Indexed OCR Text
Pages 341-360
٣٤١ (٢٥) كتاب الآداب * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥١٠٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ ◌َِّ كمال؛ لأنه يتعلق به نظام البدن والحياة؛ لأنه لدفع المضار والمؤذيات، ولهذا لما لم يكن في النباتات قوة غضبية يعرضها التلف والهلاك ممن يقصده، بخلاف الحيوانات؛ لدفعها المؤذيات بالقوة الغضبية، وقد خلق الله لها آلات جارحة من الأنياب والقرون دافعة لمن قصدها إلا من يغلب عليها . وفي الآدمي وإن لم تكن آلات مخلوقة في بدنه فعنده عقل يدبر به، ويصنع من الآلات ما يليق بكل حادثة ويناسبها، بخلاف الحيوان فليس له إلا نوع واحد أو اثنان مثلاً، فتعالى الله أحسن الخالقين. وأما الكبر فمنشؤه العجب، وهو أن يرى الإنسان في نفسه صفاته حسنة وتعجبه تلك، فيكبر عند نفسه إذا أظهر ذلك على الناس بالتفوق والتغلب عليهم والامتناع عن الحق، فهو تكبر واستكبار، وهو مذموم إذا لم يكن بما فيه، بل يتشبع ويظهر من نفسه بالتكلف ما ليس فيها، وأما إذا كان بما فيه من الفضائل يستحق به التقدم والعلو بحسب نفس الأمر فليس بمذموم، ويقابله التواضع، والتواضع توسط بين التكبر والضعة، فالتكبر: أن يطلب ويدعي فوق ما يستحق، والضعة: أن يتنزل عن مقامه، ويترك ما يستحقه، والتواضع: هو القيام على طريقة التوسط والاعتدال، ولكن لما كانت صفة التكبر غالبة في النفس أراد المشايخ الصوفية قمعها، فأقاموا الضعة مقام التواضع لكبح عنان النفس، ومنعها عما هو طبعها، والكمال: هو التوسط والاعتدال في جميع الأحوال. الفصل الأول ٥١٠٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (أن رجلاً) قيل: هو أبو الدرداء، ولعله وَ له ٣٤٢ (٢٠) باب الغضب والكبر أَوْصِنِي، قَالَ: ((لاَ تَغْضَبْ))، فَرَدَّ ذَلِكَ (١) مِرَاراً قَالَ: ((لاَ تَغْضَبْ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦١١٦]. ٥١٠٥ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١١٤، م: ٢٦٠٩]. ٥١٠٦ - [٣] وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((أَلَاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعَّفٍ. وجد فيه شيئاً من ذلك فهذبه منه . ٥١٠٥ - [٢] (وعنه) قوله: (ليس الشديد بالصرعة) بضم الصاد المهملة وفتح الراء على وزن همزة ولمزة: من يصرع الناس، كالصِّرِّيع على وزن سِكِّين، والصرعة بالضم والسكون: من يصرعه الناس، وكأمير: المصروع، من الصرع، ويكسر: الطرح على الأرض، كالمصرّع، كمقعد، وهو موضعه أيضاً، كذا في (القاموس)(٢). ٥١٠٦ - [٣] (حارثة بن وهب) قوله: (كل ضعيف متضعف) في (القاموس)(٣): ضعفه تضعيفاً: عدّه ضعيفاً، كاستضعفه، وتضعفه، وفي الحديث: (كل ضعيف متضعف)، انتھی. وفي (النهاية)(٤): يقال: تضعفته واستضعفته بمعنى، أي: من يتضعفه الناس، (١) قوله: ((ذلك)) سقط في نسخة . (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٨٠). (٣) (القاموس المحيط)) (ص: ٧٦٥). (٤) ((النهاية)) (٣/ ٨٨). ٣٤٣ (٢٥) كتاب الآداب لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُثُلِّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٌ مُسْلِمٍ : ويتجَبَّرُون عليه في الدنيا للفقر والرثائة، فظهر أن المتضعف بفتح العين هو الصحيح، ولكن الطيبي(١) نقل عن محيي السنة جوازه بكسر العين أيضاً، وإن حكم بشهرة الأول، وفي (مجمع البحار)(٢): من الكرماني: (كل متضعف) بفتح عين على المشهور، أي: من يستضعفه الناس ويحتقرونه، وبكسرها، أي: خامل متذلل متواضع، وقيل: رقيق القلب ولینه للإيمان . وقوله: (لو أقسم على الله لأبره) أي: القسم أو المقسم، أي: لو أقسم على الله، أي: لو حلف يميناً طمعاً في كرمه بإبراره لأبره، وقيل: لو دعاه لأجَابَه، أي: لو سأل شيئاً وأقسم عليه أن يفعله لفعله، ولم يخب دعوته، وقيل: لو حلف أن الله يفعله أو لا يفعله صدقه في يمينه بأن يأتي به، ويشهد له حديث أنس بن النضر: (والله لا تکسر ثنیتھا یا رسول الله). وقوله: (عتل) بضمتين ومشدد اللام: الأكول المنوع الجافي الغليظ، كذا في (القاموس)(٣)، وفي (الصراح)(٤): مرد درشت آواز وسخت كَوئي، قوله تعالى: ﴿عُثُلٍ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣]، وفي (البيضاوي)(٥): عتل جاف غليظ، من عتله: إذا قاده (١) انظر: ((شرح الطيبي)) (٩/ ٢٤٩). (٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٤٠٧). