Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
(٢٥) كتاب الآداب
يُبْتُهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتُقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّ خَذَلَهُ اللهُ تَعَالَى فِي مَوْطِنِ
يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَنْصُرُ مُسْلِماً فِي مَوْضِعِ يُنْتُقَصُ
[فِيهِ] مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتُهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّ نَصَرَهُ اللهُفِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ
نُصْرَتَهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٨٤].
٤٩٨٤ - [٣٨] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَنْ رَأَى
عَوْرَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْؤُدَةً)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَخَّحَهُ. [حم:
٤ / ١٤٧، ت: ١٩٣٠].
وقوله: (ينتهك فيه حرمته) انتهاك الحرمة: تناولها بما لا يحل، كذا في
(الصحاح)(١).
وقوله: (في موطن يحب فيه نصرته) وفي (المصابيح) : (في موضع) بدل (في
موطن).
٤٩٨٤ - [٣٨] (عقبة بن عامر) قوله: (من رأى عورة) العورة: ما يجب سترها
من الأعضاء وما يكره الإنسان ظهوره، ويستحيي من كشفه من العيوب والنقائص،
وهذا هو المراد في الحديث.
وقوله: (كان كمن أحيا موؤدة) أي: مدفونة حية، بأن أخرجها من القبر.
ووجه التشبيه أن من اطلع على عيبه وقبحه قد يختار الموت على اطلاع الغير
عليه، وهو في حكم الميت لما يلحقه من الحياء والخجالة، فإذا ستره عليه أحد فقد رفع
عنه تلك الخجالة التي هي بمثابة الموت، فكأنه أحياه وأخرجه من القبر.
(١) ((الصحاح في اللغة)) (٢ / ٢٣٦).

٢٦٢
(١٥) باب الشفقة والرحمة على الخلق
٤٩٨٥ - [٣٩] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ
مِرْآَةُ أَخِيهِ، فَإِنْ رَأَى بِهِ أَذَى فَلْيُمِطْ عَنْهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَغَّفَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ
لَهُ وَلِأَّبِي دَاوُدَ: ((الْمُؤْمِنُ مِرْآَةُ الْمُؤْمِنٍ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ يَكُفُّ عَنْهُ
ضَيْعَتَهُ وَيَخُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ)). [ت: ١٩٢٩، د: ٤٩١٨].
وقال الطيبي(١): يمكن أن يقال: إن وجه التشبيه ارتكاب الأمر العظيم كإحياء
الموؤدة، فإنه أمر عظيم فشبه به؛ لأن من أراد أن يستر عيب مؤمن وعرضه إذا تصور
أنه أحيا الموؤدة عظم عنده ستر عورة المؤمن، فیتحری فیه ویبذل جهده، انتهى.
ولا يخفى أن هذا الوجه لا يوجب التشبيه بإحياء الموؤدة على الخصوص؛
فإن الأمور العظيمة كثيرة، فالوجه الأول هو الأقرب، والله أعلم.
٤٩٨٥ - [٣٩] (أبو هريرة) قوله: (المؤمن مرآة المؤمن) أي: يريه ما فيه من
العيوب بإعلامه بها وتنبيهه عليها، كالمرآة تري كل ما في وجه الشخص ولو كان أدنى
شيء، فالمؤمن يطلع على عيوبه بإعلام مؤمن آخر، كما يطلع على قبائح وجهه بالنظر
في المرآة، فينبغي للمؤمن أن يميط الأذى والعيب عنه، ويشتغل بإصلاح حاله بأي
وجه، كما قال رويم: لا يزال الصوفية بخير ما تنافروا؛ فإذا اصطلحوا هلكوا، وأيد
هذا المعنى بقوله: (والمؤمن أخو المؤمن) أي: ناصحه ومعاضده (يكف عنه ضيعته)
أي: تَلَفَه وخسرانه، والضيعة: مرة من الضياع، (ويحوطه من ورائه) أي: ضرره
وهلاكه، وقد يقال في معنى (المؤمن مرآة المؤمن): إن المسلم إذا رأى عيباً ونقصاناً
في مسلم آخر ينبغي أن يحمل على أن هذا عيبه ونقصانه يرى فيه، فينتبه ويرجع إلى
نفسه فيقوم في مقام إزالته وإصلاح حاله، وهذا معنى صحيح دقيق، ولكن سوق الحديث
(١) ((شرح الطيبي)) (٩ / ١٨٧).

