Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
(٢٥) كتاب الآداب
﴿بَهُ قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ مَدْخَلٌ
٤٦٧٥ _ [٩] وَعَنْ عَلِيِّ
بِاللَّيْلِ وَمَدْخَلٌ بِالنَّهَارِ، فَكُنْتُ إِذَا دَخَلْتُ بِاللَّيْلِ تَتَخْتَحَ لِي، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
[ن: ١٢١٢].
٤٦٧٦ - [١٠] وَعَنْ جَابِرِ أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: ((لاَ تَأْذَنُوا لِمَنْ لَمْ يَبْدَأْ
بِالْسَّلاَمِ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب:
٣ - باب المصافحة والمعانقة
٤٦٧٥ - [٩] (علي ) قوله: (تنحنح لي) قال الطيبي(١): علامة الإذن بالليل
التنحنح، انتهى.
أقول: وقع في رواية أخرى (فكنت إذا دخلت بالليل، فإن تنحنح انصرفت)،
فيكون علامة عدم الإذن، ويمكن حمل عبارة حديث الكتاب على هذا، فتدبر.
٤٦٧٦ - [١٠] (جابر) قوله: (لا تأذنوا لمن لم يبدأ بالسلام) صريح في استحباب
الابتداء بالسلام قبل الاستئذان .
٣ - باب المصافحة والمعانقة
في (القاموس)(٢): المصافحة: الأخذ باليد، كالتصافح، وقول الطيبي(٣):
المصافحة: الإفضاء بصفحة اليد، إشارة إلى ما هو معنى التصفح في الأصل، وهو
(١) (شرح الطيبي)) (٩ / ٣٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٢٢).
(٣) انظر: ((شرح الطيبي)) (٩/ ٣٤).

٤٢
(٣) باب المصافحة والمعانقة
العرض، فصفح الوجه والسيف عرضه، ويقال: صفح بالسيف: ضرب بعرضه،
والصفح: السماء، ووجه كل شيء عريض.
والمصافحة سنة بكلتي يديه، ولا بأس بمصافحة عجوز لا تشتهى، وكذا إن
كان شيخاً يأمن على نفسه، وروي: أن أبا بكر ظبه كان في خلافته يخرج إلى بعض
القبائل الذي كان مسترضعاً فيهم، فكان يصافح العجائز، ولما مرض ابن الزبير دظُته
بمكة، استأجر عجوزاً لمرضه، وكانت تغمز رجله، وتفلي رأسه، وينبغي أن يحترز
عن مصافحة الأمرد الحسن الوجه، كذا في (مطالب المؤمنين).
وأما المعانقة فالصحيح أنها جائزة إن لم يكن هناك خوف فتنة، لما سيأتي من
حديث زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب ظ﴾، وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما
الله: يكره أن يقبل الرجل فم الرجل أو يده أو شيئاً منه، أو يعانقه، لورود النهي عنه
كما سيأتي من حديث أنس ، ونقل عن الشيخ أبي منصور الماتريدي رحمه الله
في التوفيق بين الأحاديث: أن المكروه من المعانقة ما كان على وجه الشهوة، وأما
على وجه البر والكرامة فجائزة، وقيل: الخلاف فيما إذا لم يكن عليه غير الإزار، أما
إذا كان عليه قميص أوجبة فلا بأس بالإجماع، وهو الصحيح، وكل من حرم النظر
إليه حرم مسه، بل المس أشد؛ فإنه يحل النظر إلى أجنبية إذا أراد أن يتزوجها، وفي
حال البيع والشراء، ولا يجوز مسها في شيء من ذلك، وقيل: تقبيل يد العالم على
سبيل التبرك جائز، وتقبيل يد غيره لا يرخص فيه، قال الصدر الشهيد: هو المختار،
وما يفعله الجهال من تقبيل يد نفسه بعد المصافحة فليس بشيء، بل مكروه، وقال
الفقيه أبو جعفر: من قبل الأرض بين يدي سلطان أو أمير أو سجد له؛ فإن كان على

٤٣
(٢٥) كتاب الآداب
وجه التحية لا يكفر، ولكن يصير آثماً مرتكباً للكبيرة.
وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه قال: لا بأس بأن يقبل الرجل وجه الرجل
إذا كان عالماً أو زاهداً، يريد بذلك إعزاز الدين، ويكره تقبيل امرأة فم امرأة عند
الوداع أو اللقاء، وإن طلب أحد من عالم أو زاهد أن يرفع قدمیه لیقبله لا يرخص،
ولا يجيب إلى ذلك، ولا بأس بالقبلة للولد الصغير بل مأجور فيها، وقيل: تقبيل
الرجل ولده واجب ذكراً أو أنثى على وجه الشفقة والرحمة، وكان رسول الله ويليه
يقبل رأس فاطمة، ويقول: (إني لأجد ريح الجنة)، وكان إذا قدم من السفر بدأ بها
فعانقها، وقبّل رأسها، كذا في السغناقي.
وأما ما ذكر في بعض الكتب من أن وجدان رائحة الجنة من تقبيل فاطمة من
جهة أن رسول الله ﴿ أكل ليلة المعراج من فاكهة الجنة، ومنها كان علوق فاطمة
فخطأ؛ لأن ولادتها ◌ًَّ قبل النبوة بخمس سنين حين بنت قريش البيت، وقيل: ولدت
سنة إحدى وأربعين من الفيل، ولا يجب أن يكون وجدان رائحة الجنة منها من جهة
ما ذكر، بل يجوز أن يكون لها رائحة مثل رائحة أوراد الجنة وأزهارها، كما كان
يوجد لرسول الله صل أو رائحة طيبة.
ويقال: القبلة على خمسة أوجه: قبلة المودة، وهي قبلة الوالدين للولد على
الخد، وقبلة الرحمة، وهي قبلة الولد لوالديه على الرأس، وقبلة الشهوة وهي قبلة
الزوج للزوجة على الفم، وقبلة التحية وهي قبلة المؤمنين فيما بينهم على اليد، وقبلة
الشفقة وهي قبلة الأخت للأخ على الجبهة؛ وإذا كان تقبيل يد غيره لدنياه وثروته وشوكته
في الدنيا فهو مكروه أشد كراهة، وفي هذا فروع ومسائل كثيرة مذكورة في موضعها.

