Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ (٢٦) كتاب الرقاق ٥٢٦٢ - [٣٢] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: المحبوب، وحرها واحتراقها بالنظر إلى الأعداء، ولذا يقال للولد: قرة العين. وقوله: (في الصلاة) دون أن يقول: الصلاة إشارة بأن الفرح والسرور والاطمئنان إنما يحصل بالإحسان ومشاهدة الحق على حسب قوله: (كأنك تراه) الذي يحصل له في الصلاة لا بنفس الصلاة، لأنها مما سوى ذات الله تعالى، والمشاهدة إنما تحصل بمطالعة الذات. نعم الصلاة نعمة الله وفضل منه، وحصول الفرح بنعمة الله تعالى وفضله أيضاً مقام عال، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨]، لكنه دون مقام مشاهدة المفضل والمنعم، ومقامه وسي أعلى وأرفع، ولذلك قال: ﴿فَلْيَفْرَحُواْ﴾ غيبة أو خطاباً، ولم يقل: فليفرح المؤمنون بفضل الله عليهم، وليكن فرحك يا محمد بي، ويمكن أن يكون لبعض أخص خواص الأمة نصيب من هذا المقام بمتابعته زمير، ولكن قرة العين بالشهود على قدر المشهود، ولما كان معرفته ملي أكمل من معرفة كل عارف كان شهوده أتم من شهودهم، فلا يكون قرة عيونهم مثل قرة عينه والر . ٥٢٦٢ - [٣٢] (معاذ بن جبل) قوله: (بعث به): (بعث) يجيء متعدياً بدون الباء، في (القاموس)(١): بعثه كابتعثه: أرسله، وكذا في (الصحاح)(٢)، وكذلك يوجد في موارد استعماله، ولعلهم لم يطلقوا هذا على هذا الحديث إن كان صحيحاً، أو الباء مزيدة، أو المراد بعث الناس معه، والله أعلم. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٥٢). (٢) (الصحاح)) (١ / ٢٧٣). ٤٨٢ (١) باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َا} (إِيَّاكَ وَالتَّنَغُّمَ، فَإِنَّ عِبَادَ الله لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥ / ٢٤٣]. ٥٢٦٣ - [٣٣] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ رَضِيَ مِنَ اللهِ بِالْيَسِيرِ مِنَ الرِّزْقِ، رَضِيَ الله مِنْهُ بِالْقَلِيلِ من الْعَمَلِ)) . ٥٢٦٤ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَنْ جَاعَ أَوِ احْتَاجَ فَكَتَمَهُ النَّاسَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ وَلَّكَ أَنْ يَرْزُقَهُ رِزْقَ سَنَةٍ مِنْ حلالٍ)). رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٤٢٦٥، ٩٥٨١]. وقوله: (إياك والتنعم): (التنعم): الترفه، والاسم النعمة بالفتح، الرفاهة والرفاهية بالتخفيف: لين العيش، رَفُهَ عيشه ككرم، فهو رَفِهٌ ورافةٌ ورفهان ومترفُّه: مستريح متنعم، وفي (الصراح)(١): رفه يسر علف وآب شدن شتر وتن آساني، رجل رافه، أي: وادع. ٥٢٦٣ - [٣٣] (علي) قوله: (من رضي من الله باليسير من الرزق، رضي الله منه بالقليل من العمل) ومفهومه من لم يرض بالیسیر من الرزق واستكثر وحرص، لم يرض الله منه بالقليل من العمل، بل طالبه بالكثير منه وأخذه على عمله، كما تدين تدان . ٥٢٦٤ - [٣٤] (ابن عباس) قوله: (فکتمه الناس) بالنصب مفعول ثاني لـ (کتم)، في (القاموس)(٢): کتمه واکتتمه و کاتمه إياه. (١) ((الصراح)) (ص: ٥٣٤). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٣٩). ٤٨٣ (٢٦) كتاب الرقاق ٥٢٦٥ - [٣٥] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِهِ: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ الْفَقِيرَ الْمُتَعَفِّفَ أَبَا الْعِيَالِ)). رَوَاهُ ابْنِ مَاجَه. [جه: ٤١٧٣]. ٥٢٦٦ - [٣٦] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: اسْتَسْقَى يَوْماً عُمَرُ، فَجِيءَ بِمَاءٍ قَدْ شيبَ بعسلٍ، فَقَالَ: إِنَّه لَطَيِّبٌ، لَكِنِّي أَسْمَعُ اللهَ تَكَ نَعَى عَلَى قَوْمِ شَهَوَاتِهِمْ فَقَالَ: ﴿أَذْهَبْتُمْ لَتِبَتِكُمْفِى حَيَاتِكُ الدُّنْيَا وَأُسْتَمْنَعْتُم بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] فَأَخَافُ أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، فَلَمْ يَشْرَبْهُ. رَوَاهُ رَزِينٌ. ٥٢٦٥ _ [٣٥] (عمران بن حصين) قوله: (الفقير المتعفف) التعفف: الكف عن الحرام والسؤال عن الناس، قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وقد