٢٦٣
(٢٥) كتاب الآداب
٤٩٨٦ - [٤٠] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ إِ: ((مَنْ
حَمَى مُؤْمِناً مِنْ مُنَافِقٍ بَعَثَ اللهُ مَلَكاً يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ نَرِ جَهَنَّمَ،
وَمَنْ رَمَى مُسْلِماً بِشَيْءٍ يُرِيدُ بِهِ شَيْنَهُ حَبَسَهُ اللهُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ
مِمَّا قَالَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٨٣].
٤٩٨٧ - [٤١] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ و قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((خَيْرُ
الأَصْحَابِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ».
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت:
١٩٤٤، دي: ٢٤٨١].
ينافي هذا المعنى، وما ذكرنا هو الذي بيّه الشراح.
٤٩٨٦ - [٤٠] (معاذ بن أنس) قوله: (من حمى مؤمناً من منافق) في الحواشي:
أي: منافق مغتاب أو ظالم، والظاهر هو الأول، وعنوان المنافق دال عليه؛ لأن حاله
الاغتياب ومخالفة الغيبة والحضور، وأيضاً قوله: (بعث الله ملكاً يحمي لحمه) يناسبه؛
لأنه لما حمى المؤمن عن الاغتياب الذي في حكم أكل اللحم فقد حمى لحمه، فيناسب
حماية لحمه من النار، ويمكن أن يقال: إنه إنما قال: يحمي لحمه للمبالغة في الحفظ
والحماية عن النار؛ لأن النار إنما تحرق وتأكل اللحم، ثم تصل إلى العظم، فإذا حمى
لحمه فقد حماه حماية تامة كاملة .
وقوله: (حتى يخرج مما قال) أي: حتى ينقى ويطهر من ذنبه ذاك، إما بإرضاء
خصمه أو تعذيبه بقدر ذنبه .
٤٩٨٧ - [٤١] (عبدالله بن عمرو) قوله: (خيرهم لصاحبه) بنصيحته وعدم
اغتيابه، وأمانته لأسراره، ورعاية سائر حقوق الصحبة والجوار.

٢٦٤
(١٥) باب الشفقة والرحمة على الخلق
٤٩٨٨ - [٤٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ وَِّ: يَا رَسُولَ اللهِ!
كَيْفَ لِ أَنْ أَعْلَمَ إِذَا أَحْسَنْتُ أَوْ إِذَا أَسَأْتُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((إِذَا سَمِعْتَ
جِيرَانَكَ يَقُولُونَ: قَدْ أَحْسَنْتَ فَقَدْ أَحْسَنْتَ، وَإِذَا سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ: قَدْ أَسَأْتَ
فَقَدْ أَسَأْتَ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ. [جه: ٤٢٢٣].
٤٩٨٩ - [٤٣] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِقَالَ: ((أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ)).
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٤٢].
٤٩٨٨ - [٤٢] (ابن مسعود) قوله: (إذا سمعت جيرانك يقولون: قد أحسنت
فقد أحسنت) الحديث، ينبغي أن يقيد بكون الجيران من أهل الحق والإنصاف غير
مفرطين في المحبة والعداوة، كما قالوا مثل ذلك في حديث: (من أثنيتم عليه خيراً وجبت
له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض)(١)، وذلك
ظاهر، ويجوز أن يجعل هذا كناية عن الإحسان إلى الجيران.
٤٩٨٩ - [٤٣] (عائشة) قوله: (أنزلوا الناس منازلهم) أي: أكرموا كل شخص
على حسب فضله وشرفه، ولا تسووا بين الوضيع والشريف والخادم والمخدوم من
غير تحقير للفقراء بما يؤذيهم.
روي عن عائشة ◌َّ كانت جالسة وعندها طعام تأكل منه، فإذا فقير سأل، فأرسلت
عليه كسرة من خبز، ثم مرّ بها راكب فأرسلت إليه أن الطعام حاضر فأت إن كانت لك
رغبة، قيل لها: ما هذا التفاوت بين المؤمنين؟ فقالت: سمعت رسول الله صل* يقول:
(أنزلوا الناس منازلهم)، كذا في (إحياء العلوم)(٢) أو كما قال.
(١) أخرجه مسلم (٩٤٩).
(٢) ((إحياء علوم الدين)) (٢ / ٤٤).

٢٦٥
(٢٥) كتاب الآداب
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٤٩٩٠ - [٤٤] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي قُرَادٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ تَوَضَّأَ يَوْماً
فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((مَا يَحْمِلُكُمْ عَلَى
هَذَا؟)) قَالُوا: حُبُّ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ
وَرَسُولَهُ أَوْ يُحِبَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ فَلْيَصْدُقْ حَدِيثَهُ إِذَا حَدَّثَ، وَلْيُؤَدِّ أَمَانَتَهُ إِذَا
أُؤْتُمِنَ، وَلِيُحْسِنَ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَهُ)) .
٤٩٩١ - [٤٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ:
(لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ».
الفصل الثالث
٤٩٩٠ - [٤٤] (عبد الرحمن) قوله: (وعن عبد الرحمن بن أبي قراد) بضم
القاف .
وقوله: (يتمسحون بوضوئه) قد سبق أن الصحابة كانوا يقتتلون على وضوء
رسول الله ◌َي؛ فإن لم يجد أحد يأخذ بللاً من يد الآخر ويتمسح به.
وقوله (فليصدق حديثه ... إلخ)، أي: يهتم ويعتني فيما يشق على النفس من
رعاية التقوى خصوصاً في معاملة النفس والخلق، وأما التمسح بالوضوء وأمثاله فلا
عبرة ذلك بدون تحقق التقوى، ويحتمل أنه ◌َله وجد فيمن فعلوا ذلك شيئاً من عدم
الاهتمام في هذه الأمور، فنبه على ذلك، وهذا هو وجه التخصيص بذكر هذه الأمور
كما قيل مثل ذلك في أحاديث: (أفضل الأعمال) و(أفضل الإسلام)، ذكر لكل أحد
من خصائل مخصوصة من الإيمان ما لم يذكر لغيره، فتدبر.
٤٩٩١ - [٤٥] (ابن عباس) قوله: (بالذي يشبع وجاره جائع) يكون هذا مقيداً