٤٤
(٣) باب المصافحة والمعانقة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٦٧٧ - [١] عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَكَانَتِ الْمُصَافَحَةُ فِي
أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٢٦٣].
٤٦٧٨ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللهِوَهِ الْحَسَنَ بْنَ
عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَفْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، فَقَالَ الأَفْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَلْتُ
مِنْهُمْ أَحَداً، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِوَِّ ثُمَّ قَالَ: ((مَنْ لاَ يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ)) ...
الفصل الأول
٤٦٧٧ - [١] (قتادة) قوله: (أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله وَل﴿؟) إنما
خص السؤال بكونها في الصحابة؛ لأنهم القدوة في السنة؛ دفعاً لأن يتوهم حدوثه
بعدهم فيكون بدعة، أو دفعاً لأن يتوهم نسخها لوجودها بعده والآه .
٤٦٧٨ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (من لا يرحم) أي: خلق الله، ويدخل فيه
الأولاد وغيرهم، أو المراد على الأولاد بقرينة السياق، وقال الطيبي(١): لعل وضع
الرحمة في الأولى للمشاكلة؛ فإن المعنى من لم يشفق على الأولاد لا يرحمه الله، أو
أتى بالعام لتدخل فيه الشفقة دخولاً أولياً، انتهى.
لعل مراده أن الرحمة إن كانت مخصوصة بما هو صفة الله كان إطلاقها على ما هو
صفة العبد - وهي الشفقة - بطريق المشاكلة، وإن كانت أعم فلا حاجة إلى اعتبار
المشاكلة؛ لأن الرحمة لما كانت عامة شاملة للشفقة أيضاً كان إطلاق الرحمة عليها
حقيقة لا يحتاج إلى القول بالمشاكلة؛ لأنها إنما تناسب على تقدير أن يكون مبايناً لها
كما يظهر من الأمثلة التي ذكروا لها من نحو: جزاء سيئة سيئة مثلها، ونحو: اطبخوا
(١) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٣٥).

٤٥
(٢٥) كتاب الآداب
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: (أَثَمَّ لُكَعُ)) فِي (بَابِ مَنَاقِبٍ أَهْلٍ
بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ) إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَذَكَرَ حَدِيثَ
أمّ هَانِى فِي (بَابِ الأَمَانِ). [خ: ٥٩٩٧، م: ٢٢١٨].
* الْفَصْلُ الثَّانِ:
٤٦٧٩ - [٣] عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِ﴿(١): ((مَا مِنْ
مُسْلِمَيْنٍ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلاَّ غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا)). رَوَاهُ أَحْمَدُ
وَالتّْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: ((إِذَا الْتَّقَى الْمُسْلِمَانِ فَتَصَافَحَا،
وَحَمِدَا اللهَ وَاسْتَغْفَرَاهُ، غَفِرَ لَهُمَا)). [ت: ٢٧٢٧، جه: ٣٧٠٣، د: ٥٢١١].
لي جبة وقميصاً؛ فإنه لو قيل هنا: اصنعوا أو اعملوا لي جبة لا يكون من باب المشاكلة
بلا شبهة، ولا يخفى أن الظاهر هو الثاني، فالوجه أن یکتفی به.
وقوله: (وذكر حديث أم هانئ في باب الأمان) لأنه أنسب وأوفق بذلك الباب،
وإنما ذكره صاحب (المصابيح) هنا لأنه وقع في ذلك الحديث: (مرحباً بأم هانئء)،
والترحيب في معنى المصافحة ومناسب لها، كما ذكر حديث عكرمة بن أبي جهل
في (الفصل الثاني) باعتبار اشتماله على الترحيب، لكن الحديث طويل، وهو بطوله
مسوق لثبوت الأمان، فالمناسب ذكره في بابه، وإنما وقع فيه كلمة واحدة مناسبة
لباب المصافحة، وهو قوله: (مرحباً بأم هانئ)، وصاحب (المصابيح) لم يذكر منه
ههنا إلا هذه الكلمة .
الفصل الثاني
٤٦٧٩ - [٣] (البراء بن عازب) قوله: (وفي رواية) الفرق بين الروايتين أن في
(١) في نسخة: ((رسول الله)).

