Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
(٢٦) كتاب الرقاق
٥٢١١ - [٥٧] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ قَالَ: ((الدُّنْيَا دَارُ مَنْ
لاَ دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لاَ مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لاَ عَقْلَ لَهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)). [حم: ٦ / ٧١، شعب: ١٠١٥٤].
٥٢١٢ - [٥٨] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ فِي
خُطْبَتِهِ: ((الْخَمْرُ جِمَاعُ الإِثْمِ،
للموت وابنوا للخراب)(١)، وقد يختلج في صدري أن يكون معنى الحديث: لا تبنوا
لأجل أن تجالسوا فيه مع الفساق، وترتكبوا الحرام والمعاصي كما يفعله أهل الفسق
والعصاة، والله أعلم.
٥٢١١ - [٥٧] (عائشة) قوله: (الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له)
حاصل المعنى: من اتخذ الدنيا دار إقامة فكأنه لا دار له؛ لأنه ينتقل منه بعد زمان،
ومن جمع أموال الدنيا ولم ينفقه في سبيل الله فكأنه لا مال له؛ لأن المال إنما يحمد
للإنفاق، ويجوز أن يكون المراد دار من لا دار له في الآخرة، ومال من لا غناء له في
الآخرة.
وقوله: (ولها يجمع) أي: لأجل الدنيا والإقامة والبقاء فيها، أو (لها) متعلق
بـ (يجمع) واللام مزيدة لتقوية العمل، كما يقال: لزيد ضربت، أي: يجمع الدنيا،
أي: متاعها، (من لا عقل له) لأنه علامة اعتقاد البقاء فيها.
٥٢١٢، ٥٢١٣ - [٥٨، ٥٩] (حذيفة) قوله: (الخمر جماع الإثم) جماع الشيء:
جمعه، وفي (الصراح)(٢): جماع الشيء بالكسر: جمع چيزى، يقال: الخمر جماع
(١) أخرجه الأصفهاني في ((العظمة)) (٥١٧).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٣٠٩).

٤٤٢
(٢٦) كتاب الرقاق
وَالنِّسَاءُ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ، وَحُبُّ الُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ))، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ
يَقُولُ: ((أَخِّرُوا النِّسَاءَ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللهُ. رَوَاهُ رَزِينٌ.
٥٢١٣ - [٥٩] وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْهُ فِي («شُعَبِ الإِيمَانِ)) عَنِ الْحَسَنِ
مُرْسَلاً: ((حُبُّ الدُّنْيَا (١) رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ)). [شعب: ١٩
٥٢١٤ - [٢٠] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((إِنَّ أَخْوَفَ
مَا أَتَخَوَّفُ.
الإثم، وقول الطيبي في تفسيره(٢): أي: مجمعه ومظنته، إشارة إلى أن معنى جامعية
الخمر للإثم باعتبار كونه مظنة له ومحلاً يظن فيه وجوده، لا أن من شرب الخمر جمع
الآثام كلها بالفعل، بل يحتمل وجودها بعد الشرب؛ لكونها أم الخبائث، (والنساء
حبائل الشيطان) جمع حبالة، والحبالة ككتابة: المصيدة، وحبل الصيد واحتبله: أخذه
بها، أو نصبها له، وحبائل الموت: أسبابه، كذا في (القاموس)(٣).
وقوله: (وحب الدنيا رأس كل خطيئة) أي: أصلها وموجبها؛ لأن الخطيئة
والمعصية إنما ترتكب لمحبة الدنيا وشهواتها، ومحبة الآخرة لا تبعث على ارتكاب
المعصية .
وقوله: (حيث أخّرهن الله): (حيث) للتعليل، أي: لأن الله أخرهن، أو للمكان،
أي: أخروهن في مواضع أخرهن الله فيها.
٥٢١٤ - [٢٠] (جابر) قوله: (إن أخوف ما أتخوف) اسم التفضيل بمعنى
(١) كذا في ((المشكاة))، وفي ((الشعب)): ((الدينار)) بدل ((الدنيا)).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٩/ ٣٢١).
(٣) ((القاموس)) (ص: ٨٣٥).