٢٦٦
(١٥) باب الشفقة والرحمة على الخلق
رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ١٤٤٠، ٣١١٧].
٤٩٩٢ - [٤٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ
فُلاَنَةَ تُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلاَتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا
بِلِسَانِهَا، قَالَ: ((هِيَ فِي النَّارِ))، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَإِنَّ فُلاَنَةَ تُذْكَرُ قِلَّةَ
صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلاَتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالأَنْوَارِ مِنَ الأَقِطِ، وَلاَ تُؤْذِيْ
بِلِسَانِهَا جِيرَانَهَا، قَالَ: ((هِيَ فِي الْجَنَّةِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي («شُعَبِ
الإِيمَانِ)). [حم: ٢ / ٢٤٠، شعب: ٩٠٩٩].
٤٩٩٣ - [٤٧] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ لَّهِ وَقَفَ عَلَى نَسٍ جُلُوسٍ
فَقَالَ: ((أَلَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ؟)»،
بما يفضل عن نفسه وعن من يجب عليه نفقته، وإن آثر على نفسه ورضي أهل حقوقه
فذاك شيء آخر.
٤٩٩٢ - [٤٦] (أبو هريرة) قوله: (إن فلانة تذكر) على بناء المفعول، وفيه ضمير
لفلانة، و(من) أجلية، أي: هي مذكورة ومشهورة بين الناس من أجل (كثرة صلاتها
وصيامها)، كذا قال الطيبي(١)، ويجوز أن يكون التقدير: إن فلانة تذكر من صيامها
وصلاتها أشياء كثيرة، فتكون (من) بيانية .
وقوله: (تذكر قلة صيامها) بنزع الخافض، و(الأثوار) جمع ثور، بمعنى القطعة
من الأقط .
٤٩٩٣ - [٤٧] (أبو هريرة) قوله: (من شركم) ضمن الإخبار معنى التمييز
(١) ((شرح الطيبي)) (٩ / ١٩٠).

٢٦٧
(٢٥) كتاب الآداب
قَالَ: فَسَكَنُوا، فَقَالَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ!
أَخْبِرْنَا بِخَيْرِنَا مِنْ شَرِّنَا، فَقَالَ: ((خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ،
وَشَرُّكُمْ مَنْ لاَ يُرْجَى خَيْرُهُ وَلاَ يُؤْمَنُ شَرُّهُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي
((شَعَبِ الإِيمَانِ))، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢٦٦٣،
شعب: ١٠٧٥٥].
٤٩٩٤ - [٤٨] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَ لِهِ: ((إِنَّ اللهَ
تَعَالَى قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلاَقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى يُعْطِي
الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لاَ يُحِبُّ، وَلاَ يُعْطِي الدِّينَ إِلَّ مَنْ أَحَبَّ، فَمَنْ
أَعْطَاهُ اللهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُسْلِمُ عَبْدٌ حَتَّى يُسْلِمَ قَلْبُهُ
وَلِسَانُهُ، ..
فعداه بـ (من).
وقوله: (خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره ... إلخ)، وأما من لا يرجى خيره
ويؤمن شره، أو لا يؤمن شره ويرجى خيره فليس هو خيراً مطلقاً ولا شرًّا مطلقاً، بل
خير من وجه وشر من وجه بين بين، ولم يذكر هذين القسمين للعلم بهما بالمقايسة.
٤٩٩٤ - [٤٨] (ابن مسعود) قوله: (حتى يسلم قلبه ولسانه) كأنه إشارة إلى
التصديق والإقرار، وإنما نفى الإيمان عمن لا يأمن جاره مبالغة، كأنه داخل في حقيقة
الإيمان الذي هو التصديق، ويمكن أن يقال: إن معنى الإيمان في الأصل جعل المخبر
آمناً، فيناسبه جعل الجار آمناً، وقال بعض الشارحين: الإسلام على ما دلت عليه
الأحاديث هو شهادة أن لا إله إلا الله ... إلخ، وهو فعل اللسان، لكنه مشروط بمواطأة