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٤٧). (٤) ((الصراح)) (ص: ٤٣٦). (٥) ((تفسير البيضاوي)) (٥ / ٢٣٤). ٣٤٤ (٢٠) باب الغضب والكبر ((كُلُّ جَوَّاظٍ زَنِيمٍ مُتَكَّبِّرٍ)). [خ: ٤٩١٨، م: ٢٨٥٣]. ٥١٠٧ - [٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبَهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌّ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ . بعنف وغلظة، وقد سبق معنى (الجواظ) في (الفصل الثاني) من (باب الرفق)، وهو قريب من معنى العتل، و(الزنيم): الدَّعِيُّ، مأخوذ من زنمتي الشاة، وهما المتدليتان من أذنها وحلقها، شبَّه به الدعي الملصق بالقوم وليس منهم، والمراد أن أكثر أهل النار على هذه الصفات، وأهل الجنة على الصفات السابقة . ٥١٠٧ _ [٤] (ابن مسعود) قوله: (لا يدخل النار) في الحديث إشكالان: الأول: أنه لا يدخل المؤمن النار وإن كان عاصياً مع أن العاصي معذب إن شاء الله تعالى . والثاني: أن المتكبر لا يدخل الجنة وإن كان مؤمناً مع أن المؤمن يدخل الجنة ولو كان بعد عذاب، والجواب أن المراد بدخول النار دخول تأبيد، وبدخول الجنة الدخول مع السابقين . وقد يقال: إن المراد بالكبر الكبر عن قبول الحق والإيمان، فيكون كفراً، وفيه إشارة إلى أن الكبر من صفات الكافرين، وقيل: لعل الله إذا أراد أن يدخله الجنة أخرج الكبر من قلبه، ولو حمل على المبالغة في التبشير على الإيمان والتشديد على الكبر لكان أيضاً وجهاً، والله أعلم. المثقال للشيء: میزانه من مثله، وفي (الصراح)(١): مثقال: هم سنگ چيزي، (١) ((الصراح)) (ص: ٤١٤). ٣٤٥ (٢٥) كتاب الآداب مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩١]. ٥١٠٨ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرِ))، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْيُهُ حَسَناً وَنَعْلُهُ حَسَناً، قَالَ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى(١) جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ. وفسروه في قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّتٍ﴾ بمقدارها . وقوله: (من خردل)، في (القاموس)(٢): حب شجر معروف ملطف جاذب، قالع للبلغم ... إلى آخر ما عدَّ من منافعه، والخردل الفارسي: نبات بمصر يعرف بحشيشة السلطان . ٥١٠٨ - [٥] (وعنه) قوله: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة) والذرة: النملة الصغيرة أو الهباء، وهي ما يرى في شعاع الشمس من كوة البيت. وقوله: (إن الله تعالى جميل) أي: حسن الفعال، كامل الأوصاف، وقيل: مجمل، وقيل: جليل، وقيل: مالك النور والبهجة، كذا في (مجمع البحار)(٣)، ويمكن أن يقال: إن قوله: (ويحب الجمال) تفسير للجميل، أي: يحب من عباده من كان جميلاً في أفعاله وأوصافه، ويحب أن يرى نعمته وأفضاله على عبده، والله أعلم. وقوله: (الكبر بطر الحق) في (القاموس)(٤): البطر: الطغيان بالنعمة، وكراهية (١) قوله: ((تعالى)) سقط في نسخة . (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩١٣). (٣) («مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٣٨٧). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٣٠). ٣٤٦ (٢٠) باب الغضب والكبر وَغَمْطُ النَّاسِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩]. ٥١٠٩ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، .. الشيء من غير أن يستحق الكراهة، وبطر الحق: أن يتكبر عنه فلا يقبله، كفرح، وفي (مجمع البحار)(١): الكبر بطر الحق، وهو أن يجعل ما جعله الله حقًّا من توحيده وعبادته باطلاً، وقيل: أن يتجبر عند الحق فلا يراه حقًّا، أو لا يقبله ويدفعه. وقوله: (وغمط الناس) في (القاموس)(٢): غمط الناس كضرب وسمع: استحقرهم، وقد جاء في الحديث: (الكبر أن تُسَفِّهَ الحقَّ وتَغْمِطَ الناسَ)(٣)، الغمط: الاستهانة والاستحقار، وهو كالغمص، كذا في (النهاية) (٤). ٥١٠٩ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (لا يكلمهم الله) عبارة عن غضبه، وكذلك قوله: (ولا ينظر إليهم)، فإن من سخط على غيره واستهان به أعرض عنه وعن التكلم معه والالتفات نحوه، كما أن من اعتد بغيره يقاوله ويكثر النظر إليه . وقوله: (ولا يزكيهم) معناه: لا يثني عليهم، من زكى نفسه: إذا وصفها وأثنى عليها، والزكاة: المدح، كذا في (النهاية)(٥)، وفي بعض الحواشي معناه: لا يطهرهم من دنس ذنوبهم، والزكاة تجيء بمعنى التطهير. (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ١٩١). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٢٦). (٣) أخرجه معمر بن راشد في ((جامعه)) (٢٠٥٢٠). (٤) ((النهاية)) (٣/ ٣٨٧). (٥) ((النهاية)) (٢/ ٣٠٧). ٣٤٧ (٢٥) كتاب الآداب وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخُ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٧]. ٥١١٠ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَِّ: ((يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَزَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ)). وَفِي رِوَايَةٍ: ((تَذَفْتُهُ فِي النَّارِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٢٠]. وقوله: (شیخ زان) فإن الشیخ لكونه في سن يُستحيا فيه من الفواحش، ويضعف شهوة الجماع، يكون ارتكاب هذه الشنيعة منه أقبح، ويدل على دنس طبعه واعوجاج فطرته . (وملك كذاب) لأن الملك برأيه ينتظم أمور الملك ومصالح الخلق، فالكذب منه يخلّ بها، فيكون أقبح وأضرّ؛ ولأن الكذب مع كونه محظوراً يقع الإنسان فيه غالباً لجلب نفع أو دفع ضرر، فمن الملك القادر عليه بدونه يكون أقبح وأخبث. وأما (العائل) أي: الفقير المستكبر فلأن كبره مع انعدام سببه من المال والجاه يدل على كون طبعه لئيماً، وقيل: المراد بالعائل ذو العيال، فتكبره عن سؤال الصدقة والزكاة، وعدم قبوله ما يسد خلته وخلة عياله ويزيل الفقر والمحنة لا يكون إلا لاستيلاء هذه الرذيلة عليه، بحيث يلحق عياله الضرر من تكبره ولا يتركه، وأما التعفف وستر الحال من جهة التوكل على الله فلیس فیه تکبر وترفع أصلاً. ٥١١٠ - [٧] (وعنه) قوله: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري) ضرب مثل في انفراده بصفة العظمة والكبرياء، أي: ليستا كسائر الصفات التي قد يتصف بها غيره مجازاً، كالكرم والرحمة، كما لا يشارك في إزار واحد وردائه غيرُهُ. بقي أنه هل فرق بين الكبرياء والعظمة أو معناهما واحد؟ والذي يظهر من كتب ٣٤٨ (٢٠) باب الغضب والكبر اللغة أنه لا فرق بينهما، في (القاموس)(١): كبر ككرم، نقيض صَغُرَ، وأكبره: رآه كبيراً، وعظم عنده، وكَبِرَ، كفرح: طعن، وكبر [هُ بسنة] كنصر: [زاد عليه، وكَبُر كصَغُر] عَظُم وجَسُم، والكبر: الرفعة والعظمة والتجبر، كالكبرياء. وفي (الصراح)(٢): کبر بالکسر والفتح: بزرگ شدن، کبرة: بزرگ سالی، کبر بسکون الوسط کبریاء: بزر گي وبزرگ شدن، عظم: بزرگ شدن، عظام بالضم، وعظم الشيء بالضم: بزركي وپيشتري. الكبرياء: العظمة، من الكبر بالكسر، وهو العظمة، كبر بالضم: إذا عظم، فهو كبير، الله أكبر من أن يعرف كنهُ كبريائه وعظمته، الكبرياء: هو العظمة والملك، وقيل : كمال الذات وكمال الوجود، ولا يوصف بهما إلا الله، هذه عباراتهم تدل على اتحاد الكبرياء والعظمة في المعنى، وقد التزمه بعضهم في هذا الحديث، وقال: إنه تفنن في العبارة، فتارة شبه كبرياءه وعظمته بالرداء، وأخرى بالإزار، وذكر في كل منهما أحدهما اكتفاء بذكر لفظ أحد المترادفين عن الآخر. وتكلف بعضهم في بيان الفرق متضمناً لبيان وجه التخصيص، فقيل: الكبرياء صفة ذاتية، والعظمة إضافية، فهو متكبر في ذاته سواء يستكبره غيره أم لا، وأما العظمة فهي عبارة عن كونه بحيث يستعظمه غيره، والصفة