سبق مراراً. ٥٢٦٦ - [٣٦] (زيد بن أسلم) قوله: (بماءٍ قد شيب) ماضي مجهول من الشوب على وزن (قيل) من القول، والشوب: الخلط والمزج. وقوله: (نعى على قوم شهواتهم) في (القاموس)(١): نعى على زيد ذنوبه: أظهرها وأشهرها، وفي (النهاية)(٢): أي: عاب عليهم شهواتهم، [يقال]: نعيت عليه أمراً: إذا عبته به ووبخته عليه، ونعى عليه ذنبه: أي شَهّره به، انتهى. والمراد أنه أخبر بفوت شهواتهم في الآخرة باستمتاعهم بها في الدنيا. وقوله: (حسناتنا) أي: ثواب حسناتنا، (عجلت لنا) أي: أخاف إن شربته أن (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٠٥). (٢) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (٥/ ٨٥). ٤٨٤ (٢) باب الأمل والحرص ٥٢٦٧ - [٣٧] وَعَن ابنِ عمَرَ قَالَ: مَا شَبِعْنَا مِنْ تَمْرٍ حَتَّى فَتَحْنَا خَيْرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤١٤٣]. ٢- باب الأمل والحرص يكون هذا التنعم ثواب حسناتنا استوفيناه في الدنيا، كما الكافر يعطى ثواب حسناته ويستوفيها في الدنيا، وهذا الخلق اكتسبه عمر ظه من زجره وَّ إياه، بقوله: (أوفي هذا أنت يا بن الخطاب، أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا) كما مر في (الفصل الأول). ٥٢٦٧ _ [٣٧] (ابن عمر) قوله: (ما شبعنا من تمر) فيه بيان غاية الفقر وشدة الاحتياج لكون التمر شائعاً ذائعاً في المدينة؛ فإذا لم يتيسر لهم ذلك قدر ما يشبعون به فکیف لغيره من الأطعمة، وفي خیبر أکثر من ذلك لا سیما فتح لهم ديارها. ٢ - باب الأمل والحرص في (القاموس)(١): الأمل محركة كجبل ونجم وشبر: الرجاء، والجمع آمال، أمله: رجاه، وما أطول إملته بالكسر، وفي (الصراح)(٢): أمل بالتحريك: أميد، وبالفتح: أميد داشتن، من نصر ينصر، تأميل كذلك، قلت: الظاهر أن يفسر بالرجاء في طول العمر لا الرجاء الذي هو ضد اليأس، ويذكر في مقابلة الخوف، فرجاء العفو والمغفرة من الله مثلاً لا يسمى أملاً كما يفهم من موارد استعماله، ولذلك يذم طول (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٦٦). (٢) (الصراح)) (ص: ٤١٠). ٤٨٥ (٢٦) كتاب الرقاق الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٢٦٨ - [١] عَنْ عَبْدِاللهِ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ◌َّهِ خَطَّا مُرَبَّعاً، وَخَطَّ خَطّا فِي الْوَسَطِ خَارِجاً مِنْهُ، وَخَطَّ خُطُطاً صِغَاراً. الأمل، ويدل عليه تفسير القاضي عياض إياه في (مشارق الأنوار)(١) بقوله: الأمل بفتح المیم: هو ما يحدث به الإنسان نفسه مما یدرکه من أمور الدنیا ویبلغه ویحرص عليه، فتدبر . والحرص فرط الشره والإرادة، كذا قال الطيبي(٢)، وفي (الصراح)(٣): شره آزناك وحريص شدن، وشره آزمند، وقال في (القاموس)(٤): الحرص بالكسر: الجشع، كضرب وسمع، فهو حريص، والجشع محركة: أشد الحرص وأسوأه وأن تأخذ نصيبك وتطمع في نصيب غيرك، جشع كفرح فهو جَشِعٌ. الفصل الأول ٥٢٦٨ - [١] (عبدالله) قوله: (خطًا مربعاً) أي: شكلاً يحيط به أربع خطوط. وقوله: (خطًّا في الوسط) محمول على ظاهره، وكذلك البواقي. وقوله: (وخطّ خططاً) الظاهر أنه جمع خط، ولكنه لم يذكر في كتب اللغة فيما نعلم، بل ذكر أن جمع خط خطوط وأخطاط، وذكر في (مجمع البحار)(٥): خططاً (١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٣٨). (٢) ((شرح الطيبي)) (٩/ ٣٤٥). (٣) ((الصراح)) (ص: ٥٣٥). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٥٢) (ص: ٦٣٨). (٥) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ٦٤). ٤٨٦ (٢) باب الأمل والحرص إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ، فَقَالَ: «هَذَا الإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الْخُطُطُ الصَّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَسَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَسَهُ هَذَا)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٤١٧]. بضم الخاء وكسرها جمع خط، ولا يظهر وجهه. نعم هو جمع خطة بمعنى الأرض التي يختطها الإنسان لنفسه، بأن يعلم عليها علامة ليعلم أنه قد احتازها، ولا يناسب