروا، و(الحمم) جمع حمة بمعنى الفحمة، ولعل
المراد: صاروا كالحمم وسودًّا، محرقين.
وقوله: (في أفواه الجنة) يتراءى في الظاهر أنه جمع فوه الذي بمعنى فم، ولكنهم
جعلوه جمع فوّهة بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة هي من الطريق والوادي:
فمه، كذا في (القاموس)(١)، وفي (الصراح)(٢): فوهة بالضم والتشديد: دهانه کوی،
ودهانه جوى، أفواه جماعة، وفي (المشارق)(٣): يقال: فوهة النهر والطريق،
مضموم الفاء مشدد الواو، أي: فمه وأوله، كأنه يريد مفتتحات مسالك قصور الجنة
ومنازلها .
وفي (النهاية)(٤): يقال لأول الزقاق والنهر: فوهته، بضم الفاء وتشديد الواو،
وقال النووي: أفواه السكك، أي: أبواب الطرق، وقال الطيبي(٥): الأفواه جمع فوهة،
بضم الفاء وتشديد الواو، وهو جمع سمع من العرب على غير القياس، وأفواه الأزقة
والأنهار: أوائلها، انتهى. ولا يذهب عليك أن ذلك باعتبار التشبيه بالضم، ولكنه
قد جاء (فوهة) بهذا المعنى فجعلوا الأفواه جمعاً لها، فتدبر.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٦٧).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٥٣٧).
(٣) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٢٧٧).
(٤) ((النهاية)) (٣ / ٤٨١).
(٥) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٢٠٨).

٧٥
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ،
وقوله: (فيخرجون) أي: من ذلك النهر (كما تخرج الحبة) قال في (المشارق)(١):
هي بكسر الحاء وتشديد الباء، قال الفراء: بذر البقل، وقال الكسائي: هو حب الرياحين
بالفتح، وقال أبو عمرو: هو نبت ينبت في الحشيش الصغار، وقال النضر بن شميل:
الحبة بكسر الحاء: اسم جامع لحبوب البقل التي تنتشر إذا هاجت الريح، فإذا أمطرت
السماء من قابل نبتت، والحبة من العنب حبة بالفتح، وحب الحبة الذي داخلها، وقال
الحربي: ما كان من النبت له حب، فاسم ذلك الحب الحبة، وقال غيره: فأما الحنطة
ونحوها فهو الحب لا غير، وقالوا: الحبة فيما هو حبوب مختلفة.
وقال ابن دريد: وهو جميع ما تحمله البقول من ثمرة، وجمعه حبب، وتشبيهه
نباتهم بنبات الحبة لوجهين؛ أحدهما: بياضها كما ذكر في الحديث فيهم وفيها،
والثاني: سرعة نباتها؛ لأنها تنبت في يوم أو ليلة، انتهى. والأولى كما قال الطيبي:
إنه إنما شبهه سرعة نباته وحسنه وطراوته؛ لأن وجود البياض في المشبه به محل
خفاء كما في المشبه، كيف وقد يأتي في الحديث الآتي: (أنها تخرج صفراء)، وأما
ما ذكر القاضي من ذكره في الحديث، فكأنه أراد قوله بير: (كاللؤلؤ)، جاء في حديث
آخر، والله أعلم.
وقوله: (في حميل السيل) في (المشارق)(٢): هو ما حمله السيل من طين وغثاء،
والحميل بمعنى المحمول كقتيل بمعنى المقتول، وقال الحربي: فيه وجه آخر: أن
الحميل ما لم يصبك مطره ومر عليك سيله، كالحميل من الناس من حمل إليك ممن
(١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٢٧٢).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (١/ ٣١٥).

