Indexed OCR Text
Pages 681-700
٦٨١ (٢٧) كتاب الفتن وَنُزُولَ عِيسَى ابْنٍ مَرْيَمَ، وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلاَثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ تَطْرُهُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ». وقوله: (ويأجوج ومأجوج) هما قبيلتان من ولد يافث بن نوح يا، وقيل: يأجوج من الترك ومأجوج من الجيل، وهما اسمان عجميان بدليل منع الصرف، وقيل: عربيان من أجّ الظليم: إذا أسرع، وأصلهما الهمزة كما قرأ عاصم، ومنع صرفهما للتعريف والتأنيث، كذا قال البيضاوي(١)، وفي (القاموس)(٢): الأجة: الاختلاط، ولا يخفى أنه يمكن اشتقاق يأجوج ومأجوج منه أيضاً، بل من الأجة بمعنى شدة الحر، بل من الأجيج بمعنى تلهب النار كما ذكر من المعنيين لشدة في خروجهم مثل شدة الحر ولهب النار، ثم قال: ويأجوج ومأجوج من لا يهمزهما يجعل الألفين زائدتين من يَجَجَ ومَجَجَ، وقرأ رؤبة: (آجوج وماجوج)، وأبو معاذ: (يمجوج). وقوله: (تطرد الناس إلى محشرهم) الحشر: الجمع، من نصر وضرب، والمحشر بالفتح: موضعه، كذا في (القاموس)(٣)، وقالوا: المراد بالمحشر أرض الشام؛ إذ صح في الحديث أن الحشر يكون متى يكون في أرض الشام، ولا يلزم منه أن يكون هذا الطرد بعد الحشر، ونقل في (مجمع البحار) (٤) من حاشية (المصابيح): فإن قيل: النار من حيث إنها من أشراطها تتقدم عليها والحشر بعد قيامها؟ قلت: (١) ((تفسير البيضاوي)) (٣/ ٢٩٣). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٦٤). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٣٩). (٤) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٥١٩). ٦٨٢ (٣) باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال وَفِي رِوَايَةٍ: ((نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرٍ عَدَنَ تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ)). وَفِي رِوَايَةٍ فِي الْعَاشِرَةِ: ((وَرِيحٌ تُلْقِي النَّاسَ فِي الْبَحْر)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٠١]. لعلها تخرج أولاً وتبقى حتى تقوم الساعة، ثم تسوق أهل الشقاوة إلى المحشر وإلى النار. وقوله: (من قعر عدن) بالتحريك: مدينة معروفة باليمن، كان التبع يحبس فيه أصحاب الجرائم، من عدن بالبلد من باب ضرب ونصر، عدناً وعدوناً: أقام، ومنه ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ﴾، ويقال له: عدن أبين، أضيف إلى أبين على وزن أبيض، اسم رجل من حمير أقام بها، وقعر كل شيء: أقصاه، وقعر البئر: عمقه، ثم قيل: إنه قد جاء في (صحيح البخاري): (إن أول الأشراط نار تخرج من المشرق إلى المغرب) فكيف تكون آخر الآيات؟ وأجابوا بأن آخريتها بالنسبة إلى ما ذكر من الآيات، وأوليتها باعتبار أنها أول الآيات التي لا يبقى بعدها شيء من أمور الدنيا أصلاً، بل يقع بانتهائها النفخ في الصور، بخلاف ما ذكر معها، فإنه يبقى مع كل آية منها أشياء من أمور الدنيا. وحاصله ما قال الطيبي(١): إن بعض الآيات أمارات لقرب قيام الساعة، وبعضها دالة على حصولها وقيامها، فيمكن أن تكون النار آخراً بالنسبة إلى القسم الأول، وأولاً بالنسبة إلى الثاني، كذا قالوا، وفيه نظر؛ لأن طلوع الشمس من مغربها كما يجيء في الحديث عدّ أولاً، ولا شك أنه ليس من القسم الأول؛ لأن الدخان والدجال قبله، فيكون من الثاني، وكيف يكون الشيئان أول؟ فالأوجه أن يقال: إن الأولية والآخرية إضافيتان، فيمكن أن يكون شيء أولاً بالنسبة إلى بعض، وآخراً بالنسبة إلى آخر، فلا (١) ((شرح الطيبي)) (١١ / ٣٤٤٩). ٦٨٣ (٢٧) كتاب الفتن ٥٤٦٥ _ [٢] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سِنَّا: الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَدَابَّةَ الأَرْضِ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَأَمْرَ الْعَامَّةِ، وَخُوَيْصَّةَ أَحَدِكُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٤٧]. ٥٤٦٦ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْروٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: وو (إِنَّ أَوَّلَ الآيَاتِ خُرُوجاً طَلَوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ .... يرد ما ذكر، فافهم، والله