الذاتية أعلى وأرفع من الإضافية، فشبهت بالرداء الذي هو أرفع من الإزار، ويقرب من هذا ما قيل: إن الكبرياء والعظمة وإن اتحدا لغة، لكنه يقال في العرف: هو متكبر لمن يترفع ولا ينقاد لأحد، ويقال: (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٣٥). (٢) ((الصراح)) (ص: ٢١٠، و٤٨٣). ٣٤٩ (٢٥) كتاب الآداب * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٥١١١ - [٨] عَن سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَع قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَِّ: ((لاَ يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ فِي الْجَبَّرِينَ. له عظمة: إذا كثر ما يتعلق به من الخدم والحشم. والرداء يلبس على الأعضاء الفوقانية المختصة بالترفع والتكبر والظهور، والإزار على التحتانية المختصة بالنزول والانحطاط، بمنزلة الخدم والحشم، ويمكن أن يقال : إن العظمة تكون باعتبار الذات والحقيقة التي لا يعرف كنهها، قال بعضهم: العظيم هو الذي جاوز قدره حدود العقول، حتى لا تتصور الإحاطة بكنهه وحقيقته، كما يكون العظيم في الأجسام بكثرة الطول والعرض لا تحيط به الأبصار. والكبرياء باعتبار الترفع والتعزز على الغير كما جاء في حديث الرؤية (ما بين القوم وبين أن ينظروا [إلى ربّهم] إلا رداء الكبرياء على وجهه)(١)، والإزار ملتصق بذات الرجل ومشدود ومربوط به، وضروري لا بد منه، بخلاف الرداء، وإنما هو للتزيين والترفع على الناس، وليس بضروري، فهو تعالى عظيم في ذاته وحقيقته، ومتكبر ومترفع بكبريائه على العالمين، والله أعلم بحقيقة المراد. الفصل الثاني ٥١١١ - [٨] (سلمة بن الأكوع) قوله: (لا يزال الرجل يذهب بنفسه) أي: يذهبها عن مكانها ودرجتها التي هي فيها في الواقع إلى مرتبة عُليا، ومكان أرفع، فالباء للتعدية، وهو المتبادر من مثل هذا التركيب، ويجوز أن يكون بمعنى (مع)، أي: (١) أخرجه مسلم في (صحيحه)) (١٨٠). ٣٥٠ (٢٠) باب الغضب والكبر فَيُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٠٠]. ٥١١٢ - [٩] عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ لَّه قَالَ: ((يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ أَمْثَالَ الذَّرِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، يَغْشَاهُمُ الذُّنُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، يرافقها ويتبعها ويذهب معها حيث ذهبت، ولم يكبح عنانها عن التكبر والتجبّر، ولم يصرفه . وقوله: (فيصيبه ما أصابهم)(١) من الآفات والبلايا في الدنيا، والعقاب في الآخرة. ٥١١٢ _ [٩] (عمرو بن شعيب) قوله: (يحشر المتكبرون أمثال الذر يوم القيامة في صور الرجال يغشاهم الذلّ من كل مكان) اختلفوا في معنى هذا الحديث، فمنهم من أوله وقال: المراد بحشرهم أمثال الذر كونهم أذلاء، ويطؤهم الناس بأرجلهم، بدليل أن الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء، حتى ورد في الحديث: (إنهم يحشرون غرلاً)، يعاد منهم ما انفصل عنهم من القلفة، ولهذا قال: (في صورة الرجال)، ووصفهم بقوله: (يغشاهم الذل من كل مكان)، وهو قرينة المجاز، ومنهم من حمله على ظاهره، وحديث: (الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء) لا ينافيه؛ لأنه قادر على إعادة تلك الأجزاء الأصلية في مثل الذر، ومعنى قوله: (في صورة الرجال) أن صورهم صور الإنسان وجئتهم كجثة الذر في الصغر، وأما قوله: (يغشاهم الذل من كل مكان) فلا دلالة فيه على إرادة المجاز كما لا يخفى. (١) في جميع النسخ المخطوطة ((ما يصيبهم)). ٣٥١ (٢٥) كتاب الآداب يُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى: بُولَسُ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةِ الْخَبَالِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٩٢]. ٥١١٣ - [١٠] وَعَنْ عَطِيَّةَ بْنِ عُرْوَةَ السَّعْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا يُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٨٤]. وقوله: (يسمى بولس) من