هنا، والله أعلم. وقوله: (من جانبه الذي في الوسط) متعلق بقوله: (وخط خططاً)، والضمير في (جانبه) إلى الخط الوسط الخارج الذي بعضه في الشكل المربع وبعضه خارج منه، وهو المراد بجانبه الذي في الوسط. وقوله: (هذا الإنسان) مبتدأ وخبر، أي: هذا الخط الذي في الوسط الإنسان. وقوله: (وهذا أجله) أي: الخط المربع المحيط بالخط الوسط. و(الأعراض) الآفات والعاهات العارضة للإنسان، كالأمراض وغيرها من أسباب الموت مكتنفة من جميع جوانبه متصلة به، والأطباء يطلقون العرض على ما يحدث من المرض، والمراد هنا أعم من ذلك، وعبر عن عروض الآفة بالنهس - وهو لدغ ذات السم ـ مبالغة في الإصابة وتألم الإنسان بها، واكتفى بذكر الأعراض والآفات؛ لأن الغالب موت الإنسان بالأمراض والآفات، وإن تجاوز عنه هذه الآفات المهلكة كلها، ولم يمت بالموت الأمراضي لا بد أن يموت بالموت الطبيعي، والمقصود من الحديث أن الإنسان يظن أني أصل إلى أملي قبل الأجل، وظنه خطأ، بل الأجل أقرب إليه من الأمل، ويموت قبل أن يصل إلى أمله، وقالوا: الأمل مذموم إلا للعلماء، فإنه ٤٨٧ (٢٦) كتاب الرقاق ٥٢٦٩ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ◌َ خُطُوطاً فَقَالَ: ((هَذَا الأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُّهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الأَقْرَبُّ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٤١٨]. ٥٢٧٠ _ [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ نَّهِ: ((يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِبُّ مِنْهُ اثْنَانِ: الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٢١، م: ١٠٤٧]. لولا أملهم وطوله لما صنفوا واجتهدوا في تحصيل الكتب ونحوها، ولا حاجة إلى هذا الاستثناء؛ لأن المذموم طول الأمل على سبيل الجزم والاعتقاد، وأما بطريق الظن والاحتمال فلا، إذ الأمر محتمل لا يجزم بوجوده ولا بعدمه، والمقصود أن هذا الظن والعمل بهذا الاحتمال والاعتماد عليه مستحسن منهم؛ لكون عملهم حسناً ومقصدهم صحيحاً بخلاف غيرهم من الناس، فتدبر. فإن قيل: ذكر في الحديث الثاني خطوطاً في مجمله وذكر اثنين في مفصله؟ قلت: فيه اختصار بعدم ذكر الخط الآخر الذي هو الإنسان، والخطوط الأخر التي هي الآفات، و(هذا الأمل) إشارة إلى الخط الأطول الخارج. ٥٢٦٩ - [٢] (أنس) قوله: (وهذا أجله) إشارة إلى الخط الأقرب من بين الخطوط إلى الإنسان الذي به هلاكه وموته، وكذلك لم يذكر الخط المربع المحيط . هذا والأظهر أن محمل هذا الحديث ما يجيء في حديث أبي سعيد في (الفصل الثاني). ٥٢٧٠ - [٣] (وعنه) قوله: (ويشب منه اثنان) وإنما لم تنكسر هاتان الخصلتان؛ لأن الإنسان مجبول على حب الشهوات، كما قال الله سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٤٨٨ (٢) باب الأمل والحرص ٥٢٧١ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ قَالَ: ((لاَ يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًا فِي اثْنَيْنِ: فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الأَمَلِ)). مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٢٠، م: ١٠٤٦]. ٥٢٧٢ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٤١٩]. الشَّهَوَاتِ﴾ الآية [آل عمران: ١٤]، والشهوة إنما تنال بالمال والعمر، وإنما تتقوى في الهرم؛ لأن قوته العقلية تضعف، وهي الزاجرة عن القوة الشهوية، وقد صارت ملكة راسخة . ٥٢٧١ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (في حب الدنيا وطول الأمل) المراد بحب الدنيا الحرص على المال، وبطول الأمل الحرص على العمر، كما قال في الحديث السابق. ٥٢٧٢ _ [٥] (وعنه) قوله: (أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة) في (النهاية) (١): أي لم يبق فيه موضعاً للاعتذار حيث أمهله طول هذه المدة ولم يعتذر، أعذر: إذا بلغ أقصى الغاية في العذر، والعذر لا يتوجه على الله بل على العبد، فأريد به نفي اعتذاره مجازاً، وقيل: همزته للسلب، أي: أزال عذره؛ فإذا لم يتب إلى هذا العمر لم يكن له عذر؛ فإن الشاب يقول: أتوب إذا شخت، والشيخ ماذا