٧٦
(٤) باب الحوض والشفاعة
فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤْ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ، فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلاءِ عُتَقَاءُ
الرَّحْمَن أَدْخَلَهُمْ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلاَ خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ
مَا رَأَنْتُمْ وَمِثْلُهُ مَعَهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٠٦، م: ١٨٢].
٥٥٨٠ _ [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ
الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ
خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِ جُوهُ، فَيُخْرَجُونَ قَدِ امْتُحِشُوا وَعَادُوا حُمَماً، فَيُلْقَوْنَ
فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ، فَيَنْتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، أَمْ تَرَوْا أَنَّهَا
تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٦٠، م: ١٨٤].
لم يولد بأرضك، وكذلك من نزل بقوم منهم يقال له: حميل.
وقوله: (في رقابهم الخواتم) المراد به العلامات ليمتازوا عن الخارجين من
النار بالعمل الصالح.
وقوله: (لكم ما رأيتم ومثله معه) قال الطيبي(١): فيه حذف، أي: ينظرون في
الجنة إلى أشياء، فيقال: لكم ما رأيتم ومثله معه، انتهى. ويمكن أن يكون (ما رأيتم)
عبارة عما فضل الله تعالى عليهم من إخراجهم من النار وإدخالهم الجنة، أي: لكم
ما شاء من العناية والكرم ومثله معه من نعيم الجنة وأنواع العطايا فيها .
٥٥٨٠ - [١٥] (وعنه) قوله: (قد امتحشوا) في (القاموس)(٢): المحش: قشر
الجلد من اللحم، وفي (النهاية)(٣): المحش: احتراق الجلد وظهور العظم. قال
(١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ٢٠٨).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٥٩).
(٣) ((النهاية)) (٤/ ٣٠٢).

٧٧
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
٥٥٨١ - [١٦] وَعَن أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ
نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَذَكَرَ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، غَيْرَ كَشْفِ السَّاقِ
وَقَالَ: ((يُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَّجُوزُ مِنَ
الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلاَ يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلاَّ الرُّسُلُ، وَكَلاَمُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللهُمَّ
سَلَّمْ سَلِّمْ. وَفِي جَهَنَّمَ كَلاَلِيْبُ.
القاضي عياض(١): امتحشوا وامتحشت، ضبطه أكثرهم: بضم التاء وكسر الحاء على
ما لم يسم فاعله، وضبطناه على أبي بحر بفتح التاء والحاء في الأول، وضبط الأصيلي
في الآخر بفتحهما أيضاً، يقال: محشته النار: أحرقته، وقال ابن قتيبة: محش النار
وامتحش، وحكى يعقوب أمحشه الحر: أحرقه، وقال غيره: ولا يقال: محشته في
هذا بمعنى أحرقته، وحكى صاحب (الأفعال) الوجهين بمعنى أحرقته، قال: ومحشت
لغة، وأمحشت المعروف، ويقال: امتحش فلان غضباً، أي: احترق، وقال الداودي :
انقبضوا واسودوا.
٥٥٨١ _ [١٦] (أبو هريرة) قوله: (فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته)
ظاهره أنه وَّه يجوز ويمر على الصراط مع أمته تحلة للقسم في قوله تعالى: ﴿وَإِن
مِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [ مريم: ٧١]، وقد اختلف في ذلك، وخص وَّ من هذا العموم، ويجوز
أن تجعل الباء للتعدية بمعنى: يجيز أمته واقفاً عليه حاضراً عنده، والله أعلم.
وقوله: (في جهنم كلاليب) جمع كلوب بفتح كاف وتشديد لام مضمومة :
حديدة لها شعب يعلق به اللحم، وفي (النهاية)(٢): هو بالتشديد: حديدة مُعْوَجَّة
(١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٦١٠).
(٢) ((النهاية)) (٤ /١٩٥).