٢٦٨
(١٥) باب الشفقة والرحمة على الخلق
وَلاَ يُؤْمِنُ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» .
٤٩٩٥ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((الْمُؤْمِنُ مَأْلَفٌ،
وَلاَ خَيْرَ فِيمَنْ لاَ يَأْلَفُ وَلاَ يُؤْلَفُ)). رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي («شُعَبٍ
الإِيمَانِ)). [حم: ١ / ٣٨٧، ٢ / ٤٠٠، شعب: ٥١٣٦، ٧٧٦٦].
٤٩٩٦ - [٥٠] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنْ قَضَى لِأَحَدٍ
مِنْ أُمَّتِي حَاجَةً يُرِيدُ أَنْ يَسُرَّهُ بِهَا فَقَدْ سَرَّبِي، وَمَنْ سَرَّنِي فَقَدْ سَرَّ اللهَ، ...
القلب لئلا يكون نفاقاً، فأشار بهذا الحديث إلى ذلك، وقال الطيبي(١): إسلام القلب
تطهيره عن العقائد الباطلة والأخلاق الرديئة، وإسلام اللسان كفه عما يحرم وعما
لا يعني، و(البوائق) الدواهي، في (القاموس)(٢): بَأَقَتْهُم الدَّاهيةُ بَؤُوقاً كصبور:
أصابتهم، وفي (الصراح) (٣): بائقة: سختي، والجمع بوائق، وفي الحديث: (حتی یأمن
جاره بوائقه) أي: ظلمه وغشه وغوائله وشره.
٤٩٩٥ - [٤٩] (أبو هريرة) قوله: (مألف) مصدر ميمي، أو اسم مكان، أي :
المؤمن محل الألفة والمحبة آلفاً أو مألوفاً، ومحباً أو محبوباً، وقد منّ الله تعالى على
المؤمنين وعلى حبيبه ويميل بتأليف قلوبهم في القرآن المجيد، ومدار الاجتماع على الدين
والاتباع هو الألفة.
٤٩٩٦ - [٥٠] (أنس) قوله: (لأحد من أمتي) المراد أمة الإجابة.
وقوله: (فقد سرّ الله) أي: أرضاه.
(١) ((شرح الطيبي)) (٩/ ١٩١).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٩٨).
(٣) ((الصراح)) (ص: ٣٦٩).

٢٦٩
(٢٥) كتاب الآداب
وَمَنْ سِرَّ اللهَ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ».
٤٩٩٧ - [٥١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَِّ: ((مَنْ أَغَاثَ مَلْهُوفاً
كَتَبَ اللهُ لَهُ ثَلاَثاً وَسَبْعِينَ مَغْفِرَةً، وَاحِدَةٌ فِيهَا صَلاَحُ أَمْرِهِ كُلِّهِ، وَثِنْتَانِ
وَسَبْعُونَ لَهُ دَرَجَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
٤٩٩٨، ٤٩٩٩ - [٥٢، ٥٣] وَعنْهُ وَعَنْ عَبْدِ اللهِ قَالاَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
((الْخَلْقُ عِيَالُ اللهِ، فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللهِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَى عِيَالِهِ». رَوَى الْبَيْهَقِيُّ
الأَحَادِيثَ الثَّلاثَةَ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٧٢٤٧، ٧٢٦٤، ٧٠٤٦].
٥٠٠٠ - [٥٤] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((أَوَّلُ
خَصْمَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَارَانٍ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤ / ١٥١].
٤٩٩٧ - [٥١] (أنس) قوله: (من أغاث ملهوفاً) في (القاموس) (١): لهف كفرح:
حزن، ويا لَهْفَهُ: كلمة يتحسر بها على فائت، والملهوف واللهيف واللهفان واللاهف:
المظلوم المضطر يستغيث ويتحسر.
٤٩٩٨، ٤٩٩٩ - [٥٢، ٥٣] (وعنه) قوله: (الخلق عيال الله) عيال الرجل:
زوجته وأولاده وكل من يجب عليه نفقته ومؤنته، فاستعمال العيال هنا مجاز أو استعارة.
٥٠٠٠ - [٥٤] (عقبة بن عامر) قوله: (أول خصمين يوم القيامة جاران) استشكل
بحديث: (أول ما يحاسب به العبد صلاته)، وبحديث: (أول ما يقضى بين الناس
الدم)، وأجيب بأن الحديث الأول بالنسبة إلى حقوق الله، والثاني بالنسبة إلى المظالم،
وما نحن فيه في معاملة الخلق، فلا منافاة، كذا ذكر السيوطي في (الزجاجة على
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٨٨).

٢٧٠
(١٦) باب الحب في الله ومن الله
٥٠٠١ _ [٥٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى النَّبِيِّ وَِّ قَسْوَةَ
قَلْبِهِ، فَقَالَ: ((امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ وَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم:
٢ / ٢٦٣].
٥٠٠ - [٥٦] وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ قَالَ: ((أَلَا أَدُلُّكُمْ
عَلَى أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ؟ ابْتُكَ مَرْدُودَةً إِلَيْكَ لَيْسَ لَهَا كَاسِبٌ غَيْرُكَ)). رَوَاهُ ابْنُ
مَاجَهْ. [جه: ٣٧١١].
١٦ - باب الحب في الله ومن الله
ابن ماجه)(١) .
٥٠٠١ _ [٥٥] (أبو هريرة) قوله: (امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين) أي:
تعطف عليه وأحسن إلى المساكين؛ فإن ذلك اقتحام العقبة المذكورة في قوله تعالى:
﴿فَلَا أَقْنَحَمَ اُلْعَقَبَةَ﴾ الآية [البلد: ١١]، فإذا فعله لان قلبه وسمحت نفسه، والعلاج
بالضد .
٥٠٠٢ - [٥٦] (سراقة بن مالك) قوله: (ابنتك) أي: صدقة ابنتك التي طلقها
زوجها فرجعت إلى بيت الأب، وليس لها أولاد يكتسبون وينفقون عليها .
١٦ - باب الحب في الله ومن الله
قال الطيبي(٢): معنى (الحب في الله): الحب في ذات الله وجهته لا يشوبه الرياء
(١) انظر: ((شرح ابن ماجه)) للسيوطي (١ / ١٨٨).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٩ / ١٩٤).