يقول، وقيل: أقام الله عذره في تطويل عمره فما له إلا الاستغفار والطاعة والإقبال إلى الآخرة، كذا في (مجمع البحار)(٢)، وقد سبق شرح هذا اللفظ في (الفصل الثاني) من (باب الأمر بالمعروف). (١) ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (٣/ ١٩٦). (٢) «مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٥٥٢). ٤٨٩ (٢٦) كتاب الرقاق ٥٢٧٣ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: ((لَوْ كَانَ لِإِبْنِ آدَمَ وَادِيَانٍ مِنْ مَالٍ لاَبْتَغَى ثَالِثاً، وَلاَ يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّ التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٣٦، م: ١٠٤٩]. ٥٢٧٤ _ [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ وَِّ بِبَعْضٍ جَسَدِي فَقَالَ: ((كُنْ فِي الدُّنْيًّا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وعُذَّ نفسَكَ فِي (١) أَهْلِ الْقُبُورِ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٤١٦]. * الْفَصْلُ الثَّانِي : ٥٢٧٥ - [٨] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: مَرَّ بِنَا رَسُولُ اللهِنَّهِ وَأَنَا وَأُمِّي نُطَيِّنُ شَيْئاً فَقَالَ: ٥٢٧٣ _ [٦] (ابن عباس) قوله: (جوف ابن آدم) وهذه طبيعة الإنسان ونفسه إلا من أخرجه إليه من حضيض الطبيعة إلى ذروة العرفان، وقليل ما هم، كما قال: (ويتوب الله على من تاب). ٥٢٧٤ - [٧] (ابن عمر) قوله: (ببعض جسدي) قال بعض الشارحين: لفظ البخاري عن ابن عمر قال: أخذ رسول الله وتلقه بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، وليس في البخاري: (وعد نفسك في أهل القبور)، بل هو في الترمذي والبيهقي (٢)، والله أعلم. الفصل الثاني ٥٢٧٥ - [٨] (عبدالله بن عمرو) قوله: (نطين شيئاً) أي: نصلح بالطين، وفيه (١) في نسخة: ((منه). (٢) ((سنن الترمذي)) (٢٣٣٣)، و((شعب الإيمان)) (١٠٠٥٩). ٤٩٠ (٢) باب الأمل والحرص ((مَا هَذَا يَا عَبْدَاللهِ؟)) قُلْتُ: شَيْءٌ نُصْلِحُهُ، قَالَ: ((الأَمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ٢/ ١٦١، ت: ٢٣٣٥]. ٥٢٧٦ _ [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ كَانَ يُهَرِيقُ الْمَاءَ فَيَمَّمُ بِالتّرَابِ، فَأَقُولُ(١): يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الْمَاءَ مِنْكَ قَرِيبٌ، يَقُولُ: ((مَا يُدْرِيِنِي لَعَلِّي لاَ أَبْلُغُهُ). رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كتاب ((الْوَفَاء)). [شرح السنة: ٤٠٧١]. إشارة إلى أنه لم يكن في التطيين مبالغة، وإنما كان تطيين شيء من بيت أو جدار ومع ذلك حذره علی ذلك به . وقوله: (الأمر أسرع) أي: الارتحال عن الدنيا أسرع من أن يشتغل بذلك. ٥٢٧٦ - [٩] (ابن عباس) قوله: (يهريق الماء) أي: يبول، وقيل: يستعمل الماء قبل الوقت، فإذا لم يبق في الوقت تيمم، وفيه إشارة إلى أنه كان لا يدخر الماء، ولا يقع في تدبيره ادخاره للوضوء أيضاً، بل يستعمله حسب ما اتفق؛ فإذا وجد الماء في الوقت توضأ وإلا تيمم، أو كان استعماله ضرورياً كالشرب وغسل الثوب ونحوهما، فافهم . وقوله: (إن الماء منك قريب يقول: ما يدريني لعلي لا أبلغه) وكان من عادته الشريفة أن يبادر إلى التيمم قبل الوضوء استعجالاً للطهارة من غير أن يصلي، ولا يؤخرها إلى وجود الماء والوضوء به. (١) في نسخة: ((وأقول)). ٤٩١ (٢٦) كتاب الرقاق ٥٢٧٧ - [١٠] وَعَنْ أَنَسِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ قَالَ: ((هَذَا ابْنُ آدَمَ وَهَذَا أَجَلُهُ))، وَوَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ قَفَاهُ ثُمَّ بَسَطَ فَقَالَ: ((وَثَمَّ أَمَلُهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٣٤]. ٥٢٧٨ - [١١] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ غَرَزَ عُوداً بَيْنَ يَدَيْهِ وَآخَرَ إِلَى جَنْبِهِ وَآخَرَ أَبْعَدَ مِنْهُ، فَقَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟)) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((هَذَا الإِنْسَانُ وَهَذَا الأَجَلُ»، أُرَهُ قَالَ: (( وَهَذَا الأَمَلُ، فَيَتَعَاطَى الأَمَلَ فَلَحِقَهُ الأَجَلُ دُونَ الأَمَلِ)). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)). [شرح السنة: ٤٠٩١]. ٥٢٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِّ ◌َلْ قَالَ: ((عُمُرُ أُمَّتِي ... ٥٢٧٧ - [١٠] (أنس) قوله: (ووضع يده عند قفاه) إشارة إلى اتباع الأجل قريباً منه، ثم (بسط) أي: مد يده وبعّدها كما يشار إلى الأمر البعيد، وذلك مثل الخط الخارج من الخط المربع في المثال السابق. ٥٢٧٨ - [١١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فيتعاطى الأمل) في (القاموس)(١): التعاطي: التناول، وتناول ما لا يحق، والتنازع في الأخذ، والقيام على أطراف أصابع الرجلين مع رفع اليدين إلى الشيء، ومنه ﴿فَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]. وقوله: (دون الأمل) حال من الضمير المنصوب في (لحقه)، أي: [لحقه] وهو متجاوز عما قصده [من الأمل]. ٥٢٧٩ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (عمر أمتي) أفرد العمر كأنه عمر واحد محدود (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٨١). ٤٩٢ (٢) باب الأمل والحرص مِنْ سِتِينَ سَنَةً إِلَى سَبْعِينَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٣٣١]. ٥٢٨٠ - [١٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ الِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَذُكِرَ حَدِيثُ عَبْدِاللهِ بنِ الشِّخِيرِ فِي (بَابِ عِيَادَةِ الْمَرِيض). [ت: ٣٥٥٠، جه : ٤٢٣٦]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٢٨١ - [١٤] عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّه قَالَ: ((أَوَّلُ صَلاَحِ هَذِهِ الأُمَّةِ الْقِينُ وَالزُّهْدُ، وَأَوَّلُ فَسَادِهَا الْبُخْلُ وَالأَمَلُ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ١٠٣٥٠]. بهذه المدة لا يتجاوزها، وفيه مبالغة، والمراد الأكثر والأغلب. ٥٢٨٠ - [١٣] (وعنه) قوله: (أعمار) جمعه باعتبار الحقيقة، والمراد أكثر أعمار أمتي، وقد جاء صريحاً في بعض الروايات. الفصل الثالث ٥٢٨١ - [١٤] (عمرو بن شعيب) قوله: (اليقين) المراد باليقين هنا التيقن بأن الله هو المتكفل بالأرزاق فلا يبخل، ومن زهد لم يأمل، واليقين: إزاحة الشك، يقن الأمر كفرح يقناً ويحرك، وأيقنه وبه، وتيقنه واستيقنه وبه: علمه وتحققه، كذا في (القاموس)(١). (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١١٨). ٤٩٣ (٢٦) كتاب الرقاق ٥٢٨٢ - [١٥] وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: لَيْسَ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا بِلُبْسِ الْغَلِيظِ وَالْخَشِنِ وَأَكْلِ الْجَشِبِ، إِنَّمَا الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا قِصَرُ الأَمَلِ. رَوَاهُ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ)). [شرح السنة: ٤٠٩٣]. ٥٢٨٣ - [١٦] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكاً وَسُئِلَ أَيُّ شَيْءٍ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: طِيبُ الْكَسْبٍ وَقِصَرُ الأَمَلِ. رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ فِي (شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ١٠٢٩٣]. ٣- باب التجاب المال والعمر للطاعة ٥٢٨٢ - [١٥] (سفيان الثوري) قوله: (أكل الجشب) بفتح الجيم وكسر الشين، في (القاموس)(١): الجشب: الخشن الغليظ البشع من كل شيء، وفي (الصحاح)(٢): جشب ومجشوب، أي: غليظ خشن، ويقال: هو الذي لا أدم معه، مجشاب بالكسر: سطر الثوب الخشن(٣). ٥٢٨٣ - [١٦] (زيد بن الحسين) قوله: (قصر الأمل) صححوه بكسر القاف وفتح الصاد. ٣ - باب استحباب المال والعمر للطاعة أحببته واستحببته بمعنى، وفي (الصراح) (٤): استحباب: نيكو شمردن، و(المال) (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٤). (٢) ((الصحاح)) (١ / ٩٩). (٣) كذا في الأصل. (٤) ((الصراح)) (ص: ٢٣). ٤٩٤ (٣) باب استحباب المال والعمر للطاعة * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥٢٨٤ - [١] عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَذُكِرَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: ((لاَ حَسَدَ إِلَّ فِي اثْنَيْنِ)) فِي (بَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآن). [م: ٢٩٦٥]. · الْفَصْلِ الثَّانِي: # ٥٢٨٥ - [٢] عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ النَّاسِ خيرٌ؟ قَالَ: ((مَنْ طَالَ عِمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ))، قَالَ: فَأَتُّ النَّاسِ شَرٌّ؟. اشتقاقه من الميل؛ لأنه مما يميل إليه الطبع، و(العمر) بالفتح وبالضم وبضمتين : الحياة، وفي القسم الفتح أفصح، والجمع أعمار، ولعمر الله، أي: بقاؤه؛ فإذا أسقط اللام نصب انتصاب المصادر، وجاء في الحديث النهي عن قول: لعمر الله، كذا في (القاموس)(١) . الفصل الأول ٥٢٨٤ - [١] (سعد) قوله: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) إيراد الحديث في (باب استحباب المال للطاعة) يدل على أنهم أرادوا بالغنى غنى المال، أو ما يعم غنى النفس أيضاً، ولا شك أنه المناسب للغني الحفي بالمهملة كما جاء في رواية، وقالوا: الصحيح الرواية بالمعجمة بمعنى المعتزل للعبادة، ومناسبته لغنى القلب أكثر، وفي بعض نسخ (المصابيح): زاد بعد التقي (النقي) بالنون، ومعناه الظاهر اللطيف. الفصل الثاني ٥٢٨٥ _ [٢] (أبو بكرة) قوله: (أي الناس خير؟ وأي الناس شر؟) الخير والشر (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٠١). ٤٩٥ (٢٦) كتاب الرقاق قَالَ: ((مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٥/ ٤٠، ت: ٢٣٣٠، دي: ٢٧٨٤]. ٥٢٨٦ _ [٣] وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ٍَّ آخَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ مَاتَ الآخَرُ بَعْدَهُ(١) بِجُمُعَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَصَلَّوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ النَِّيُّ ◌َِّ: ((مَا قُلْتُمْ؟)) قَالُوا: دَعَوْنَا اللهَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ وَيَرْحَمَهُ وَيُلْحِقَهُ بِصَاحِبِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: (فَأَيْنَ صَلاَتُهُ بَعْدَ صَلاَتِهِ وَعَمَلُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ؟)) أَوْ قَالَ: ((صِيَامُهُ بَعْدَ صِيَامِهِ، لَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٥٢٤، ن: ١٩٨٥]. هنا مستعملان في معنى التفضيل، فالذي قصر عمره وحسن عمله والذي قصر عمره وساء عمله خير وشر في أصل معنى الفعل . ٥٢٨٦ - [٣] (عبيد بن خالد) قوله: (ما قلتم) أي: في الدعاء له في صلاتكم عليه . وقوله: (لما بينهما) بفتح اللام؛ أي: التفاوت بينهما أبعد وأكثر مما بين السماء والأرض. استشكل بأنه كيف يفضل عمله في جمعة بلا شهادة على عمل صاحبه معها، إذ لا عمل أزيد ثواباً على الشهادة جهاداً في سبيل الله وإظهاراً لدينه سيما في مبادئ الدعوة وقلة أعوانه؟ وأجيب بأن هذا الرجل أيضاً كان مرابطاً في سبيل الله فجوزي بنيته، وهذا قول على الاحتمال غير مذكور في الحديث، والله أعلم. مع أنه لا يؤيده (١) في نسخة: ((بعد)). ٤٩٦ (٣) باب استحباب المال والعمر للطاعة ٥٢٨٧ - [٤] وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ الأَنْمَارِيِّ أَنَُّ سَمِعَ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: (ثَلاَثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدَّثُكُمْ حَدِيثاً فَاحْفَظُوهُ، فَأَمَّا الَّذِي أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ فَإِنَّهُ مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، ظاهر الحديث الآتي في آخر (الفصل الثالث)، وبأن النبي ◌َّ* قد عرف أن عمل هذا بلا شهادة يساوي عمل ذلك مع شهادة بسبب مزيد إخلاصه وعقله ومعرفته، ثم زاد بما عمل، فليس كل من استشهد يفضل على غيره على الإطلاق، بل قد يفضل عليه غيره، وكفى في ذلك حال الصديق وغيره من أكابر الصحابة. ٥٢٨٧ _ [٤] (أبو كبشة) قوله: (الأنماري) بفتح الهمزة وسكون النون. وقوله: (فأما الذي) أفرده وذكره