البلس بمعنى اليأس والتحير، ومنه اشتق إبليس، وصحح في الشروح بفتح الباء واللام، وفي (القاموس)(١) بضمهما. وقوله: (نار الأنيار) أي: نار النيران، والقياس الأنوار؛ لأنه واوي، إلا أنه أبدلت الواو بالياء؛ لئلا يلتبس بجمع النور، كما جاء في جمع الريح أرياح، وفي جمع عيد أعياد؛ لئلا يلتبس بجمع الروح والعود، كذا قال الطيبي(٢)، والذي في كتب اللغة في جمع نار نور ونيار ونيران، ولم يذكر أنوار ولا أنيار، والله أعلم. والمراد بنار الأنيار نار تفعل بالنيران ما تفعل النار بالحطب. وقوله: (طينة الخبال) بدل من (عصارة أهل النار)، وهي ما يسيل عنهم من الصديد والقيح والدم، وقد جاء في الحديث بشك من الراوي (هي عرق أهل النار أو عصارة أهل النار)، وقد مر في (باب الوعيد على شرب الخمر)، والخبل في الأصل بمعنى الفساد، ويكون في الأبدان والأفعال والعقول. ٥١١٣ - [١٠] (عطية بن عروة) قوله: (فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) لاستعمال الماء المطفئ لنار الغضب، وقد صح بالتجربة أن لشرب الماء البارد تأثيراً في دفعه، (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٩٤). (٢) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٢٥٥). ٣٥٢ (٢٠) باب الغضب والكبر ٥١١٤ - [١١] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ◌ّهِ قَالَ: ((إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلاَّ فَلْيَضْطَجِعْ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ(١). [حم: ٤ / ١٥٢]. ٥١١٥ - [١٢] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّ يَقُولُ: ((بِتْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَخَيَّلَ وَاخْتَالَ، . مع ما في الوضوء من النورانية وشموله للأعضاء، وللشروع في العبادة والذكر الموجب الاستعاذة من الشيطان، والوضوء سلاح المؤمن يحفظه منه. ٥١١٤ - [١١] (أبو ذر) قوله: (إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس ... إلخ) الظاهر أن المراد أن لتغير الحالة على هذا النهج الموجب للسكون والطمأنينة تأثيراً في زوال الغضب؛ لأنه هيجان وثوران، فينافيه السكون والاستراحة، وقيل: إنما أمر بالقعود والاضطجاع لئلا يحصل منه في حال غضبه من الحركة ما يندم عليه، فإن المضطجع أبعد من الحركة والبطش من القاعد، والقاعد من القائم. ٥١١٥ - [١٢] (أسماء بنت عميس) قوله: (تخيل واختال) رجل مختال: متكبر، وقد تخيل وتخايل، وفي (تفسير البيضاوي)(٢) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾[النساء: ٣٦]: متكبراً يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه، ولا يلتفت إليهم، وفي موضع آخر: المختال: الماشي مرحاً، أي: فرحاً، ويعلم منه أن المختال معناه المتكبر من الخيلاء، ويحمل في كل موضع على ما يليق به، في الأول وقع في مقام الأمر بالإحسان بالوالدين وذي القربى والجار والصاحب، والثاني بعد قوله: (١) لم نجده في ((سنن الترمذي))، بل أخرجه أبو داود في ((سننه)) (٤٧٨٢). (٢) ((تفسير البيضاوي)) (١ / ٤٥٤). ٣٥٣ (٢٥) كتاب الآداب وَنَسِيَ الْكَبِيرَ الْمُتَعَالِ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَجَبَّرَ وَاعْتَدَى وَنَسِيَ الْجَبَّارَ الأَعْلَى، بْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ سَهَا وَلَهَا وَنَسِيَ الْمَقَابِرَ وَالْبِلَى، وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخَْالٍ فَخُورٍ ﴾ [لقمان: ١٨]. وقوله: (نسي الكبير المتعال) أي: المستعلي على كل شيء بقدرته، أو كبر عن نعت المخلوقين وتعالى عنه، كذا في (تفسير البيضاوي)(١). وقوله: (تجبر واعتدى) في (القاموس)(٢): تجبر: تكبر، والجبار: الله تعالى، لتكبره، وجبره على الأمر: أكرهه، كأجبره، انتهى. فالتجبر بمعنى التكبر مع تضمن معنى القهر والغلبة والإكراه، واعتدى؛ أي: تجاوز عن الحد، وظلم وأفسد، والعدوى: الفساد، كذا في (القاموس)(٣). وقوله: (سها) أي: غفل عن الحق والطاعة واشتغل بما لا يعنيه، في (القاموس)(٤): سها في الأمر سهواً: نسيه، وغفل عنه، وذهب قلبه إلى غيره، وقال: لها لهواً: لعب، ولَهِيَ عنه: سلا وغفل، وترك ذِكْرَهُ. وقوله: (نسي المقابر والبلى) وهو بكسر الباء: الخلوقة في الثوب، بلي يبلى بلىّ من سمع، وإن فتحت الباء مددتها، والإبلاء متعد منه، كذا في (الصحاح) (٥). (١) ((المصدر السابق)) (٣ / ١٨٢). (٢) (القاموس المحيط)) (ص: ٣٣٨). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٠٣). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٩٣). (٥) ((الصحاح)) (١ / ٥٤). ٣٥٤ (٢٠) باب الغضب والكبر بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ عَتَى وَطَفَى وَنَسِيَ الْمُبْتَدَأَ وَالْمُنْتُهَى، بِثْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، وقوله: (عتى وطغى) في (الصحاح) (١): العتي بالضم والكسر: التجاوز عن الحد، أصله عتو، فأبدلوا إحدى الضمتين كسرة فانقلبت الواو ياء فصار عُتِيًّا، ثم أتبعوا الكسرة [الكسرة] فصار عِتِيًّا، وفي (القاموس)(٢): عَتَا عِتيًّا وعُتوًّا: استكبر وجاوز الحد، انتهى . فالاستكبار فيه بمعنى التجاوز عن الحد، وفي المختال من الخيلاء، وفي التجبر من القهر والغلبة، فالثلاثة وإن كانت مشتركة في معنى الكبر لكن بينها فرق بالاعتبار، فلا تكرار، فافهم. وطَغِيَ طغياناً بالضم والكسر: جاوز القدر، وارتفع، وغلا في الكفر، وأسرف في المعاصي والظلم، وفي (الصراح)(٣): طغيان وطغوان بالفتح: از حد در گذشتن. وقوله: (ونسي المبتدأ والمنتهى) أي: نسي مِمّ خلق، وإلام يؤول حاله. وقوله: (يختل الدنيا بالدين) أي: يخدعها ويطلبها بعمل الدين، أي: يرائي بالورع والتقوى ليحصل الدنيا، فكأنه يخدع الدنيا ويراودها ليجرها ويدعوها إلى نفسه، وفي الحقيقة يخدع أهل الدنيا لتحصيلها، ختله يختله من ضرب، ونصر، ختلاً وختلاناً: خدعه، والذئب الصيد: تخفَّى له، فهو خاتل وختول، كذا في (القاموس) (٤). (١) ((الصحاح)) (١ / ٤٤٥). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٠٢). (٣) ((الصراح)) (ص: ٥٧٢). (٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩١٢). ٣٥٥ (٢٥) كتاب الآداب بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدِّينَ بِالشُّبَهَاتِ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ طَمَعٌ يَقُودُهُ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ هَوَّى يُضِلُّهُ، بِتْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ رَغَبٌ يُذِلُهُ». وقوله: (يختل الدين بالشبهات) أي: يخدعه ويحصله بالشبهات، أي: يقع في الحرام بالتأويل، أي: يخدع أهل الدين ويريهم ذلك ليحسبوه ويعدوه من أهل الدين، ولا يرتكب الحرام البين لئلا يخرجه الناس من الدين صريحاً، ويأتي بالمشتبهات ليشتبه على الناس أمر دينه، ويحكموا بتدينه في الجملة، فكأنه يخدع الدين وأهله بذلك. وقوله: (عبد طمع يقوده) الأشبه أن يكون (طمع) مبتدأ وخبره (يقوده)، واشتراط تخصيص المبتدأ المنكر مما لا يلتفت إليه المحققون من النحاة ويديرونه على الفائدة كما صرح به الرضي في نحو: كوكب انقض الساعة، وإن كان لا بد من رعاية قاعدتهم، فالمراد طمع عظيم، وقيل: هو من باب الوصف بالمصدر مبالغة، ولو قرئ بالإضافة لاستقام بلا تكلف إن ساعدته الرواية. والطمع: الحرص، وفي (القاموس)(١): طَمِع فيه، وبه، کفرح: حرص عليه، فهو طامع، وفي (الصراح)(٢): أميد داشتن، انتهى. وحقيقة الطمع رجاء حصول مال يشك في وصوله؛ فإن لم يشك وكان على يقين من حصوله فليس بطمع، كذا سمعت من شيخي رحمة الله عليه. و(الرغب) بضم الراء وفتحها مصدر رغب على حد سمع، في (القاموس) (٣): (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٨٧). (٢) ((الصراح)) (ص: ٣٢١). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٧). ٣٥٦ (٢٠) باب الغضب والكبر رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ))، وَقَالاَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضاً: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٤٤٨، شعب: ٧٨٣٢]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٥١١٦ - [١٣] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلّهِ: ((مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللهِ تَكْ مِنْ جُرْعَةٍ غَيْظِ يَكْظِمُهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ تَعَالَى)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١ / ٣٢٧]. ٥١١٧ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾ [فصلت: ٣٤]. قَالَ: الصَّبْرُ عِنْدَ الْغَضَّبِ، وَالْعَفْوُ عِنْدَ الإِسَاءَةِ، رغب فيه رغباً، ويضم، ورغبة: أراده، والرغب بالضم ويضمتين: كثرة الأكل، وشدة النَّهم، فعله ككرم، انتهى. والمراد الرغبة في الدنيا والإكثار منها. الفصل الثالث ٥١١٦ - [١٣] (ابن عمر) قوله: (ما تجرّع عبد أفضل عند الله مكّ من جرعة غيظ يكظمها) في (القاموس)(١): الجرعة مثلثة من الماء: حسوة منه، أو بالضم والفتح: الاسم، من جَرِعَ الماء، كسمع ومنع: بلعه، وبالضم: ما اجترعتَ، والغيظ: الغضب أو أشده، أو سورته وأوله، وتغيضت الهاجرة: اشتدت، والكظم: رده وحبسه، والضمير في (يكظمها) لـ (الجرعة)؛ لأن الإضافة في (جرعة غيظ) للبيان، فالجرعة هي الغيظ، فافهم . ٥١١٧ - [١٤] (ابن عباس) قوله: ((آدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ﴾) آخر الآية: ﴿فَإِذَا (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٤٣، ٦٥٣). ٣٥٧ (٢٥) كتاب الآداب فَإِذَا فَعَلُوا عَصَمَهُمُ اللهُ، وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُؤُهُمْ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ قَرِيبٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقاً. [خت: ٦ / ١٢٨]. ٥١١٨ - [١٥] وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيِهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((إِنَّ الْغَضَبَ لَيُّفْسِدُ الإِيمَانَ كَمَا يُفْسِدُ الصَّبِرُ الْعَسَلَ)). الَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، عَدَوَةٌ كَأَنَّهُوَإِىُّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]، قال صاحب ((الكشاف))(١): يعني أنّ الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ الحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك، ومثال ذلك: رجل أساء إليك إساءة، فالحسنة أن تعفو عنه، والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك، مثل أن يذمك فتمدحه، ويقتل ولدك فتفتدي ولده من يد عدوه، فإنك إذا فعلت ذلك انقلب عدوك المشاقّ مثل الولي الحمیم، انتهى. هذا الذي ذكره أخذه من لفظة ﴿أَحْسَنُ﴾ اعتباراً لتفضيله بالنسبة إلى الحسنة، ويجوز اعتباره بالنسبة إلى جزائه بمثله، ففي الحديث اقتصر على أدنى المراتب؛ إشارة إلى أنه إن لم يتيسر الإحسان فلا بد من الصبر والعفو، وهذا مثل ما قالوا: إن الوظيفة في البلايا هي الشكر؛ نظراً إلى الألطاف الخفية التي في ضمنها، وإن لم يتيسر فلا أقل من أن يصبر. ٥١١٨ - [١٥] (بهز بن حكيم) قوله: (كما يفسد الصبر العسل) الصبر ككتف، ولا يسكن إلا في ضرورة الشعر: عصارة شجر مرٍّ. (١) ((الكشاف)) (١٥٩/٦). ٣٥٨ (٢٠) باب الغضب والكبر ٥١١٩ - [١٦] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرَ -: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! تَوَاضَعُوا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللهُ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ صَغِيرٌ وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ عَظِيمٌ، وَمَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللهُ، فَهُوَ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ صَغِيرٌ وَفِي نَفْسِهِ كَبِيرٌ، حَتَّى لَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِئْرِ». ٥١٢٠ - [١٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((قَالَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ عَلِ: يَا رَبِّ! مَنْ أَعَزُّ عِبَادِكَ عِنْدَكَ؟ قَالَ: مَنْ إِذَا قَدَرَ غَفَرَ)). ٥١٢١ - [١٨] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ لِهِ قَالَ: ((مَنْ خَزَنَ لِسَانَهُ .. . . سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللهُ عَنْهُ عَذَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ٥١١٩ - [١٦] (عمر) قوله: (فهو في نفسه صغير وفي أعين الناس كبير) فكان المراد من الدعاء المأثور - وهو قوله ير: ((اللهم اجعلني في عيني صغيراً، وفي أعين الناس كبيراً) - طلب التواضع. ٥١٢٠ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (من إذا قدر غفر) هذا أيضاً اقتصار على الأدنى؛ فإن الإحسان على الإساءة متعذر جدًّا لا يأتي إلا ممن شاء الله، والعفو والمغفرة أيضاً إحسان. ٥١٢١ - [١٨] (أنس) قوله: (من خزن لسانه) أي: حفظ لسانه من عورات الناس بقرينة قوله: (ستر الله عورته)، في (القاموس)(١): خزن المال: أحرزه، والخزانة (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٩٩). ٣٥٩ (٢٥) كتاب الآداب وَمَنِ اعْتَذَرَ إِلَى اللهِ قَبِلَ اللهُ عُذْرَهُ» . ٥١٢٢ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلْ قَالَ: ((ثَلاَثٌ مُنْجِيَاتٌ، وَثَلاَثٌ مُهْلِكَاتٌ، فَأَمَّا الْمُنْجِيَاتُ: فَتَقْوَى اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَاَنِيَّةِ، وَالْقَوْلُ بِالْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالشُّخْطِ، وَالْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَأَمَّا الْمُهْلِكَاتُ: فَهَوَّى مُتَّبَحٌ، وَشُحٌّ مُطَاعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ أَشَدُّهُنَّ)). رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٧٩٤١، ٧٧٩٠، ٧٩٧٤، ٧٩٥٨، ٦٩٦٥]. بالكسر فعل الخازن، ومكان الخزن، ولا يفتح، والمخزن كمقعد، والقلب، والخزّان كشداد: اللسان، كالخازن، وفي (الصحاح)(١): خزنت السر وأخزنته، أي: كتمته. ٥١٢٢ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (والقصد في الغنى والفقر) أي: الاجتناب عن التبذير والتقتير، أو المراد التوسط في اختيار الغنى والفقر؛ فإن الكفاف أفضل منهما . وقوله: (فهوى متبع) أي: يتبعه الرجل ويطيعه، فأما إذا لم يتبعه فلا يضر، وهو المراد بقوله: (حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)، و(الشح) مثلثة: البخل والحرص، وقد مر تحقيق معناه في موضع آخر . وقوله: (وهي أشدهن) أي: هذه الخصلة الأخيرة - وهي (إعجاب المرء بنفسه) - أشد هلاكاً وضرراً. (١) ((الصحاح)) (١ / ١٧١). ٣٦٠ (٢١) باب الظلم ٢١- باب أهـ * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٥١٢٣ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِّ ◌َلْ قَالَ: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٤٧، م: ٢٥٧٩]. ٢١ - باب الظلم في (القاموس)(١): الظُّلْم: وضع الشيء في غير موضعه، والمصدر الحقيقي: الظّلم بالفتح، انتھی. وجميع معانيه وموارد استعماله يتضمن هذا المعنى، ويجمعها ما قال الطيبي (٢): وضع الشيء في غير موضعه المختص به، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بالعدول عن وقته أو مكانه، انتهى. ولو تأملت لوجدته أعم مما ذكر بأن يكون التجاوز عن طريقه ووضعه، وعما عهد فيه من الصفات والأحوال والشرائط واللوازم والخواص وأمثال ذلك، والمتعارف استعماله في الظلم على الناس، والاعتداء في حقوقهم من الدم والمال والعرض. الفصل الأول ٥١٢٣ - [١] (ابن عمر) قوله: (الظلم ظلمات) كما أن العمل الصالح سبب لنور يسعى بين أيدي المؤمنين كذلك الظلم سبب للظلمة وإحاطتها بالظالمين، وقيل: المراد بالظلمات الشدائد كما في قوله تعالى: ﴿قُلّ مَن يُنَجِّيَكُم مِّن ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾ (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٤٥). (٢) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٢٦٠).