٢٧١
(٢٥) كتاب الآداب
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٠٠٣ _ [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَِّ: ((الأَرْوَاحُ جُنُودٌ
مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَتَكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
[خ: ٣٣٣٦].
والهوى، (ومن الله) أي: من جهة الله، أي: إذا أحبّ عبداً أحبه لأجل الله وبسببه،
و(من) ههنا كما في قوله تعالى: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣]، و(في)
كما في قوله تعالى: ﴿جَهَدُواْ فِينَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وهذا أبلغ حيث جعل المحبة
مظروفاً، انتهى.
ولا يخفى أن هذين المعنيين قريبان بل متحدان في المآل، ولا يخلو عن تكرار
سوى ما تفيده كلمة (في) من الأبلغية، وقد كتب في الحواشي أن الظاهر أن الأول إشارة
إلى محبة العبد لوجه الله، والثاني إلى محبة الله العبد، وهذا المعنى أظهر من لفظة
(من)، ولكن الأحاديث المذكورة في الباب ليست واردة في هذا المعنى سوى الحديث
الثاني من (الفصل الأول)، ثم إنه كتب في نسخة بعد قوله: (الحب في الله): (والبغض
في الله)، وليس في النسخ الأخر، والأحاديث المذكورة كثيرة فيه، وكأنه لم يذكر
لفهمه عن الحب في الله بالمقابلة، والله أعلم.
الفصل الأول
٥٠٠٣، ٥٠٠٤ - [١، ٢] (عائشة) قوله: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف
منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) الجنود جمع جند، وهي العسكر، والمراد

٢٧٢
(١٦) باب الحب في الله ومن الله
٥٠٠٤ - [٢] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [م: ٢٦٣٨].
٥٠٠٥ _ [٣] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِنَّ اللهَ إِذَا
أَحَبَّ عَبْداً دَعَا حِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلاَناً فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ
يُنَدِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلاَناً فَأَحِبُوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ
يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْداً دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُنْغِضُ
فُلاَنَاً فَأَبْغِضْهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، .
بـ (مجندة) مجتمعة على نحو قناطير مقنطرة، وفيه دليل على أن الأرواح ليست بأعراض،
وعلى أنها كانت موجودة قبل الأجساد، ولا يلزم من ذلك قدمها، لكن يبطل القول
بخلقها بعد تمام البدن وتسويته، إلا أن يراد بخلقها قبل البدن كذلك تقديرها كذلك،
وهو مخالف لظاهر الحديث جدًّا، بل قد جاء في الحديث: (خلقت الأرواح قبل الأجساد
بألفي عام)، وعلى أنها خلقت في أول خلقتها على قسمين من ائتلاف واختلاف،
باعتبار موافقته في الصفات ومخالفته فيها، وأن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في
الدنيا فتأتلف وتختلف على حسب ما خلقت عليه، فالخير يحب الأخيار، والشر يحب
الأشرار، وإن عرض عارض يقتضي خلاف ذلك فالمآل إليه، فما تعارف منها قبل
التعلق بالأجساد ائتلف بعده، كمن فقد أليفه ثم اتصل به، وما تناكر قبله اختلف بعده،
وهذا التعارف والتناكر إلهامات من الله من غير إشعار منهم بالسابقة .
٥٠٠٥ _ [٣] (أبو هريرة) قوله: (إن الله إذا أحب عبداً دعا جبريل ... إلخ)،
وقد فسر بهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّْلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُذَّ﴾
[مريم: ٩٦].

٢٧٣
(٢٥) كتاب الآداب
ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فَلَآَنَاً فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ،
ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٣٧].
٥٠٠٦ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ اللهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:
أَيْنَ الْمُتَحَابُونَ بِجَلاَلِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلِّي)). رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٦٦].
وقوله: (ثم ينادي في السماء: إن الله يبغض) الرواية بكسر (إن) على إضمار،
أي فيقول: إن الله، هذا عند البصريين، أو على أن في النداء معنى القول، وهذا عند
الكوفيين، كذا في بعض الحواشي(١).
٥٠٠٦ - [٤] (عنه) قوله: (المتحابون بجلالي) متعلق بالتحاب، أي: المتحابون
بسببه وملاحظته، ولا حاجة إلى جعل الباء بمعنى (في)؛ لذكرها في الأحاديث
الأخر؛ لأن كلا المعنيين صحيح، بل عسى أن يقال: إن (في) بمعنى الباء في تلك
الأحاديث، لأن المراد معنى السببية، والمتعارف فيه هو الباء، اللهم إلا لإفادة الأبلغية
المذكورة آنفاً، لكن تلك بعد ذكر (في)، وأما إذا لم تذكر فالأصل هو الباء.
وقوله: (اليوم أظلهم) إن كان متعلقاً (بأظلهم) فـ (يوم) الثاني بدل عنه، وإن كان
ظرفاً للفعل المقدر: في (أين) كان (أظلهم) مستأنفاً، فهو متعلق بـ (أظلهم)، ويجوز
أيضاً أن يكون بدلاً من (اليوم)، فافهم.
وقوله: (في ظلي) اختلفوا في بيان المراد بـ (ظلي)، فقال بعضهم: المراد به
ظل العرش، والإضافة إليه تعالى للتشريف كما جاء في حديث: (سبعة في ظل العرش)،
وقيل: ظل طوبى أو الجنة، ويرده أن هذه القصة حين تدنو الشمس قبل الدخول في
(١) قال القاري (٨/ ٣١٣٣): ويحتمل أن يكون بالفتح كما في بعض النسخ على إضمار الباء.