بتأويل الأمر الذي، وجمع الضمير وأنثه في (عليهن) باعتبار كونها عبارة عن خصال ثلاث. وقوله: (فإنه ما نقص مال عبد من صدقة) الظاهر أن المراد عدم النقصان من جهة حصول البركة والثواب، وأنها غير مقيدة بالاستثناء المذكور بعد الخصلة الثانية، وإن احتملت العبارة لذلك، وقال الطيبي به(١)، وذلك بعيد لفظاً ومعنى، أما لفظاً فلأنه لو أريد تقييد الخصال الثلاث بالاستثناء المذكور تحت كل منهما على حدة وتحت المجموع واحدة، وأما معنى فلأن كون زيادة العز جزاء للمظلومية التي هي مستلزمة للذل أظهر من كونه جزاء لنقص المال بالصدقة؛ فإن الظاهر في جزاء الصدقة إطفاء الغضب وحصول البركة في المال، وإن صح باعتبار أن بعض المال قد يفضي إلى الفقر، وهو سبب لحصول الذل، وأيضاً الظاهر على تقدير تعلق الاستثناء بكليهما أن يقال: (بهما) بضمير التثنية، فليفهم. (١) (شرح الطيبي)) (١٠ / ٣٣٢٨). ٤٩٧ (٢٦) كتاب الرقاق وَلاَ ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّ زَادَهُ اللهُ بِهَا عِزًّا، وَلاَ فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّ فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ، وَأَمَّ الَّذِي أُحَدِّئُكُمْ فَاحْفَظُوهُ، فَقَالَ: (إِنَّمَا الدُّنْيًا لِأَرْبَعَةِ نَفَرِ: عَبْدٌ رَزَقَهُ اللهُ مَالاً وَعِلْماً فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ رَحِمَهُ وَيَعْمَلُ لِلَّهِ فِيهِ بِحَقِّهِ، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، (والمظلمة) مصدر ظلم كالظلم بفتح الظاء وضمها، وهو بكسر اللام على ما في (القاموس)(١)، وقد تفتح اللام، وبعضهم أنكر الفتح، وقيل بضم اللام أيضاً، وقد سبق، ويجيء بمعنى ما أخذ بغير حق. وقوله: (أما الذي أحدثكم) أي: الحديث الذي أحدثكم، والظاهر من العبارة أن يكون جواب (أما) قوله: (فاحفظوه)، لكنه لا يكون لهذا الحكم كثير فائدة، فإنه قد قال أولاً: (وأحدثكم [حديثاً] فاحفظوه)، إلا أن يكون المراد التأكيد والتقرير لوقوع الفاصلة، والظاهر باعتبار المعنى أن يكون التقدير: وأما الذي قلت: أحدثكم فاحفظوه فما أذكره لكم بعد، وإن كان فيه تكلف باعتبار اللفظ، فافهم. وقوله: (وعلماً) قيل: المراد علم كيفية صرف المال في مصارف الخير ووجوه البر، فافهم. وقوله: (بحقه) أي: بحق المال، أي: ما فيه من الحقوق كالزكاة والكفارة وإطعام الضيف ونحوها، أو بحق الله الذي أمر بصرف المال في وجوهه وأبوابه. وقوله: (فهذا بأفضل المنازل) أي: هذا العبد ملتبس بأفضل المقامات، أو في أو على، أو الباء زائدة، و(هذا) إشارة إلى المذكور من الأفعال. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٢٣). ٤٩٨ (٣) باب استحباب المال والعمر للطاعة وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللهُ عِلْماً وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاَ فَهُوَ صَادِقُ النِيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلٍ فُلاَذٍ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللهُ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْماً فَهُوَ يَتَخَبَّطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لاَ يَتَّقِي فِيهِ رَّهُ، وَلَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلاَ يَعْمَلُ فِيهِ بِحَقٍّ، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَزِلِ، وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهُ مَالاَ وَلاَ عِلْماً فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاَ لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلاَنٍ، فَهُوَ نِيَتُهُ، وَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢٣٢٥]. ٥٢٨٨ - [٥] وَعَنْ أَنَسِ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً اسْتَعْمَلَهُ))، فَقِيلَ: وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحِ قَبْلَ الموتِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ. [ت: ٢١٤٢]. وقوله: (فهو صادق النية) بناء على علمه بوجوه البر وحسن الصرف فيها، فيثاب على نيته