٤٤٣
(٢٦) كتاب الرقاق
عَلَى أُمَّتِي الْهَوَى وَطُولُ الأَمَلِ، فَأَمَّا الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَأَنَّا طُولُ
الأَمَلِ فَيْسِي الآخِرَةَ، وَهَذِهِ الدُّنْيًا مُرْتَحِلَةٌ ذَاهِبَةٌ، وَهَذِهِ الآخِرَةُ مُرْتَحِلَةٌ
قَادِمَةٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تَكُونُوا بَتِي الدُّنْيًا
فَافْعَلُوا؛ فَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ فِي دَارِ الْعَمَلِ وَلاَ حِسَابَ، وَأَنْتُمْ غَداً فِي دَارِ الآخِرَةِ
وَلاَ عَمَلَ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ١٠١٣٢].
٥٢١٥ - [٦١] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: ارْتَحَلَتِ الدُّنْا مُذْبِرَةً وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ
مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَلاَ تَكُونُوا مِنْ
أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابَ، وَغَداً حِسَابٌ وَلاَ عَمَلَ. رَوَاهُ
البُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ. [خ: كتاب الرقاق، باب الأمل وطوله].
المفعول بحذف الصلة، أي: أخوف مخوفاتي على أمتي، أي: ما يخاف منه، أو
يكون من أخاف اسم بمعنى خوف، أي: أشد موجبات خوفي عليهم.
وقوله: (وهذه الدنيا) قد يراد باسم الإشارة للقريب التحقير والإهانة، لأن ما يكون
قريباً يكون مبتذلاً مهاناً، وقد يراد التعظيم؛ لأن ما يكون عظيماً يكون قريباً مخطوراً
بالبال حاضراً في الذهن، ففي قوله: (هذه الدنيا) يراد التحقير، وفي (هذه الآخرة)
التعظیم.
وقوله: (فإنكم اليوم في دار العمل) أي: في دار الدنيا التي هي دار العمل .
وقوله: (ولا حساب) قال الشيخ ابن حجر: بالفتح بغير تنوين، ويجوز الرفع
بالتنوين، وكذا قوله: (ولا عمل).
څ ،
٥٢١ - [٦١] (علي) قوله: (رواه البخاري) أي: موقوفاً على علي
وحديث جابر علبه يدل على أنه مرفوع أيضاً.

٤٤٤
(٢٦) كتاب الرقاق
٥٢١٦ - [٦٢] وَعَنْ عَمْرِو: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ خَطَبَ يَوْماً فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ:
((أَلَا إِنَّ الُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنْهُ الْبَؤُّ وَالْفَاجِرُ، أَلاَ وَإِنَّ الآخِرَةَ أَجَلٌ
صَادِقٌ،
٥٢١٦ - [٦٢] (عمرو) قوله: (الدنيا عرض حاضر) قال الطيبي(١): العرض
ما لا يكون له ثبات، ومنه استعار المتكلمون العرض لما لا ثبات له إلا بالجوهر،
انتھی .
ذكر معنى العرض بالتحريك في (القاموس)(٢): ما يعرض للإنسان من مرض
ونحوه، وحطام الدنيا، وما كان من مال قل أو كثر، والغنيمة والطمع، وقد ذكر من
معانيه ما يقوم بغيره، لكن قيد بقوله: في اصطلاح المتكلمين، وفي (الصحاح)(٣) أيضاً
ذكر هذا المعنى من غير هذا القيد وقال: ومال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر،
فتعين أن المراد في الحديث هو المعنى الأخير، كما مرّ في آخر (الفصل الأول) من
حديث أبي هريرة: (ليس الغنى عن كثرة العرض).
و(الأجل) مدة الشيء.
وقوله: (صادق) أي: متحقق ثابت باق، ويستعمل الصدق في كل باب فيه
تحقيق كما ذكر الطيبي(٤)، أو المراد صدق الله في الإخبار به كما في الحديث الآتي:
(وعد صادق).
(١) ((شرح الطيبي)) (٩/ ٣٢٣).
(٢) ((القاموس)) (ص: ٥٥٠).
(٣) ((الصحاح)) (١ / ٤٥٩).
(٤) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٣٢٣).

٤٤٥
(٢٦) كتاب الرقاق
وَيَقْضِي فِيهَا مَلِكٌ قَادِرٌ، أَلاَ وَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ بِحَذَافِرِهِ فِي الْجَنَّةِ، أَ وَإِنَّ
الشَّرَّكُلَّهُ بِحَذَافِرِهِ فِي النَّارِ، أَلَا فَاعْمَلُوا وَأَنْتُمْ مِنَ اللهِ عَلَى حَذَرٍ، وَاعْلَمُوا
أَنَّكُمْ مَعْرُوضُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)). رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. [مسند الشافعي: ١/ ٦٧].
٥٢١٧ - [٦٣] وَعَنْ شَدَّادِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنْهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَإِنَّ
الآخِرَةَ وَعْدٌ صَادِقٌ، يَحْكُمُ فِيهَا مَلِكٌ عَادِلٌ قَادِرٌ، يُحِقُّ فِيهَا الْحَقَّ وَيُبْطِلُ
الْبَاطِلَ، كُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلاَ تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ أُمِّ
يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا)).
وقوله: (يقضي فيها ملك قادر) أي: يميز بين البر والفاجر كما جاء في الحديث
الآتي: (ملك عادل قادر).
وقوله: (بحذافيره) قد مر معناه في الحديث الثاني من حديث عبيدالله بن
محصن .
وقوله: (وأنتم من الله على حذر) جملة حالية.
وقوله: (معروضون على أعمالكم) أي: أعمالكم معروضة عليكم، أو المعنى:
أنتم محضرون على أعمالكم، أو المراد معروضون على الله على ما كان لكم من
الأعمال.
٥٢١٧ - [٦٣] (شداد) قوله: (فإن كل أم يتبعها ولدها) أشار بهذا الكلام إلى
وجه استعارة أبناء الدنيا وأبناء الآخرة لأهلهما .