٢٧٤
(١٦) باب الحب في الله ومن الله
٥٠٠٧ _ [٥] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ: أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخاَ لَهُ فِي قَرْيَةٍ
أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكاً، قَالَ: أَيْنَ تُرِبِدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخاً
لِي فِي هَذِهِ الْقَرْبَةِ، قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرْيُّهَا؟ قَالَ: لاَ، غَيْرَ أَنِّي
أَحْبَتُهُ فِي اللهِ، قَالَ: فَإِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَيْنَهُ فِهِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٦٧].
الجنة، وقيل: هو عبارة عن كونه في كنفه وستره، وقيل: الظل عبارة عن الراحة والنعيم،
والله أعلم.
٥٠٠٧ _ [٥] (عنه) قوله: (فأرصد الله له على مدرجته) رصده رصداً: رقبه،
والإرصاد: الانتظار، وجعله رصداً، أي: حافظاً، ورصدت له: إذا قعدت له على
طريقه ترقبه، وقوله تعالى: ﴿مِنْ صَادَانَ لِّغِينَ﴾ [النبأ: ٢١ -٢٢] أي: طريقاً عليه ممر
الخلق، فالكافر يدخلها، والمؤمن يمر عليها، و﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادٍ﴾ [الفجر: ١٤] أي:
بطريق ممرك عليه، و(المدرجة) بفتح الميم: الطريق، وفي (الصراح)(١): مدرجة:
جائ رفتن وكذشتن، والمعنى أرسل الله ملكاً ينتظره في طريق كان يمر عليه.
وقوله: (قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟) ذكر الطيبي(٢) له معنيين: أحدهما:
هل أوجبت لك عليه حقًّا تذهب إليه لتربها؟ أي: تملكها وتستوفيها، فالتربية على
هذا المعنى المالكية، وثانيهما: أي هل لك عليه نعمة تربها وتحفظها، وتسعى في
تنميتها وإصلاحها؟، انتهى. وهذا المعنى للرب أشهر، ولكن المعنى الأول أوفق
بالمقام؛ لأن الغالب أن الإنسان یذهب لاستيفاء حقه منه.
(١) ((الصراح)) (ص: ٨٣).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٩ / ١٩٧).

٢٧٥
(٢٥) كتاب الآداب
٥٠٠٨ - [٦] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ! كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْماً وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ: ((الْمَرْءُ
مَعَ مَنْ أَحَبَّ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٦٩، م: ٢٦٤٠].
٥٠٠٩ - [٧] وَعَنْ أَنَسِ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَتَى السَّاعَةُ؟
قَالَ: ((وَيْلَكَ! وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟)) قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا إِلاَّ أَنِّي أُحِبُّ اللهَ
وَرَسُولَهُ، قَالَ: ((أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَيْتَ))، قَالَ أَرٌ: فَمَا رَأَيْتُ الْمُسْلِمِينَ فَرِحُوا
بِشَيْءٍ بَعْدَ الإِسْلاَمِ فَرَحَهُمْ بِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٦٧، م: ٢٦٣٩].
٥٠١٠ - [٨] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَثَلُ الْجَلِيسِ
الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَفِخِ الْكِيرِ،.
٥٠٠٨ - [٦] (ابن مسعود) قوله: (ولم يلحق بهم) أي: بالصحبة أو بالعمل،
أي: لم يصاحبهم، أو لم يعمل بمثل ما عملوا، وقيل: أي لم يرهم.
وقوله: (المرء مع من أحب) أي: وإن لم يلحق بهم.
٥٠٠٩ - [٧] (أنس) قوله: (وما أعددت لها؟) أنكر عليه سؤاله لتركه السؤال
عما يهمّ من فعل الحسنات، فلما قال: أحب الله ورسوله حسنه وبشره بأتم بشارة،
وصارت بشارة لجميع المسلمين منه ولو، وجزاه عنا خير الجزاء، والمراد بالمعية
المشاركة في الثواب والدرجة، والدخول في زمرته ومتابعيه.
وقوله: (فرحهم بها) أي: بهذه الكلمة، أي: (أنت مع من أحببت).
٥٠١٠ - [٨] (أبو موسى) قوله: (ونافخ الكير) في (القاموس) (١): الكير: زق
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٤٠).