قائلاً: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، أي: الذي يصرف المال في وجوهه . وقوله: (فهو يتخبط في ماله) أي: يصرفه في شهوات نفسه في المناهي والملاهي. وقوله: (لعملت فيه بعمل فلان) يريد الذي يتخبط في ماله بغير علم. وقوله: (فهو نيته) ينبغي أن تحمل النية في هذا القسم على العزم، وعزم المعصية مكتوب ومؤاخذ عليه، والطاعة يثاب عليها بمجرد القصد والنية. ٥٢٨٨ - [٥] (أنس) قوله: (يوفقه لعمل صالح) أيّ عمل كان، وهذا اكتفاء بالأدنى، أو المراد الجنس، ويجوز أن يكون التنوين للتعظيم. ٤٩٩ (٢٦) كتاب الرقاق ٥٢٨٩ - [٦] وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا .... ٥٢٨٩ - [٦] (شداد بن أوس) قوله: (الكيس) بفتح الكاف وتشديد الياء المكسورة، من الكياسة، وهي الحذق والفطانة، خلاف الحمق والبلادة. وقوله: (من دان نفسه) في (الصحاح) (١): دان لازم ومتعد، يقال: دان له، أي: انقاد له وأطاعه، ودانه، أي: أذله واستعبده، وفي الحديث: (الكيس من دان نفسه)، وفي (القاموس)(٢): دان فلاناً: حمله على ما يكره وأذلّه. اعلم أن الدين يجيء بمعنى الجزاء، دنته، أي: جازيته، ويجيء بمعنى العمل، وفيهما استعمل في قولهم: كما تدين تدان، والعبادة والطاعة والذل والحساب والقهر والغلبة والاستعلاء والإكراه، ولمعان أخر ذكرت في كتب اللغة، وإذا كان بمعنى الذل والطاعة يجيء لازماً ومتعدياً؛ وإذا كان بمعنى الحساب والقهر والغلبة فهو متعدي، فمعنى قوله: (دان نفسه) على هذا: حاسبها وقهرها، وغلبها واستعلاها، فتدبر. وقوله: (والعاجز من أتبع نفسه هواها) بفتح الهمزة وسكون التاء من باب الإفعال، و(نفسه) و(هواها) مفعولاه، ثم اعلم أنه يستعمل العاجز في مقابلة الكيس كما في حديث آخر: (المؤمن الكيس خير من المؤمن العاجز)، والمقابل الحقيقي للكيس البليد؛ لأن الكياسة تستلزم القدرة والرأي والتجارب وتمشية الأمور، والبلادة تستلزم العجز فيها، والحاصل أن الناس يمدحون الكياسة والفطانة في أمور الدنيا ومهماتها، ويذمون العجز فيها، وفي الحقيقة الكياسة المحمودة هي القدرة على حبس (١) ((الصحاح)) (٥/ ٢١١٨). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٨٠). ٥٠٠ (٣) باب استحباب المال والعمر للطاعة وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٤٥٩، جه: ٤٢٦٠]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥٢٩٠ - [٧] عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: كُنَّا فِي مَجْلِسٍ فَطَلَعَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِنَّهِ وَعَلَى رَأْسِهِ أَثَرُ مَاءٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ نَاكَ طَيِّبَ النَّفْسِ، قَالَ: ((أَجَلْ))، قَالَ: ثُمَّ خَاضَ الْقَوْمُ فِي ذِكْرِ الْغِنَى، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّةِ: ((لاَ بَأْسَ بِالْغِنَى لِمَنِ اتَّقَى اللهَ دَتْ، وَالصِّحَّةُ لِمَنِ اتَّقَى خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى، وَطِيبُ النَّفْسِ مِنَ النَّعِيمِ)). النفس وزجرها عن شهوتها وهواها في معصية الله، والبلادة هي العجز عنه وإعطاء النفس ما أرادت من المحرمات والشهوات وعدم العمل، ثم (تمنى على الله) تعالى، أي: يذنب ويتمنى دخول الجنة والمغفرة ولا يتوب ولا يستغفر. قال العلماء: حقيقة الرجاء أن يعمل ويرجو، والرجاء الكاذب الذي يفتر صاحبه عن العمل ويجرئه على الذنوب والمعاصي فليس برجاء، لكنه أمنية واغترار بالله تعالى، وقد ذم الله سبحانه هذا القوم بقوله: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِنَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: ١٦٩]، قال معروف الكرخي: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وارتجاء الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء رحمة من لا يطاع جهل وحمق. وكتب عمر بن المنصور إلى بعض إخوانه: أما بعد فإنك أصحبت تأمل بطول عمرك وتمنى على الله الأماني بسوء فعلك، وإنما تضرب حديداً بارداً. الفصل الثالث ٥٢٩٠ - [٧] (رجل) قوله: (وطيب النفس من النعيم) أي: من نعمة الله التي