أعلم. ٥٤٦٥ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (بادروا بالأعمال سنًّا) أي: تعجلوا بالأعمال الصالحة قبل مجيء هذه الدواهي الست، والمبادرة: المعاجلة، بادره مبادرة وبداراً: عاجله، وبدره الأمر وإليه: عجل إليه واستبقه، كذا في (القاموس)(١). وقوله: (وأمر العامة) أي: الفتنة التي تعم الناس، و(خويصة أحدكم) أي: ما يختص بأحدكم من الشواغل في الفتنة في نفسه وأهله وماله، وصغرت لاستصغارها في جنب سائر الحوادث من علامات القيامة، وقيل: أمر العامة القيامة التي تعم الناس، وخويصة أحدكم الموت، وتعقب بأن كونها من الآيات لا يستقيم، كذا قیل، ويمكن أن يقال: إنه لما حذر عن علامات القيامة حذر عنها وعن الموت الذي هو القيامة الصغرى، على أنه لم يقل سنًّا من العلامات بل أطلق، أي: ستًّا من الحوادث والمصائب والدواهي. ٥٤٦٦ - [٣] (عبدالله بن عمرو) قوله: (وخروج الدابة) قيل: الواو بمعنى (أو)، وقد وقع بـ (أو) في بعض الروايات، ويناسبه سياق الحديث. (١) القاموس المحيط)) (ص: ٣١٤). ٦٨٤ (٣) باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال عَلَى النَّاسِ ضُحَّى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالأُخْرَى عَلَى أَثَرِهَا قَرِيباً)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٤١]. ٥٤٦٧ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: («ثَلاَثٌ إِذَا خَرَجْنَ ﴿لَا يَنَفَعُ نَفْسًا إِمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْكَسَبَتْ فِىَ إِيمَنِهَا خَيْراً﴾ [الأنعام: ١٥٨]: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأَرْضِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٨]. ٥٤٦٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: (أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟)) قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنُ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ وَلاَ تُقْبَلُ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنُ فَلاَ يُؤْذَنُ لَهَا، وَيُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِلَّهَأَ؛ [يس: ٣٨])) قَالَ: ((مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْش)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٩٩، م: ١٥٩]. وقوله: (وأيهما ما كانت): (ما) زائدة. ٥٤٦٧ _ [٤] (أبو هريرة) قوله: (ثلاث إذا خرجن) أي: ثلاث آيات إذا ظهرن وحصلن. ٥٤٦٨ - [٥] (أبو ذر) قوله: (فتستأذن فيؤذن لها) يجوز أن يكون المراد استئذانها للدخول في حضرة الحق تعالى والإذن به، يعني ثم يؤمر بطلوعها من مشرقها، والأولى أن يراد ابتداء الاستئذان لطلوعها من مشرقها والإذن به. وقوله: (فذلك قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّلَّهَا﴾) قد ذكر له في التفاسير ٦٨٥ (٢٧) كتاب الفتن ٥٤٦٩ - [٦] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَّل يَقُولُ: ((مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ أَمْرٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٤٦]. ٥٤٧٠ - [٧] وَعَن عَبْدِاللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللّه تَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، .. وجوه غير ما في هذا الحديث، ولا شك أن ما وقع في الحديث المتفق عليه يكون هو المعتبر والمعتمد، والعجب من البيضاوي أنه ذكر وجوهاً في تفسيره ولم يذكر هذا الوجه، ولعله أوقعه في ذلك تفلسفه، نعوذ بالله من ذلك . وفي كلام الطيبي أيضاً ما يشعر بضيق الصدر، نسأل الله العافية. ٥٤٦٩ - [٦] (عمران بن حصين) قوله: (أمر أكبر من الدجال) أي: في باب الفتنة والابتلاء، والإضلال والاستدراج. ٥٤٧٠ - [٧] (عبد الله) قوله: (إن الله لا يخفى عليكم) أي: قد عرفتموه بصفات الكمال وآمنتم به، فلا تضلوا بما ترون منه من المكر والاستدراج. وقوله: (إن الله ليس بأعور) نفي للنقص لا لإثبات الجارحة، أي: ليس هو من جنس الآدميين، وليس له عين فضلاً عن أن يكون أعور، والعور: ذهاب حسن إحدى العینین . وقوله: (عين اليمنى) أي: عين جهة اليمنى، أو عينه اليمنى، وقيل: إن ذلك من سهو قلم الناسخ بدليل ما جاء في حديث حذيفة: (أعور العين اليسرى)، والله تعالى أعلم . ٦٨٦ (٣) باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنْبَةٌ طَافِيَةٌ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٤٠٧، م: ١٦٩]. وقوله: (كأن عينه عنبة) فيه تجنيس لطيف من غير تكلف، و(طافية) أي: بارزة عالية، في (القاموس)(١): طفا فوق الماء طفْواً وطفوًا: علا، والخوصةُ فوق الشجر: ظهرت، والطفاوة: ما طفا من زبد القدر، ذكره في الناقص. قال الشيخ ابن حجر (٢): طافية بياء غير مهموزة، أي: بارزة، ولبعضهم بالهمز، أي: ذاهب ضوءها، وجزم به الأخفش، وفي شرح (المصابيح) لابن الملك(٣): طافئة بالهمزة، أي: ذاهب ضوءها، وروي بغير الهمزة، أي: ناتئة بارزة، انتهى، من طفئت النار كسمع: ذهب لهيبها، كانطفأت وأطفأتها . وقال القاضي عياض في (مشارق الأنوار)(٤): (طافية) روي بالهمز وغيره، وقال: أكثر الروايات بغير همز، وهو الذي صححه الشيوخ والمفسرون، أي: ناتئة كحبة العنب الطافية فوق الماء، وقيل: البارزة من بين صواحبها، وقد رويناه عن بعضهم بالهمزة وأنكره أكثرهم، ولا وجه لإنكاره، لأنه قد روي في الحديث أنه ممسوح العين ومطموس العين، وأنها ليست جحراء ولا ناتئة، وهذه صفة حبة العنب التي سال ماؤها وطفئت، وعلى ما جاء في الأحاديث الأخر: (جاحظ العين وكأنها كوكب) يحتج به للرواية الأولى، ويصح الجمع بينهما بأنه أعور إحداهما، والعوراء مطموسة وممسوحة وغير ناتئة وطافئة بالهمزة، والأخرى كأنها كوكب وجاحظة وطافية بغير (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٧٦). (٢) ((فتح الباري)) (١٣ / ٩٧). (٣) كذا في الأصل، والظاهر ((شرح المشارق)) لابن الملك، كما في ((المرقاة)) (٨/ ٣٤٥٣). (٤) ((مشارق الأنوار)) (١/ ٣٢٦). ٦٨٧ (٢٧) كتاب الفتن ٥٤٧١ - [٨] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَا مِنْ نَبِيِّ إِلَّ قَدْ أَنّذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، أَلاَ إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: ك ف ر)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٣١، م: ٢٩٣٣]. ٥٤٧٢ - [٩] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((أَلَا أَحَدِّثُكُمْ حَدِيثاً عَنِ الدَّجَّالِ مَا حَذَّثَ بِهِ نِبِيِّ قَوْمَهُ، إِنَّه أعوَرُ، وَإِنَّه يَجِيءُ مَعَهُ بِمِثْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَالَّتِي يَقُولُ: إِنَّهَا الْجَنَّةُ هِيَ النَّارُ، وَإِنِّي أُنْذِرُكُمْ كَمَا أَنْذَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٣٨، م: ٢٩٣٦]. همزة، والله تعالى أعلم، انتهى. ٥٤٧١ _ [٨] (أنس) قوله: (إلا قد أنذر أمته الأعور الكذاب) وذلك لعدم العلم بوقت خروجه لهم حین أنذروا. وقوله: (مكتوب بين عينيه ك ف ر) هكذا كتب في نسخ (المصابيح) و(المشكاة)، وهذه الحروف غير مركبة إشارة إلى المادة الصرفية من غير اعتبار صيغة معينة، ولعلها على هذه الصورة مكتوبة بين عيني الدجال، وهكذا جاء من لفظه المدير مكتوب بين عينيه: الكاف والفاء والراء. ٥٤٧٢ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (بمثل الجنة والنار) يحتمل الحقيقة والمجاز، وكذا قوله: (ماء ونار)، والمجاز أن يراد بهما اللطف والقهر والرحمة والغضب. وقوله: (فالتي يقول: إنها الجنة هي النار) يأتي في الحديث الآتي عكسه أيضاً. وقوله: (كما أنذر به نوح) خصه بالذكر لأنه مقدم المشاهير من الأنبياء. ٦٨٨ (٣) باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال ٥٤٧٣ _ [١٠] وَعَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ قَالَ: ((إِنَّ الدَّجَّلَ يَخْرُجُ وَإِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَاراً، فَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ مَاءً فَنَارٌ تُحْرِقُ، وَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ نَاراً فَمَاءٌ بَارِدٌ عَذْبٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْبَقَعْ فِي الَّذِي يَرَاهُ نَاراً، فَإِنَّهُ مَاءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَزَادِ مُسْلِمٌ: ((إِنَّ الدَّجَّالَ مَمْسُوحُ العَيْنِ عَلَيْهَا ظَفَرَةٌ غليظةٌ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كاتبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ)). [خ: ٣٤٥٠، م: ٢٩٣٤]. ٥٤٧٣ - [١٠] (حذيفة) قوله: (عليها ظفرة) بالتحريك: لحمة نبتت عند الماق من كثرة البكاء أو الماء، كذا قال الطيبي(١)، وفي (القاموس)(٢): الظفر بفتحتين: جليدة تُغَشِّي العين كالظفرة محركة، وقد ظفرت العين كفرح فهي ظفرة، وفي شرح (جامع الأصول)(٣): جليدة ناتئة من جانب يلي الأنف على بياض العين إلى سوادها، وقال الطيبي(٤): يحتمل أن تكون الظفرة في العين الممسوحة وأن تكون في العين الأخرى، انتهى. لا يخفى أن وجود الظفرة في العين الممسوحة بالمعنى الذي ذكروه مما لا يظهر إلا أن يراد بالممسوح المعيوب، فالظاهر كونها في العين الأخرى وإن كان ظاهر اللفظ یأباه. وقوله: (كاتب وغير كاتب) بالجر صفة (مؤمن)، أي: الذي يعرف الكتابة (١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ١٠٩). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٩١). (٣) ((جامع الأصول)) (١٠ / ٣٥٠). (٤) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ١٠٩). ٦٨٩ (٢٧) كتاب الفتن ٥٤٧٤ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((الذَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، جُفَالُ الشَّعَرِ، مَعَهُ جَنَّتُهُ وَنَرُهُ، فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٣٤]. ٥٤٧٥ _ [١٢] وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ وَله الدَّجَّالَ فَقَالَ: ((إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ. ويحسن قراءتها والذي لا يعرفها، وذلك برهان من الله سبحانه وتعالى على كذبه. ٥٤٧٤ - [١١] (وعنه) قوله: (أعور العين اليسرى) قال التُّوربِشْتِي(١) في وجه تطبيق هذه الرواية ورواية عبدالله: (أعور العين اليمنى): إن إحدى عينيه ذاهبة والأخرى معيبة، فيصح أن يقال: لكل واحدة عوراء، إذ العور في الأصل العيب. وقوله: (جفال الشعر) بضم الجيم، في (القاموس)(٢): جفل الشعر جفولاً: شعث، والجفالة بالضم: الجماعة، وما أخذته من رأس القدر بالمغرفة، وكغراب: [رِغْوَةُ اللَّبَنِ]، والكثير، أو من الصوف، وجفلة من الصوف: جُزَّة منه، وبالفتح: الكثيرة الورق من الشجر. ٥٤٧٥ - [١٢] (النواس بن سمعان) قوله: (وعن النواس) بفتح النون وتشديد الواو (ابن سمعان) بكسر السين وفتحها . وقوله: (وأنا فيكم فأنا حجيجه) الحجيج: الغلبة بالحجة، وهو (فعيل) بمعنى (فاعل). (١) ((كتاب الميسر)) (١١٦٤/٤). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٨٠). ٦٩٠ (٣) باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطِ، عَيْنُهُ طَافِيَةٌ، كَأَنِّي أُشَبَّهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ، وقوله: (دونكم) أي: قدامكم. وقوله: (فامرؤ) للعموم في الإثبات، قد ثبت من الأحاديث ما يدل على أن خروجه في آخر الزمان، ولكنه قاله هكذا إبقاء للخوف على الأمة حتى يلتجئوا إلى الله تعالى من شره، وأيضاً هذا كناية عن تحقق وقوعه البتة، وإشارة إلى الإبهام في زمانه كالساعة . وقوله: (والله خليفتي) لما كان الاحتجاج على الدجال وجعله محجوجاً يرجع نفعه إلى بقاء دينه وتقويته، وكان ذلك أمره وشأنه * مما يهتم به، اتخذ الله خليفته ووليه على كل مسلم وحافظه، فيعينه عليه ويدفع شره. وقوله: (قطط) في (القاموس)(١): القطط محركة: القصير الجعد من الشعر كالقط، انتهى، والقطط يطلق على الشعر وعلى الرجل، وفي (مجمع البحار)(٢): هو شديد الجعودة، وقيل: الحسن الجعودة، والأول أكثر، أي: شديد التقبض كشعر السودان، وهو بفتحتين على المشهور، وروي بكسر الطاء الأولى. وقوله: (كأني أشبهه) تردد ◌َّ في تشبيهه به، ولو قال: كأنه عبد العزى لزم الجزم بالتشبيه، والعزى في الأصل تأنيث الأعز، واسم صنم، أو سمرة عبدتها غطفان، وعبد العزى هذا كان من المشركين، وقيل: رجل من خزاعة من ملوك الجاهلية. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦١٤). (٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٢٩٤). ٦٩١ (٢٧) كتاب الفتن فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ». وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ بِفَوَائِحِ سُورَةِ الْكَهْفِ، فَإِنَّهَا جِوَارُكُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ، إِنَّ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِيناً وَعَاثَ شِمَالاً، ... وقوله: (فمن أدركه منكم) وقد ورد قراءة سورة الكهف وقت النوم اتقاء شر الدجال. وقوله: (فإنها جواركم) بكسر الجيم، أي: أمانكم، وفي شرح ابن الملك على (المصابيح)(١): جوازكم بفتح الجيم والزاي، وهو الصك الذي يأخذه المسافر من السلطان لئلا يتعرض له المترصِّدة في الطريق، يعني أنه سبب مجاوزتهم الطريق من غير تعرض. وقال: وفي بعض النسخ بالراء، ومعناه: حافظكم وسبب أمانكم. وقوله: (إنه خارج خلة) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام، وهو الطريق في الرمل، أي: يخرج من طريق واقع بين الشام والعراق، وفي (القاموس)(٢): الخل: الطريق في الرمل، أو النافذ بين رملتين، أو النافذ في الرمل المتراكم، ويؤنث. وقوله: (فعاث يميناً وعاث شمالاً) على صيغة الماضي من العيث، وهو الإفساد، أي: أفسد، وروي بصيغة اسم الفاعل، أي: فهو مفسد، وقد صوب هذه الرواية في العطف على (خارج)، وقال في (مشارق الأنوار)(٣): يقال: عاث وعث، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠]، وفي حديث الدجال روي بفتح الثاء فعل ماض، وروي بكسر الثاء وتنوينها على مثال (قاض) اسم فاعل، من (١) ((شرح مصابيح السنة)) (٥ / ٥٦٦). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٩٤). (٣) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ١٠٦). ٦٩٢ (٣) باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال يَا عِبَادَ اللهِ فَاثْبُتُوا))، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا لَبْتُهُ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ يَوْماً، يَوْمٌّ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَّامِكُمْ) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلاَةُ يَوْمِ؟ قَالَ: ((لاَ، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَه))، قُلْنَا: يَا رسولَ اللهِ! وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الأَرْضِ؟ عث، وبالوجهين قيدهما الجياني. وقوله: (قال أربعون يوماً) وجاء في رواية: (أربعين) وهو بتقدير (يلبث). وقوله: (يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم) قيل : الأول لكثرة الهموم والغموم وشدة البلاء والفتنة يرى لهم كسنة، وعلى هذا القياس، ثم الحق يزيد قدراً والباطل ينقص ويهون المحنة وشدتها، وهذا القول لا يناسب سؤال الصحابة: أتكفينا فيه صلاة يوم؟ وجوابه وَيّر: (اقدروا له قدره)، وقيل: ذلك لسحر ذلك اللعين واختلال حواسهم وقواهم بذلك، فيرى الظلام ضياءً والضياء ظلاماً، ولا يخفى أنه لا يظهر بهذا القول ولا بالقول الأول وجه تخصيص الأيام الثلاثة على هذا القدر المخصوص دون غيرها من الأيام ودون غير هذا القدر، إلا أن يحمل ذلك على طريق التمثيل، وهو بعيد. وقوله: (واقدروا له قدره) أي: اقدروا لأداء الصلوات الخمس قدر يوم، وبيان تقديره: أنه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين ظهر يومه يصلون الظهر، وعلى هذا قياس اليوم الذي كالشهر، والذي كالجمعة، قالوا: وهذا مخصوص بذلك اليوم، والله تعالى أعلم. وقوله: (وما إسراعه؟) لما سمعوا أنه يفسد في آفاق الأرض وأكنافها في مدة يعسر فيها ذلك عادة علموا أن له إسراعاً، فسألوا عنه. ٦٩٣ (٢٧) كتاب الفتن قَالَ: ((كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَّتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارٍ حَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرَّى وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعاً وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، وقوله: (فتروح عليهم سارحتهم) الرواح: العشي، أو من الزوال إلى الليل، والمراد من السارحة المواشي تذهب بالغداة إلى مراعيها، والسرح: المال السائم، وسوم المال، يقال: سرحت المال سرحاً وسرحت هي بنفسها سروحاً، ويقال: سرحت بالغداة وراحت بالعشي. وقوله: (ذرى) تمييز، جمع ذروة، بالفارسية كوهان شتر، وذروة كل شيء: أعلاه . وقوله: (وأسبغه) أي: أتمه وأملأه، و(الضرع) بالفارسية پستان، و(أمده خواصر) جمع خاصرة، أي: ما تحت الجنب، وأمدها عبارة عن كثرة الأكل والشبع، وهو كناية عن السمن، والضمير في (أسبغه) و(أمدّه) لها . وقوله: (ثم يأتي القوم) أي: قوماً آخرين غير الذين آمنوا به، وهم