٢٧٦
(١٦) باب الحب في الله ومن الله
فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحاً
طَيِّبَةً، وَنَفِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثيابَكَ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ ربحاً خَبِيِثَةً)).
مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٣٤، م: ٢٦٢٨].
ينفخ فيه الحداد، والجمع أكيار، وكيرة كغيبة، وكيران، وأما المبني من الطين فكور،
وفي (الصراح)(١): كور كوره: آهنگري، أكوار كيران جمع، وكير بالكسر وبالإمالة:
دمئه آهنگري، وفي (النهاية)(٢): كير الحداد هو المبني من الطين، وقيل: زق ينفخ
به النار، والمبني الکور.
وقوله: (وإما أن يحذيك) أي: يعطيك، في (الصحاح)(٣): أحذيته: أعطيته،
واستحذيته فأحذاني، وأحذيته من الغنيمة: أعطيته منها، [والاسم] الحُذْيَا على فعلى
بالضم، وهي القسمة من الغنيمة، وفي (مجمع البحار)(٤): أحذيته إحذاء، والحذيا
والحذية: العطية .
وقوله: (وإما أن تبتاع منه) أي: تشتري، والضمير في (منه) إما أن يكون راجعاً
إلى الحامل ويكون مفعول (تبتاع) محذوفاً، أي: مسكاً، أو يكون راجعاً إلى المسك،
أي: تبتاع من الحامل شيئاً منه، والضمير في (تجد منه) أيضاً يحتمل الاحتمالين، وفي
الفقرة الثانية في قوله: (تجد منه ريحاً خبيثة) إما للنافخ أو للكير، والأمر في اختيار
بعض الوجوه علی بعض إليك، فتدبر .
(١) ((الصراح)) (ص: ٢١٢).
(٢) ((النهاية)) (٤ / ٢١٧).
(٣) ((الصحاح في اللغة)) (١ / ١٢١).
(٤) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٤٦٤).

٢٧٧
(٢٥) كتاب الآداب
* الْفَصْلُ الثَّانِي :
٥٠١١ - [٩] وَعَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ لِ يَقُولُ:
(قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَجَبَتْ مَحَيََّي لِلْمُتَحَابِينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ
فِيَّ، وَالْمُتَاذِينَ فِيَّ)). رَوَاهُ مَالِكٌ. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيٌّ قَالَ: ((يَقُولُ اللهُ
تَعَالَى: الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَاَلِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَِّتُّونَ وَالشُّهَدَاءُ».
الفصل الثاني
٥٠١١ _ [٩] (معاذ بن جبل) قوله: (يغبطهم الأنبياء والشهداء) قالوا في توجيهه:
إنه قد يوجد في المفضول صفة لا توجد في الفاضل، مع اتصاف الفاضل بصفات
وكمالات يمحو في جنبه أضعاف أضعاف أضعاف ما في المفضول، فيتمنى الفاضل
ما في المفضول أيضاً، ليضمه إلى ما له، وذلك لشدة حرصه على الاتصاف بالكمالات
وغاية شوقه إلى قرب الله رافع الدرجات، وإن المراد بالغبطة الاستحسان والثناء عليهم
لا معناها الحقيقي، وهو تمني مثل ما للغير، وإن الكلام على الفرض والتقدير، أي:
لو كان للفريقين غبطة على أحد لكان على هؤلاء، وإن هذا في المحشر قبل أن يدخلوا
الجنة ويفوزوا بنعيمها وينالوا بدرجات القرب، وقد وقع في صفة هؤلاء أنهم لا يخافون
ولا يحزنون، ويكونون في أمن وفراغ، وأما غيرهم فالنبييون مهتمون بأممهم، والأمم
مشتغلون بأنفسهم. هذا ملخص ما ذكروه، ولا يخفى أن لا محذور في غبطة الشهداء
إياهم، وعدم نيلهم درجاتهم، فلعل قتلى محبة الله يفضلون على قتلى السيف في
سبيل الله، والله أعلم.
ثم اعلم أن المذكورين ممن أنعم الله في الآية الكريمة: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ
فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّئِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَِّحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] أربعة