٤٤٦
(٢٦) كتاب الرقاق
٥٢١٨ - [٦٤] وَعَنْ أَبِىِ الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((مَا طَلَعَتِ
الشَّمْسُ إِلَّ وَبِجَنْتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يُسْمِعَانِ الْخَلاَئِقَ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ: يَا أَيُّهَا
النَّاسُ! هَلُقُوا إِلَى رَبِّكُمْ، مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى)). رَوَاهُمَا أَبَّو
نُعَيْمِ فِي ((الْحِلْيَةِ)). [حلية: ١ / ٢٦٤، ١ / ٢٢٦].
٥٢١٩ - [٦٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ قَالَ:
٥٢١٨ - [٦٤] (أبو الدرداء) قوله: (ما طلعت الشمس) الحديث، لما كان النهار
محل وصول الرزق والمعشية نبه ◌َّ أمته على أن يكونوا راضين بالكفاية، ولا يحرصوا
حتى يقعوا في ورطة السخط ويتلهوا عن عبادة الله وطاعته، وأوحي إليه وير أن (الملكين
يناديان) حقيقة أو كناية، ويجوز أن تكون السنة الإلهية قد جرت بالأمر للملائكة
وندائهم وقصد إسماعهم الخلق، وكان يَّر يسمع بنفسه الكريمة نداءهما، وإسماعهما
الخلائق لا يسمعه الثقلان؛ لئلا يرتفع التكليف، وذلك كما في إصاخة كل دابة إلا
الجن والإنس بنداء قيام الساعة يوم الجمعة، وعدم سماع صياح الجنازة وعذاب
القبر.
فإن قلت: فإذا لم يسمع الإنسان نداء الملكين فما الفائدة فيه؟ وكيف تنبهوا
بذلك؟
قلت: يكفي في ذلك إخبار النبي والر الأمة به، ويجوز أن يكون هذا كناية عن
نصب الله تعالى الدلائل على صدق هذه القضية، وهي أن (ما قل وكفى خير مما كثر
وألهى)، كأن الملائكة ينادون كل يوم بذلك، ولكن الناس عنه غافلون ولا يتنبهون،
والله أعلم.
٥٢١٩ - [٦٥] (أبو هريرة) قوله: (يبلغ به) أي: بهذا الحديث إلى النبي وقدّة،

٤٤٧
(٢٦) كتاب الرقاق
((إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ: مَا قَدَّمَ؟ وَقَالَ بَنُو آدَمَ: مَا خَلَّفَ؟)). رَوَاهُ
الْبَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِ الإِيمَانِ». [شعب: ٩٩٩٢].
٥٢٢٠ - [٦٦] وَعَنْ مَالِكٍ: أَنَّ لُقْمَانَ قَالَ لاِبْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّ النَّاسَ
قَدْ تَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ مَا يُوعَدُونَ، وَهُمْ إِلَى الْآخِرَةِ سرَاعاً يَذْهَبُونَ، وَإِنَّكَ قَدِ
اسْتَدْبَرْتَ الدُّنْيَا مُنْذُ كُنْتَ وَاسْتَقْبَلْتَ الآخِرَةَ، وَإِنَّ دَاراً تَسِيرُ إِلَيْهَا أَقْرَبُ إِلَيْكَ
مِنْ دَارٍ تَخْرُجُ مِنْهَا. رَوَاهُ رَزِينٌ. [الزهد للبيهقي: ٥٠١].
٥٢٢١ - [٦٧] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ وَهِ: أَُّّ
النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ))، قَالُوا: صَدُوقُ
اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: ((هُوَ النَّقِيُّ التَِّيُّ لاَ إِثْمَ عَلَيْهِ
وَلَاَ بَغْيَ، وَلاَ غِلَّ وَلاَ حَسَدَ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)).
[جه: ٤٢٦٩، شعب: ٤٤٦٢].
والباء للتعدية، أي: يرفعه إليه.
٥٢٢٠ - [٦٦] (مالك) قوله: (قد تطاول عليهم) أي: طال من عهد آدم إلى
زمنهم مدة (ما يوعدون) به.
وقوله: (منذ كنت): (كان) تامة، أي: ولدت ووجدت.
٥٢٢١ - [٦٧] (عبدالله بن عمرو) قوله: (كل مخموم القلب) بالخاء المعجمة،
في (القاموس) (١): خم البيت والبئر: كنسها، كاختمها، والمخموم القلب: خالصه،
النقي من الغل والحسد، والخمامة بالضم: الكناسة، وبناء (فعالة) بضم
(١) ((القاموس)) (ص: ٩٤٣).