الذين جحدوه وكفروا به، ويحتمل أن يكون المراد القوم الأول كما هو قاعدة إعادة المعرفة، فهم كانوا تارة يؤمنون به بحكم الاشتباه والاضطرار، وأخرى يكفرون لما لاح عليه من دلائل الكذب المقتضية للإنكار. وقوله: (ممحلين) المحل: الشدة، والجدب، وانقطاع المطر، وزمان ومكان ماحل، وأرض ممحلة، وأمحل القوم: أجدبوا، أي: صاروا ذات جدب. ٦٩٤ (٣) باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلاً مُمْتَلِئاً شَبَاباً فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدِ المَنَرَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُوذَتَيْنِ. وقوله: (فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل) جمع يعسوب، وهو أمير النحل وذكرها والرئيس الكبير، كما في قول أمير المؤمنين علي ظه في صفة نفسه: أنا يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الكفار، أي: يلوذ بي المؤمنون ويلوذ بالمال الكفار كما يلوذ النحل بمقدمها وسيدها، وفي صفة أمير المؤمنين أبي بكر ظه: كنت للدين يعسوباً، والمراد يتبع الدجال كنوز الأرض كما يتبع النحل يعاسيبها، وإنما جمع لأن النحل كل بقعة يعسوباً. وقوله: (ممتلئاً شباباً) تمييز، والمراد كونه في غاية الشباب. وقوله: (جزلتين) بفتح الجيم وروي بالكسر، وقيل: الجزلة بالكسر: القطعة، وبالفتح المصدر، وفي (القاموس)(١): جزله بالسيف يجزله: قطعه جزلتين. وقوله: (رمية الغرض): (الغرض) محركة: الهدف، أراد أنه يكون بُعد ما بين القطعتين بُعد رمية السهم إلى الهدف، وقيل: أي يصيبه بالضربة إصابة رمية الغرض، (ثم يدعوه فيقبل) أي: ثم يحيي الدجال الشاب المذكور فيقبل عليه ضاحكاً مسروراً، و(دمشق) المشهور فیه کسر الدال وفتح المیم، وقد یکسر. وقوله: (مهروذتين) يروى بالدال والذال، وأكثر ما يقع في النسخ بالدال المهملة، (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٧٩). ٦٩٥ (٢٧) كتاب الفتن وَاضِعاً كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ ومعناه لابساً ثوبين مصبوغين بالزعفران، كذا نقل الطيبي(١)، وفي (القاموس)(٢) في باب الدال المهملة: الهرد: الشق للإفساد، وبالضم: الكُركُم، وطين أحمر، وعروق يصبغ به، والهردي: المصبوغ به، وقال في باب الذال المعجمة: المهروذة لم تسمع إلا في قول النبي ◌َّ في المسيح عليه الصلاة والسلام: (ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق في مهروذتين)، ويروى بالدال، وفي (الصراح)(٣): هردى بالكسر على فعلى: گیاهي ثوب، مهروذ زرد رنگ ولیس، ولم يذكر فيه هرذ بالذال المعجمة . وقال القاضي عياض في (مشارق الأنوار)(٤) في الدال المهملة: في خبر عيسى عليه الصلاة والسلام: فينزل في ثوبين مهرودتين، قيل: في شقتين أو حلتين، قال ابن قتيبة: مأخوذ من الهرد، وهو الشق، أي: في شقتين، والشقة: نصف الملاءة، وقال أبو بكر: إنما يسمى الشق هرداً إذا كان للإفساد لا للإصلاح، وقال ابن السكيت: هرد القصار الثوب وهردته: إذا خرقته، وقيل: أصفرين كلون الحوذانة، وهو ما صبغ بالورس والزعفران، فيقال له: مهرود. وقال ابن الأنباري: يقال: مهرودتين بالدال والذال معاً، أي: ممصرتين، كما جاء في الحديث الآخر، وقال غيره: الثوب المهرود: الذي يصبغ بالعروق التي يقال لها: الهرد بضم الهاء، وقال أبو العلاء المعري: هرد ثوبه: صبغه بالهرد، وهو صبغ (١) ((شرح الطيبي)) (١٠ / ١١٤). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٩٧، ٣٠٧). (٣) ((الصراح)) (ص: ١٥١). (٤) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٢٦٧). ٦٩٦ (٣) باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال مَلَكَيْنٍ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ مِثْلَ جُمَانٍ كَاللُّؤْلُؤٍ، فَلاَ يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدَ مِنْ رِيحِ نَفَسِهِ إِلَّ مَاتَ، وَفَسُهُ يَنْتُهِي حَيْثُ يَنْتُهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدِّ فَيَقْتُلُهُ، ثمَّ يَأْتِي عِيسَى قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللهُ ٥ و مِنْهُ، يقال له: العروق، وقال الجياني: يقال هو الكُركُم، وقال ابن قتيبة: ما ذكر عندي خطأ من النقلة وأراه مهرودتين، أي: صفراوين، وخطأ ابن الأنباري قوله هذا، وقال: إنما يقوله العرب: هريت لا هروت، ولا يقولون ذلك إلا في العمامة خاصة. وقوله: (إذا طأطأ رأسه) أي: خفضه، (قطر) أي: عرق، (وإذا رفعه) أي: الرأس (تحدر) أي: نزل، و(الجمان) كغراب اللؤلؤ، أو حبات بأشكال اللؤلؤ من فضة، الواحدة جمانة، وفي بعض الحواشي: (الجمان) بضم الجيم وتشديد الميم : اللؤلؤ الصغار، وبتخفيفها حب يتخذ من الفضة، وقيل: المراد هو الأخير، انتهى. والقرينة على ذلك قوله: (كاللؤلؤ) يعني إذا خفض رأسه قطر من شعره قطرات نورانية، وإذا رفعه نزلت تلك القطرات من الماء، كذا في (مجمع البحار)(١). وقوله: (فلا يحل لكافر) بكسر الحاء، أي: لا يمكن ولا يحصل، والدجال مستثنى من هذا، و(نفسه) بفتح الفاء. وقوله: (فيطلبه) أي: عيسى الدجال، و(اللد) بضم لام وتشديد دال: اسم جبل بالشام، وقيل: قرية من قرى بيت المقدس، وفي (القاموس)(٢): (لد) بالضم: قرية بفلسطين يقتل عيسى عليه الدجال عند بابها. (١) «مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٣٨٩). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٨٧). ٦٩٧ (٢٧) كتاب الفتن فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَائِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللهُ إِلَى عِيسَى: أَنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادَاً لِي لاَ يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِيَ إِلَى الُورِ، وَيَبْعَثُ اللهُ بَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُخَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُزُّ آخِرُهُمْ وَيَقُولُ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، ثُمَّ يَسِيرُونَ حَتَّى يَنْتُهُوا إِلَى جَبَلِ الْخَمَرِ، وَهُوَ جَبَلُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَيَقُولُونَ: لَقَدْ قَتَلْنَا مَنْ فِي الأَرْضِ، هَلَمَّ وقوله: (فيمسح) أي: يزيل الغبار عن وجوههم، أو يكشف ما بهم من الشدة وأثر المحنة. وقوله: (لا يدان) أي: لا طاقة ولا قدرة، وقيل: أراد المبالغة بأن يديه كأنهما معدومتان لعجزه، و(الحدب) الغليظ المرتفع من الأرض، (والنسل) الإسراع، نسل ينسل نسيلاً ونسَلاً ونسَلاناً: أسرع. و(بحيرة طبرية) بالإضافة، وبحيرة تصغير بحرة، وهو ماء يجتمع بالشام طوله عشرة أميال، وطبرية: اسم موضع، وفي (القاموس)(١): قرية بواسط، و(الخمر) بفتحتين: ما واراك من شجر وغيره، كذا في (القاموس)(٢)، قال الطيبي(٣): الشجر الملتف، وجبل بالقدس، قيل: سمي به لكثرة شجره. وقوله: (هلم) معناه تعال، مركبة من (ها) للتنبيه ومن (لم)، من لمّ الله شعثه، (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٨٨). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٤٩). (٣) (شرح الطيبي)) (١٠ / ١١٥). ٦٩٨ (٣) باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال فَلْنَقْتُلْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، فَيَرْمُونَ بِنُشَّابِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَرُدُ اللهُ عَلَيْهِمْ نُشَّابَهُمْ مَخْضُوبَةً دَماً، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللهِ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْراً مِنْ مِئَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فَيُرْسِلُ اللهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ الهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الأَرْضِ، فَلاَ يَجِدُونَ فِي الأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلاَّ مَلأَهُ زَهَمُهُمْ. أي: جمعه، أي: لم نفسك إلينا، وحذفت ألفها وجعلا اسماً واحداً، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث في لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يصرفونها فيقولون: هلم وهلما وهلموا وهلمي وهلممن، وقد يوصل باللام فيقال: (هلم لك) كما قالوا: (هيت لك)، ويؤكد بالنون فيقال: (هلمن)، وفي المؤنث بكسر الميم، وفي الجمع بضمها، وفي التثنية (هلمان) للمذكر والمؤنث، وللنسوة (هلممنان). (نشابهم) بضم نون وتشديد شين: السهام، واحده نشابة بهاء، ونشاب بالفتح متخذه، وقوم نشابة : يرمون به. و(يحصر نبي الله) أي: يحبس في جبل الطور. وقوله: (حتى يكون رأس