٢٧٨
(١٦) باب الحب في الله ومن الله
٥٠١٢ - [١٠] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ
لِأُنَاساً مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يومَ القيامةِ
بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللهِ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟ قَالَ: ((هُمْ قَوْمٌ
تَحَابُوا بِرُوحِ اللهِ عَلَى غَيْرٍ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلاَ أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَاللهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ
لَنُورٌ، وَإِنَّهُمْ لَعَلَى نُورٍ، لَ يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ، وَلاَ يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ
النَّاسُ))، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفُ عَلَيَّهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[يونس: ٦٢]. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٥٢٧].
٥٠١٣ - [١١] وَرَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ) عَنْ أَبِي مَالِكٍ بِلَفْظِ ((الْمَصَابِيحِ)
مَعَ زَوَائِدَ، وَكَذَا فِي ((شَعَبِ الإِيمَان)). [شرح السنة: ٣٤٦٤، شعب: ٨٥٨٥].
و
أقسام، فلعل عدم ذكر الصديقين لأن الصديقية تلو مرتبة النبوة، فهي في حكمها،
فذكرها كذكرها، وأما الصالحون فلا محذور في تفضيل المتحابين عليهم، فلذلك لم
یذکروا .
٥٠١٢، ٥٠١٣ - [١٠، ١١] (عمر) قوله: (تحابوا بروح الله) بضم الراء: ما يحيا
به البدن، وأريد هنا القرآن؛ لأنه سبب حياة القلب، وقد ذكر في (القاموس)(١) القرآن
من معاني الروح، أو الوحي وهو من معاني الروح، والتحابب بالقرآن أو الوحي تحابب
بجامع دين الإسلام، وهو تحابب في الله، وقيل: المراد بالروح المحبة؛ لأنها سبب
حياة القلب ونضارته، ولذلك يقال للمحبوب: أنت روحي، وقد صحح في بعض
النسخ: (بروح الله) بفتح الراء بمعنى الرحمة، فروح وريحان أي: رحمة ورزق،
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢١٤).

٢٧٩
(٢٥) كتاب الآداب
٥٠١٤ _ [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ لِأَبِىِ ذَرٍّ :
(يَا بَا ذَرًّا أَيُّ عُرَى الإِيمَانِ أَوْثَقُ؟)) قَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((الْمُؤَالَةُ
فِي اللهِ، وَالْحُبُّ فِي اللهِ، وَالْبُغْضُ فِي الله). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي («شُعَبِ الإِيمَانِ)).
[شعب: ٩٠٦٨].
٥٠١٥ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ نَِّ قَالَ: ((إِذَا عَادَ الْمُسْلِمُ
أَخَاهُ أَوْ زَارَهُ قَالَ اللهُ تَعَالَى: طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً)).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٠٠٨].
كذا في (الصحاح)(١).
٥٠١٤ _ [١٢] (ابن عباس) قوله: (أيّ عرى الإيمان) جمع عروة، وهو شيء
يتمسك به ويوثق، وكل ما كان مثل هذا يقال له: عروة، قال الله تعالى: ﴿فَقَدٍ أَسْتَمْسَكَ
بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وأصله من عروة الكلأ، وهو كل ما له أصل ثابت في
الأرض، كذا قال عياض في (مشارق الأنوار)(٢)، ومنه عروة الأحمال والرواحل، ما تربط
به وتشد، وقد يروى في حديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، [وروي]
(لا تشد العرى)، ومنه عروة الكوز والدلو للمقبض، واستعير لما يتمسك به في الدين
من صفات الإيمان وأركانه في حصول النجاة والدرجات.
٥٠١٥ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (طبت) وقرينتاه الظاهر أنها إخبار، ويجوز
الحمل على الدعاء.
(١) ((الصحاح في اللغة)) (١ / ٢٧٥).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (٢/ ١٣٥).

٢٨٠
(١٦) باب الحب في الله ومن الله
٥٠١٦ - [١٤] وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيْكَرِبَ عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ِ قَالَ: ((إِذَا
أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د:
٥١٢٤، ت: ٢٥٠٥].
٥٠١٧ _ [١٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ بِالنَّبِيِّ وَّهِ وَعِنْدَهُ نَاسٌ،
فَقَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ عِنْدَهُ: إِنِّي لأُحِبُّ هَذَا لِلَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: «أَعْلَمْتَهُ؟))
قَالَ: لاَ، قَالَ: ((قُمْ إِلَيْهِ فَأَعْلِمْهُ»، فَقَامَ إِلَيْهِ فَأَعْلَمَهُ، فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي
أَحْبَيْتِي لَهُ، قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ، فَسَأَلَهُ النَِّيُّ ◌َّهِ فَأَخْبَهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ الَِّّ ◌َّ:
((أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَيْتَ، وَلَكَ مَا احْتَسَبْتَ)). رَوَاهُ الْبَّهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)).
وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: ((الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَلَهُ مَا اكْتَسَبَ)). [شعب: ٨٥٩٦،
ت: ٢٣٩٣].
٥٠١٦ - [١٤] (المقدام بن معديكرب) قوله: (فليخبره أنه يحبه) لما فيه من
استمالة القلب وزيادة المحبة ورعاية حقوقها ولوازمها من الجانبين.
٥٠١٧ _ [١٥] (أنس) قوله: (أحبك الذي أحببتني له) يؤخذ منه أنه إذا قال أحد
لغيره: إني أحبك، يستحب أن يقول: أحبك الله، وعلى هذا جرت عادة العرب.
وقوله: (ولك ما احتسبت) الاحتساب: طلب الحسبة، والحسبة اسم منه، وأيضاً
الحسبة: الأجر، كذا في (القاموس)(١)، وأصله من الحساب؛ لأنه يعده للثواب، وقوله :
(وله ما اكتسب) فإن اكتسب في محبته الإخلاص لوجه الله والتجنب عن السمعة
والرياء فله ذلك.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٢).