٤٤٨
(٢٦) كتاب الرقاق
٥٢٢٢ - [٦٨] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلاَ
عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيًّا: حِفْظُ أَمَانَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ، وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ،
وَعِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ). رَوَاهُ أَحْمِد وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)). [حم: ٢/ ١٧٧،
شعب : ٤٤٦٣].
٥٢٢٣ - [٦٩] وَعَنْ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ قِيلَ لِلَقْمَانَ الْحَكِيمِ:
مَا بَلَغَ بِكَ مَا ترى؟ يَعْنِي الْفَضْلَ، قَالَ: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءُ الأَمَانَةِ،
وَتَرْكُ مَا لاَ يَعْنِي. رَوَاهُ فِي ((الْمُوَطَّأ)). [ط: ٢ / ٩٩٠].
الفاء يجيء لما ينفصل من الشيء ويطرح، كالكناسة لما انفصل بالمكنس من التراب
والحشيش من البيت، والقلامة لما انفصل من الظفر بالقلم، والسباطة، ونحو
ذلك.
٥٢٢٢ - [٦٨] (وعنه) قوله: (ما فاتك من الدنيا): (ما) مصدرية، أي: ما ضرك
فوت الدنيا، وقيل: نافية، أي: ما فاتك إذا كن حاصلة، والأول هو الأظهر، وليست
بموصولة؛ لعدم الضمير، ولو كانت العبارة ما فاتك من الدنيا لكانت هي.
وقوله: (حفظ إمانة) في حقوق الله والعباد، (وعفة في طعمة) بالضم، بالاجتناب
عن الحرام والاقتصار على الكفاية.
٥٢٢٣ _ [٦٩] (مالك) قوله: (ما بلغ بك) الباء للتعدية.
وقوله: (ما لا يعنيني) صريح في أن الضمير في (يعني) لـ (ما)، وفي قوله ◌ِّ:
((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، ويحتمل أن يكون لـ (ما) أو لـ (المرء)،
والظاهر في المعنى لـ (المرء)، فافهم.

٤٤٩
(٢٦) كتاب الرقاق
٥٢٢٤ - [٧٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِو ◌َلِ: ((تَجِيءُ
الأَعْمَالُ فَتَجِيءُ الصَّلاَةُ فَتَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَا الصَّلاَةُ، فَقُولُ: إِنَّكِ عَلَى خَيْرِ،
فَتَجِيءُ الصَّدَقَةَ فَتَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَا الصَّدَقَةُ، فَيَقُولُ: إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ، ثُمَّ يَجِيء
الصِّيَامُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَا الصِّيَامُ، فَيَقُولُ: إِنَّكَ عَلَى خَيْرِ، ثُمَّ تَجِيءُ الأَعْمَالُ
عَلَى ذَلِكَ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّكٍ عَلَى خَيْرِ، ثُمَّ يَجِيءُ الإِسْلاَمُ فَيَقُولُ:
يَارَبِّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَأَنَا الإِسْلاَمُ، فَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّكَ عَلَى خَيْرِ بِكَ الْيَوْمَ
آخُذُ وَبِكَ أُعْطِي، قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿ وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ اْإِسْلَِدِينًا فَنَ
يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِىِ الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾ [آل عمران: ٨٥])).
٥٢٢٤ - [٧٠] (أبو هريرة) قوله: (تجيء الأعمال فتجيء الصلاة) الحديث،
حاصل المراد من الحديث أن الأعمال فرادى تجيء شافعة لصاحبها فيردها الله بلطف،
حتى إذا جاء الإسلام الذي هو الأصل وجامع الأعمال كلها قبلت شفاعته، وقد جاء
مبدئاً بالثناء على الله تعالى، ومن آداب الشفاعة المؤثرة في قبولها الثناءُ على المشفع
كما يشعر به تعليم الرب تعالى حمداً من عنده سيد المرسلين وَل يفتح به باب الشفاعة
ويشفع به كما جاء في حديث الشفاعة، ولو أريد بالإسلام هنا التسليم لأحكام الله والرضا
بها وترك الاختيار الذي هو أعلى مقامات السالكين، لم يبعد، بل أقرب من المعنى
الأول وأدخل في قبول الشفاعة؛ لما فيه من معنى التذلل والانكسار، ثم مجيء الأعمال
إما بحقائقها وصورها التي لها في ذلك العالم، فإن لكل شيء حقيقة وصورة كالظلة
للإيمان، واللبن للعلم، والكبش للموت، أو يجعلها في صور حسنة كما قيل في وزنها،
أو هو كناية عن اعتبارها وملاحظتها منسوبة إلى العالمين وحصول النجاة لهم بها،
والله أعلم.

٤٥٠
(٢٦) كتاب الرقاق
٥٢٢٥ - [٧١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ لَنَا سِتْرٌ فِيهِ تَمَاثِيلُ طَيْرِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِّهِ: ((يَا عَائِشَةُ حَوِِّيهِ؛ فَإِنِّي إِذَا رَأَيْتُهُ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا)).
٥٢٢٦ _ [٧٢] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َّ
فَقَالَ: عِظْنِي وَأَوْجِزْ، فَقَالَ: ((إِذَا قُمْتَ فِي صَلاَتِكَ فَصَلِّ صَلاَةَ مُوَدِّع،
وَلاَ تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْذِرُ مِنْهُ غَداً، وَأَجْمِعِ الإِيَاسَ مِمَّا فِي أَنْدِي النَّاس)).
٥٢٢٥ - [٧١] (عائشة) قوله: (فإني إذا رأيته ذكرت الدنيا) لم يعدله وَليقوم بحرمة
التماثيل ومنعها عن دخول الملائكة، إما لأنه كان قبل النهي عنها، أو لأنها كانت دقيقة
لا تبدو للناظر، أو لأنه قد لا يحرم في أمثال الوسد والفرش كما سبق في بابه، أو
لينبه أهل بيته على ترك الترفه والتنعم بما هو من الدنيا حتى لا يأخذوا ستراً آخر ولو
غير مصور فيه من النفاسة، وقد ورد النهي عن كسوة الجدران بالستر.
٥٢٢٦ - [٧٢] (أبو أيوب الأنصاري) قوله: (فصل صلاة مودّع) أي: تارك نفسه
وجميع ما سوى الله تعالى، وأقبل بكلك إلى جناب الحق بتوجه تام وإخلاص كلي،
ويحتمل أن يكون معناه - والله أعلم - مودع حياته، أي: ظُنَّ كانت هذه آخر صلاتك،
وهذا الوقت آخر عمرك، كما جاء في وصية المشايخ: ينبغي أن يكون المصلي في
صلاته كأنه في آخر صلاته في عمره، فإذا كان كذلك فلا بد يحسنها ويصلي كما
ينبغي.
وقوله: (تعذر) أي: تحتاج إلى الاعتذار، الظاهر أن المراد الاعتذار في الآخرة
عند الرب تعالى، ويجوز أن يكون مطلقاً شاملاً التكلم بالنسبة إلى الأصحاب والخلق
جميعاً، أي: لا تكلم بما فيه إثم أو إيذاء لأحد، والله أعلم.
وقوله: (وأجمع الإياس مما في أيدي الناس): (أجمع) من الإجماع بمعنى