٤٦
(٣) باب المصافحة والمعانقة
٤٦٨٠ - [٤] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى
أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيْنْحَنِي لَهُ؟ قَالَ: ((لاَ))، قَالَ: أَفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَالَ: ((لَ))،
قَالَ: أَفَيَّأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٧٢٨].
٤٦٨١ - [٥] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ لِ قَالَ: ((تَمَامُ عِيَادَةِ
الْمَرِيضِ أَنْ يَضَعَ أَحَدُكُمْ يَدَهُ
الثانية زيد قيد الحمد والاستغفار، ولم يقيده بقوله: (قبل أن يتفرقا)، والظاهر أنه
عبارة عن سرعة وجود المغفرة، فافهم.
٤٦٨٠ - [٤] (أنس) قوله: (أينحني له؟) في بعض الحواشي: الانحناء: إمالة
الرأس والظهر، وهو المشهور، والظاهر أن المراد هنا انحناء الظهر كما قال محيي
السنة: إن انحناء الظهر مكروه، وإن كان يفعله كثير ممن ينسب إلى علم وصلاح،
ونقل عن الشيخ أبي منصور: أن تقبيل الأرض وانحناء الظهر وإمالة الرأس لا يكون
كفراً بل إثماً ومعصية كبيرة؛ لأن المقصود التعظيم دون العبادة، انتهى.
وبعض المشايخ رحمهم الله تعالى قد شددوا في المنع عن ذلك، وقالوا: كاد
الانحناء أن يكون كفراً، والله أعلم.
وقوله: (قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا) وهذا متمسك ما روي عن أبي حنيفة
ومحمد من كراهة المعانقة والتقبيل، وقيل: المكروه إنما هو ما كان على سبيل التملق
والتعظيم، والجائز ما كان عند التوديع والقدوم، أو لطول عهد الملاقاة، أو شدة
الحب في الله، وعند الأمن من الفتنة، وإن قبّل لا يقبّل الفم بل اليد أو الجبهة، والصحيح
أنه عند القدوم جائز بالاتفاق.
٤٦٨١ - [٥] (أبو أمامة) قوله: (أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على يده)

٤٧
(٢٥) كتاب الآداب
عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ عَلَى يَدِهِ فَيَسْأَلَهُ: كَيْفَ هُوَ؟ وَتَمَامُ تَحِيَّاتِكُمْ بَيْنَكُمُ الْمُصَافَحَةُ».
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. [حم: ٢٦٠/٥، ت: ٢٧٣١].
٤٦٨٢ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ
وَرَسُولُ اللهِنَّهِ فِي بَيْتِي، فَأَتَاهُ فَقَرَعَ البابَ، فقامَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عُرْيَاناً
يَجُرُّ ثَوْبَهُ، وَاللهِ مَا رَأَيْتُهُ عُرْيَاناً قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ، فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
[ت: ٢٧٣٢].
٤٦٨٣ - [٧] وَعَنْ أَُّوبَ بْنِ بُشَيْرٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَنَزَةَ أنَّه قَالَ: قُلْتُ
لِأَبِي ذَرٍّ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يُصَافِحُكُمْ إِذَا لَقِيتُمُوهُ؟ قَالَ: مَا لَقِيتُهُ قَطُ
إِلَّ صَافَحَنِي، وَبَعَثَ إِلَّ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَمْ أَكُنْ فِي أَهْلِي، فَلَمَّا جِئْتُ أُخْبِرْتُ،
فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ فَالْتَزَمَنِي،
هذا إذا كان المرض سارياً في البدن كالحمى ونحوه، وأما إذا كان الألم في موضع
مخصوص فالأولى أن يضع يده فیه.
وقوله: (وتمام تحياتكم بينكم المصافحة) يدل على أن السنة المصافحة مع
السلام لا بدونه.
٤٦٨٢ - [٦] (عائشة) قوله: (في بيتي) بيان للواقع أو مبالغة في المقصود،
فافهم .
وقوله: (ما رأيته عرياناً) أي: في مثل هذه الحال على هذا الوجه، والعري إنما
کان من الرداء، وهو ظاهر.
٤٦٨٣ - [٧] قوله: (وعن أيوب بن بشير) بلفظ التصغير من البشارة.