الثور) أي: يبلغ بهم الحاجة والفاقة إلى أن يكون رأس الثور الذي هو أرخص اللحم بالنسبة إلى ما في لحمه، (خيراً من مئة دينار لأحدكم اليوم) ويقاس عليه غيره من الأجزاء، وقيل: أراد نفس الثور لاحتياجهم إليه للزراعة، وتعقب بأن ما لهم للزراعة وهم محصورون. وقوله: (فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه) أي: يدعون الله في إهلاك يأجوج ومأجوج. (فيرسل الله عليهم النغف) وهو بفتح النون والغين المعجمة: دود في أنوف الإبل والغنم، والواحدة نغفة، و(فرسى) كقتلى جمع فريس بمعنى قتيل، من افتراس الأسد، و(الزهم) بالتحريك مصدر زهمت يده كفرح فهي زَهِمَةٌ، أي: دَسِمَةٌ، ٦٩٩ (٢٧) كتاب الفتن وَُّهُمْ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللهِ، فَيُرْسِلُ اللهُ طَيْراً كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ، فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: ((تَطْرَحُهُمْ بِالنَّهْبَلِ، وَيَسْتَوْقِدُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ قِسِيِّهِمْ وَنُشَّابِهِمْ وَجِعَابِهِمْ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ مَطَراً لاَ يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرِ، . والزهم بالضم: الريح المنتنة، انتهى، والأول أكثر رواية. و(طيراً كأعناق البخت) أي: أعناقها كأعناق البخت بالضم: الإبل الخراسانية، كالبُختية، انتهى، والبختية: الأنثى من الجمال [البخت، وهي جمال] طوال الأعناق، والذكر بختي، والجمع بخت وبخاتي. و(النهيل) بفتح النون وسكون الهاء وفتح الباء الموحدة: موضع من بيت المقدس، وقيل: حيث تطلع الشمس، كذا في الحواشي، وقد صحح في نسخ (المشكاة) كذلك بالنون، وكذلك صورة اللفظ في نسخ الطيبي، وفي (مجمع البحار)(١) من الكرماني (بالمهبل) بالميم، وفسره بالهوة الذاهبة في الأرض، وفي (القاموس) (٢): المهبل كمنزل: الهُوِيُّ من رأس الجبل، وفي (الترمذي)(٣): في حديث الدجال: (فتطرحهم بالنهبل) بالنون، وهو تصحيف، والصواب بالميم. و(الجعاب) بكسر الجيم جمع جعبة بفتحها: كنانة للنشاب، أي: ظرفها. وقوله: (لا يكن من بيت مدر ولا وبر) في (مجمع البحار)(٤): (لا يكن) هو (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٥/ ١٣١). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٦٤). (٣) ((سنن الترمذي)) (٢٢٤٠) وفيه: ((بالمهبل)). (٤) «مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٤٤١). ٧٠٠ (٣) باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال فَيَغْسِلُ الأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ، بفتح ياء وضم كاف، من كننته: صنته عن الشمس، ومفعوله محذوف، أي: لا يكن ولا يصون من ذلك المطر بيت مدر ولا وبر، يعني بيت الحضر وأهل البدو شيئاً، بل يغسل الأماكن، أي: لا يمنع من نزول الماء بيت المدر، انتهى. و(يكن) صحح في النسخ بضم الياء وكسر الكاف من الإكنان، وفي الحواشي: (لا يكن) من الإكنان والكن، أكننته وكننته، أي: سترته، والجملة صفة (مطر)، والمفعول محذوف، أي: لا يستر ولا يصون من ذلك المطر بيت مدر ولا وبر، أي: أهل الحضر والبدو شيئاً، بل يعم جميع الأماكن كما عرفت، وقال في (القاموس)(١): أکنه كنه: ستره. (كالزلفة) قال الطيبي(٢): روي بفتح الزاي واللام وبالفاء والقاف، وروي بضم الزاي وإسكان اللام وبالفاء، وبيَّنَ معانيها من غير تعيين أن أيها بأي معنى، والذي في (القاموس)(٣) في باب الفاء وفصل الزاي: الزلف محركة: الحوض الملآن، وبهاء: المَصْنعة الممتلئة، والإجّانة الخضراء، والصدفة، والصخرة الملساء، والأرض المكنوسة، والزلفة بالضم: الصحفة، والزلف بالكسر: الروضة. وقال في باب القاف: الزلقة محركة بهاء: الصخرة الملساء، والمرآة، انتهى. ولا يخفى أن الأنسب هنا حمله على المَصْنعة الممتلئة والإجّانة الخضراء؛ لأن الظرف إذا ملىء ماء يرى أخضر، ويقرب منه حمله على الصحفة والمرآة كذلك، كأن الأرض صارت لكثرة الماء بحيث يرى الرائي وجهه فيه، والله أعلم. ويناسب قوله: (فيغسل الأرض) حمله على الأرض المكنوسة والصخرة الملساء (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٠٧). (٢) ((شرح الطيبي)) (١١ / ٣٤٥٨). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٣٥، ٨٠٢).