٤٥١
(٢٦) كتاب الرقاق
٥٢٢٧ - [٧٣] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلِ قَالَ: لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِوَّهِ إِلَى
الْيَمَنِ خَرَجَ مَعَهُ رَسُولُ اللهِ،وَهِ يُوصِيهِ، وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ وَرَسُولُ اللهِوَ﴿ يَمْشِي
تَحْتَ رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: ((يَا مُعَاذُ! إِنَّكَ عَسَى أَنْ لاَ تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي
هَذَا، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي هَذَا وَقَبْرِي))، فَبَكَى مُعَاذٌ جَشَعاً لِفِرَاقٍ
رَسُولِ اللهِ ێے،
تصميم العزم على الشيء، و(الإياس) بكسر الهمزة بمعنى اليأس، مصدر أيس، لغة
في يئس، قال في (القاموس)(١): أيس إياساً: قنط، وجاء آيَسُ يأساً، كذا في
(الصحاح)(٢)، وقال الطيبي(٣): الظاهر أن الإياس وقع موقع اليأس سهواً من الكاتب؛
لأن الإياس مصدر آسه: إذا أعطاه، وليس مصدر أيس مقلوب يئس؛ لأن مصدر
المقلوب يوافق الفعل الأصلي لا المقلوب، وهذا ممنوع، إذ قد جاء جبذ جبذاً في
جذب جذباً، وأيضاً يفهم من كلامهم أن أيس ليس مقلوباً من يئس، بل لغة على حدة
بمعناه، كما قيل أيضاً في جبذ إنه لغة في جذب، والحاصل أن إياساً قد جاء في
مصدر أیس سواء كان مقلوباً أو لغة مستقلة، فتدبر.
٥٢٢٧ - [٧٣] (معاذ بن جبل) قوله: (إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي) وجاء
في حديث (الموطأ): فتوفي رسول الله وَ ل﴿ قبل أن يقدم معاذ، وما جاء على خلاف ذلك
ففي صحته كلام.
وقوله: (جشعاً) قال الطيبي(٤): الجشع: الجزع لفراق الإلف، وفي
(١) ((القاموس)) (ص: ٤٩٢).
(٢) ((الصحاح)) (١/ ٢٨).
(٣) ((شرح الطيبي)) (٩/ ٣٢٨).
(٤) (شرح الطيبي)) (٩/ ٣٢٨).

٤٥٢
(٢٦) كتاب الرقاق
ثُمَّ الْتَفَتَ فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: ((إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِيَ الْمُتَّقُونَ مَنْ
كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا)). رَوَى الأَحَادِيثِ الأَرْبَعَةَ أَحْمِدُ. [حم: ٣٦٢/٢، ٦ / ٤٩،
٥ / ٤١٢، ٥ / ٢٣٥].
٥٢٢٨ _ [٧٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: تَلاَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ﴿فَمَن يُرِدِ
اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ ﴾ [الأنعام: ١٢٥] فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّ
النُّورَ إِذَا دَخَلَ الصَّدْرَ انْفَسَحَ))، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ لِتِلْكَ مِنْ عَلَمٍ يُعْرَفُ
بهِ؟ قَالَ:
(القاموس)(١): الجشع محركة: أشد الحرص وأسوؤه، وفي (الصراح)(٢): جشع
غالب آمدن حرص وسخت آرزو مند شدن.
(بكى) لغاية الحرص على صحبة رسول الله وَّ، لأجل فراقه.
وقوله: (التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة ... إلخ)، يعني إذا رجعت إلى
المدینة فاقتد بأولی الناس بي، وهم المتقون، وليس ذلك مخصوصاً بالمدينة بل حيث
کانوا .
٥٢٢٨ _ [٧٤] (ابن مسعود) قوله: (﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾) قال البيضاوي
في (تفسيره)(٣): فيتَّسع له، ويَفسح فيه مَجالَه، وهو كناية عن جعل النفس قابلة للحق،
مهيأة لحلوله فيها، مصفاة عما يمنعه وينافيه، وإليه أشار ◌َ ﴿ حين سئل عنه فقال:
(نور يقذفه الله سبحانه وتعالى في قلب المؤمن، فينشرح له وينفسح)، فقالوا: هل لذلك
(١) ((القاموس)) (ص: ٦٥٤).
(٢) (الصراح)) (ص: ٣٠٩).
(٣) ((تفسير البيضاوي)) (٢/ ٢٠٢).