٤٨
(٣) باب المصافحة والمعانقة
فَكَانَتْ تِلْكَ أَجْوَدَ وَأَجْوَدَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢١٤].
٤٦٨٤ - [٨] وَعَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يَوْمَ
جِئْتُهُ: ((مَرْحَباً بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٧٣٥].
٤٦٨٥ - [٩] وَعَن أَسَيدِ بْنِ حُضَيرٍ - رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ - قَالَ: بَيْنَمَا
هُوَ يُحَدِّثُ.
وقوله: (فكانت تلك) أي: الفعلة - وهي الالتزام - (أجود) الالتزامات، أو أجود
من المصافحة .
وقوله: (وأجود) تكريره للتوكيد والتقرير، وعلم من هذا الحديث جواز المعانقة
في غير حالة القدوم؛ إظهاراً لشدة المحبة والعناية.
٤٦٨٤ - [٨] قوله: (عكرمة بن أبي جهل) كان شديد العداوة لرسول الله وَل
هو وأبوه، وكان فارساً مشهوراً، وهرب يوم الفتح فلحق باليمن، فلحقت به امرأته
أم حكيم بنت حارث بن هشام، بنت عمه، فأتت به النبي وَّ، فلما رآه قال: (مرحباً
بالراكب المهاجر)، وفي رواية: لما رآه قام إليه فاعتنقه، وقال: (مرحباً بالراكب
المهاجر)، فأسلم بعد الفتح سنة ثمان، وحسن إسلامه.
٤٦٨٥ - [٩] قوله: (وعن أسيد بن حضير) بلفظ التصغير فيهما.
وقوله: (رجل من الأنصار) الظاهر من لفظ (المصابيح)، ومما أورده المؤلف
أيضاً أن لفظ (رجل) مجرور بدل من (أسيد)، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو
رجل، وأنه القائل والمحدث والمضحك، ولكن لفظ (جامع الأصول)(١) هكذا:
(١) ((جامع الأصول)) (١١ / ٥٦).

٤٩
(٢٥) كتاب الآداب
الْقَوْمَ - وَكَانَ فِيهِ مُزَاحٌ - بَيْنَ يُضْحِكُهُمْ، فَطَعَنَهُ النَّبِيُّ ◌َِّهِ فِي خَاصِرَتِهِ بِعُودٍ
فَقَالَ: أَصْبِرْنِي، قَالَ: ((اصْطَبِرْ))، قَالَ: إِنَّ عَلَيْكَ قَمِيصاً وَلَيْسَ عَلَيَّ
قَمِيصٌ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ◌َهِ عَنْ قَمِيصِهِ فَاحْتَضَنَهُ وَجَعَلَ يُقَبِّلُ كَشْحَهُ، فَقَالَ:
إِنَّمَا أَرَدْتُ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٢٤].
٤٦٨٦ - [١٠] وَعَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ تَلَقَّى جَعْفَرَ بْنَ أَبِي
طَالِبٍ فَالْتَزَمَهُ وَقبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهِيُّ فِي.
أن أسيد بن حضير قال: إن رجلاً من الأنصار كان فيه مزاح، فبينما هو يحدث القوم
يضحكهم، إذ طعنه النبي ◌َِّ، الحديث، وقد تركه الشيخ التُّورِبِشْتِي على ظاهره،
ووجه الطيبي(١) عبارة (المصابيح)، ووفقه بلفظ (جامع الأصول) بما لا يخلو عن تكلف،
حمله على ذلك أن أسيد بن حضير من عظماء الصحابة ونقباء الأنصار، وصدور
أمثال هذه الأفعال عنه مستبعد جدًّا، والله أعلم.
و(المزاح) بالضم الاسم، وبالكسر مصدر مازحه.
وقوله: (أصبرني) بفتح الهمزة، والإصبار والاصطبار: الاقتصاص، والمراد
مكِّني من القصاص حتى أطعن من خاصرتك كما طعنت خاصرتي.
وقوله: (اصطبر) أي: اقتص من نفسي.
وقوله: (عن قميصه) عدّي بـ (عن) لتضمنه معنى (كشف).
وقوله: (فاحتضنه) أي: اعتنقه، وهذا موضع الاستدلال؛ لتقريره وصله .
٤٦٨٦ - [١٠] (الشعبي) قوله: (وعن الشعبي) بفتح الشين وسكون المهملة من
(١) انظر: ((شرح الطيبي)) (٩/ ٣٧).

٥٠
(٣) باب المصافحة والمعانقة
((شُعَبِ الإِيمَانِ) مُرْسَلاً. وَفِي بَعْضٍ نُسَخِ ((الْمَصَابِيحِ)) وَفِي ((شَرْحِ السُنَّةِ)
عَنِ البَيَاضِي مُتَّصِلاً. [د: ٥٢٢٠، شعب: ١١ / ٢٩٥].
٤٦٨٧ - [١١] وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي قِصَّةِ رُجُوعِهِ مِنْ أَرْضِ
الْحَبَشَةِ قَالَ: فَخَرَجْنَا حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ، فَتَلَقَّانِي رَسُولُ اللهِنَِّ فَاعْتَنَقَنِي،
ثُمَّ قَالَ: ((مَا أَدْرِي: أَنَا ◌ِفَتْحِ خَيْبَرَ أَفْرَحُ أَمْ بِقُدُومٍ جَعْفَرٍ؟)). وَوَافَقَ ذَلِكَ
فَتْحَ خَيْبَرَ. رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُنَّةِ)). [شرح السنة: ١٢ / ٢٩١].
٤٦٨٨ - [١٢] وَعَنْ زَارِعٍ - وَكَانَ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ - قَالَ: لَمَّا قَدِمْنَا
الْمَدِينَةَ فَجَعَلْنَا نَتْبَادَرُ مِنْ رَوَاحِلِنَا،
التابعين، و(البياضي) صحابي، وفي (جامع الأصول)(١): البياضي بفتح الباء وتخفيف
الياء تحتها نقطتان والضاد المعجمة منسوب إلى بياضة بن عامر، خزرجي.
٤٦٨٧ - [١١] (جعفر بن أبي طالب) قوله: (فاعتنقني) ذكر السمهودي في
كتاب (وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى): أنه قدم سفيان بن عيينة على مالك فصافحه
مالك، وقال: عانقتك أيضاً لو لم تكن بدعة، فقال سفيان: قد عانق من هو أفضل
منك ومني، عانق رسول الله وَّر جعفر بن أبي طالب وقبله عند قدومه من الحبشة، فقال
مالك: ذاك مخصوص بجعفر، فقال سفيان: لا بل هو عام، وحكمنا وحكم جعفر
واحد إن كنا من الصالحين، أتأذن لي أن أحدثك بذلك؟ قال مالك: نعم قد أذنت لك،
فروی سفيان هذا الحدیث بسند كان له، وسكت مالك.
٤٦٨٨ - [١٢] (زارع) قوله: (فجعلنا نتبادر من رواحلنا) وروي أنه لما قدم
(١) ((جامع الأصول)) (١٢ / ٢٣٤).