٧٨
(٤) باب الحوض والشفاعة
مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ لاَ يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّ اللهُ، تَخْطِفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ،
فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ، ثُمَّ يَنْجُو حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ الْقَضَاءِ
بَيْنَ عِبَادِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ
لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ،
الرأس، وقد سبق في (باب الرؤيا).
(والسعدان) بفتح السين وسكون العين والمهملة: نبت من أفضل مراعي
الإبل، ومنه (مرعى ولا كالسعدان) وله شوك يشبه حلمة الثدي، وفي (الصحاح)(١):
ولهذا النبت شوك يقال له: حسك السعدان، وفي (مجمع البحار)(٢) عن النووي: هو
بفتح سينه وسكون عينه: نبت له شوك عظيم مثل الحسك من كل الجوانب.
وقوله: (تخطف) في (القاموس)(٣): خطف الشيء كسمع وضرب، أو هذه
قليلة أو رديئة: استلبه، انتهى. وقد قرئ في قوله تعالى: ﴿يَخْطَفُ﴾ [البقرة: ٢٠] بالكسر
أيضاً.
وقوله: (من يوبق بعمله) في (القاموس) (٤): وبق كوعد، ووجِل، ووَرِث، وُبُوقاً
ومَوبِقاً: هلك، وأوبقه: حبسه أو أهلكه، (ومنهم من يخردل) أي: يقطع، وهو
كالمخدوش والمكدوش كما مر، يعني أن الكافر يهلك ولا ينجو، والمؤمن الفاسق
يقطع ویخدش ثم ينجو .
(١) ((الصحاح)) (٢ / ٤٨٨).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٧٣).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٤٣).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٥٤).

٧٩
(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق
أَمَرَ الْمَلاَئِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ يَعْبُدُ اللهَ، فَيُخْرِ جُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ،
وَحَرَّمَ اللهُ تَعَالَى عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ
إِلَّ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتُحِثُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ،
فَيَبُُّونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِيَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجنَّةِ والنارِ
وَهُوَ آخرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولاً الْجَنَّةَ، مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ!
إِصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا.
وقوله: (أمر الملائكة) إما بعد شفاعتهم، أو شفاعة الأنبياء والرسل، أو شفاعة
المؤمنين .
وقوله: (إلا أثر السجود) أي: موضع أثر السجود، والمراد الجنس، فيشمل
جميع أعضاء السجود، والتخصيص بالجبهة لا وجه له إلا باعتبار المواجهة أو شرفه.
وقوله: (فيصب عليهم ماء الحياة) لا منافاة بينه وبين ما ورد: (أنهم يدخلون
في نهر الحياة)، فيجوز أن يكون الصب بإلقائهم في نهرها.
وقوله: (وقد قشبني) القشب: الخلط، وسقي السم، والإصابة بالمكروه
المستقذر، وقشبني ريحه: آذاني، وقال في (المشارق)(١): معناه سَمَّنَي وآذاني،
والقشب: السم، ويقال: قشبه الدخان: إذا ملأ خياشيمه.
وقوله: (وأحرقني ذكاؤها) في (المشارق)(٢): أي شدة حرها والتهابها، كذا هو
بفتح الدال ممدوداً عند الرواة، والمعروف في شدة حر النار القصر، إلا أن أبا حنيفة
(١) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٣٢٦).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٤٢٨).

٨٠
(٤) باب الحوض والشفاعة
فَيَقُولُ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَفْعَلْ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَيَقُول: لاَ وَعِزَّتِكَ،
فيُعُطِي اللهَ مَا شَاءَ اللهُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فإِذا
أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَأَى بَهْجَتَهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ:
يَا رَبِّ! قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَلَيْسَ أَعْطَيْتَ
الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لاَ تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! لاَ أَكُونُ
أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ ..
...
ذكر فيه المد، وخطأه فيه علي بن حمزة في ردوده، يقال منه: ذكت النار تذكو ذكاً
وذكواً، ومنه: ذكا الطيب: انتشار ريحه، وأما الذكاء ممدوداً فتمام السن وذكاء القلب،
انتهى. وفي (القاموس)(١): ذكت النار ذُكُوًّا [ذكاً] وذكاءً بالمد عن الزمخشري،
واستذكت: اشتد لهبها .
وقوله: (هل عسيت) معنى الرجاء راجع إلى المخاطب كالترجي في: ﴿َعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣].
وقوله: (فيعطي الله) فاعله ضمير الرجل، (فإذا أقبل به على الجنة) لعل الباء
للتعدية، أي: أقبله الله تعالى.
وقوله: (لا أكون أشقى خلقك) بأن أكون خارج الجنة، والمؤمنون فيها، فلا أقل
من أن أكون عند بابها، والشقا: الشدة والعُسْر، ويمد، كذا في (القاموس)(٢).
وقوله: (فما عسيت) (ما) استفهامية، و(أعطيت) بلفظ المجهول.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٨١).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٩٥).