٤٥٣
(٢٦) كتاب الرقاق
(نَعَمْ، التَّجَافِي مِنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالإِسْتِعْدَادُ
لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ)).
٥٢٢٩، ٥٢٣٠ - [٧٦، ٧٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي خَلَّدٍ: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ﴿ قَالَ: ((إِذَا رَأَيْتُمُ الْعَبْدَ يُعْطَى زُهْداً فِي الدُّنْيَا وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ فَاقْتَرِبُوا
مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ يُلَقَى الْحِكْمَةَ)). رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب:
١٠٠٦٨، ٤٦٣١].
أمارة، الحديث، وتخصيص الصدر لأجل أنه وعاء القلب الذي هو منبع الأنوار ومحل
الأسرار.
وقوله: (التجافي من دار الغرور): (التجافي): التباعد، في (الصحاح)(١):
تجافى جنبه عن الفراش: تباعد، و(دار الغرور): الدنيا، في (القاموس)(٢): غره غرًّا
وغروراً وغرة، فهو مغرور: خدعه، وأطمعه بالباطل، فاغتر، وفي (الصراح) (٣):
غرورٍ بالضم: فريفتن، غرور بالفتح فريبنده، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغُرَنَّكُمْ بِاللَّهِ
اٌلْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣].
٥٢٢٩، ٥٢٣٠ [٧٥، ٧٦] (أبو هريرة، وأبو خلاد 19) قوله: (فإنه يلقى
الحكمة) بضم التحتانية وفتح اللام وتشديد القاف على صيغة المجهول، أي: يؤتى،
(١) ((الصحاح)) (١ / ٩٥).
(٢) ((القاموس)) (ص: ٣٨٧).
(٣) ((الصراح)) (ص: ٢٠٢).

٤٥٤
(١) باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َ﴾
١- بالضل الفقراء ماكان من حش النبي صلى الهعليه و مـ
كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَغُلَقَى الْقُرْءَانَ﴾ [النمل: ٦].
١ - باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َله
اختلفوا في أن الفقير الصابر أفضل أم الغني الشاكر؟ فقال بعضهم: الغني أفضل؛
لأنه تأتي الخيرات والقربات منه أكثر مما تأتي من الفقير، وقد قال رسول الله وَّل في
شأن الأغنياء: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) كما مر في (باب الذكر بعد الصلاة)،
وبعضهم على أن الفقير أفضل؛ لما أن العبادة مع شدة الفقر وتعبه أشق وأمر، ودلائل
الجانبين مذكورة في موضعها، وكفى بأحاديث الباب دليلاً وحجة للفرقة الثانية، وكان
شيخنا يروي عن شيخه علي المتقي رحمة الله عليهما أنه لم يأخذ بيدي ولم يبايعني
حتى أخذ مني الإقرار باللسان بأفضلية الفقر على الغنى، وقال: قولوا: الفقر أفضل
من الغنی، ثم بايع، انتهى.
وكفى بحال سيد المرسلين وإمام المتقين وَيقر حجة على أفضلية الفقر وإن كان
العلماء يتحاشون عن إطلاق اسم الفقير عليه وير؛ لأنه ينبئ في العرف عن شيء من
الضعف والهوان، وأنه لم أغنى الأغنياء، وملك ملوك الأرض والسماء، كذا سمعت
من شيخي رحمة الله عليه، وقد نقل عن سيدنا ومولانا شيخ الثقلين محيي الدين أبي
محمد عبد القادر الجيلاني عليه أنه سئل عن الغني الشاكر أفضل أم الفقير الصابر؟ فقال:
الفقير الشاكر أفضل من كل منهما، وهو في الحقيقة إشارة إلى أفضلية الفقر، يعني
أنه ينبغي أن يشكر الفقير على فقره؛ لكونه نعمة عظيمة من الله سبحانه عليه.
هذا وقد اشتهر عن بعض فقراء الصوفية أنه قال: الفقر الاضطراري أفضل من
الغنى، سيما الاختياري منه، وينبغي أن يعلم أنه ماذا يريد من الفقر الاضطراري؛ فإن