٥١
(٢٥) كتاب الآداب
فَتُقَبِّلُ يَدَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَرِجْلَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٢٥].
٤٦٨٩ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ أَشْبَهَ سَمْتاً
وَهَدْياً وَدَلاً
وفد عبد القيس تبادروا من رواحلهم وسقطوا منها على الأرض وفعلوا ما فعلوا، وقررهم
على ذلك النبي ◌َّ، وأما الذي كان رأسهم ومقدمهم اسمه الأشج، نزل أولاً في
منزل له، واغتسل ولبس الثياب البيض، ثم دخل المسجد فصلى فيه ركعتين ودعا،
فقصد إلى النبي ◌َّ خاضعاً خاشعاً بتأن ووقار، فلما رأى مسلسل هذا الأدب أثنى عليه،
وقال: (إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة)، انتهى.
و(الأناة) على وزن (نواة): الوقار، وهذا الذي ذكر من الأشج هو أدب زيارته وَل﴾
الآن.
وفي الحديث دليل على جواز تقبيل الأرجل، وجاء في غير هذا الحديث أيضاً.
٤٦٨٩ - [١٣] (عائشة) قوله: (سمتاً وهدياً ودلاً) قال في (القاموس)(١):
السمت: الطريق، وهيئة أهل الخير، والسير على الطريق بالظن، وحسن النَّحو،
وقصد الشيء، سمت يسمِت ويسمُت، وسمَت لهم يسمِت: هيأ لهم وجهَ الكلام،
والهَدْي والهَدْية ويكسر: الطريقة والسيرة، والهادي المتقدم، والدَّل كالهدي، وهما
من السكينة والوقار وحسن المنظر، وفي (الصراح)(٢): سمت: راه وروش نيكو وبحدس
و گمان وبراستي رفتن، ومیانه راه رفتن، من نصر ینصر، هدي وهدیه بالکسر روش
وكار وجهت، ويقال: ما أحسن سمته، أي: هديه، وسمته، أي: قصده، وما أحسن
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٥٥).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٦٤).

٥٢
(٣) باب المصافحة والمعانقة
- وَفِي رِوَايَةٍ: حَدِيثاً وَكَلاَمَاً - بِرَسُولِ اللهِ وَهِ مِنْ فَاطِمَةَ، كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ
عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا، فَقَبَلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ
عَلَيْهَا قَامَتْ إِلَيْهِ فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقَبَلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِها. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
[د: ٥٢١٧].
٤٦٩٠ - [١٤] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ أَوَّلَ مَا قَدِمَ
الْمَدِينَةَ، فَإِذَا عَائِشَةُ ابْتُهُ مُضْطَجِعَةٌ قَدْ أَصَابَتْهَا حُمَّى، فَأَنَاهَا أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ:
كَيْفَ أَنْتِ يَا بُنِيَّةُ؟ وَقَبَّلَ خَدَّهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٢٢].
هدیه وما أحسن هديته بالفتح والکسر، أي: سيرته، وهَدَی هيَ فلانٍ، أي: سار
سيرته، وقال أبو عبيد: الدل قريب المعنى من الهدي، وهما من السكينة والوقار في
الهيئة والمنظر والشمائل وغير ذلك، وفي الحديث: كان أصحاب عبدالله يرحلون إلى
عمر فينظرون إلى سمته وهديه ودلّه فيتشبهون به، هذه عبارة (القاموس)(١) و(الصراح)،
ويظهر منها أن الثلاثة قريب في المعنى.
وقال التُّورِبِشْتِي(٢): وكأنها أشارت بالسمت إلى ما يرى على الإنسان من
الخشوع والتواضع لله، وبالهدي إلى ما يتحلى من السكينة والوقار، وإلى ما يسلكه من
المنهج المرضي، وبالدلّ: دماثة الخلق وحسن الحديث.
وقوله: (وفي رواية: حديثاً وكلاماً) هما بمعنّى، إلا أن يراد بأحدهما نص
الكلام وبالآخر التكلم وطريقته .
٤٦٩٠ - [١٤] (البراء) قوله: (دخلت مع أبي بكر) أي: بيته، وفي الحديث
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٢٠، و١٢٣٤).
(٢) ((كتاب الميسر)) (٣/ ١٠٣٠).

٥٣
(٢٥) كتاب الآداب
٤٦٩١ - [١٥] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِّ ◌َه ◌ُنِّيَ بِصَبِيٍّ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ:
((أَمَا إِنَّهُمْ مَبْخَلَةٌ مَجْبَةٌ، وَإِنَّهُمْ لَمِنْ رَيْحَانِ اللهِ)). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُنَّةِ)).
[١٣/ ٣٥].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٤٦٩٢ - [١٦] عَنْ يَعْلَى قَالَ: إِنَّ حَسَناً وَحُسَيْناً اسْتَبَقَا إِلَى رَسُولِ اللهِ الَّله
فَضَمَّهُمَا إِلَيْهِ وَقَالَ: ((إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١٧٢/٤].
٤٦٩٣ - [١٧] وَعَنْ عَطَاءِ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: ((تَصَافَحُوا
يَذْهِبِ الْغِلّ،
دليل على تقبيل الرجل خدَّ ولده ولو كانت بنتاً.
٤٦٩١ - [١٥] (عائشة) قوله: (لمن ريحان الله) الريحان: الرزق والنعمة،
مشتق من الروح بمعنى الانتعاش، والرزق سببه، والنبت الطيبة الرائحة المشهورة، أو
كل نبت كذلك، وكلا المعنيين محتمل في الحديث.
الفصل الثالث
٤٦٩٢ - [١٦] (يعلى) قوله: (إن الولد مبخلة مجبنة) قالوا: المراد هنا إظهار
غاية المحبة والشفقة والمدح، وفيما سبق الكراهة والذم، واللفظ يحتملهما، فيحمل
في كل مقام على ما يليق به، واللائق بالثاني إظهار المحبة والمدح لذكر الحسن
والحسين .
٤٦٩٣ - [١٧] (عطاء) قوله: (يذهب) بالجزم والرفع بلفظ المعلوم من الذهاب
أو الإذهاب، وكذلك (تذهب) الثاني، و(الغل) على الأول منصوب وعلى الثاني

٥٤
(٣) باب المصافحة والمعانقة
وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ)). رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلاً. [م: ٢: ٩٠٨].
٤٦٩٤ - [١٨] وَعَنِ الَْرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ
صَلَّى أَرْبَعاً قَبْلَ الْهَاجِرَةِ فَكَأَنَّمَا صَلَّهُنَّ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْمُسْلِمَانِ إِذَا
تَصَافَحَا لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمَا ذَنْبٌ إِلَّ سَقَطَ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)).
[شعب: ٨٩٥٥].
مرفوع(١)، وهو بالكسر الحقد والضغن، وذلك لما في المصافحة من ظهور التوادد
والتحاب.
وقوله: (وتهادوا) بفتح الدال مخففة، و(تحابوا) بضم الباء مشددة، و(الشحناء)
على وزن حمراء: العداوة التي تملأ القلب.
٤٦٩٤ - [١٨] (البراء بن عازب) قوله: (قبل الهاجرة) الهاجرة: وقت اشتداد
الحر نصف النهار، والظاهر أن المراد بها صلاة الظهر، فهو ترغيب على محافظة راتبة
الظهر أربعاً أو على صلاة في الزوال، والله أعلم.
وقوله: (لم يبق بينهما ذنب) يعني أنه يغفر بها ذنبهما كما سبق من الأحاديث.
وقال الطيبي(٢): المراد بالذنب الغل والشحناء وضعاً لسبب مقام المسبب،
ولعله إنما حمل على ذلك رعاية للفظ بينهما .
(١) كذا في الأصل، والظاهر: ((على الأول مرفوع وعلى الثاني منصوب)). انظر: ((مرقاة المفاتيح))
(٧ / ٢٩٧١).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٤١).

٥٥
(٢٥) كتاب الآداب
٤- باب القيام
٤ - باب القيام
قد ادعى بعضهم أن القيام للداخل سنة، واحتجوا بما يجيء من قوله مليار :
(قوموا لسيدكم)، ويجيء جوابه أيضاً، وذهب بعضهم إلى أنه مكروه منهي عنه؛ لما
ثبت من حديث أنس من كراهته * قيام الصحابة له، وقال: إنه من عادة الأعاجم،
وقد يحتج أيضاً على جواز القيام بما روي من قيام النبي ◌َّ لعكرمة بن أبي جهل
حين قدم، وبما روي عن عدي بن حاتم: ما دخلت على رسول الله وَّةٍ إلا قام أو تحرك،
وتعقب بأنه لا يصح الاحتجاج لضعف الرواية، ولو ثبت فيحمل على الترخيص حيث
يقتضيه الحال، وقد كان عكرمة من رؤساء قريش، وعدي كان سيد بني طيئء، فرأى
تأليفهما بذلك على الإسلام مع ما عرف من جانبهما تطلعاً عليه بمقتضى حب الرياسة،
کذا قال الطيبي(١).
ومن الحجة على ذلك ما سبق من حديث عائشة : كانت فاطمة إذا دخلت
على النبي ◌َّ قام إليها، وكان إذا دخل عليها قامت إليه، ويقال: إن ذلك قيام محبة
وإقبال لا تعظيم وإجلال كما هو المتعارف المعهود بقرینة تعدیته بـ (إلى) دون اللام
كما في حديث معاذ، ولا يخفى ما فيه.
والصحيح أن احترام أهل الفضل من أهل العلم والصلاح والشرف بالقيام
جائز، وفي (مطالب المؤمنين): لا يكره قيام الجالس لمن دخل عليه تعظيماً،
والقيام ليس بمكروه لعينه، وإنما المكروه محبة القيام من الذي يقام له؛ فإن لم
يحب القيام وقام لا يكره، كذا في (القنية)، وسيجيء في الحديث: (من سره أن يتمثل
(١) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٤٢).