٤٥٥
(٢٦) كتاب الرقاق
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٢٣١ - [١] عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((رُبَّ أَشْعَثَ
مَدْفَوعِ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٢٢].
أراد الفقر الذي لا صبر معه فحاشا؛ لأنه كاد أن يكون كفراً، بل مراده منه أن الله اضطره
إلى الفقر واختار له ذلك وهو لا يريد ولا يختار، بل يريد الغنى، وهو سبحانه جعله
فقيراً بلطفه ورؤية صلاح حاله، ورزقه فيه الصبر والرضا كما ينبغي ويجري، والفقر
الاختياري: أن يترك الغنى ويختار الفقر بإرادة منه، ورؤية صلاحه فيه، فالقائل بهذا
القول لو رجح هذا الفقر الاضطراري على الاختياري وقال: ذلك مقام المحبوبية اختاره
الله تعالى له، وهذا مقام المحبة اختاره العبد لنفسه، لم يبعد، والله أعلم.
الفصل الأول
٥٢٣١ - [١] (أبو هريرة) قوله: (رب أشعث) والشعث محركة: انتشارُ الأمر،
ومصدرُ الأشعث، للمغبر الرأس، شعث كفرح، والتشعث: التفرق.
وقوله: (لو أقسم على الله لأبره) قيل: معناه أي: لو سأل الله شيئاً وأقسم عليه أن
يفعله لفعله ولم يخيب دعوته، وقيل: معناه لو حلف أن الله يفعله أو لا يفعله صدقه
في يمينه وأبره فيها، وهذا هو الأظهر، ويؤيده حديث أنس بن النضر: لا والله لا تكسر
ثنيتها، وقد مر الحديث في (باب الدية)، قال الطيبي(١): ومما يؤيد الأول لفظ (على
الله)؛ لأنه أراد به المسمى، ولو أريد به اللفظ لقيل: بالله، انتهى.
ويجوز أن يقال: صلة قسم محذوف، و(على الله) متعلق بفعل مقدر تقديره:
لو أقسم بالله معتمداً على الله في غير بره لأبره، فافهم. وللحديث تأويل آخر قريب
(١) ((شرح الطيبي)) (٩/ ٣٣٠).

٤٥٦
(١) باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ثلج
٥٢٣٢ - [٢] وَعَن مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: رَأَى سَعْدٌ أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى
مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَِّ: ((هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلاَّ بِضُعَفَائِكُمْ؟)).
رَوَاهُ البُخَارِيّ. [خ: ٢٨٩٦].
٥٢٣٣ _ [٣] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((قُمْتُ عَلَى
بَابِ الْجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينَ، وَأَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ، ..
من هذا المعنى ذكرته في (الفصل الأول) من (باب الغضب والكبر) من حديث حارثة.
٥٢٣٢ - [٢] (مصعب بن سعد) قوله: (رأى سعد) هو سعد بن أبي وقاص
أحد العشرة.
وقوله: (أن له فضلاً على من دونه) ممن ليس في مرتبته في السخاوة، أو المراد
شخص معين كان ضعيفاً فقيراً، فقال رسول الله وَله: إنما تنصرون على الأعداء ويوسع
علیکم الرزق ببر کة ضعفائکم وفقرائکم، فبمَ تفخرون بشجاعتکم وسخاوتكم؟
٥٢٣٣ - [٣] (أسامة بن زيد) قوله: (قمت على باب الجنة) هذا إما إخبار بما
سيقع في الآخرة، والتعبير بلفظ الماضي لتحقق الوقوع، أو رأى ذلك ليلة الإسراء،
أو كوشف له ◌َّر ذلك في غيرها يقظة أو مناماً، والله أعلم.
وقوله: (فكان عامة من دخلها المساكين) صحح لفظ (عامة) و(المساكين) بالرفع
والنصب، فالرفع على أنه اسم (كان)، والنصب على الخبرية.
وقوله: (وأصحاب الجد) بفتح الجيم وتشديد الدال، الجد: البخت والحظ
والرزق والعظمة، كذا في (القاموس)(١). وفي (الصراح)(٢): الجد بهره وبخت
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٤٦).
(٢) ((الصراح)) (ص: ١٣٤).

٤٥٧
(٢٦) كتاب الرقاق
غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ
مَنْ دَخلهَا النِّسَاء)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٤٧، م: ٢٧٣٦].
٥٢٣٤ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((اطَّلَعْتُ فِي
الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ».
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: عقب حديث: ٦٤٤٩، م: ٢٧٣٦].
٥٢٣٥ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ
فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الأَغْنِيَاءَ بَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفاً».
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٧٩].
وبي نيازي وتوانگري وعظمت وبزر گ شدن در چشم کسي.
وقوله: (غير أن أصحاب النار .. .إلخ)، فالناس قسمان: کافر ومؤمن،
والمؤمنون فقراء وأغنياء، فالكافرون هم أصحاب النار يؤمر بهم إلى النار حتماً، والفقراء
الذين لا تبعة عليهم يدخلون الجنة بغير حساب، والأغنياء ومن في حكمهم من عصاة
الفقراء يحبسون حتى يحاسبوا، إما أن يعفى عنهم فيدخلوا الجنة، أو يعذبوا ومصيرهم
إلى الجنة، هذا هو المراد من الحديث موافقاً لما هو المذهب، فافهم.
٥٢٣٤ - [٤] (ابن عباس) قوله: (اطلعت في الجنة) أي: اطلعت على الناس
في الجنة، حال منه أو منهم، وقال الطيبي(١): ضمن (اطلعت) معنى تأملت، ولذلك
عدي بـ (في)، فافهم.
٥٢٣٥ - [٥] (عبدالله بن عمرو) قوله: (إن فقراء المهاجرين) ظاهر الحديث
(١) ((شرح الطيبي)) (٩/ ٣٣١).

٤٥٨
(١) باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي وكلا ر
٥٢٣٦ - [٦] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ﴾
فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ : ((مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟)) فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ
النَّاسِ،
يدل على تخصيص هذا الحكم بالفقراء من المهاجرين والأغنياء منهم، وقد دل بعض
الأحاديث على إطلاقه وعلى كون القبلية بخمس مئة عام، ولعل ذلك في غير المهاجرين
من الأصحاب، وبهذا يندفع المنافاة بين هذا الحديث وبين الحديث الآتي في أول
(الفصل الثاني) من حديث أبي هريرة: (يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمس مئة
عام)، ففقراء المهاجرين يتقدمون على أغنيائهم بأربعين عاماً؛ لأن بعض أغنياء
المهاجرين كانوا من فضلاء الصحابة وأكابرهم، بل أفضل من الفقراء، كالذين هم من
العشرة، وعلى غير المهاجرين من الأغنياء يتقدمون بخمس مئة، سواء كان الفقراء من
المهاجرين أو من غيرهم، ومن الأصحاب ومن غيرهم.
وقيل: إن الفقراء الذين في قلوبهم ميل ورغبة إلى الدنيا يتقدمون على الأغنياء
بأربعين، والزهاد من الفقراء يتقدمون بخمس مئة، فتدبر، والمراد بالخريف العام؛
لأن العرب يبتدؤون العام بالخريف، سمي خريفاً لأنه تخرف فيه الثمار، أي: تجتنى.
٥٢٣٦ - [٦] (سهل بن سعد) قوله: (فقال) الضمير للرسول الله صلفر، وكذلك
ضمير (عنده).
وقوله: (جالس) مجرور صفة أخرى، أو مرفوع فاعل الظرف، والجملة صفة.
وقوله: (ما رأيك) أي: ما اعتقادك في هذا الرجل خير أو شر.
وقوله: (فقال) أي: الرجل عنده، و(رجل) خبر مبتدأ محذوف، أي: هو رجل،
وفي آخر الحديث (هذا خير) إشارة إلى الرجل المتأخر المار الذي استحقره الرجل،

٤٥٩
(٢٦) كتاب الرقاق
هَذَا وَاللهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ
رَسُولُ اللهِوَّهِ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟)»
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ
أَنْ لاَ يُنْكَحَ، وإِنْ شَفَعَ أَنْ لاَ يُثَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِّهِ: ((هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ(١). [خ:
٦٤٤٧].
٥٢٣٧ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ خُبْزِ الشّعِيرِ
يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللهِوَّهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤١٦، م:
٢٩٧٠].
٥٢٣٨ - [٨] وَعَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ
أَيَدِیهِمْ.
ولفظ (هذا) الأخير إشارة إلى الرجل المار الأول الذي استعظمه، و(مثل هذا) إما
تمييز من النسبة، أو بدل من (ملء).
٥٢٣٧ - [٧] (عائشة) قوله: (ما شبع آل محمد) وهذا كان باختيار منهم الفقر
وترك الدنيا ولذاتها وقناعتهم بأدنى قوت، وإيثارهم الفقراء والمساكين على أنفسهم
مع وجود الاحتياج والمحبة ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ، مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨].
٥٢٣٨ - [٨] (سعيد المقبري) قوله: (المقبري) بفتح الباء وضمها، وقد يكسر،
نسبة إلى المقبرة: موضع القبور، كان يسكن فيه.
(١) لم أجده في ((صحيح مسلم))، ولم يعزه المزي في ((تحفة الأشراف)) (٤/ ١١٤) إلا للبخاري.

٤٦٠
(١) باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ◌َ﴾
شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ، فَدَعَوْهُ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ وَقَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ◌َهِ مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ
يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٤١٤].
٥٢٣٩ - [٩] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُ مَشَى إِلَى النَّبِيِّ ◌َهُ بِخُبْزٍ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ
سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ نَّهِ دِرْعَاً لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيراً
لِأَهْلِهِ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ:
وقوله: (مصلية) أي: مشوية، يقال: صليت اللحم بتخفيف اللام، أي:
شويته .
٥٢٣٩ - [٩] (أنس) قوله: (وإهالة سنخة) في (القاموس)(١): الإهالة:
الشحم، أو ما أذيب منه، أو الزيت، وكل ما اتتدم به، وفي الحديث الآخر: يدعى
إلى خبز الشعير والإهالة فيجيب، هو كل شيء من الأدهان مما يؤتدم به، وقيل: ما أذيب
من الألية والشحم، وقيل: الدسم الجامد، كذا في (مجمع البحار)(٢)، و(السنخة)
بفتح السين المهملة وكسر النون، في (القاموس)(٣): السنخ محركة: التغير، قد سنخ
الدهن كفرح: زنخ، أي: تغير، والسناخة: الريح المنتنة، وفي حديث آخر: دعاه
رجل مقدم إليه إهالة سنخة، وفي هذا يروى (زنخة) بالزاي أيضاً، وهي بمعنى
سنخة .
وقوله: (ولقد سمعته) قال الطيبي(٤): ضمير المفعول لأنس، والفاعل هو راوي
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٦٧).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ١٣٥).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٣٠).
(٤) ((شرح الطيبي)) (٩/ ٣٣٣).