٥٦
(٤) باب القيام
له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار)، قالوا: هذا إذا طلب من أحد، أما لو لم يطلب
ولم يتوقع أن يقوم له أحد ووقف أحد من تلقاء نفسه طلباً للثواب فلم يكن عليه بأس،
ويستحب للرجل أن يكرم أهل الفضل من غير إفراط، ولا يجوز أن يكرم أحداً لأجل
دنياه، فقد ورد فيه وعيد شديد، وما جاء في حديث أنس ه من كراهته ** قيام
الصحابة له؛ فإنما هي من جهة الاتحاد الموجب لرفع التكلف والحشمة لا للنهي عنه.
وقال الشيخ محيي الدين النووي(١): القيام للقادم من أهل الفضل مستحب، وقد
جاءت فيه أحاديث، ولم يصح في النهي عنه شيء صريح، ونقل القاضي عياض :
القيام المنهي عنه هو أن يقوموا عليه طول جلوسه، وعن الغزالي(٢) أنه قال: المنهي
القيام للتعظيم لا على سبيل الإكرام، أو لا بد من بيان الفرق بين التعظيم والإكرام،
فافهم .
وقال الطيبي(٣): إن ذلك يختلف بحسب الأزمان والأحوال والأشخاص،
انتھی .
قد عرفت مما ذكرنا أن القيام المذكور مما تكلم فيه العلماء واختلفوا، ليس
كما يقال: إن ذلك بدعة لم يكن في زمن النبي ونَ﴾، نعم لم يكن ذلك متعارفاً فيه
كما في هذا الزمان، بل كانوا غير متكلفين في أحد الجانبين، بل الظاهر أن الغالب
في ذلك الزمان عدم القيام، وأما أنه بدعة مطلقاً فكلاً، والله أعلم، فتدبر.
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٢ / ٩٣).
(٢) انظر: (إحياء علوم الدين)) (٢/ ٢٠٥).
(٣) ((شرح الطيبي)) (٩ / ٤٣).

٥٧
(٢٥) كتاب الآداب
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٤٦٩٥ - [١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ بَتُو قُرَيْظَةَ عَلَى
حُكْمٍ سَعْدٍ، بَعَثَ رَسُولُ اللهِوَّهِإِلَيْهِ - وَكَانَ قَرِيباً مِنْهُ - فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا
دَنَا مِنَ الْمَسْجِدِ قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ لِلأَنْصَارِ: ((قُومُوا إِلَى سَبِّدِكُمْ). مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. وَمَضَى الْحَدِيثُ بِطُولِهِ فِي ((بَابٍ حُكْمِ الأُسَرَاءِ». [خ: ٤١٢١، م:
١٧٦٨].
٤٦٩٦ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّنَ﴿ قَالَ: ((لاَ يُقِيمُ الرَّجُلُ
الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[خ: ٦٢٦٩، م: ٢١٧٧].
الفصل الأول
٤٦٩٥ - [١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (قوموا إلى سيدكم) قال التُّورِبِشْتِي(١):
ليس هذا من القيام الذي يراد به التعظيم على ما كان يتعاهده الأعاجم في شيء،
فكيف يجوز أن يأمر بما صح أنه نهى عنه، وإنما كان سعد بن معاذ وجعاً لما رمي
في أكحله؛ فالمعنى قوموا إليه لإعانته وإنزاله من المركب، ولو كان للتوقير والتعظيم
يقال: قوموا لسيدكم، انتهى. وأقول: يمكن أن تكون الحكمة في الأمر بالقيام لسعد
[و]مراعاة تبجيله وتوقيره في هذا المقام أنه إنما طلبه ليحكم في القوم، وإعلاء شأنه
أدخل في ذلك؛ ليبعثهم إلى الإطاعة والانقياد لقبول حكمه، والله أعلم.
٤٦٩٦ - [٢] (ابن عمر) قوله: (لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه)
(١) ((كتاب الميسر)) (٣/ ١٠٣١).

٥٨
(٤) باب القيام
٤٦٩٧ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((مَنْ قَامَ مِنْ
مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٧٩].
* الْفَصْلُ الثَّانِي :
٤٦٩٨ - [٤] عَنْ أَنْسٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ
رَسُولِ اللهِ، وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا، لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢٧٥٤].
٤٦٩٩ - [٥] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلْهِ: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ
يَتَمَثَّلَ لَهُ.
في المسجد أو في غيره، وروي عن ابن عمر ◌َ﴾: أنه إذا قام له رجل من مجلسه لم
يجلس فيه، ولعل ذلك كان احتياطاً منه ؛ لكونه مشابهاً لما وقع النهي عنه وإن
لم يكن ذلك بإقامة إياه أو لكراهة قيامه له، ويجيء في حديث سعيد بن الحسن من
قول أبي بكرة النهي عن قيام أحد ليجلس فيه غيره، والله أعلم.
٤٦٩٧ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به)
قالوا: هذا إذا قام على قصد الرجوع للوضوء أو لشغل يسير، فإن قعد غيره فله أن
يقيمه .
الفصل الثاني
٤٦٩٨ - [٤] (أنس) قوله: (لما يعلمون من كراهيته لذلك) قد سبق أن هذه
الكراهية لم تكن للنهي، بل لرفع التكلف وصفاء المحبة، فالقيام يختلف بحسب
الأزمان والأحوال والأشخاص.
٤٦٩٩ - [٥] (معاوية) قوله: (من سره أن يتمثل) أي: ينتصب قائماً، في

٥٩
(٢٥) كتاب الآداب
الرِّجَالُ قِيَاماً فَلْيَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٧٥٥،
د: ٥٢٢٩ ].
٤٧٠٠ - [٦] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهَِه مُتَكِتَاً عَلَى
عَصاً، فَقُمْنَا لَهُ فَقَالَ: ((لاَ تَقُومُوا كَمَا يَقُومُ الأَعَاجِمُ، يُعَظِّمُ بَعْضُهَا بَعْضاً).
رَوَاهُ أَبُّو دَاوُدَ. [د: ٥٢٣٠].
٤٧٠١ - [٧] وَعَنْ سَعِيدٍ بْنِ أبِي الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَنَاَ أَبُو بَكْرَةَ ....
(القاموس)(١): مثل: قام منتصباً، مثولاً، ولطأ بالأرض، ضد، وفي (الصراح) (٢): مثول
بالضم: بخدمت پیش استادن وبر زمين چسپیدن، وهو من الأضداد.
٤٧٠٠ - [٦] (أبو أمامة) قوله: (متكئاً على عصاً) رمح وعنزة وعصاً، فالرمح
أطول من العنزة، والعنزة أطول من العصا، والعنزة نحو ثلاثة أذرع لها سنان الرمح،
وأكثر ما يطلقون العصا على خشبة قصيرة تضرب بها الدابة، وأما العصا التي يتعارف
أخذها الآن؛ فلا يوجد في السنة أنها كانت لرسول الله وَ ل يمشي بها.
نعم قد كان من عادته الكريمة أنه كانت في يديه خشبة معوجة الرأس كما ذكر
في (كتاب الحج)، والعنزة كانت تحمل بين يديه وتنصب بين يديه فيصلي إليها كما
مر في (باب السترة)، والله أعلم.
٤٧٠١ - [٧] (سعيد) قوله: (وعن سعيد بن أبي الحسن) هو أخو الحسن
البصري، و(أبو بكرة) على صيغة كنية الصديق مع تاء في آخره، وهو نفيع بن الحارث
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٧٤).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٤٤٩).

٦٠
(٤) باب القيام
فِي شَهَادَةٍ، فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ، فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ وَقَالَ: إِنَّ
النَّبِيَّ ◌َ نَهَى عَنْ ذَا، وَنَهَى النَّبِيُّ ◌َهِ أَنْ يَمْسَحَ الرَّجُلُ يَدَهُ بِثَوْبٍ مَنْ لَمْ
يَكْسُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٢٧].
٤٧٠٢ - [٨] وَعَنْ أَبِي الْدَّرْدَاءِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ إِذَا جَلَسَ
وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَامَ فَأَرَادَ الرُّجُوعَ، نَزَعَ نَعْلَهُ أَوْ بَعْضَ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ،
فَيَعْرِفُ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ فَيَتْبُتُونَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٥٤].
٤٧٠٣ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللهِو ◌َلِ قَالَ: ((لاَ يَحِلُّ
لِرَجُلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْتَيْنِ إِلَّ بِإِذْنِهِمَا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٧٥٢،
د: ٤٨٤٥].
الثقفي بضم النون وفتح الفاء وسكون الياء.
وقوله: (في شهادة) أي: في أداء شهادة كانت عنده.
وقوله: (أن يمسح الرجل يده بثوب من لم يكسه) يعني إذا تلطخ يد أحد بطعام
أو نحوه فلا يمسح یده بثوب غيره إلا من كساه الثوب من خدامه وعبيده وأولاده.
٤٧٠٢ - [٨] (أبو الدرداء) قوله: (فأراد الرجوع) أي: بعد القيام من المجلس
إلى البيت.
وقوله: (نزع نعله) أي: تركها هناك ومشى إلى البيت حافياً.
وقوله: (بعض ما يكون عليه) أي: من الثوب ونحوه.
٤٧٠٣ - [٩] (عبد الله بن عمرو) قوله: (بين اثنين) أي: الذين بينهما أخوة أو
مودة؛ فإن عرف ذلك قطعاً كره التفريق، وإن عرف عدم ذلك جزماً لم يكره، وإن